.

.

متى تصبح استقلالية القضاء حقيقة في تونس؟

بتاريخ : 2011-05-02 الساعة : 06:57:31

التصنيف : مختصــرات الأخبــار     عدد القراء : 1739

إلى حدود أشهر قليلة مضت، كان القضاء فضاء مغلقا ومحرما وممنوعا من الطرق.. وكل ما يعرفه الرأي العام ينحصر في أحكام قضائية تنشر على صفحات صدى المحاكم، لكن حقيقة وضعه كمؤسسة ومرفق عمومي لم يكن أبدا موضوع حوار او نقاش جدي وصريح سواء في الصحافة او لدى الرأي العام وحتى في صلب الهياكل الممثلة للسلك القضائي..
 هذا الوضع جاء - حسب بعض القضاة نتيجة حرمان أهل القطاع من حقهم في التعبير باستعمال ما يسمى بواجب التحفظ الذي يعتبر من خصوصيات العمل القضائي يحرم بمقتضاه القضاة من تداول وطرح ومناقشة واقع مؤسستهم ونشره للرأي العام رغم ان القضاء مؤسسة دستورية ومرفق عمومي يهدف بالأساس الى حماية الفرد من تغول السلطة.. وكل من حاول تجاوز التعتيم من القضاة كان اول ضحايا هذا التغول. تغول كانت نتيجته تغييب القضاءالاداري لأكثر من نصف قرن عن المشهد الاعلامي بسبب استراتيجيات سياسية ولم يعد الى الواجهة إلا عقب الثورة. غياب خلف خسائر فادحة ومشاكل بالجملة في المشهد الاداري التونسي. وحتى دائرة المحاسبات سلبها النظام الفاسد صلاحياتها الدستورية وأبرزها مراقبة أداء الحكومة المالي ومختلف المؤسسات العمومية وهي مشمولات كان من المفترض أن يتحقق بمقتضاها تكريس حق المواطن في مراقبة أداء الحكومة وخصوصا في ما يتعلق بالتصرف في المال العمومي ليظل نشر تقاريرها رهين أمر رئاسي لكن السؤال المغرق في الاستفهام يظل يطرح بإلحاح كيف تعمل دائرة المحاسبات على مراقبة أداء الحكومة وإثبات تجاوزاتها وفسادها المالي ثم توجه تقاريرها الى رئاسة الجمهورية ليقرر الرئيس ما ينشر وما يتم إدخاله الى الارشيف الخاص الممنوع من النشر؟. وهل يمكننا الحديث اليوم عن قضاء مستقل يضمن لتونس عدالة انتقالية؟ وماهي الضماناتالكفيلة باستقلال القضاء وكيفية تكريس هذا المطلب الوطني الهام على اعتبار أنه الركيزة الأساسية للانتقال الديمقراطي المنشود؟ استفهامات أجاب عنها قضاة في هذا الملف الذي تناولت فيه «الاسبوعي» واقع القضاء ماضيا وحاضرا وآفاقه مستقبلا.
مختار اليحياوي :عزلت بسبب مواجهتي لتغول السلطة.. وقانون الإرهاب يعاقب على النوايا!!
القاضي مختار اليحياوي، واحد من القضاة الذين ناضلوا من اجل استقلالية القطاع ليكون واحدا من ضحايا تغول السلطة حيث قرر المجلس الاعلى للقضاء عزله سنة 2001 بقرار من الرئيس المخلوع على خلفية نشره رسالة مفتوحة الى رئيس الدولة طالب فيها برفع وصاية السلطة التنفيذية وتدخلها في استقلالية السلطة القضائية ومنطوق احكامها.. «الاسبوعي» التقته وتحدث مطولا عن تجربته مع قمع حرية واستقلالية القضاء.
«عندما اعتمدت حقي في التعبير وأعلنت رأيي في وضع القضاء في رسالة مفتوحة سنة 2001 وجهتها الى رئيس المجلس الأعلى للقضاء رئيس الجمهورية السابق قبل ان يقع نشرها للعموم على مواقع الكترونية اجنبية حقوقية وعبرت من خلالها عن الشعور العام بتذمر القضاة من حال القضاء اصبحت احد ضحايا تغول السلطة عندما امر رئيس الدول السابق بعزلي واستعمل المجلس الاعلى للقضاء سلطاته على المحكمة الادارية التي جمدت فيها قضيتي ولم يقع البت فيها الا عقب الثورة واصدرت حكم الغاء قرار العزل» في هذه الكلمات اختصر القاضي مختار اليحياوي ما وصفه بتغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية والمواطن في العهد السابق. وعن أسباب تغول السلطة بيّن اليحياوي ان غياب استقلالية القضاء لعقود مضت كانت أبرز الأسباب حيث وظفت السلطة التنفيذية القضاء لخدمة أغراض سياسية وقمع كل من يخالفها أو لتكريس حالة من عدم محاسبة كل من كان قريبا منها. وبين ان حالةضعف القضاء جعلته مطية سهلة للتدخلات التي كانت تتم على أساس الوجاهات والضغوط او الابتزاز والإغراءات.
