.

.

الثقافة والحضارة عند علي عزت بيغوفيتش

بتاريخ : 2011-06-15 الساعة : 14:40:41

اسم الكاتب : عبد الواحد قيراط     التصنيف : ورقات ثقافية     عدد القراء : 3209




 مقالات أُخرى للكاتب - عبد الواحد قيراط
مدارس فلسفية غربية ج2 : المدرسة التحليلية جورج أدوارد
مدارس فلسفية غربية ج1 المدرسة التحليلية : رسل
الحداثة عند طه عبدالرحمن
الغزالي المتصوف الثوري... من خلال كتابه المنقذ من الضلال
المعرفة بين النبي والفيلسوف عند الفارابي
دراسات في الفلسفة الأسلامية :النبوة عند الفارابي ج1
ثلاث مقترحات تجديدية لحركة النهضة : تغيير الأسم و الزعيم و الصفة
ألقوا الورود على الجيش والشرطة
يا شيخ راشد الغنوشي لا ترجع ألى تونس الآن أرجوك
مبادرة البطون الجائعة لأسقاط النظام:مبادرة الاسودين : الماء والتمر

المزيد من المقالات

المعهد الأوروبي للعلوم الانسانية باريس

"الحضارة والثقافة" عند علي عزت بيغوفيتش

[من خلال كتابه : الاسلام بين الشرق والغرب]

أعداد : عبدالواحد قرط

 أشراف : د/عبد المجيد النجار

قسم : العقيدة والفلسفة-

  مادة : فقه التحضر الأسلامي

السنة الدراسية :2010/2011

محتويات البحث :

1-المقدمة

2- مفهوم الحضارة عند علي عزت بيغوفيتش

3-مفهوم الثقافة

5-خطر الحضارة

6-الحل لمأزق الحضارة الغربية

7-الخاتمة

8-المراجع

المقدمة:

في البدء كانت الحضارة والثقافة.الوجود الإنساني لدي علي عزة بيغوفيتش صراع بينهما، بيغوفيتش رئيس البوسنة والهرسك هذا ذاق مع شعبه ويلات انتصار الحضارة اقصد الهمجية والغلو المادي كما سيعرفها بيغوفيتس على الحق والعدالة والتضحية من اجل الكرامة والحياة ألى حين.لم يكن حديث علي عزت بيغوفيتش عن الحضارة والثقافة ترفا فكريا وترنيمات على المصطلحات.كتب الكتاب والدماء في ساراييفو تنزف .وما سربرينتسا من تأليف كتابه - الذي ضمن فيه آراءه - من الحضارة والثقافة ببعيد.في 1994 ظهرت للوجود عصارة أفكاره وربما خلاصتها في كتابه المعنون: "الإسلام بين الشرق والغرب".ضمن هذه العلاقة بين الغرب والشرق ستقرأ المؤلف الحضارة والثقافة متنقلا بين الضفتين متمكنا في الآن ذاته من مسالكهما.

مباشرة يصدمنا بيغوفيتش بمفهوم الحضارة لديه دون سرد لغوي ولا تعريج على ما كتبه السابقون في هذا الموضوع فمفهوم الحضارة عند بيغوفيتش قريب في معناه من المفهوم الذي عرفها به ابن خلدون في بعض المواضع من كتبه حين قرنها بالترف وبكونها نذير بسقوط الدول. أما الثقافة فكل ما وراء المادة من فن ودين وخرافات.لم الحضارة هي كذلك عند بيغوفيتش؟ وما هي حججه في ذلك؟ وما هو مفهوم الثقافة ؟ وما هو مأزق الحضارة اليوم ؟وكيف تكون الثانية المخرج من مأزق الأولى؟

