.

.

المعرفة بين النبي والفيلسوف عند الفارابي

بتاريخ : 2011-06-14 الساعة : 10:20:33

اسم الكاتب : عبد الواحد قيراط     التصنيف : ورقات ثقافية     عدد القراء : 7950




 مقالات أُخرى للكاتب - عبد الواحد قيراط
مدارس فلسفية غربية ج2 : المدرسة التحليلية جورج أدوارد
مدارس فلسفية غربية ج1 المدرسة التحليلية : رسل
الحداثة عند طه عبدالرحمن
الغزالي المتصوف الثوري... من خلال كتابه المنقذ من الضلال
الثقافة والحضارة عند علي عزت بيغوفيتش
دراسات في الفلسفة الأسلامية :النبوة عند الفارابي ج1
ثلاث مقترحات تجديدية لحركة النهضة : تغيير الأسم و الزعيم و الصفة
ألقوا الورود على الجيش والشرطة
يا شيخ راشد الغنوشي لا ترجع ألى تونس الآن أرجوك
مبادرة البطون الجائعة لأسقاط النظام:مبادرة الاسودين : الماء والتمر

المزيد من المقالات

أعداد : عبد الواحد قرط           

 بحث مقدم الى المعهد الأوروبي للعلوم الانسانية باريس
قسم : العقيدة والفلسفة
السنة الدراسية :2010/2011
الفهرس :
1-المقدمة
2- سبق الفارابي لفكرة الفلسفة والنبوة
3-تلقى النبي للوحي
3- 1 أنواع العقول
   أ-العقل الهيولاني
   ب-العقل بالفعل أو العقل بالملكة
   ج-العقل المستفاد :
    د-العقل الفعال
3- 2 عمل المخيلة
4-اتصال الفيلسوف بالعقل الفعال
5-مقارنة بين منزلة النبي والفيلسوف
6-الخاتمة
المراجع
 