وعن مؤشرات عدم استقلالية القضاء اكد اليحياوي ان التداخل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في تركيبة المجلس الاعلى للقضاء الذي يشرف على السلطة القضائية باعتبار ان رئيس الجمهورية يتولى رئاسته وينوبه فيه وزير العدل بما جعل قلة من القضاة هم الذين لم يتعرضوا الى الضغوطات في اتجاه تحويل الاحكام التي يصدرونها بخلاف ما يقتضيه التطبيق الطبيعي للاجراءات والقوانين.
وبين ان القاضي وفق تعبيره عادة ما يكون عرضة للضغوطات ومحاولات التأثير عليه معتبرا أن كل طرف يحاول بشتى الطرق استمالته لمصلحة قضيته، وباعتبار غياب الضمانات الضرورية التي تحمي حيادية واستقلالية القاضي فان العقوبات وخصوصا منها النقلة بسبب الاحكام التي يصدرها او سحب الملفات منه بعد ان يتعهد بها كانت المآل المحتوم الذي ينتظر النزهاء.
وقال اليحياوي أن القضاء استعمل كآلة لسحق مجتمع كامل وخلق فئة فوق القانون وأخرى تحت القانون مبينا في السياق ذاته أن قضايا الارهاب لا تنسجم مع طبيعة وحاجيات المجتمع التونسي بل كانت انخراطا في سياسة غربية لخدمة مصالح خاصة بالنظام في علاقته بالدعم الاجنبي. كما ان قانون المساهمة في الجهد الدولي لمكافحة الارهاب صيغ بشكل يشرع جميع اشكال القمع وضمانات المحاكمة العادلة، واستعمل هذا القانون حسب محدثنا لتنفيذ سياسة قمعية داخلية تحت ستار مكافحة الارهاب ولعل اكبر دليل على ذلك ان الاغلبية الساحقة من الملفات التي تم فتحها تحت احكام هذا القانون، على حد قول اليحياوي، طالت اشخاصا حوكموا من اجل نواياهم وليس من أجل أفعال ارتكبوها والحال أن القانون يعاقب على الأفعال ولا يعاقب على النوايا.
           
نبيل بلحسن :السلطة التنفيذية تسيطر على القضاء والداخلية تصدر الأحكام
هياكل القضاء متداخلة واستقلاليته لا تقتصر على استقلال القضاة بل لا بد من وجود منظومة قضائية شفافة من شأنها ان تضمن ايصال الحقوق الى أصحابها. هذا ما اكده نبيل بلحسن قاضي مستشار بمحكمة الاستئناف بتونس الذي بين ان القاضي كان يعيش صراعا بين واجب الحكم بما يمليه الضمير وطبيعة القضية التي قد تنسبها الادارة من خلال وزارة العدل الى قائمة قضايا الدولة.
وما يسمى بقضايا الدولة وفق محدثنا تم فيه تكريس شبه عرف يقضي بعدم تحكم القاضي في مجرى العملية القضائية وذلك من خلال اختيار القاضي الذي تنشر امامه القضية باعتبار ان نفوذها مسلط على النيابة العمومية بحكم التبعية الادارية من جهة او من خلال المسؤول الاول عن المحكمة الذي يكون من النادر ان بلغ ذاك المنصب دون ان تكون السلطة التنفيذية ضمنت الحد الادنى من ولائه.
