.

.

الحداثة عند طه عبدالرحمن

بتاريخ : 2011-09-23 الساعة : 06:36:49

اسم الكاتب : عبد الواحد قيراط     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 3958




 مقالات أُخرى للكاتب - عبد الواحد قيراط
مدارس فلسفية غربية ج2 : المدرسة التحليلية جورج أدوارد
مدارس فلسفية غربية ج1 المدرسة التحليلية : رسل
الغزالي المتصوف الثوري... من خلال كتابه المنقذ من الضلال
الثقافة والحضارة عند علي عزت بيغوفيتش
المعرفة بين النبي والفيلسوف عند الفارابي
دراسات في الفلسفة الأسلامية :النبوة عند الفارابي ج1
ثلاث مقترحات تجديدية لحركة النهضة : تغيير الأسم و الزعيم و الصفة
ألقوا الورود على الجيش والشرطة
يا شيخ راشد الغنوشي لا ترجع ألى تونس الآن أرجوك
مبادرة البطون الجائعة لأسقاط النظام:مبادرة الاسودين : الماء والتمر

المزيد من المقالات

  الحداثة عند طه عبدالرحمن

[من خلال كتابه روح الحداثة]

أعداد : عبدالواحد قرط



المقدمة:

يكتسي بحث الحداثة أهمية قصوى خاصة بعد حيازة الإسلام السياسي نصيب الأسد في  انتصار الثورات العربية مقابل بقية التيارات الأخرى بمشاربها المختلفة. وما إن تهاوت الأنظمة استبدادية القمعية حتى ظهر الصراع الأيديولوجي بديلا عن الصراع القمعي.كصوص الذي يخرج من بيضة تبدو رؤوس الشعوب العربية حائرة فيما تقوله النخبة : حداثة وما بعد حداثة كلمات منمقة بعيدة كل البعد عن " برويطة" البوعزيزي رمز الثورة التي حددت خريطة المطالب : الكرامة شمالا وجنوبا وشرقا وغربا.

لكن وطن النخبة غير وطن الشعب، فسارع البعض ألى استيراد قضايا من خارج سوق البلد واضطر طرف من النخبة أن يرد.

الواقع الثقافي أخذ في التغير والتشكل .الحركات الإسلامية الكبيرة إنضوى تحتها أصحاب الميول السلفية   والحداثية وحتى اليسارية. إن الثورات العربية الناشئة تنذر ب"خلط" الأيديولوجيات التي ساهمت بمقادير في هذه الثورة. ولكن هل هذه ألا تنذر هذه الخلطة بالإنفجار يوما ما

منذ مدة أمارس عملي كإمام في مركز إسلامي وعادة الأسئلة ما كانت تطوف حول الوضوء والصلاة والمعاملات المالية أو الأحوال الشخصية أما أن ارتقت إلى العقائد فتستوي على قضية  "الاستواء". بعد الثورة وردني سؤال عجيب : ما معنى الحداثة ؟ .

لقد ارتفع  السقف الثقافي ومستوى الاهتمام وعلت التحديات فهل يرتقي الفقه والفكر الإسلاميّيْن إلى مستوى التحديات؟ هل يمكن الحديث عن حداثة إسلامية؟

الدكتور طه عبد الرحمن يزعم أن الحداثة روح لا يمكن الحديث عن حداثة بدونها. هي حداثة عالمية إنسانية غير مطبوعة بلون غير.

ما هي أسس الحداثة الإسلامية هذه هي إضافة الدكتور طه عبدالرحمن في كتابه روح الحداثة

1-    حول الحداثة وروح الحداثة

لم روح الحداثة ؟

يرى د.طه عبدالرحمن أن ثمة فتنة مفهومية وأشكالا لدى المتقدمين والمتأخرين ففريق يسقطون الشورى على الديموقراطية وفريق آخر يسقط الحرب الدينية على الفتح.

فهم يردّون المفاهيم المنقولة على المفاهيم المأصولة ويردون المفاهيم المأصولة على المفاهيم المنقولة. فينتهون إلى محو خصوصية المفاهيم.