 
المقدمة:
يقول مؤلفو كتاب تاريخ الفلسفة العربية حنا الفاخوري وخليل الجر :أن أول فيلسوف مسلم عالج قضية النبوة وكون نظريتها هو الفارابي وجاءت هذه النظرية أهم محاولة للتوفيق بين الدين والفلسفة"1
وتكتسي هذه الفكرة أهمية كبرى لأنها وصلت دعائم علم النفس وما وراء الطبيعة بالسياسة والأخلاق كما أكد على ذلك إبراهيم مكدور.ولا يجب أن نغفل أن القضية تتنزل فكريا ضمن قضية إثبات النبوة ونفيها فمنذ العهد القرشي كان الطعن في النبوة واستمرت الطعن مع دخول أهل الديانات الشرقية الآسيوية في الدين الإسلامي وقد دس الكثير منهم الأفكار المشككة في صدقيه النبوة كالبراهمة ومن الذين قدحوا في النبوة ابن الرواندي الذين قال عنه اليهود:"ليفسدن عليكم هذا كتابكم كما افسد أبوه التوراة علينا"
ويكتسي هذا البحث قيمة بالنظر إلى الساحة الفكرية.فالواقع الثقافي اليوم حافل بمن يتصدى للتشكيك في النبوة ويثير من حولها الشبهات وهذا ما يجعل الإشكال يطرح بشدة وخاصة بعد صعود الإسلام السياسي الذي يسعى لان يطرح نفسه بديلا نهضويا ويسعى خصومه من  مريدي فصل الدين عن الدولة أن ينزعوا عن النبي صفة القداسة ويجعلوا من التجربة النبوية ظاهرة تاريخية مستندين في ذلك إلى دراسات علم الأديان وعلم الأديان الاجتماعي والدراسات التي أجريت على الإنجيل وأفلحت في تعريته من القداسة وتعريضه للنقد. ومن أمثال هؤلاء الدكتور عبد المجيد الشرفي في كتابه : "الإسلام بين الرسالة والتاريخ".فيقول - معتبرا الرسالة المحمدية تجربة تاريخية مثلت قطيعة مع التفكير الميتافيزيقي لتفتح الباب أمام الأذهان البشرية لتعمل عملها في ما تركه من ميراث:
" هكذا يكون محمد بن عبد الله قد ختم النبوة ليقضي على التكرار والاجترار وليفتح المجال للمستقبل الذي يبنيه الإنسان مع أبناء جنسه في كنف الحرية الذاتية والمسؤولية الفردية والتضامن الخلاق . هكذا يكون قد أرسى الدعائم المتينة لأخلاقية éthique كونية بحق ، ولا يكون دوره محصورا في تقديم وصفات جاهزة ما على المسلم إلا أن يطبقها تطبيقا آليا أجوف} {1}
فقضية النبوة قضية قديمة متجددة تلتحف في كل عصر لحافا مميزا ولكنها تظل مطروحة بقوة.
كما يحتاج المسلم المؤمن إلى مزيد من اليقين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته فالتوازن بين بشرية محمد صلى الله عليه وسلم وبين رسالته قضية  محتاجة إلى مزيد من التفصيل فالنبي صلى الله عليه وسلم في المخيال المسلم رجل فوق الإنسان أُطري أطراء قد يكون وصل درجة النهى الذي نبهنا النبي أن نقع فيه. فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله –
صلى الله عليه وسلم- يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله{2}
وبالغ البعض في تصوير النبي صلى الله عليه وسلم : فقيل فيه.
 فأن من جودك الدنيا وضرتها                        ومن علومك علم اللوح والقلم
كما ورد في قصيدة البردة التي صاغت جزءا من المخيال الاسلامي عن النبي صلى الله عليه وسلم . هذا المخيال يحتاج إلى إعادة صياغة وتعديل يجعل من شخصية النبي صلى الله عليه وسلم شخصية قريبة من أتباعه. فشدة التقديس تجمد القدوة ونزع القداسة تزهد في الإقتداء. ومن ثمة فالإطراء ونزع القداسة يؤديان- في الحقيقة- إلى تجميد دور النبي صلى الله عليه وسلم في حياة المسلم
تكتسي مثل هذه البحوث قيمة حين تزحزح المخيال وتحيي المتجمد من الدراسات "الحداثية"مستفيدة من العلوم الانسانية.ولا يتم هذا بالانقضاض على طرفي الآراء في هذه القضية جملة بل في محاولة تتبع تاريخ الأفكار التي طرحت حول النبوة .ومن الذين أدلوا بدلوهم تأسيسا في هذا المجال الفارابي.
وسأتناول في هذا البحث بالدرس محورين أساسيين في موضوع النبي والفيلسوف :
1-    كيف يتلقى النبي والفيلسوف الوحي عن العقل الفعال؟
2-    من الأفضل النبي أم الفيلسوف؟
سيتناول المحوران ضمن رؤية الفارابي وسأعرج من حين إلى آخر إلى ضفاف هذه الرؤية متطرقا لآراء بعض من وافقه أو خالفه من الفلاسفة. هذا وتجدر الإشارة ألى أن نصوص الفارابي حمالة أوجه ، لذا نجد تأويلات كثيرة وقراءات متنوعة لنصوص الفارابي وربما حاولت ما استطعت الإحاطة ببعض التأويلات مستخلصا قراءة من خلال النصوص نفسها . ولكن يظل الفارابي عصيا عن التأويل و محل جدل واسع. لأنه يعمد في أكثر من موضع إلى الترميز والإشارة العابرة دون الاستقصاء في سرد المعاني وهذه الصعوبة تلجئنا إلى قراءته من خلال الآخرين أو المجازفة برأينا على وهنه
2- سبق الفارابي لفكرة الفلسفة والنبوة  :
"كان الفلاسفة المسلمون حريصين على التوفيق بين الفلسفة والدين فأرادوا تفسير المعاني الدينية تفسيرا علميا يقول مدكور: "وقد كان فلاسفة الإسلام حريصين كل الحرص على أن يوفقوا بين الفلسفة والدين بين العقل والنقل بين لغة الأرض ولغة السماء ولهذا لم يفتهم أن يشرحوا لغة السماء ويوضحوا كيفية وصولها إلى سكان العالم الأرضي" {3}
بل ويذهب د.مدكور إلى القول إن الفارابي هو الأول تناولا لهذه القضية فيقول: "والفارابي هو أول من ذهب أليها وفصل القول فيها بحيث لم يدع فيها زيادة لخلفائه فلاسفة الإسلام الآخرين"{4} وربما يعود التركيز على هذه القضية إلى مدى أهمية الفيلسوف - في نظر الفارابي – في عملية بناء المدينة الفاضلة.فمجرد قرن النبي بالفيلسوف يوحي بقيمة الفيلسوف رئيسا لهذه المدينة.
وقد ألقت فكرة النبوة عند الفارابي أبعادا على مجالات كثيرة من العلوم الإنسانية.
ويعد د.مدكور الفارابي مؤسسا لنظرية النبوة لا فلسفيا فحسب بل وكذلك سيكولوجيا فيقول:"ذلك لأن الفارابي يفسر النبوة تفسيرا سيكولوجيا ويعدها وسيلة من وسائل الاتصال بين عالم الأرض وعالم السماء"{5} وسنلاحظ ان القراءات الحديثة حاولت ان تقرن بين هذه الفكرة وفكرة التحليل النفسي فنجد مثلا المنجي لسود يلوح بذلك ، ويؤلف د فتحي سلامة كتابا بعنوان الإسلام والتحليل النفسي وكل هذه القراءات تسعى الى "وضعنة" الوحي وأنسنته متناولة إياه كتجربة نفسية ، أرضية لا علاقة لها بالسماء
وكذلك يرى مدكور أن الفارابي رمى التأسيس للسياسة استنادا على نظرية النبوة:"يبني الفارابي كل آماله على رئيس المدينة ويعلق عليه كل الأهمية كما علق شيخ أثينا أهمية كبيرة على رئيس الجمهورية" {6}
وهذا هو البعد السياسي في القضية. والتي ربما عمل -كما ذكرت- الفارابي جهده تقصيا في البحث عن تلقي النبي للوحي كي يثبت ان التلقي وارد لكل إنسان بشروط معينة. ليثبته في النهاية لرئيس المدينة الفاضلة. وهنا نطرح سؤالا هل كان بحث الفارابي عن المعرفة لدى النبي والفيلسوف بحثا علميا موضوعيا أم تأسيسا لفكرة أيديولوجية تشرع لأحقية الإمام في قيادة المدينة الفاضلة؟
3-تلقى النبي للوحي:
يشرح الفارابي عملية تلقي الوحي من النبي عن الله بواسطة جبريل على النحو التالي مفرقا بين ما يتلقاه النبي وما يتلقه الفيلسوف