قتل شاب والداخلية اصدرت الحكم
اضاف محدثنا «واذا صادف ان تعهد احد القضاة غير الموالين للادارة بملف في قضية خاصة او ما يسمى بقضية دولة فإن القاضي يعتبر مهددا بالنقلة الى ابعد نقطة يمكن له ان يقبل بها كما يضمن تجميدا في الرتبة التي هو فيها اذا لم يستجب الى أوامر وزارة العدل، وتصدر القرارات من المجلس الاعلى للقضاء.. ومن قضايا الدولة القضايا الخاصة باصدقاء قضاة وزارة العدل». ومن بين القضايا التي اعتبرت قضية دولة ذكر محدثنا قضايا اعتداء بعض اعوان الامن على المواطنين من ذلك قضية وفاة شاب في مركز امن بمنزل بورقيبة ببنزرت خلال السنة القضائية 2001 / 2002 «حيث تلقت الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية ببنزرت برئاسة القاضي فتحي حسني ضغوطات متأتية بالتدرج من وزير الداخلية الى وزير العدل الى مدير الديوان بوزارة العدل الى وكيل الجمهورية ورئيس المحكمة وحينما رفضت الدائرة مخالفة ضميرها والتفريط في حق الهالك «فرقعت» وزارةالعدل تلك الدائرة واستبدلت اعضاءها باخرين من الذين يخشون بطش الوزارة ليتم تنفيذ تعليمات وزارة الداخلية القاضية بالحكم على الجناة سنتين سجنا دون مواصلة البحث ان كانت العملية مجرد انتحار او عملية قتل متعمد. وتم تجاوز طلب الدائرة الاصلية المتعلق بوجود كسر على مستوى العنق وهو الامر الثابت بموجب الشهادة الطبية الاولية الصادرة عن الدكتور فيصل النحالي والتي لم يتعرض لها الطبيب الشرعي المنصف حمدون الذي تمسك بتقريره الاول».
ومن هذه المنطلقات فإن استقلالية القضاء لا يقتصر فقط على احساس القاضي بالاستقلالية وانما لن يتحقق ذلك الا برفع هيمنة السلطة التنفيذية على القضاة والهياكل المساعدة كالأطباء الشرعيين والخبراء وعدول التنفيذ واعوان الامن المكلفين بالبحث والتحقيق وهو ما اكده بلحسن من خلال قوله انه كان من الاجدر ان تكون كل هذه الاجهزة تابعة مهنيا لاشراف القضاة وليس للادارة.
توحيد الصف والهدف
واكد محدثنا ان القضاة يعيشون حالة من الجمود ناتج عن عدم توحيد الصفوف وعدم وضع رؤية واضحة للاهداف المراد تحقيقها والسبل التي تمكن من ذلك حيث ان عددا كبيرا من القضاة وفق ما افادنا به محدثنا يتساءلون عن ما قدمته الهياكل التي تمثلهم الى حد اليوم داعيا الجمعية والنقابة الى توحيد الاهداف والجهود من اجل سد المجال امام اقلية لها اهداف خاصة بما يمكن القضاة من تجاوز خطر الركون مجددا الى الاملاءات السياسية للسلطة التنفيذية. وقال محدثنا ان القضاء يعيش اليوم في ظل مؤامرات خفية بما يجعله موضوع تشويه وارتباك وذلك من خلال الظروف التي يمارس فيها القضاة عملهم والغياب غير المبرر للأمن في تنظيم عمل الجلسات بما في ذلك قضايا الفساد التي تورط فيها مسؤولون كبار في الحكومة المخلوعة واصهار المخلوع.
 
عبد الرزاق بن خليفة :الرئيس الأول للمحكمة الإدارية في التسعينات كان يخفي الملفات.. وبرنامج «الحق معاك» قضاء موازي
لاحظ المتابعون للشأن القضائي في تونس ان القضاء الاداري بدأ عقب الثورة يتعاطى بشكل ايجابي مع ملفات القضايا وخصوصا منها تلك التي تم ركنها في الخزائن الخاصة ومنع نشرها، وحمل تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة المؤقتة الطيب البكوش وزير التربية الذي أعلن فيه ان وزارته ستنفذ كل قرارات المحكمة الادارية اشارات طيبة توحي بان القضاء الاداري بدأ يستعيد هيبته التي فقدها طيلة العهد السابق.
وكانت المحكمة الادارية تواجه اشكالية تحجيم دورها من طرف النظام السابق مستعملين في ذلك عدم تنفيذ الاحكام خصوصا في القضايا ذات الصبغة السياسية رغم ان المحكمة منذ الثمانينات كانت تحكم لفائدة المظلومين وفق ما افاد به القاضي عبد الرزاق بن خليفة رئيس دائرة بالمحكمة الادارية الذي بين ان الاحكام كانت تجابه بالتجاهل من طرف بن علي ومصالحه في الوزارات.