لعل العمل الثوري يعتقد أنه تجاوز مثل هذه المقولات والمفاهيم.أو لعل البعض لا يرى فائدة في الرد على الفريق  الآخر.لكن الأشكال النظري مقدما في الحلّ عن الأشكال العملي. أن الثورات بحث عن روح الأشياء ورفع النقاب عن التزييف.الحداثة كانت في بلدان العالم الثالث قناعا من أقنعة الدكتاتورية تميعت مفاهيمها وتمزقت بين فرق الايدولوجيا ففقدت روحا.وهكذا صارت الحداثة قميصا يوشك أن يتمزق بين الفريقين.

 

الحداثة إبداع:

الحداثة تقوم على الإبداع والإبداع يقوم على قاعدتين :

القاعدة العامة الأولى :

1-    "كل أمر منقول معترض عليه حتى تثبت بالدليل صحته"

فالسؤال الذي يطرح هنا بم تثبت المفاهيم المنقولة؟ فتأتي الإجابة بممارسة النقد ألإثباتي وهو إنتاج وإعادة إنتاج داخل الإطار التداولي حتى يصير المنقول بمثابة المأصول

القاعدة العامة الثانية :

2-    "كل أمر مأصول مسلم به حتى يثبت بالدليل فساده "

 وهنا يطرح سؤال بم تبطل المفاهيم المأصولة ؟

يبطل بممارسة النقد الإبطالي بإنتاج أضداد هذه المفاهيم في مجالها التداولي أو إعادة أنتاجها في غير هذا المجال

وكلا الإنتاج وإعادة الإنتاج إبداع يخالف الإسقاط لأن إعادة الإنتاج هو إعادة أبداع الشيء حتى كأنه إبداع إبتداءًا

فالحداثة التي في جوهرها إبداع هي بعد عن تقليد المتقدمين أو المتأخرين

فالقاعدة الأولى والثانية المتعلقتان بالتعامل مع المنقول والمأصول يستنبطان من موقف أحد الأئمة :

" قولنا صواب يحتمل الخطأ وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب ".

فتظل العملية الحداثية قائمة على التفتيش والتحري في المأصول والمنقول ومن ثمة فالحداثة ليست تقديس المنقول أو المأصول أو تدنيسهما.

تأسيس روح الحداثة :

ما الفرق بين الحداثة وروحها ؟ يرى طه عبدالرحمن بوجوب التفريق بين الحداثة واقعا والحادثة روحا

الحداثة الإسلامية عند طه عبدالرحمن تقوم على أخلاقية ذات توجه معنوي بديلة عن الحداثة ذات التوجه المادي التي يعرفها المجتمع الغربي

1-الحداثة إمكانات متعددة وليست إمكانا واحدا:

هناك حداثات حسب الأمكنة او حسب المجالات  فيمكن الحديث عن حداثة فرنسية ، ألمانية.... أو حداثة سياسية ، إقتصادية ، إجتماعية مع ثبات التاريخ والمصير. وتتنوع سمات الحداثة قوة وضعفا حسب المجال والبلدان فقد تكون صناعية أقوى من قانونية. أما التاريخ والمصير فيطبعان الحداثة بسماتها الأساسية ومن ثمة يمكن القول أن الأصول الأخلاقية للحضارة الأسلامية هي أسس المسلك التحديثي الإسلامي.فكما توجد حداثة  غير أسلامية فتوجد كذلك حداثة أسلامية مبنية على الأصول الأخلاقية التي تطرق إليها في كتابه سؤال الأخلاق للمؤلف.

فصميم الحداثة هو الإتيان بما ينفع الإنسان فكيف لا يكون من ضمنها حداثة إسلامية. والحال ان الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق :يمكن أن نستخلص من ذلك أن كل حداثة الصالحة تدخل في الممارسة الإسلامية.

ويجب التذكير هنا أن مقاربة الحداثة الآنفة الذكر مقاربة فلسفية لا تقويمية آو تحققيّة كما في المقاربة العلمية . إنها تشوف لما يجب أن يكون.ومن ثمة فهو اجتهاد يجوز للحداثة الإسلامية الأخذ بهاو محاولة لا تقصي بقية المقاربات.