"فيكون الله عز وجل يوحي أليه بتوسط العقل الفعال. فيكون ما يفيض من الله تبارك وتعالى إلى العقل الفعال يفيضه العقل الفعال إلى عقله المنفعل بتوسط العقل المستفاد ثم إلى قوته المتخيلة فيكون بما يفيض منه إلى عقله المنفعل حكيما فيلسوفا ومتعقلا على التمام وبما يفيض منه ألى قوته المتخيلة نبيا منذرا بما سيكون ومخبرا بما هو الآن من الجزئيات" {7} .
 ومقولة المخيلة من الابتداع الذي أوجده الفارابي و تعد فكرة مركزية في نظرية النبوة عند الفارابي لذا لزم تخصيصها بمزيد من التقصي
ويمكن ان نلحظ لدى تتبعنا لموضوع تلقي الوحي مصطلحات يدور حولها الموضوع : وهي العقول ومنها الفعال والمنفعل والمستفاد والقوى ومنها المخيلة التي من ضمن القوى التي تؤثر في الإنسان.
لذا لا بد من الإحاطة بمعاني هذه المصطلحات قبل تشخيص عملية التلقي. ونلحظ هنا كيف ان الفارابي يؤسس لأفكاره ضمن بناء محكم وفلسفة شاملة
فحتى نفهم فكرة المتخيلة لا بد من وضعها ضمن تصنيفات القوى عند الفارابي : فالإنسان عند الفارابي ذو قوى لها تأثير وفق نوعها فيقول : "وللإنسان من جملة الحيوان خواص بان له نفسا يظهر منها قوى بها تفعل أفعالها بالآلات الجسمانية وله زيادة بأن يفعل لا بآلة جسمانية وتلك قوة العقل. ومن تلك القوى الغاذية والمربية والمولدة ولكل واحدة من هذه قوة تخدمها. ومن قواها المدركة القوى الظاهرة والأحساس الباطن: المتخيلة والوهم والذاكرة والمفكرة والقوى المحركة الشهوانية والغضبية والتي تحرك الأعضاء وكل واحدة من هذه التي ذكرناها بآلة...ومن هذه القوى العقل العملي " {8}
ويعرف الفارابي القوة المتخيلة :
"وهي التي تحفظ رسوم المحسوسات بعد غيبتها عن الحس وتركب بعضها إلى بعض وتفصل بعضها عن بعض في اليقظة والنوم تركيبات وتفصيلات بعضها صادق وبعضها كاذب ولها مع ذلك إدراك النافع والضار واللذيذ والمؤذي دون الجميل والقبيح من الأفعال والأخلاق" {9}
وهي من القوى المدركة كما ذكرنا والتي منها القوى الحساسة والقوة المتخيلة والقوة الناطقة وسنحاول تتبع ماهيات هذه القوى حتى يتم تحديد ماهية القوة المتخيلة تحديدا دقيقا
فالقوى الحساسة منها القوى الحواس الخارجية وهي الحواس الخمس ومنها الحس الباطن وهو يدرك ما لا تدركه الحواس الخارجية : يقول الفارابي : عن الإدراك في الحقيقة :" إنما هو للنفس وليس للحاسة ألا الإحساس بالشيء وليس للمحسوس ألا الانفعال "{10}
أما القوة الناطقة : "فهي بها يحوز العلوم والصناعات وبها يميز بين الجميل والقبيح من الأفعال والأخلاق وبها يروي فيما ينبغي ان يفعل او لا يفعل ويدرك بها النافع والضار والملذ والمؤذي.والناطقة منها نظرية ومنها عملية. والعملية منها مهنية ومنها مروية. فالنظرية هي التي يحوز بها الإنسان علم ما ليس شأنه ان يعمله إنسان أصلا. والعملية هي التي بها يعرف ما شأنه أن يعمله الإنسان بإرادته "{11}
وتعمل القوة المتخيلة مع بقية القوى في استقبال الوحي الصادرعن العقل الفعال الذي يفيض على العقل المنفعل بواسطة العقل المستفاد
 وهنا يجدر بنا تحديد مكانة العقل المنفعل ضمن بقية العقول
 3-1-أنواع العقول
ولا بد هنا من تفسير أنواع العقول المذكورة آنفا. يقسم الفارابي القوى النفسية الإنسانية إلى قوتين مركزيتين : أي إلى عقلين :العقل العملي والعقل العلمي ويمكن القول إن العقل النظري العلمي لدى الفارابي له مراتب: فهناك العقل الهيولاني والعقل بالملكة والعقل المستفاد
أ-العقل الهيولاني : ويسميه عقلا بالقوة : ويحده بقوله : " هو نفس ما أو جزء من نفس أو قوة من قوى النفس أو شيء ما ذاته معدة أو مستعدة لأن تنتزع ماهيات الأشياء كلها وصورها دون موادها فتجعلها صورة لها "{12}
ويقول في موضع آخر : "وأما العقل الإنساني الذي يحصل له بالطبع في أول أمره فأنه هيئة ما في المادة معدة لتقبل رسوم المعقولات فهي بالقوة عقل وعقل هيولاني" اذا لا يثبت الفارابي في تعريفه للعقل الانساني فتارة هو نفس وتارة جزء من نفس وتارة هيئة وتارة قوة
فأذا عقل هذا العقل المعقولات صارت معقولات بالفعل وصار هو عقلا بالفعل يقول صاحب كتاب الفلسفة العربية ناقلا – في هذا الصدد ما قاله الفارابي
"فالمعقولات قبل أن تعقل تكون معقولات بالقوة ويكون العقل عقلا بالقوة وبعد ان تُعقَل تصبح معقولات بالفعل ويصبح العقل بها عقلا بالفعل"{13}
ب-العقل بالفعل أو العقل بالملكة :
يقول الفارابي : فإذا حصلت فيه – أي في العقل الهيولاني - المعقولات التي انتزعها عن المواد صارت تلك المعقولات معقولات بالفعل وكانت قبل أن تنزع عن موادها معقولات بالقوة.....ومعنى قولنا فيها أنها عاقلة ليس هو شيء غير أن المعقولات صارت صورا لها على أنها صارت هي بعينها تلك الصور فإذا معنى أنها عاقلة بالفعل وعقل بالفعل ومعقولات بالفعل معنى واحد بعينه "{14}
ج-العقل المستفاد : هو العقل بالفعل الذي عقل المعقولات المجردة وصار قادرا على أدراك الصور المفارقة. والفرق بين المعقولات المجردة والصور المفارقة أن الأولى كانت في مواد فانتزعت منها، أما الثانية فهي دائما مفارقة "وليست في مواد ولم تكن فيها أصلا " كالعقول السماوية مثلا ولا يبلغ العقل بالفعل درجة العقل المستفاد ألا "بعد ان تحصل [له] المعقولات كلها معقولة بالفعل أو جلها" وحينئذ لا يكون بينه وبين العقل الفعال شيء آخر" {15}
د-العقل الفعال :"ويسميه الفارابي الروح الامين وروح القدس وهو آخر العقول السماوية المفارقة. لم يكن في مادة ولم يكون أصلا وهو دائما بالفعل"{16}
 فالعقل الفعال هو الذي يخرج المعقولات من القوة ألى الفعل كالشمس بالنسبة ألى المرئيات بالقوة التي يجعلها مرئيات بالفعل وقد اخذ الفارابي هذا التشبيه عن أرسطو يقول : وهو – أي العقل الفعال- الذي جعل تلك الذات التي كانت عقلا بالقوة عقلا بالفعل وجعل المعقولات التي كانت معقولات بالقوة معقولات بالفعل" ونسبته ألى العقل الذي بالقوة كنسبة الشمس الى العين التي تبصر بالقوة ما دامت في ظلمة فأذا حصل الضوء في البصر صار بصرا بالفعل وصارت الألوان مرئية بالفعل فبحصول صورالمرئيات في البصر صار بصرا بالفعل كذلك العقل الفعال هو الذي جعل العقل الذي بالقوة عقلا بالفعل وبذلك بعينه صارت المعقولات بالفعل {17}
ويرى الفارابي أن العقل الفعال واهب للصور وان المثل قائمة فيه لا خارجة عنه يقول الفارابي : "ولو لم تكن للموجودات صور وآثار في ذات الموجود الحي المريد فما الذي كان يوجده وعلى أي مثال ينحو بما يفعله ويبدعه ... فعلى هذا المعنى ينبغي أن تعرف وتتصور أقاويل أولئك الحكماء فيما أثبتوه من الصور الإلهية لا على أنها أشباح قائمة في أماكن أُخر خارجة عن هذا العالم "{18}
وفي ما يلي تلخيص د أبراهيم مدكور للعقول الفارابية :
أ‌-       العقل الأنساني                                                        ب- العقل الفعال
العقل النظري
العقل بالقوة   
العقل بالفعل 
العقل المستفاد
العقل العملي                    
  