سببان دفعاني لاختيار دراسة الحضارة عند بيغوفيتش أولهما: الواقعية.فوجودنا في الغرب يملي علينا موقفا وشهادة عدل على الحضارة الغربية التي نقطنها وتحيط بنا. ومن الواقعية كذلك أن نستمع إلى رجل مارس التحضر اذ انه ساهم في تأسيس دولة البوسنة والهرسك تحريرا ثوريا وإنشاء مستقلا وذاق طعم الأفكار التي يتحدث عنها اذ انه –قبل ذلك- قضى سنوات في غياهب السجون وكفي بالسجن تمحيصا للعقل وما ينتجه، وكفى بالسجن حكمة. ومن الواقعية كذلك ان نتدارس الحضارة الغربية وهي تواجه/تحاور/تصارع الحضارة الأسلامية خاصة وان أحداث 11 سبتمبر مثلت نقطة صدام حادة انفجرت منها الأحداث تباعا وأسفر التجاذب بين الحضارتين عن وجهه. في هذا الكتاب يقوم بيغوفيتش بالتنقيب على جذور العلاقة بين الحضارتين

أما السبب الثاني لاختياري دراسة الحضارة عند بيغوفيتش فهو التوسط فبيغوفيتش أوروبي مسلم ملم بالثقافة الغربية بالقدر الذي يضاهي إلمامه بالثقافة الإسلامية.فعادة ما نتناول بالدراسة الحضارة لدى كتاب غير مسلمين او بعيدين عن الثقافة الإسلامية او لدي كتاب مسلمين لم يعيشوا الحضارة الغربية . بيغوفيتش جزء من الضفتين لذا أتقن السيل بسلاسة بينهما. فكان كاتبا إسلاميا بلا منازع، وكاتبا غربيا لا يشق له غبار ويشابه بيغوفيتش في هذه الخصيصة صنوه مالك ابن نبي. ولو لم يكتب كتابه متوجها به للقبلتين : الغرب والشرق للغرب لما حرك الراكد من الماء في الغرب ولما منعت فرنسا تداول كتابه ولما ترجم للعربية

وتكمن أهمية التساؤل الذي طرحه بيغوفيتش:ماهو مخرج الحضارة الغربية في مأزقها؟  فالحضارة الغربية تقف على هاوية لتخلفها الأخلاقي مقابل تقدمها التقني.والمقصود هنا تآكل الإنسان وتشيئته تحت سطوة الآلة والمدن وهي الحالة التي وُصّفت بها لدى الكثير من المفكرين على اختلاف مشاربهم والجواب قد يلوح سهلا – لدينا- هو الدين او الأسلام دون تشريح للمرض. الإضافة التي سيقدمها بيغوفيتش هو إدخال الحضارة الغربية إلى مختبر الأفكار للتفتيش عن مكامن الخلل واستخلاص الدواء

2-مفهوم الحضارة عند علي عزت بيغوفيتش:

الحضارة ظهرت بظهور أول آلة استعملها الإنسان. فهي جزء من ماهيته سواء كانت قطعة خشب او آلة صيد يقول عزت بيغوفيتش : "هناك حقيقتان متعارضتان ارتبطتا بظهور الإنسان : الأداة الأولى والعبادة الأولى {ص93}.هاتان الظاهرتان لم يكتفيا بمجرد التأيسس وتحقيق ماهية الأنسان بل كانتا بداية تاريخين يقول عنهما بيغوفيتش :"هذان التاريخان لهما العلاقة نفسها التي بين العبادة والأداة وهي العلاقة نفسها بين الثقافة والحضارة ". لا يرى بيغوفيتش في الحضارة ألا التقدم التقني المادي الصرف والانجازات الصناعية.فالحضارة هي استمرار للتقدم التقني { ص 95} و الغاية منها استصلاح البيئة فيقول : أما الحضارة فتعني : "فن العمل والسيطرة وصناعة الأشياء صناعة دقيقة"{ص95}. بل وينزع بيغوفيتش عنها كل جانب واع فيقول : أنها استمرار للعناصر الآلية أي العناصر غير الواعية التي لا معنى لها في وجودنا لذا فأن الحضارة ليست في ذاتها خيرا ولا شرا وعلى الإنسان أن يبنيَ الحضارة تماما كما أن عليه أن يتنفس ويأكل " {95} هي استمرار للتطور البيولوجي الحيواني للأنسان فيقول : أما الحضارة فهي استمرار للحياة الحيوانية ذات البعد الواحد،التبادل المادي بين الأنسان والطبيعة.هذا الجانب من الحياة يختلف عن الحيوان فقط في الدرجة والمستوى والتنظيم " {94} هذا التبادل بين الإنسان والطبيعة يتم باستعمال العقل والذكاء والعلم فيقول :"أما الحضارة فهي قوة على الطبيعة عن طريق العلم. فالعلم والتكنولوجيا والمدن والدول كلها تنتمي إلى الحضارة.وسائل الحضارة هي الفكر واللغة والكتابة"{96}