وأكد محدثنا أن المحكمة الادارية كانت تصدر أحكاما لفائدة المتهمين بعد التثبت من البراءة على غرار قضايا الانتماء لجمعيات غير مرخص فيها او المحرومين من جوازات سفر لكن وزارة الداخلية لديها تعليمات بعدم تنفيذ الأحكام وتلفيق القضايا للمواطنين والموظفين الذين يتعرضون للعقوبات بسبب رفعهم قضايا لدى المحكمة الإدارية.
رئيس المحكمة الاول يمنع نشر القضايا
وقال بن خليفة أن السلطة التنفيذية استعملت أسلحة متعدّدة للتدخل في استقلالية العملية القضائية على غرار المساس بالمسار المهني للقضاة وهو ذات ما حصل مع القاضي المرحوم محمد رضا الشيخ الذي اتهمه نظام بن علي بالانتماء لجمعية غير مرخّص فيها وتم تجميد وضعه المهني ولم يتدرج في منصبه طيلة 25 سنة كاملة بسبب دفاعه عن استقلالية حكمه في القضايا. كما أقالنظام بن علي الرئيس الأول للمحكمة الادارية رشيد الصباغ سنة 1990 بسبب إصدار المحكمة حكما لفائدة جمعية القضاة الشبان المعزولين. وأحال القاضي محمد كمال قرداح على التقاعد الوجوبي بسبب مواقفه واستقلاليته. وعن آليات التدخل في سير العملية القضائية بيّن محدثنا انها لم تكن بشكل مباشر مع القاضي بقدر ما كانت عن طريق عدم نشر القضايا وخصوصا منها ذات الصبغة السياسية ومنع القضاة من الاطلاع عليها. وتفاقمت هذه الممارسات في فترة الثمانينات وتم تكريسها في السنوات التسعين عندما كان الرئيس الاول للمحكمة الادارية يعمد الى إخفاء الملفات في خزانة خاصة بمكتبه. وقال القاضي بن خليفة أن المحكمة الادارية اتخذت في 13 جوان 2010 قرارا يقضي بنشر كل القضايا التي تم اخفاؤها طيلة الفترة الماضية إلا أن الادارة في مختلف المصالح الوزارية لم تكن متعاونة في التحقيق والرد على العرائض.
التجمع استولى على المقر
وبهدف طمس دور المحكمة الادارية فان النظام السابق عمد وفق ما أفاد به محدثنا الى «حرمانها من مقر لتظل إلى اليوم رحالة تعيش في مقرات مكتراة واستولى الحزب الحاكم السابق المنحل على مقر المحكمة الادارية وحوّله الى مقر للحملة الانتخابية للرئيس المخلوع .
وأضاف بن خليفة «الاغرب من ذلك ان أمر تنفيذ الاحكام اصبح رهين برنامج «الحق معاك» التلفزي بما دفع في اتجاه توليد عدالة موازية
 وعمد بن علي وفق ما أفاد به محدثنا الى تعديل الدستور ليحرم المحكمة الادارية من بعض صلاحياتها على غرار إلغاء إلزامية الآراء الاستشارية للمحكمة الادارية. وكان رئيس الجمهورية يستغل انفراده بتعيين الرئيس الاول للمحكمة الادارية ليمارس عليه الضغوطات ويضمن عدم نشر بعض القضايا وخصوصا منها ذات الصبغة السياسية.
    
فوزية القمري :السلطة رفعت يدها عن سير القضايا لكنها مازالت مسلطة على القضاة
يطرح مبدأ استقلالية القضاء إشكالية كبرى في الوقت الراهن حيث يعتبر بعضهم أن الاستقلالية تنطلق من القاضي ذاته وهو ما أكدته فوزية القمري مساعد وكيل جمهورية بابتدائية بن عروس وكاتب عام مساعد لنقابة القضاة التي اعتبرت انه ثمة الآن نقص كبير في مجموعة آليات وجب توفرها للقاضي حتى تتدعم ممارسته لمهامه في كنف الراحة ولا يكون عليه من سلطان في الفصل في النزاعات غير القانون وضميره. وأكدت أن بعض القضاة الذين حادوا عن أدبيات المهنة من المحتمل أن تكون قد سلطت عليهم ضغوطات قوية وهم أقلية مسوا استقلالية القضاء وخصوصا البعض ممن نظروا في القضايا السياسية. وبينت أن القاضي بعد الثورة تدعم لديه الشعور بالاستقلالية وأصبح يتحمل مسؤولية كبرى تجاه الشعب والوطن والسلطة التي ينتمي اليها مضيفة انه بات يشعر بالحرية في تطبيق القانون بحذافره لكنه عقب سقوط عهد دكتاتورية النظام الفاسد اصبح يواجه ضغط الشارع في وقت يعمل فيه جادا على تحقيق الموازنة بين القانون وضميره وارادة الشعب.   وحول التكتم على بعض ملفات الفساد بينت محدثتنا انه لا سبيل اليوم للتعتيم وشددت على أن الوزارة لا تمارس ضغوطا على النيابة العمومية في نشر القضايا. وقالت في السياق ذاته «بعد 14 جانفي لم تعد النيابة العمومية تجري اتصالات مكثفة للاستفسار عن الملفات التي تنشر او التي يتم تأجيل نشرها او اخفائها وخصوصا منها القضايا السياسية.. والقرارات المتعلقة بها لم يكن بإمكان وكالة الجمهورية قبل 14 جانفي اتخاذ القرار فيها دون الرجوع الى السلط التي تعملوها مرتبة وفق القانون». وأضافت «الملاحظ اليوم ان السلطة التنفيذية رفعت يدها عن التدخل في سير القضايا أو في منطوق الأحكام ولكن مازال لديها يد مسلطة على القضاة اذ ان ترقيتهم ونقلهم وإعفاءهم من مهامهم مازالت تحت سيطرتها انطلاقا من المجلس الاعلى للقضاء».