 
3-2عمل المخيلة :
نظرية الفيض هي النظرية المركزية عند الفارابي وتلقي النبي للوحي يتم لدى فيض العقل الفعال على القوة المتخيلة. فإذا تم الفيض من العقل الفعال إلى القوة المتخيلة صار نبيا منذرا. يقول الفارابي : أذا فاض من العقل الفعال إلى قوته المتخيلة – يصبح نبيا منذرا بما سيكون ومخبرا بما هو الآن من الجزئيات بوجود يعقل فيه الإلهي {19}.ونلاحظ ان الفارابي يسعي الى البحث عن أسس علمية لتأسيس عملية الفيض في جانب التلقي. ولكنه في هذا الأطار حقق سبقا في مجال علم النفس كما زعم ذلك الدكتور مدكور فيقول : وبهذا يشير الفارابي إلى المخيلة المبدعة : imagination opératrice  التي تنبه إليها علماء النفس المحدثون بجانب المخيلة الحافظة imagination conservatrice  ومن الصور الجديدة التي تخترعها المخيلة تنتج الأحلام والرؤى {20}
ويربط الدكتور مدكور فلسفة النبوة عند الفارابي بالأحلام ويرى بينهما صلة وثيقة يقول: أن فسرنا الأحلام تفسيرا علميا استطعنا أن نفسر النبوة وآثارها، ذلك لأن الإلهامات النبوية إما أن تتم في حال النوم أو اليقظة {21} وتعمل المتخيلة كلما أزيل عنها حجاب الوعي. الذي يمنع عن التلقي. فلما تكون المتخيلة ممنوعة من التعقل الذاتي تخلص إلى تلقي الحقائق العلوية وكأن الحقائق الذاتية والحقائق السماوية لا يجتمعان فلا يمكن لصاحب المتخيلة القوية ان يجهد عقله فيها لأنها قوة غير ارادية لا واعية كما افهمه. لا يمكن ان تنمى بل هي عطاء وهبة كلما قويت تلقت أكثر فيضا عن العقل الفعال كالمرآة التي كلما صفت انعكس عليها ضوء الشمس.
المتخيلة إذا دلالة على نبوة محمد لأنه يستعملها في تلقي الوحي وباعتبارها "لاوعي" دل ذلك على عدم تصرف النبي في الوحي.
يربط الفارابي عمل المتخيلة بالمنام والحلم حتى اتهمه شيخ الإسلام ابن تيمية بالإلحاد فقال :
إن الفارابي جعل النبوة من جنس المنامات فقط.{22}
ويرى الفارابي : أن المخيلة متى تخلصت من أعمال اليقظة تفرغت أثناء النوم لبعض الظواهر النفسية فتخلق صورا جديدة او تجمع صورا ذهنية قديمة على أشكال مختلفة محاكية ومتأثرة في ذلك ببعض الإحساسات والمشاعر الجسمية او العواطف النفسية والمدركات العقلية فهي قوة مخترعة قادرة على الخلق والإيجاد والتصوير والتشكيل ولها قدرة عظيمة على المحاكاة والتقليد وفيها استعداد كبير للانفعال والتأثير {23} وهي درجات حسب الأشخاص ونلاحظ كذلك أنها تستخدم للقوة الناطقة وأثرها يظهر وينعكس عليها.
وإذا قويت هي والواردات تساوى حال الإنسان في تلقيها حين اليقظة والنوم وهي حال الأنبياء
يقول الفارابي : أن القوة المتخيلة اذا كانت في إنسان ما قوية كاملة جدا وكانت المحسوسات الواردة عليها من خارج لا تستولي عليها استيلاء يستغرقها بأسرها ولا يستخدمها للقوة الناطقة بل كان فيها مع اشتغالها بهذين فضل كثير تفعل به أيضا أفعالها التي تخصها وكانت حالها عند اشتغالها بهذين في وقت اليقظة مثل حالها عند تحللها منها في وقت النوم...اتصلت بالعقل الفعال وانعكست عليها منه صور في نهاية الجمال والكمال وقال الذي يرى ذلك أن لله عظمة جليلة عجيبة ورأى أشياء عجيبة لا يمكن وجود واحد منها في سائر الموجودات أصلا ولا يمتنع اذا بلغت قوة الإنسان المتخيلة نهاية الكمال أن يقبل في يقظته عن العقل الفعال الجزئيات الحاضرة والمستقبلة او محاكياتها من المحسوسات ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة ويراها فيكون له بما قبله من المعقولات نبوة بالأشياء الإلهية وهذا هو كمال المراتب التي تنتهي اليها القوة المتخيلة والتي يبلغها الإنسان بهذه القوة {24}
وتستوعب القوة المتخيلة الجزئيات وتتصل بأكمل الحقائق الغيبية
وربما يطرح سؤال لم تركب  المخيلة صورا دون أخرى؟ فيرد الفارابي إن تعلقها ببعض المحسوسات دون اخرى يعود الى نزوعها و ميلها الى ما تتخيله من بعض تلك المحسوسات دون غيرها  فيقول :
 فهذه – المتخيلة -تركب المحسوسات بعضها إلى بعض وتفصل بعضها عن بعض تركيبات وتفصيلات مختلفة بعضها كاذبة وبعضها صادقة ويقترن بها نزوع نحو ما تتخيله{ 25}
ويكشف لنا الفارابي أن القوى جميعها تنطبع آثارها في المتخيلة في شكل رسوم
ويضيف : فهي حاكمة على المحسوسات ومتحكمة عليها ويكون هذا الحكم وهذا التحكم عندما " يحدث عن المحسوسات الحاصلة في هذه القوى { أي القوة الحاسة والقوة المتخيلة والقوة الناطقة } رسوم المتخيلات في القوة المتخيلة فتبقى هناك محفوظة بعد غيبتها عن مباشرة الحس لها ".
ثم يأتي دورالعقل الفعال ليخرج تلك الرسوم -المخزونة بفعل القوى- إلى القوة الناطقة التي كما نلاحظ تأثر في المتخيلة وتتأثر بها انعكاسا
  وتبرز فاعلية المتخيلة في المحسوسات عندما تتصل بالعقل الفعال ، فعندئذ تتحول المحسوسات " عن التي هي محفوظة في القوة المتخيلة معقولات في القوة الناطقة " {26}
وتتصل المخيلة بالعقل الفعال فتتحول المحسوسات : عن التي هي محفوظة في القوة المتخيلة معقولات في القوة الناطقة{27} 