ولا يذهب ظن القارئ إلى أن المقصود من الكتابة كتابة الفلسفة أو الشعر فلا تندرج مثل هذه الكتابات ضمن الحضارة بل الكتابة والفكر المقصودان هما اللذان يقصد من ورائهما اختراع آلات أو كشف قانون طبيعي تستصلح من خلاله البيئة وتسخر للإنسان.ففي الحضارة يتجه العلم والتعليم الى الانتاج الصناعي على حساب الإنتاج الفكري الإنساني ويكون التعليم أحادي الجانب.فيقوم التعليم على التخصص فيقوى الذكاء الذي نتيجته العلم ومن ثمة الصناعة لأنها مجرد تطبيق للعلم مقابل تقلص الشخصية الفردية فيلوح الانسان في تناقص {102-103} ولما كانت الحضارة بهذا المفهوم اقترنت بالأشياء والمنتجات المادية. ولما كانت الحضارة ماهيتها مادية : ازداد تكديس الأشياء وقد وجد احدهم ان كل امريكي رجلا كان أو امراة او طفلا – يستهلك في المتوسط 18 طنا من المواد المختلفة في السنة."{ص 95} .ولا شك أن هذه الكمية في ازدياد من عام إلى آخر :" و من سمات الحضارة أنها تخلق في الإنسان ضرورات متجددة وتغري الإنسان بالحياة البرانية على حساب حياته الجوانية . شعارها " انتج لتربح واربح لتبدد " هذه سمة في جبلة الحضارة"{ص95}.ويخلص في النهاية إلى التأكيد على ان الحضارة لا تعني الثقافة : فيقول :أن القوتين العالميتين العظميين في العالم، يعني الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي [سابقا] هما القوتان العسكريتان العظميان. ولكنهما ليسا أعظم دول العالم ثقافة. " {103}

 

 

 

3-مفهوم الثقافة

والمقصود من الحديث عن هذا الباب تحديد مفهوم الثقافة حتى نفهم بدقة حدودها وحدود الحضارة . ويجدر بنا أن نؤكد هنا على أن الثقافة والحضارة وُجدتا في البدء معا متضادين متعاكسين لتظل بذلك الطبيعة الإنسانية سرا من أسرار الله وليعلم المتابع أنها ليست صدفة " إنها ترينا أن الإنسان كائن متناقض، فهو يعكس غموض الطبيعة الإنسانية، كما يعكس هذا التضارب بين الثقافة والحضارة" {ص96}.