    
حمادي الرحماني:القضاء حاليا غير مستقل.. والوزارة تتستر على ملفات الفساد
طرح هيبة القضاء في الوقت الراهن طرح غير بريء والفكرة جاءت لمواجهة المطالبة باستقلالية القضاء ومعالجة مظاهر الفساد وهو ما أكده حمادي الرحماني قاضي بالمحكمة الابتدائية الذي أبدى استغرابه من هذا الطرح وقال «كأن الحديث عن استقلالية القضاء وتطهيره من الفاسدين يمس من هيبة القاضي !». واعتبر محدثنا أن القضاء في الوقت الراهن غير مستقل رغم وجود قضاة مستقلين، وبين أنه لا يمكن في الوقت الراهن تحقيق هيبة القضاء بمعناها الحقيقي الذي يقصد به ايصال الحقوق الى أصحابها وليس إخافة الناس دون الشروع في إصلاحه وتطهيره من رموز الفساد.
واكد الرحماني ان القضاء مازال الى الان يحافظ على رموز الفساد سواء في وزارة العدل والمصالح المحيطة بها او في المحاكم حيث انه مازال الاشخاص ذاتهم الذين اداروا القضاء في العهد السابق يديرون دواليبه حاليا ولم تقع بعد حسب محدثنا محاسبة المتورطين في تخريب القضاء من قضاة ومسؤولين في وزارة العدل إضافة إلى وزير العدل الأسبق.
وقال القاضي أن وزارة العدل حاليا تتستر وتتباطأ في فتح ملفات الفساد رغم انها تمسك بها بواسطة التفقدية العامة للوزارة وهي التي تتقبل التشكيات والتظلمات من القضاة. وأكّد أن الوزارة تحول دون الاستجابة لمطالب جمعية القضاة المتعلقة بفتح ملفات الفساد وذلك عبر اختلاق ما يسمى بنقابة القضاة ومحاولة زرعها في الجهاز القضائي لتشوش على مطالب القضاة وأساسها التطهير بل ان الوزارة على حد تعبيره تتعمد إشاعة انقسام القضاة وافتعال صوت مواز لصوت الجمعية.
وحول المجلس الأعلى للقضاء ودوره في تكريس الاستقلالية في فترة ما بعد الثورة أكد محدثنا أن المجلس هو المعضلة الكبرى في طريق استقلالية القضاء وبين انه مازال متواجدا الى اليوم ولم يقع حله على غرار بقية المجالس الدستورية رغم افتقاده للشرعية والمشروعية - وفق تعبيره - بحكم تبعيته للسلطة التنفيذية وضعف تمثيل القضاة فيه وتورطه في إضعاف السلطة القضائية خلال فترة النظام البائد.
    
روضة العبيدي :السلطة التنفيذية تضمر سوء النية تجاه استقلالية القضاء
يشهد القضاء الآن مرحلة حساسة خصوصا في ظل تطلع التونسيين إلى تحقيق الديمقراطية واحترام حق الاختلاف وحرية التعبير وفق ما افادت به روضة العبيدي قاضي ونائب رئيس نقابة القضاة لكن التجاذبات السياسية تضرب استقلالية القضاء الذي يضمن حقوق الجميع مهما اختلفت الانتماءات الفكرية والايديولوجية والسياسية.