وللمخيلة علاقة بالحلم لان الحلم ينشط عند خمود الحواس.فالمخيلة تقوم بعملية المحاكاة في كافة الاحلام التي تراها من خلال تلك الصور التي قامت بحفظها من قبل من عالم المحسوسات وهنا تظهر كيفية تحكمها فيها فهي تكون عناصر الحلم من صور تلك الاشياء المحسوسة ومن ثم تصبح المخيلة منتجة لعالم من الرموز التي يتكون منها الحلم {28}
إذا بعد أن انعكست الصور في القوة المتخيلة بتأثير القوى الثلاث وأخرجها العقل الفعال إلى القوة الناطقة تظهر تلك الرسوم/الحقائق رموزا أو كلمات أو قرآن أو وحيا. وهنا قد يطرح سؤال: هل يمكن ان نساوي بين الحقائق المحسوسة والحقائق العلوية لدى المتخيلة ؟
أن عمل المخيلة هنا هو نفسه في تعاملها مع العالمين أي عالم المحسوسات والعالم العلوي الذي يفيض منه الوحي من طريق العقل الفعال فكلا الاتصالين حلم لان الحلم عند الفارابي يتم في الحالة التي يتعطل فيها عمل الحواس وهي الحالة التي تتحقق في النوم وهذا يعني أن الوحي هو نوع من الحلم أيضا وعلى هذا الأساس تقوم المخيلة بمحاكاة الحقائق التي تلقتها من العقل الفعال من خلال تلك الصور المحفوظة لديها فتتحول عندئذ إلى رموز تجسدها في لغة النبي الذي يبقى الإنسان الأقدر على فهم تلك الرموز وتبليغ مضمونها إلى الناس وهذا يعني ان النبي لا ينقل الحقائق نقلا حرفيا فمعرفته هي معرفة تأويلية وهذه المعرفة التأويلية تستمد مصداقيتها مما يمتاز به النبي من مخيلة قوية إضافة إلى معرفته الكبيرة باللغة التي سيبلغ بها الوحي
فالمخيلة تستقبل وتبلغ يقول الحبيب الفقي: فالمخيلة التي من بين وظائفها المحاكاة هي التي تمكنه من تلقي المعارف الغيبية وتبليغها الى الناس غير انها في حالة التبليغ ترجع الى طبعها وتستعمل الحس لذلك جاء القرآن كما يرى الفارابي وغيره من الفلاسفة في صورة مادية{29}
وهنا تزج بنا هذه القراءة في موضوع كلامي شائك ارى انه يثار الآن للتشريع لفتح باب التاويل اللامشروط والمتعدد في فهم النص القرآني . هذا الأشكال هو هل القرآن لفظا ومعنى من عند الله . المدارس الحداثية تريد ان تستند الى القول ان ما يصدر عن المتخيلة ما هو الا رموز. والرمز يخالف المرموز له.أذا فألفاظ القرآن ليست هي القرآن بل هي رموز له والمرموز له مجهول
أتصال الفيلسوف بالعقل الفعال :
يشترط فيه ان يكون ذا روح قدسية فليست كل الأرواح مؤهلة للاتصال. يقول الفارابي : الروح القدسية لا تشغلها جهة تحت عن جهة فوق ولا يستغرق الحس الظاهر حسها الباطن وقد يتعدى تأثيرها من بدنها ألى أجسام العالم وما فيه وتقبل المعلومات من الروح والملائكة بلا تعليم من الناس {30}
ويرى الدكتور مدكور أن نظرية فيلسوفنا الفارابي ذات طابع صوفي : فآراء الفارابي السياسية وان اعتمدت على دعائم أفلاطونية مشوبة بنزعة صوفية {31} وكأن الفيلسوف الذي هو رئيس المدينة الفاضلة يجب ان يتحلى بروحانية المتصوفة وأخلاقهم ومن ثمة فلا يتلقى الوحي كائن ما كان          
أما عملية الاتصال فتتم عندما تزول الوسائط يقول الفارابي : فالإنسان إنما يوحي إليه إذا بلغ هذه الرتبة وذلك اذا لم يبق بينه وبين العقل الفعال واسطة {32} وزال الواسطة هنا يتاتي بالمجاهدة الفكرية التي تخلصه بالتأمل من الحجب
وتتم عملية الاتصال ضمن منظومة الفيض فيقول الفارابي:فحينئذ يفيض من العقل الفعال على العقل المنفعل القوة التي بها يمكن ان يوقف على تحديد الأشياء والأفعال وتسديدها نحو السعادة فهذه الافاضة الكائنة من العقل الفعال ألى العقل المنفعل بان يتوسط بينهما العقل المستفاد هو الوحي{33}
وفي هذه الحالة يصير الانسان حكيما متعقلا على التمام. وقد تتم العملية كما للنبي في النوم
فالانسان العادي يمكن ان يتسلم وهو نائم هذه الأشراقة من القدرة الضانعة للصور ويوضح لنفسه الاحلام الحقيقية والموحي بها. ولنفرض أنه رجل محبو بطبيعة ذات توازن تام وأن مقدرته على التصور تبقى منفتحة على أيحاء الكائن الاول بواسطة العقل الفعال ... هذه حقيقة المعرفة النبوية {34}
لكن ذلك لم يمنعه في مناسبة أخرى من الإعلان عن موقف آخر من النبوة –تضفي على النبي خصوصية يفتقدها الفيلسوف  ففي كتاب فصوص الحكم قد يخالف ما كان ذهب أليه في كتابه آراء اهل المدينة الفاضلة حيث يرى أن : النبوة مختصة بقوة قدسية تذعن لها غريزة عالم الخلق الاكبر كما يذعن لروحك عالم الخلق الأصغر فتأتي بمعجزات خارجة عن الجبلة والعادات ولا تصدأ مرآتها ولا يمنعها شيء عن انتفاش ما في اللوح المحفوظ من الكتاب الذي لا يبطل وذوات الملائكة التي هي رسل فتبلغ مما عند الله الى عامة الخلق{35}
مقارنة بين منزلة النبي والفيلسوف :
أختلف القراءات لنظرية المعرفة عند الفارابي بين مدع ان الفارابي يفضل النبي وبل فريق آخر يرى العكس وان تلقى كل من الفيلسوف والنبي الوحي عن العقل الفعال
ويرى لويس غارديه ان الفيلسوف والنبي كلاهما يتلقى عن العقل الفعال فيقول : أذ لم يكن الانبياء وحدهم اهل الوحي المرسلين ...أن رئيس المدينة هو من اولئك {36}
ويرى البعض ان التنازع حول منزلة من الاعلى الفيلسوف او النبي يعود الى الصراع بين الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة التي الغاية منه السيطرة على الساحة الفكرية والسيطرة على سلطة التشريع
أ‌-       النبي أرفع من الفيلسوف :