فالثقافة كما التركيبة المتناقضة والمتعاكسة تظل سرا خفيا للإنسان يحتاج المثقف حسب بيغوفيتش أن "يتنور" حتى يتثقف ويحتاج أن يتعلم حتى يتحضر. اما التنور فيعتمد على التأمل واستكناه الذات لأن الثقافة هي بحث عن الذات البعيدة ،عن الجذور والموطن الاول الذي تنتمي اليه الثقافة والانسان الثقافي "أنه : العالم السماوي والمدة التي عاشها آدم في الجنة هنالك نشأت الثقافة يقول بيغوفيتش :"الثقافة تبدأ [بالتمهيد السماوي] بما اشتمل عليه من دين وفن وأخلاق وفلسفة وستظل الثقافة تعنى بعلاقة الإنسان بتلك السماء التي هبط منها، فكل شيء في أطار الثقافة أما تأكيد أو رفض أو شك أو تأمل في ذكريات ذلك الأصل السماوي للإنسان ".{94}.ولعل عملية البحث والشك والتأمل هي دراما الإنسان او الخط المتصل للثقافة الإنسانية. هذه الدراما نسجت خيوطها في السماء بين الله والإنسان. اما تمظهرها على الأرض فيمكن تصويره بمشهد صعود الجبل . وفيما ينقله بيغوفيتش عن  أندريه مالرو فدراما الثقافة الانسانية صورت أو تُخيلت كالآتي  " صعود الجبل المقدس الذي تظل قمته بعيدة المنال، سيرا في الظلام بواسطة شمعة مضيئة يحملها الإنسان" {ص95} فالثقافة سبر للحياة الجوانية بالتأمل كما ذكرت للتعرف على الذات وعلى مكان الإنسان في العالم عبر تكريس النفس للأسرار والاستغراق في الذات للوصول إلى بعض الحقائق الدينية والأخلاقية والفنية ، إنها اذا- أي الثقافة حالة من اللاعلمية والملاحظة التأملية خالية من الإرادة ومن الرغبة لا تتصل بوظيفة أو مصلحة{98}.ونلاحظ هذه النزعة الصوفية في النظر إلى الثقافة لدي بيغوفيتش وحضور ثنائية المادة والروح في تفكيره، ونلاحظ حالة "التضاد" بين عنصري الثنائية الذي يصنع كينونة الانسان البديعة.ومن هنا يفاجئنا الكاتب حين يفند الرأي السائد بأن الثقافة هي مجموعة من المعلومات المبهرة التي لا يحملها ألا أولو الالباب. ان الثقافة عند بيغوفيتش هي الإجابة او التوقف عن الأجابة عن الاسئلة الوجودية التي سكنت دواتنا هاجت منذ نزولنا من العالم السماوي . المعلومات قد تساعد في الإجابة او إسعار سورة الشك ولكن المعلومات بدون حيرة أو بحث ليس بثقافة.لذا نجد فجوة بين الحضارة والثقافة فالحضارة لا تجيب عن أسئلة الثقافة وليس هذا من خصائصها. لان أثر الثقافة على النفس واثر الحضارة على الطبيعة والمجتمع.وينتقد من ثمة الكاتب التعليم متهما اياه بكونه لا يزكي فينا ألا الحضارة ولا يساهم بشيء في ثقافتنا{99}. إن التأمل الذي هو روح الثقافة هو موقف المفكر والشاعر أو الفنان او الناسك وليس موقف العالم. لقد حاول بيغوفيتش إحياء الإنسان وما حوله من حضارة من خلال مفهومه للثقافة وضخها في جسد الحضارة.أراد أن يرفع المرء وجهه المنكب على المنتجات الاستهلاكية ويرمق مصيره ومبدئه. أحياء الثقافة إنقاذ للحضارة من التداعي.اما موضوع الثقافة فهو موضوع الدين او الأسئلة التي أجاب عنها. يقول " اما الراهب والشاعر والمفكر والفنان، فإنهم يتأملون ،إنهم يحاولون الوصول إلى الحقيقة الكبرى،السر الوحيد الأكبر. هذه الحقيقة تعني كل شيء ولا شيء كل شيء بالنسبة للروح ولا شيء بالنسبة لبقية العالم" {ص100} .ويصرح في موضع آخر مبينا قيمة الدين في الثقافة : "الثقافة هي تأثير الدين على الإنسان او تأثير الإنسان على نفسه "{ص95} 