ويزعم طه عبدالرحمن آن الحداثة الإسلامية التي سيؤسس لها متميزة وأن الفعل الحداثي يجد رقيه في الممارسة الإسلامية بما لا يجده في ممارسة غيرها.

3-الأصول العامة لروح الحداثة ونماذج  تطبيقها:

تقوم روح الحداثة على  ثلاث مبادئ :

مبدأ الرشد ومبدأ النقد ومبدأ الشمول

وكل مبدأ يقوم على ركنين . وبناء على هذه النظرية يمر الدكتور إلى نقد بعض المسلمات الغربية لإبراز الكيفيات التي يتم بها التطبيق الإسلامي لهذه الروح

أما المبدأ الأول فهو مبدأ النقد ويقوم على ركنين هما التعقيل الموسع والتفصيل الموجه ولدي التطبيق اعتمد على نماذج مثلى : هي العولمة والأسرة الغربية

أما مبدأ الرشد ويقوم على ركنين هما : ركن الإستقلال وركن الإبداع

وقام بتطبيق هذا المبدإ على الترجمة الحداثية والقراءة الحداثية للقرآن. ففي تنزيله لمفهوم الرشد على الترجمة الحداثية أرتأى الدكتور طه عبدالرحمن أن يمارس المترجم الأستقلال المسؤول والإستكشاف لا الإستنساخ

وفي تنزيله لمبدإ الرشد على القراءة الحداثية للقرآن يرى أنها يجب أن تؤسس على الإبداع المأصول الذي لا يعتمد فيه على الخطط الانتقادية الداعية إلى محو الحكمية والقدسية والغيبية بل يجب أن تؤسس على خطط انتقادية مأصولة تكرس ثلاثا : تكريم الإنسان وتوسيع العقل وترسيخ الأخلاق

أما مبدأ الشمول فيقوم على ركنين: ...

واستلهم الدكتور نموذجين للأستدلال في التطبيق :هما حق المواطنة الذي يتأسس  على المؤاخاة والتي تتميز بصفة التوسع المعنوي الذي يقوم على  مبدأين : الإخلاص والأمة، فبالاخلاص يتقى الانفصال كما هو حاصل في المواطنة الليبرالية. أما مبدأ الأمة فيُتّقى به الانغلاق الذي هو داء  المواطنة الجمعانية

أما النموذج الثاني فيتمثل في واجب التضامن المتأسس على التراحم المتحقق بصفة التعميم الوجودي التي يتقى بها الانفصال عن  الثلاث :  التراث  و الطبيعة و الحيز

4-  مفهوم الحداثة:

عرفها البعض على أنها حقبة تاريخية متواصلة إبتدأت في أقطار الغرب ثم انتقلت آثارها إلى العالم بأسره واختُلف التحقيب من خمس قرون إلى قرنين

وبعض التعريفات قامت على فكرة الصفات الخاصة بالحداثة فقد وصفت الحداثة بأنها مطبوعة بقوة عطاء هذه الحقبة مع اختلافهم في التعبير عن هذه الصفات وعن أسبابها ونتائجها

فمن قائل : الحداثة هي النهوض بأسباب العقل والتقدم والتحرر

ومن قائل : ممارسة   السيادات الثلاث عن طريق العلم والتقنية  وهذه السيادات هي السيادة على الطبيعة وعلى المجتمع وعلى الذات

وربما تعرف الحداثة بصفة واحدة : قطع الصلة بالتراث. كما عرفت بأنها :" طلب الجديد "، " محو القدسية عن العالم" ، " العقلنة" ،  "الديمقراطية " " حقوق الإنسان "، " قطع  الصلة بالدين "، "  العلمانية " ،

من خلال تعدد التعريفات يمكن أن نوافق هابرماس حين قال : الحداثة مشروع لم يكتمل".

كما يمكن ان نلاحظ أن التعريفات تصور لنا الحداثة ككائن عجيب يتصرف  في الأحياء والأشياء كلها تصرف الإله القدير بحيث لا راد لقدره. ويمكن القول أن تصوير الحداثة بهذا الشكل التهويلي غير حداثي لأنه نقلها من مفهوم عقلي إجرائي إلى رتبة شيء وهمي مقدس.