من القائلين بهذا الرأي الكندي استنادا الى عجز الفيلسوف أمام قدرة النبي في معرفة الحقيقة والتبليغ عنها في أوجز الاساليب. يقول الكندي : "فأن تدبر متدبر جوابات الرسل فيما سئلوا عنه من الامور الخفية الحقية التي أذا قصد الفيلسوف الجواب فيها بجهد حيلته التي اكتسبته علمها لطول الدؤوب في البحث والتروض ما نجده أتى بمثلها في الوجازة والبيان وقرب السبيل والاحاطة بالمطلوب ... كلت عن مثل ذلك الألسن المنطقية المتحيلة وحجبت عنه العقول الجزئية" {37}
يرى منجي الأسود ان الداعي للكندي لتفضيله النبي على الفيلسوف هو اختيار السلامة والخوف من بطش الفقهاء والسلطان . فلو عبر عن رأيه الحقيقي- الذي هو يفضل فيه الفلاسفة على الانبياء لاستحل دمه ويستند في ذلك لاحد الرسائل التي وجهها الى تلميذه المعتصم بالله وسمها برسالة في الفلسفة الأولى :" فحسن بنا
أن [...] نلزم في متابنا هذا عادتنا في جميع موضوعاتنا [...] من الانحصار عن الأتساع في القول المحلل لعقد العويص الملتبسة توقيا سوء تأويل كثير من المتسمين بالنظر في دهرنا من أهل الغربة عن الحق وان تتوجوا بتيجان الحق من غير استحقاق لضيق فطنتهم عن أساليب الحق وقلة معرفتهم بما يستحق ذوو الجلالة {38}
والموقف نفسه عبر عنه أيضا فيلسوف قرطبة أبو الوليد بن رشد في كتابه تهافت التهافت، حيث بين في معرض رده على أبي حامد الغزالي في المسالة العشرين : "إن كل نبي حكيم وليس كل حكيم نبيا {39}
ب- : الفيلسوف أفضل من النبي :
وهذا ما يرجحه منجي الأسود
"أما الرأي الثاني والقائل بان الفيلسوف ارفع درجة من النبي فانه يمكن ملاحظته فيما عرضناه سابقا من كلام الفارابي فقد رأينا انه يوسع من دائرة الوحي لتشمل الفيلسوف أيضا بل أنه بإسناده الوحي ألى رئيس المدينة الفاضلة ، وفي اللحظة التي يختفي فيها النبي صاحب الشريعة عن الدنيا " يبقى الفيلسوف الجدير بهذا الاسم ، فهو الوحيد الذي يقدر على ان يحصل حقائق العلم الإلهي التي تحملها هذه الأديان "{40}
أما دي بور، فيرى إن أمور النبوة عند الفارابي تأتي " في المرتبة الوسطى بين الإدراك الحسي وبين المعرفة العقلية الخالصة.على انه إذا كان الفارابي في آرائه في الأخلاق والسياسة يجعل للدين شأنا كبيرا في التهذيب فهو يعده من حيث القيمة المطلقة أدنى مرتبة من المعرفة العقلية الخالصة " {41}
ويذهب منجي لسود إلى أن أخوان الصفا ذهبوا مذهب الفارابي الى تفضيل الفيلسوف على النبي:فالأنبياء يطبون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم وحتى يزول المرض بالعافية فقط. اما الفلاسفة فأنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلا، فبين مدبر المريض ومدبر الصحيح فرق ظاهر وأمر مكشوف {42}
"ولذلك كانت نتائج الطبيبين متفاوتة المنفعة ، فالفضائل التي يكتسبها الإنسان من معرفته للشريعة تقليدية يعتريها الظن ، أما الفضائل التي يحصلها من معرفته للفلسفة فهي برهانيه يقينية على هذا الأساس فان النبي محتاج إلى تتميم ما يأتي به من جهة الحكيم ، [أما] الحكيم فهو غني عنه" {43}
أما ما أميل إليه فأرى أن النبي أعلى مرتبة من الفيلسوف كما ذهب الى ذلك ابن رشد . فالنبي تساوى مع الفيلسوف في العقل المنفعل لدى تلقيه الفيض عن العقل الفعال بتوسط العقل المستفاد وزاد عليه بنفوذ الفيض ألي قوته المتخيلة والفيلسوف فاقد لهذه القدرة التي تمكن صاحبها من الأطلاع على الغيب وأستعيد هنا مقولة الفارابي الأنفة الذكر
 "فيكون الله عز وجل يوحي أليه بتوسط العقل الفعال. فيكون ما يفيض من الله تبارك وتعالى إلى العقل الفعال يفيضه العقل الفعال إلى عقله المنفعل بتوسط العقل المستفاد ثم إلى قوته المتخيلة فيكون بما يفيض منه ألى عقله المنفعل حكيما فيلسوفا ومتعقلا على التمام وبما يفيض منه ألى قوته المتخيلة نبيا منذرا بما سيكون ومخبرا بما هو الآن من الجزئيات"  
الخاتمة :
لقد حاول الفارابي شرح فكرة المعرفة عند كل من الفيلسوف والنبي وتأسيسا للقول باحقية الفيلسوف في سياسة اهل المدينة الفاضلة. وفي شرحه انطلق من فكرة الفيض التي تنسحب كذلك على هذه المعرفة.فيفيض العقل الفعال على القوة المتخيلة بالوحي متى صفت وارتقت مستأهلة لهذا الوحي فيصير المتلقي نبيا منذرا
ويقوم العقل الفعال بأخراج الصور والرسوم المخزنة في القوة المتخيلة الى القوة الناطقة فتعود مرة أخرى رسوما مادية بعد أن ركبتها المتخيلة وفق نزوعها.
أما عقل الفيلسوف الذي ألف التفكر والتدبر فيتلقى في مستوى ما الوحي عن العقل الفعال.
ولما اختلفت مصادر الاستقبال : العقل و المخيلة لدى كل من الفيلسوف والنبي اختلفت القراءات في القول بأفضلية احدهما على الآخر.
إن فكرة الفارابي تظل من الأفكار الأولى التي حاولت الاستدلال الفلسفي على وجود الوحي والنبي وفتحت المجال للبحث في صيغة التلقي ولكن القراءات الحديثة اغلبها حاول أسقاط النظريات الحديثة التي أجريت على الانجيل لنزع القداسة عنه محاولا تسليطها على القرىن ونجد مثل هؤلاء حاولوا التفتيش عن أي فكرة لدى الفارابي توحي بان الوحي داخل فيه تصرف النبي وانه من وحي الأنسان
ويظل الباب مفتوح امام المؤمنين بالنبوة والوحي ان يستعملوا نفس الاساليب العلمية لاعادة قراءة ايمانية لتراثنا والاستدلال على يقينيتها
 