4-أزمة الحضارة الغربية

ولما كانت الحضارة ماهيتها مادية : ازداد تكديس الأشياء وربما لو نظر الأنسان في نفسه في بيته ووزان بين الضروري من حاجاته والكمالي منها لتبين له ان الكمالي – من حيث يظن ضورريا- فاقت كميته الضروري وتزداد حاجتنا كلما لبيناها .ولكن هل حقق الاكتفاء؟ من سمات الحضارة إنها تخلق في الإنسان ضرورات متجددة وتغري الإنسان بالحياة البرانية على حساب حياته الجوانية . شعارها " انتج لتربح واربح لتبدد " هذه سمة في جبلة الحضارة. فالحضارة الغربية تعيش حالة من اللهث وراء الاشباع.ويمكن رؤية آثار هذا التغول المادي في جوانب كثيرة من حياتنا.

فالتعليم صار أُحادي الجانب أو يجنح إلى إعلاء شان التقنية على حساب الروح " وفي هذه الأيام،من الممكن جدا أن نتخيل شابا قد مر بجميع مراحل التعليم من المدرسة الابتدائية حتى الكلية دون أن يكون قد ذكر له ضرورة أن يكون إنسانا خيرا وآمينا {102}.يقول صاحب البحث : في المدرسة التي يدرس بها أبني في احدى مقاطعات سويسرا بعثوا حملة سمّوها : "الف مليون سلوك متخلق" لتفادي هذه الأزمة الثقافية الأخلاقية  بعد شيوع الجريمة والعنف في المجتمع الغربي.فالتلميذ يتعلم كيف يفكر ولكن لا يتعلم كيف يستنير ثقافيا وروحيا .فالتعليم التقني سبب للحضارة ونتيجة لها، أما التعليم الكلاسيكي "الثقافي " يبدأ وينتهي عند الإنسان ، أي ان "اللاهدف غايته"{102}

ومن مظاهر الأزمة في الحضارة الغربية : ما سماه الثقافة الجماهيرية :فإذا كانت الثقافة الأصيلة تنحو تجاه الفرد فالثقافة الجماهيرية تصب في الاتجاه المعاكس، نحو التماثل [ صب الأرواح في قوالب متماثلة]عكس الثقافة الأصيلة التي تسعى لخلق الحرية الإنسانية والتي في صميمها مقاومة التماثل { ص 106} وآلة تعليب العقول الكبرى هي التلفزيون فيقول : " لقد أثبت علم نفس الجماهير، كما أكدت الخبرة انه من الممكن التأثير على الناس من خلال التكرار الملح لإقناعهم بخرافات لا علاقة لها بالواقع...بحيث تخلق فيه الشعور بأن الآراء المفروضة عليه هي آراؤه الخاصة" {108} فتصنع هذه الثقافة ظاهرة الصبيانية أي التصرف بطريقة طفولية لدي المشاهد{109}

من مظاهر الأزمة كثرة العمران وامتداد المدن وشدة استقطابها لمتساكنيها لكنها تصنع إنسانا ميتا يختلف عن ذلك الذي يشاهد السماء المنقوشة بالنجوم والحقول الخضراء،انه انسان آلي يمارس مشاعر الاثارة في مباراة حامية لكرة القدم أو الملاكمة هو ألي ، ميت.والمدينة عدو الثقافة هي مملكة الشيطان عند المسيحيين وهي جحيم الشعراء وموطن الإلحاد.بل ويذهب بيغوفيتش مقاوما سطوة الحضارة إلى اتهامها بأنها "تقدم ضد الإنسان" يؤكد في هذا الباب أن التقدم التقني هائل لكنه لا يعني أن الحياة ستكون أغنى آو أسعد آو أكثر إنسانية {117} ويسرد الأدلة الكثيرة التي تؤكد موت الإنسان خلال ارتفاع نسب الانتحار والجريمة والعنف والخوف والأمراض العقلية والنفسية ،وقد صارت الكحول والمخدرات والإباحية ملاذا للاغنياء بعد ان كانت ملاذ الفقراء وذلك بسبب الكبت والحياة الآلية السائرة على وقع : {نوم-قطار-عمل} يسعى الغني والفقير - وهم أسرى هذه الآلة الرهيبة - للهروب بالأشباع في هذه الإثارة الرخيصة ويتساءل لم نجد القمار يستوطن اغني البقاع في أوروبا مثل موناكو ودوفيل؟ ولم الخوف يستشري كما الأنتحار في اكثر المدن تأمينا إجتماعيا كالسويد. أليست ظاهرة الهيبيز هي ثورة مارد على هذا التقدم؟ فيقول آثر ميللر : إني اعتقد أن المشكلة- في وضعها الراهن- هي نتاج التكنولوجيا التي دمرت الإنسان كقيمة في ذاته...باختصار لقد اندثرت الروح وتلاشت { 121} ومن ثم ظهر المسرح المتشائم وكثرت المذاهب العدمية في أكثر المدن تقدما