5-  مبادئ روح الحداثة :

للحداثة جسد وروح أما مبادئ روحها كما بينا فتتمثل  في ثلاثة مبادئ أولها :

5 -1- مبدأ الرشد : الانتقال من حال القصور ألى حال الرشد والقصور هو اختيار التبعية للغير يقول كانط معرفا القصور :"عدم قدرة المرء على استخدام فكره في الأمور دون إشراف الغير عليه مع وقوع مسؤولية هذا القصور عليه هو لا على هذا الغير ".

والتبعية أنواع  فهناك

التبعية  الإتباعية: وتعني التسليم عن طواعية لغيره ليفكر مكانه

التبعية الإنسلاخية :وتعني نقل طرائق ونتائج تفكير غيره وتنزيلها بصورتها الأصلية على واقعه وأفقه

التبعية الآلية :انسياق القاصر إلى التقليد للمناهج والنتائج من حيث لا يشعر لشدة تماهيه مع هذا الغير

ويقوم مبدأ الرشد على ركنين :ركن الإستقلال وركن الإبداع

1-ركن الإستقلال :

وفيه يتم الاستغناء عن الوصاية والإنصراف عن السلطة فيما يفكر فيه فتنطلق حركته وتقوى ذاته.

2-ركن الإبداع :

ويعني التأسيس للأفكار والأقوال والأفعال على قيم جديدة أو على قيم يعيد إبداعها كأنها قيم غير مسبوقة. ظهر هذا المصطلح أكثر في الأدب فظهرت المدرسة الحداثية أو الحداثانية.

خلاصة هذا الركن أن الراشد لا يني يبدع حياته.

5-2-    مبدأ النقد :

الأصل في  الحداثة هو الأنتقال من حال الاعتقاد إلى حال الإنتقاد.

فالإعتقاد : يقصد به التسليم بالشيء من غير دليل.

الإنتقاد : المطالبة بالدليل على الشيء كي يحصل التسليم به

ويقوم مبدأ النقد على ركنين :ركن التعقيل وركن التفصيل

1-    ركن التعقيل : ويعني العقلنة  وهو التعليل الذي يعني إيجاد العلة العقلية لإخضاع ظواهر العالم والمجتمع والإنسان أي إخضاع سلوكيات وموروثات التاريخ لمبادئ العقلانية : الحساب ، التنبؤ،التجريب ،التقنين ، التطبيق".

2-    ركن التفصيل {التفريق} : وهو نقل الشيء من صفة التجانس إلى صفة التغاير في مختلف المؤسسات : العلم، القانون ، الأخلاق ، الفنون.أو في مجال القيم النظرية العلمية الرمزية:كالفصل بين الدين والدولة كما في العلمانية أو الدين والأخلاق أو الدين والأخلاق آو الدين والعقل أو الأخلاق والسياسة.إذا التفصيل يعني تحويل المتشابه إلى متباين لضبط آليات كل عنصر منها

 

5-3-    مبدأ الشمول :

الأصل في الحداثة، الإخراج من حال الخصوص إلى حال الشمول.

الخصوص : وجود الشيء في دائرة محدودة بصفات متعددة. والخصوص خصوصان :خصوص المجال فلكل شيء مجاله المحدد وخصوص المجتمع

والفعل الحداثي ينفذ  لحالي الخصوصين : خصوص المجال وخصوص المجتمع ، من خلال ركنين :ركن التوسع وركن التعميم :

1- ركن التوسع :

فالفعل الحداثي ينفذ لكل المجالات ومستوى السلوك، ففعلها في أي مجال يحتم ان تتداعى له المجالات الأخرى

2-ركن التعميم :فالفعل الحداثي ينفذ من مجتمع الفعل إلى بقية المجتمعات الأخرى عبر وسائل الإتصال لتحرير الإنسان أيا كانت الفروق

فخصائص روح الحداثة :أنها روح راشدة ناقدة شاملة

وكي نفهم هذه المبادئ لا بد من أن  النظر الى النتائج المترتبة عن روح الحداثة

6-  النتائج المترتبة عن روح الحداثة :

 

1-    تعدد تطبيقات روح الحداثة لأن الروح تتجلى في أكثر من مظهر

2-    تفاوت بين واقع الحداثة وروحها : الواقع ينزل منزلة الممثول من المثال. الواقع الحداثي يتفاوت غير أن روح الحداثة لا تماثل واقعها.