وعن استقلالية القضاء في هذه المرحلة قالت المتحدثة انه لا يمكن بالنسبة الى النقابة في الوقت الراهن الحديث عن قضاء مستقل وأكدت انه لن يكون ذلك ممكنا إلا إذا تم انتخاب مجلس أعلى للقضاء وهيئته دستورية وبذلك يتم القطع مع ترؤس رئيس الدولة ووزير العدل لهذا الهيكل.
كما اكدت انه لا يمكن الحديث اليوم عن قضاء مستقل في ظل القانون الاساسي للقضاة الحالي وبينت انه لا يتوفر على ضمانات لاستقلال القاضي والقضاء عامة.
وطالبت المتحدثة بضرورة انتخاب مجلس أعلى للقضاء معلنة موقف النقابة الرافض لإنعقاد المجلس بنفس الطريقة وبنفس التركيبة التي كان عليها قبل 14 جانفي ووصفتها باللاشرعية.
وحول استعداد السلطة التنفيذية لدعم مبدأ استقلالية القضاء قالت محدثتنا «ان السلطة تضمر سوء النية تجاه استقلالية القضاء على اعتبار ان مرسوم 23 مارس 2011 وفي فصله 17 استثنى القضاء ليبقي العمل جار بالقوانين التي كان جاري بها العمل قبل الثورة بما يجعلنا تحت سيطرة السلطة التنفيذية».
     
أحمد الرحموني:إقرار دستور ومجلس أعلى منتخب ضمانات أساسية لقضاء مستقل
منذ اللحظات الأولى لاندلاع الثورة رفع التونسيون شعار استقلالية القضاء ونادوا بتكريس هذا المبدأ باعتباره الضمانة الاساسية للعدالة عامة والعدالة الاجتماعية على وجه الخصوص. ونادى القضاة ايضا في مسيرات جابت العاصمة وعديد الولايات بتكريس مبادئ استقلالية القضاء وطالبوا بحل المجلس الاعلى للقضاء الذي مازال يواصل مهامه منذ العهد البائد الى اليوم مشددين على ضرورة ان يكون منتخبا بكامل اعضائه بما يفضي إلى تكريس قضاء مستقل في الفترة الانتقالية الحالية والمقبلة.
حول إصلاح القضاء في المرحلة المقبلة أكد أحمد الرحموني رئيس جمعية القضاة التونسيين انه يجب ان يكون مسبوقا بوضع دستوري يكرس المبادئ الاصلية لاستقلال القضاء او ما يسمى بضمانات الاستقلالية وهذه المبادئ وفق الرحموني هي المبادئ المشتركة التيتمثل المعايير في كل منظومة قضائية مستقلة وعلى هذا الاعتبار فإن صياغة الوضع المهني للقاضي او قوانين السلطة القضائية الخاصة بمسيرته المهنية يجب ان تتقيد بذلك الوضع الدستوري.
..لن يكون إلا دستوريا
وبين الرحموني انه يتوجب في الوقت الراهن الاتجاه الى صياغة منظومة دستورية في هذا الخصوص نظرا إلى أن السوابق الدستورية واساسا ما نص عليه دستور غرة جوان 1959 بشأن السلطة القضائية يفتقر الى المبادئ الضامنة لاستقلالية القضاء وأهمها اقرار مبدأ اصلي يمثل جوهر استقلالية القضاء في العالم وهو مبدأ عدم قابلية القضاة للعزل بما يقصي كل اشكال التدخل في ممارسة القاضي لوظيفته وكل اشكال الضغط على قراره وبالاساس في مواجهة السلطة التنفيذية. وبمقتضى هذا المبدأ لا يمكن نقلة القاضي او المساس بوضعه او إعفائه الا في اطار ما يقتضيه القانون وطبق ضمانات محددة.