   5- الحل لمأزق الحضارة الغربية:

أ-كسر أسطورة الحضارة:

يرى بيغوفيتش أن المخرج من أزمة حضارتنا الراهنة هو كسر الهالة والاسطورة التي تسبح في فلكها . من ذلك قولنا :ان الحضارة الحالية بلغت قمة ما يمكن التوصل أليه، بل وربما نهاية التاريخ.فالحضارة كما ذكرمن قبل لا يمكن الاستغناء عنها لأنها كالأكل والشرب والتنفس ولكن ما هو بإستطاعتنا فعله فهو الحد من غلوائها "إننا لا نستطيع أن نرفض الحضارة حتى لو رغبنا في ذلك ولكن الشيء الوحيد الضروري والممكن هو ان نحطم الأسطورة التي تحيط بها "{ص91}. ويتم ذلك بإبراز عيوبها وتحديد مجالات نفعها وفوائدها.وهذه العملية – تحطيم أسطورة الحضارة ستؤدي ألى مزيد من "أنسَنَة العالم وهي مهمة تنتمي بطبيعتها إلى الثقافة

-ب إعلاء شان الثقافة أو الثورة بالدين :وليست هذه العملية سهلة فالحضارة محكمة الانغلاق على ذاتها :أن الحضارة لا يمكن دحضها من داخلها وانما فقط من خارجها، أعني بواسطة الثقافة.فمن وجهة نظر الحضارة لا يستطيع العلم ان يتراجع نحو الدين او تتراجع الحضارة إلى الأسرة التقليدية، فالدائرة محكمة الإغلاق {ص 126}

يقول بيغوفيتش : الآلة هي الخطيئة الأولى في الثقافة {109} ولكن كيف يمكن للثقافة ان تقاوم الآلة ؟ وكيف لللامرئي ان ينتصر على المرئي المحسوس. لا يجب أن ننسى أن الثقافة في ذهن الكاتب روحها الدين ولحافها فنراه يستشهد بقوله تعالى:

قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18)من سورةالفرقان

مبينا ان المأزق هو غياب الذكر والذكر ذكر الغيب والعالم السماوي وعلاقة الإنسان بالله.فالثقافة في صميمها بحث عن الله فان وجد الانسان الله صار موجود وان تاه عاش غريبا ضائعا بلا أمل ولكن الطريق في كل هو الثورة على الحضارة وعن اساطيرها المؤسسة وما يقوم به الهيبيز ضرب من الثورة والتمرد ولكن بلا بوصلة. ويعقد الكاتب بابا خاصا سماه الدين والثورة. يرى أن صميم الثورة هو الدين لأن الدين يمنح الرغبة في التضحية والتضامن والمصير المشترك .يولد كل –من الثورة والدين من مخاض الألم والمعاناة ويحتضران في الرخاء والرفاهية والترف.ويتحولان بعد الثورة ألى مؤسسات وأبنية تقضي عليهما {115} ومن هنا نفهم حرص الفنانين والشعراء على الثورة مقابل عجز العمال في الدول الرأسمالية عليها.والثورة كالدين عملية داخلية ستبدو كدراما تؤثر في الناس تأثير الأديان {114}. اذا الطريق للخلاص هو الدين الثوري التثويري الذي ينتفض على الحضارة المادية ويناضلها ويجاهدها. قَالَ المصطفى صلى الله عليه وسلم: "فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُلْهِيكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ". ويثبت الكاتب فكرة ان الدين يصبغ جميع الأفكار على قولة بيير لا كومب : "أن التاريخ كله يتدفق نحو المسيح وينبثق منه".بعثا وأحياءا