3-    خصوصية واقع الحداثة الغربية :

واقع الحداثة الغربية واحد من إمكانات التطبيقات المتعددة فله خصوصية بل لكل مجتمع خصوصياته

4-    أصالة روح الحداثة : روح الحداثة من صنع المجتمع الإنساني ، قد تكون تحققت في مجتمعات ماضية  بوجوه تختلف عن وجوه تحققها في المجتمع الغربي الحاضر يبقى في مُكنتها أن تتحقق في مجتمعات أخرى

5-     الإستواء في الإنتساب إلى روح الحداثة :فليست ملكا لأُمة بعينها بل هي ملك لكل أمة نهضت بالفعلين " العمراني" والفعل "التاريخي" ولا يعنى التأخر الأفضلية بل الأفضلية بالفعل التاريخي الذي هو معنوي مقابل الفعل العمراني الذي هو مادي

7- شروط العامة لتطبيق إسلامي لروح الحداثة :

1-أجتناب آفات التطبيق الغربي لروح الحداثة :

من  ذلك:

1-     إنقلاب المقصود إلى ضده، كفكرة السيطرة الإنسان على الطبيعة التي تحولت إلى سيطرة الطبيعة على الإنسان ،أنه مسلسل لا يتحكم في ذاته حيث تنقلب الوسائل إلى غايات فنرى التغيير يحدث من اجل التغيير والفن من اجل الفن بل والبعض ذهب لما تغلغل هذا الإنفلات او الإنقلاب إلى إنزاله منزلة القانون: فقيل حتى نصل إلى تحقيق الشيء ينبغي فعل ضده

فالتقليل في العمل يؤدي إلى زيادة في الإنتاج، وكي نحقق النمو الاقتصادي المرجو نستحق أنتاج البطالة.

هذا من الآفات التي نتجت عن الحداثة الغربية

2-    الحداثة تطبيق داخلي لا تطبيق خارجي :

هي  جوانية لا برانية ، تطبيق لمبدأ النقد والرشد والشمول.فالحداثة البرانية هي الحداثة التي تجسد تطبيق التطبيق الغربي لهذه الروح، وترفع التطبيق الغربي إلى درجة الروح وهذا ضار بالتطبيق لأن الحداثة داخلية أو لا تكون

3-    الحداثة تطبيق إبداعي لا إتباعي:

تعقيلا وتوصيلا واستقلالا وتوسيعا وتعميقا، فهي ممارسة داخلية مبدعة .فالتطبيق يقوم على كيفية الانتقال من الحداثة المقلدة إلى الحداثة المبدعة ومن ثمة وجب تجنب مسلمات التطبيق والاعتقادات الفاسدة باعتماد شروط خاصة للتطبيق الإسلامي لمبدأ الرشد إستقلالا وإبداعا.

8-الشروط الخاصة للتطبيق الإسلامي لمبدإ الرشد :

1-الانتقال من الأستقلال المقلد إلى الأستقلال المبدع:

بضرب المسلمات الآتية:

1-    وصاية الأقوى الخارجي عناية بالأضعف:لأن الوصاية مهما كانت فهي مخالفة لروح الحداثة

2-     - الوصاية الداخلية هي وصاية رجال الدين  : لأن رجال الدين الإسلامي لم يصادروا السلطة السياسية كما صادرها رجال الأكليروس في تاريخ المستعمر.فرجال الدين لم يسيطروا ويتحكموا بالأفكار حتى يكون الدخول للحداثة بنفس الطريق الذي دخلت به إلى الغرب.