وقال رئيس جمعية القضاة حول النقلةالمقترنة بالترقية ـ وهي واحدة من أشكال التدخل في استقلالية القضاء في العهد البائد اذ تعمد السلطة الى نقل القاضي بصفة تعسفية وتغطي هذا التدخل الصارخ في تحويل وجهة قرار القضاء في البت النهائي في القضايا بالترقية المهنية ـ ان مبدأ عدم نقلة القاضي الا برضاه ولو ادى الامر الى ترقيته يعتبر من القواعد التطبيقية للمبدإ الاصلي في استقلال القضاء فضلا عن ان الاحكام التفصيلية الخاصة سواء بتعيين القاضي او ترقيته او تأديبه او ضمان استقلاله الداخلي في مواجهة رؤسائه مرتبط بالمبدإ الاصلي الذي يستبعد كل تدخل او تأثير أو ضغط من قبل السلطة التنفيذية او جميع القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية... وحول امكانات تطبيق هذا المبدأ وآلياته اوضح الرحموني ان من ضمانات الاستقلالية ان يتم تسمية القاضي من طرف قضاة منتخبين وأن يخضع في تدرجه المهني الى معايير موضوعية خارجة عن إرادة صاحبالسلطة ولا يمكن تطبيق هذه المبادئ إلا من طرف هياكل تتمتع بالمصداقية والاستقلالية على غرار المجالس العليا للقضاء التي يجب ان تبتعد سواء في تركيبتها او اشخاصها او اختصاصاتها او سير عملها عن ضغوطات السلطة التنفيذية وهو ما مثل في السابق وفق الرحموني أحد القيود الأساسية لاستقلال القضاء.
ضمانات العدالة الانتقالية
ويبدو من خلال تحليل الرحموني للوضع القضائي أن إرساء القاعدة الانتخابية والشفافية في عمل المجلس الاعلى للقضاء وجعله السلطة الاساسية على القضاة والمؤسسات القضائية من شأنه ان يدعم مبدأ الاستقلالية، وهو ما أكده الرحموني عندما ذهب الى اعتبار ان غياب أي تصور لدى الحكومة المؤقتة او وزارة العدل بشأن تطوير المنظومة القضائية مداومة لنفس النظام القضائي البائد سواء على مستوى ادارة القضاء او المجالس العليا للقضاء او مختلف المحاكم وهو ما يمثل احد مظاهر الازمة التي يعيشها القضاء في ظل هذا الوضع الانتقالي لان تطوير القضاء بصفة مبدئية هو احد الشروط الاساسية لضمان العدالة الانتقالية حسب الرحموني سواء في كشف الحقائق او تتبع المجرمين. وبين رئيس جمعية القضاة التونسيين ان العملية السياسية اتجهت على خلاف ما سبق الى ايجاد بعض البدائل للقضاء واخضاع الوضع القضائي الانتقالي لنفس الاحكام القانونية التي طبقت في ظل النظام البائد وهو ما يتضح من خلال المرسوم المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية وأساسا الفصل 17 من هذا المرسوم الذي احال السلطة القضائية على التشريع الجاري به العمل وهو ما يبرز مداومة النظام القضائي البائد بجميع مؤسساته وآلياته في حين اتجهت مطالب الشعب عقب الثورة الى تصفية المجالس التي ساهمت في تكريس الاستبداد كالمجلس الاعلى للقضاء ومجالس النواب والمستشارين والدستوري.
               
رفيع عاشور:تجريم عدم تنفيذ الاحكام وفك الارتباطالاداري والمالي بالوزارة الاولى
بعد غيابه عن المشهد الاعلامي لأكثر من نصف قرن بسبب استراتيجيات سياسية، اصبح القضاء الاداري عقب الثورة في الواجهة باعتباره المؤهل الوحيد للنظر في ملفات القضايا المتعلقة بالفساد الاداري الذي خلف خسائر فادحة ومشاكل بالجملة في المشهد الاداري التونسي.
 وتعكف الان المحكمة الادارية التونسية على البت في الدعاوى المتعلقة بالفساد الاداري اذ ان هذه المحكمة وفق التعريف الذي قدمه رفيع عاشور احد القضاة العاملين فيها فانها قضاء خاص ينظر في جميع القضايا في اطار دعاوى تجاوز السلطة او التعويض عن الاعمال الادارية او المالية اللاشرعية للادارة. وهذه المحكمة ايضا لم تسلم من سياسة فرض وصاية السلطة التنفيذية على سير العمل فيها وهي على غرار القضاء العدلي في حاجة الى ضمانات اساسية لتكريس استقلاليتها.
وبين رفيع عاشور القاضي بالمحكمة الادارية ان ضمانات الاستقلالية يجب ان تكون نصية بفصول واضحة ودقيقة في مفاهيمها في الدستور المقبل للبلاد داعيا المجلس التأسيسي المقبل الى المحافظة على القيمة الدستورية للمحكمة الادارية واعتبر ذلك ليس هدفا في حد ذاته بل برر ما ذهب اليه بان فكرة دولة القانون والمؤسسات بمعناها الحقيقي يتوقف تحقيقها على استقلالية وقوة نفاذ احكام المحكمة الادارية وايجاد مؤسسات دستورية تضمن حسن تطبيق القانون لايجاد هذه المعادلة الجدلية.