فالأزمة اذا غياب التدين او غياب الروح كما يقول مالك ابن نبي فحضر العقل والغريزة .أما الحل فحضوره بثورة والدين بمقدوره ذلك لان المجتمع العاجز عن التدين عاجز عن الثورة {ص 115}. فالحضارة الغربية تحتاج حركة تمرد على "عجل" المادة. كي تعود ألى المدارس الأخلاق ويستأنف التعليم الكلاسيكي أما الشهوات فيقول بيغوفيتش: فعلى عكس حكمة الإسلام في كبح الرغبات فأن الحضارة وهي -محكومة بمنطق مضاد-عليها ان ترفع شعارا مضادا:" أطلق رغبات جديدة دائما وأبدا"{98} وحتى يعود للمدن بريقها يجب ان تفتحها الثقافة ممتطية خيول التدين  لانقاذها من سبي الجريمة وبقية الآفات،" بالنسبة لحجم المدينة هناك علاقة عكسية بالتدين وعلاقة طردية بالجريمة {110-111}. الحل في العودة الى الاصول والأصول هو الدين والفن والاخلاق الذي نجد في منبعه الجنة و الفردوس المفقود والمثال الأرقى : " أن مشاعر الاخوة والتضامن والعدالة هي مشاعر دينية في صميم جوهرها وانما موجهة في ثورة لتحقيق العدالة والجنة على هذه الأرض"

 

الخاتمة :

 

لقد صور لنا بيغوفيتش الواقع الحضاري في عصره واستشرف المستقبل بالأشارة ألى المخرج . انه واقعٌ الآلهة فيه الحضارة  والسيادة في الحضارة للمادة التي هي عدو الثقافة. ويجتمع المتضادان ليكوّنا أعجوبة من عحائب خلق الله : الأنسان. ولكن الأنسان يطغى ويطف في الميزان فيعدو بالحضارة التي هي التقنية والمادية والعلم على الثقافة التي هي الروح والتأمل والفلسفة فيختل الكون وتؤذن شمعة الإنسان بالانطفاء فينتحر أو يجن او يعتل او يتصابي أو يفر ألى الملاذ دون ان يخلص الى منفذ

ولكن المنفذ يكمن في العود الى الثقافة التي نبتت في الجنة في تلك الذكريات والطريق هو العودة الى الاصل والحنين الى  ذلك العالم الذي علينا ان نرسمه على الأرض استصلاحا لها في انتظار أن نعود من حيث أتينا. والعود للثقافة ليست مسألة يسيرة،يكتفى فيها بفتح كتاب ولكن يلزم احداث ثورة مفهومية ورفض الثقافة الجماهيرية وشيء من التمرد غير اليائس وكل ذلك ممكن بالدين

على ان السؤال الذي يرن كالجرس في آذاننا كيف يحدث الدين هذه الثورة ؟ وكيف يتسنى لنا ان نقلم أظافر الحضارة المشوهة لجمالها ونبقى على محاسنها قبل أن تنتفش عليها الثقافة وتضخ فيها دماءها؟

المراجع :

لقد اعتمدت في بحثي هذا على كتاب :

الاسلام بين الشرق والغرب

تأليف : علي عزت بيغوفيتش

المترجم :محمد يوسف عدس/قسم الترجمة –مؤسسة بافاريا

الطباعة والتوزيع : مؤسسة العلم الحديث-بيروت

الطبعةالاولى :يناير 1994

وأثبت بين السطور رقم الصفحات كلما ذكرت استشهادا

والله اعلم والله ولي التوفيق

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.