3-     الحداثة هي الإستقلال عن الوصاية الداخلية :

فرجال الدين نراهم أحيانا ليسوا أوصياء بل موصى عليهم فلا يفكرون إلا حين يسألون او يؤذن لهم

بل نرى ان المستعمر أحيانا هو الوصي لأنه هو الذي يحدد مجال الوصاية التي ينبغي التخلص منها

فالاستعمار قام بقلب المفاهيم أحيانا، وعلى الحداثة تصحيح  المفاهيم أي تعديل ما قلبه الاستعمار وصولا إلى أن يفكر المسلمون بأنفسهم وإلى حداثة بلا وصاية من الهيمنة الاستعمارية يكون فيها الإستقلال مسؤولا لا قاصرا

ولكن يظل السؤال مطروحا كيف ننتقل من الإبداع المقلد إلى الإبداع المبدع؟

أي كيف يمكن أن ننتقل من الإبداع المنقول إلى الإبداع الماصول؟

لقد تعطلت قدرة الإبداع حتى لكأن التقليد صار سجية  لدى الكثيرين وأنواع التقليد الذي صاروا أليه بنوعيه :

تقليد الفكر القديم، تقليد الفكر الحديث.

إن الأبداع المبدع هو أبداع فيما أبدعه الآخر.أما حال المسلمين فما أن يتلقون إبداع الآخر حتى تراهم يهرعون إلى تطبيقه في الحال كما لو كانوا يتعبدون به. إنهم حينئذ لا يصيبون عين الحداثة وإنما يمرقون منها مروق السهم من الرمية

أن الخروج من الإبداع المقلد إلى الإبداع المبدع يقوم على ضرب المسلمات الآتية :

1-    ان أبدع الإبداعات ما كان انفصالا مطلقا

2-    الإبداع يخترع الحاجة كما انه يشيعها

3-    أصدق الإبداعات ما بلغ فيه ازدهار الذات نهايته

ويقوم الرد على المسلمات الآنفة مرتبة كالآتي :

1-الانقطاع عن كل سابق استنفاذ مكامن الإبداع فيه:

فالإنقطاع عن القيم الإنسانية يهوي بالإنسان إلى الدرك الأسفل فلا يتصور انقطاع عنها

2-    الإبداع يخترع الحاجة كما انه يشيعها

هذه المسلمة مردودة على إطلاقها، فحاجات الإنسان ليست مادية فحسب بل وكذلك جمالية : فالملاحظ  أن زيادة إنتاج السلع لشدة حاجة المستهلك غايتها زيادة الربح لا زيادة الذوق الفني للمستهلك.ومن ثمة لزم مقاومة الزيادة المادية بزيادة نظيرة في الحاجيات الروحية فلا يدفع التحويج المادي إلا تحويج روحي على قدره. إن الحداثة الإسلامية تساهم في بناء الحداثة العالمية بملء الفراغ الروحي : " فقد المعنى" ، " فقد المرجعية" الذي هو فقد المقصدية وفقه التوجه.فعلى الحداثة الإسلامية اختراع وابتكار أذواق جمالية وآثار أخلاقية جديدة

6-            أصدق الإبداعات ما بلغ فيه ازدهار الذات نهايته: فتعد مردودة ما لم يجر تقييدها

أن الأزهار هو ازدهار المجموعة ، فلا بد أن يقيد الذات بالمجموعة، فالخير ما كان مصلحة متعدية لا قاصرة.فقواعد الخير في المجال التداولي تقول : "حب الذات يشقي صاحبه ولا يسعده" و"الإحسان  إلى الغير هو الإحسان إلى الذات "

إذا يمكن القول أن الحداثة الإسلامية حداثة داخلية مبدعة يقطع فيها بما انقضى نفعه من الماضي وبالفاسد من الواقع الحداثي ويعيد أبداع جزئه الصالح

 

9-  الشروط الخاصة للتطبيق الإسلامي لمبدإ النقد

يرتكز مبدأ النقد على ركنين :" التعقيل" و"التفصيل"

-         الأنتقال من التعقيل المقلد إلى التعقيل المبدع:

-         لضعف الثقة بالقدرات العقلية للنقد وبسبب توهم ألا محيد ولا خيار عن آليات النقد وكأنها صالحة لكل واقع حداثة. إحتذى المقلدة من "التعقيليين" الآخر حذو النعل بالنعل فكم جنوا على الكثير مما انتقدوه من تاريخهم وتراثهم فزيفوها وشككوا فيها وكم من أباطيل زينوها أو لبسوها

-         ومن ثمة يجب على التعقيل الإسلامي تجنب الآفات التي وقع فيها التعقيل الغربي :