 
 
 
[i]                                                                                                                       
 
 



 
المراجع :
1- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001- ص 93
2-صحيح البخاري... ). رواه البخاري(3261). 
3- د.إبراهيم مدكور- في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه ج1- دار المعارف بمصر-القاهرة-مصر-الطبعة الثالثة منقحة- بدون تاريخ - ص 73
4-المرجع السابق- ص 74
5- المرجع السابق- ص 74
6- المرجع السابق- ص75
7- حنا الفاخوري وخليل الجر-تاريخ الفلسفة العربية ج2 الفلسفة العربية في الشرق والغرب –دار الجيل – بيروت – الطبعة الثالثة- 1993-ص 153 - نقلا عن آراء المدينة الفاضلة- القاهرة-الطبعة الثانية- 1948 ص 85-87
8- المرجع السابق - ص125 نقلا عن"عيون المسائل " ص 20 و 21
9-- المرجع السابق -ص 126 نقلا عن آراء المدينة الفاضلة- القاهرة-الطبعة الثانية- 1948 - ص49
10-أبو نصر محمد بن محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي-مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية-حيدر آباد الدكن-طبعة 1346 هجرية- التعليقات ص 3
11- أبو نصر محمد بن محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي-السياسة المدنية الملقب بمبادئ الموجودات- تحقيق فوزي متري نجار-المطبعة الكاثوليكية- بيروت-لبنان- الطبعة الأولى – 1964- ص 32-33
12- حنا الفاخوري وخليل الجر-تاريخ الفلسفة العربية ج2 الفلسفة العربية في الشرق والغرب –دار الجيل – بيروت – الطبعة الثالثة- 1993- ص 128 نقلا عن رسالة في العقل- طبعة الأب بويج-بيروت-1948 ص 12
13-المرجع السابق – ص 129
14-المرجع السابق ص 129 نقلا عن رسالة في العقل- طبعة الأب بويج-بيروت-1948 - ص 15 و 16
15- المرجع السابق ص 129 -130
16- المرجع السابق ص 130
17- المرجع السابق ص 131 نقلا عن رسالة في العقل ص 35-37
18- أبو نصر محمد بن محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي-مطبعة دار المشرق-بيروت-لبنان- الطبعة الثانية-1968 - كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطوطاليس ص 106-107
19- د.إبراهيم مدكور- في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه ج1- دار المعارف بمصر-القاهرة-مصر-الطبعة الثالثة منقحة- بدون تاريخ - ص 77 مدكورنقلا عن الفارابي : الثمرة المرضية ص 75
20-المصدر نفسه ص 77
21-المصدر نفسه ص 77
22- منجي لسود – أسلام الفلاسفة- دار الطليعة للطباعة والنشر- بيروت-لبنان.الطبعة الأولى-2006- ص  55 نقلا عن  ابن تيمية كتاب النبوات ضمن حمودة غرابة التوفيق بين الفلسفة والدين عند ابن سينا ص 142
 