وشدد على ضرورة احترام رأي القاضي ورضاه عند النقلة مطالبا بايجاد محاكم ادارية جهوية بما يقرب الخدمة من المواطن في مختلف الجهات ويضمن شرعية القرارات الادارية باعتبار قرب المحكمة من الجهات يدفع في اتجاه عقلنة القرارات الادارية. ولأن قرارات المحكمة الادارية في السواد الاعظم من القضايا خلال العهد السابق وخصوصا في ما يتعلق بالقضايا السياسية او تلك التي تصدر فيها المحكمةالادارية احكاما لفائدة اطراف ضد الادارة العمومية بقيت حبرا على ورق ولم تجد طريقها الى التنفيذ، فإن التنصيص في القوانين الاساسية لكل الادارات والمصالح الادارية وفق ما اكده عاشور على عدم تنفيذ احكام المحكمة الادارية يعتبر خطأ تصرف ضد السلطة التنفيذية ووجب تجريمه في شخص رئيس الادارة بما يحمي المجموعة الوطنية من مصاريف كبيرة هي في غنى عنها وخصوصا في حالة رفع المدعي المحكوم لفائدته قضية في التعويض على أساس عدم تنفيذ حكم المحكمة الادارية. وأكد عاشور أن استقلالية المحكمة الادارية يشترط فك ارتباطها بالوزارة الاولى سواء في الجوانب المالية او ترؤس الوزير الاول للمجلس الاعلى للقضاء الاداري وطالب بالاستقلال المالي للمحكمة الادارية بما يمكنها من اضافة دوائر جديدة لمجابهة تراكم القضايا باعتبار ان الوضع السابق والراهن خصص قاضيا اداريا لكل 110 الف تونسي.
       
زياد بومعيزة:مجلس أعلى لدائرة المحاسبات منتخب وحرية نشر التقارير
منذ عام 1976 وبعد تنقيح الدستور فقدت دائرة المحاسبات بعض صلاحياتها ومشمولاتها الدستورية التي تم الحاقها بالقانون الاساسي لدائرة المحاسبات وقانون اعضائها بما يعني ان الدائرة فقدت وزنها الدستوري.
هذا المعطى لم ينفه زياد بومعيزة القاضي المستشار بدائرة المحاسبات بل اكد ان المحكمة فقدت دورها الاساسي المتمثل في مراقبة الاداء الاداري المالي في مختلف مؤسسات الدولة، وقال ان استقلالية رؤساء الاجهزة العليا للرقابة وأعضاءها وضمان اجراءات تكرس استقلالية مسارهم المهني وتقصي تدخلات السلطة التنفيذية في قراراتهم يعد ابرز الضمانات لاستقلال هذا الفرع القضائي. وبين ان رئيس دائرة المحاسبات يتم تعيينه واقالته من طرف رئيس الجمهورية وهو امر يكرس تبعية القرار للسلطة التنفيذية والسياسية. وطالب في هذا الخصوص بضرورة القطع مع رئاسة الوزير الاول للمجلس الاعلى لدائرة المحاسبات مشددا على ضرورة إعادة النظر في تركيبة المجلس عن طريق تكريس مبدأ انتخاب غالبية اعضائه لتوكل اليه مهمة تعيين وترقية ومعاقبة الاعضاء. واكد بومعيزة ان ضمان حرية نشر تقارير دائرة المحاسبات يعد من اوكد المطالب التي تحقق تكريس حق المواطن في مراقبة اداء الحكومة وخصوصا في ما يتعلق بالتصرف في المال العمومي بما يكرس حق المواطن في الضغط على الحكومة من اجل تصحيح المسارات.
وحول تقارير دائرة المحاسبات التي تظل رهين امر رئاسي بما ينشر او ما يتم التكتم عليه علق المستشار في دائرة المحاسبات بقوله «كيف نعمل نحن على مراقبة اداء الحكومة واثبات تجاوزاتها وفسادها المالي ثم يتم توجيه التقرير الى رئاسة الجمهورية ليقرر الرئيس ما ينشر وما يتم ادخاله الى الارشيف الخاص الممنوع من النشر؟".
واكد على ضرورة فك الارتباط الاداري والمالي بالوزارة الاولى معتبرا ان الاستقلالية لا تعني شيئا بل تصبح مفهوما مفرغا من محتواه في ظل انعدام الاستقلالية المالية.

مصدر الخبر : الصباح التونسية
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.