{23} د.إبراهيم مدكور- في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه ج1- دار المعارف بمصر-القاهرة-مصر-الطبعة الثالثة منقحة- بدون تاريخ - ص 78 مدكورنقلا عن الفارابي المدينة الفاضلة ص 48-49
{24} المصدر نفسه ص 79-80 نقلا عن المدينة الفاضلة ص 51-52
{25} منجي لسود – أسلام الفلاسفة- دار الطليعة للطباعة والنشر- بيروت-لبنان.الطبعة الأولى-2006- ص  53 نقلا عن الفارابي آراء المدينة الفاضلة ص 95.
{26}المصدرالسابق نقلا عن الفارابي كتاب السياسة المدنية ص 89
{27} المصدر السابق ص  53 أسلام الفلاسفة .نقلا عن الفارابي كتاب السياسة المدنية ص 89
{28}المصدر السابق ص53 أسلام الفلاسفة نقلا  الفارابي آراء المدينة الفاضلة ص 121
{29} المصدر السابق ص 55 نقلا عن الحبيب الفقي : المعرفة ومسالكها عند الفارابي ص 83
{30} د.إبراهيم مدكور- في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه ج1- دار المعارف بمصر-القاهرة-مصر-الطبعة الثالثة منقحة- بدون تاريخ - ص 77 نقلا عن الفارابي : الثمرة المرضية ص 75
 

 

{31}المرجع السابق ص 77 الفارابي    
{32} أسلام الفلاسفة ص 53.نقلا عن الفارابي السياسة المدنية ص 89
{33} المصدر السابق
{34}منجي لسود – أسلام الفلاسفة- دار الطليعة للطباعة والنشر- بيروت-لبنان.الطبعة الأولى-2006- ص  53-عن نقلا لويس غارديه : التوفيق بين الدين والفلسفة عند الفارابي ص 10—11
 

 

 ص 55 اسلام الفلاسفة نقلا عن الحبيب الفقي : المعرفة ومسالكها عند الفارابي ص 83
{35}الفارابي فصوص الحكم ص 145 ضمن حمودة غرابة التوفيق بين الفلسفة والدين عند ابن سينا ص 142. ص 56-57 أسلام الفلاسفة {36} لويس غارديه . التوفيق بين الدين والفلسفة عند الفارابي ص10-11.
{36}منجي لسود – أسلام الفلاسفة- دار الطليعة للطباعة والنشر- بيروت-لبنان.الطبعة الأولى-2006- ص  53-عن نقلا لويس غارديه : التوفيق بين الدين والفلسفة عند الفارابي ص 12—13
{37}. الكندي رسالة في كمية كتب أرسطو. ضمن رسائل الكندي الفلسفية. اسلام الفلاسفة ص 63
{38}الكندي "رسالة الكندي ألى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى"ضمن رسائل الكندي الفلسفية، تحقيق محمد عبدالهادي ابو ريدة ،ص 103 ، إسلام الفلاسفة ص 63-64
{39} منجي لسود – أسلام الفلاسفة- دار الطليعة للطباعة والنشر- بيروت-لبنان.الطبعة الأولى-2006- ص 63-64 نقلا عن ابن رشد، تهافت التهافت ص 326 –
{40} لويس غارديه ، التوفيق بين الدين والفلسفة عند الفارابي ص 15نقلا عن اسلام الفلاسفة ص 67
{41} ت.ج.دي بور ، تاريخ الفلسفة الاسلامية ، ترجمة محمد عبدالهادي ابو ريدة ، ص 186-187 – نقلا عن المصدر السابق ص 67
{42} أبو حيان التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة ، الليلة السابعة عشرة ، ج 2 ، ص 167 نقلا عن المصدر السابق ص 68
{43} الامتاع والمؤانسة ج2 ، ص 173 نقلا عن المصدرالسابق ص 68
 
                                                                                والله اعلم وولي التوفيق
 

 

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 


الاسم : هاله

14-12-2011 15:51:03

التعليق:

ربنا يباركلك

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.