-         وذلك باستخراج المسلمات التي  بني عليها هذا التعقيل

-         أن العقل يعقل كل شيء

-         الإنسان يسود الطبيعة

-         كل شيء يقبل النقد

محدودية المسلمة الأولى: أن العقل يعقل كل شيء

ويمكن أن نبين محدودية المسلمة الأولى من وجه أن العقل لا يمكن أن يعقل ذاته ولو أنه هو أيضا شيء من الأشياء.وحتى نعقل العقل نحتاج عقلا أكبر وهنا نقع في التسلسل إلى ما لا نهاية

أما الوجه الثاني لبيان محدودية هذه المسلمة :

أن العقل لا يمكن له أن يعقل الكل ولو أنه هو كذلك شيء من الأشياء ، بل هو اكبر شيء ممكن

لأنه جزء ومحال أن يحيط الجزء بالكل.

التطبيق الغربي يعترف بمحدودية العقل وكونه " عقل أداتي"يصنع الآلات ويدر الأرباح في مقابل العقل "القيمي "،ولم يكفوا من الشكوى منه لما يجلبه من مهلكات على البشرية.

فإضافة لأهمية الآلات هنالك  الوجدان والآيات التي في داخل الإنسان ولا تقل قيمة ولا أهمية عن الآلات والتعقيل في الجانب الوجداني من صنف ألطف وأدق

هنا يمكن القول ان التعقيل الذي ينبغي أن يمارسه الإنسان هو ذلك الذي يطلب المعارف ويصنع الآلات على مقتضى القيم والإشارات المتغلغلة في الوجدان الإنساني

-         محدودية المسلمة الثانية: الإنسان يسود الطبيعة

-         الطبيعة أم الإنسان  وليست له امَة

لا تزال تسود أوساط الحداثيين منذ أن نطق بها ديكارت وهي في الحقيقة من الخيال لأن السيد هو المالك والإنسان لا يملك الطبيعة لأنه لم يخلقها بل سخرت له حتى لما اكتشف قوانينها لم يملك مآلات استخدامه . الحقيقة أن الطبيعة هي التي صارت تملك الإنسان  يطيعها ولا تطيعه.لقد صار مثلها : يريد أن يُعرَّف كما تُعَرَّفُ قوانينُها أراد أن يصير ظاهرة طبيعية مثله مثل الطبيعة. ولما يئس لجأ إلى مقولة : التعاقد مع الطبيعة فلو لم يكن هناك صراع آو حتى حرب مستشعرة وسيطرة ما ، ما سعى الأنسان للتصالح وعقد ميثاق مع الطبيعة. أما الخطاب الإسلامي فيوادُّ الطبيعة ويراحمها حتى تبوح له بأسرارها وكلما زاد بَوْحُها له بأسرارها زاد رحمة بها دون تقديس لها بل يقدس من بث فيها أسرارها. فأذا كان لا بد من ميثاق مع الطبيعة بلا يجب أن ينحصر في الجانب المرئي منها فحسب بل وفي غير المرئي كذلك.أي أن  يشمل العوالم كلها على السواء إذا فالتعقيل الإسلامي يأخذ بهذا الميثاق الكوني الشامل.

-         اما محدودية مسلمة التعقيل الثالثة : كل شيء يقبل النقد.

-         تنطوي على افتراضين كلاهما باطل

-         الإفتراض الأول:النقد هو الطريق الوحيد الذي يوصل إلى الحق في كل شيء

-         وهذا غير صحيح لأن نقيض النقد الذي هو الخبر طريق إلى معرفة الحق كذلك بل قد يكون الخبر إن حمل حقيقة ساطعة أقوى من طريق النقد المحتاج إلى المساءلة والمراجعة أحيانا.

-         الأفتراض الثاني : أن كل الأشياء ظواهر : بحيث يمكن إجراء النقد عليها فهذا لا ينسحب مثلا على الظواهر القيمية الروحية  والمثل العليا مثلا،  فهذه نثق فيها ونعمل وفقها كي تكشف لنا عن حقيقتها شأنها مع طالبها شان المتحابين

-         فالنقد الإسلامي يأخذ بالنقد المتنوع لأن الأدلة منها المبطلة ومنها المثبتة وهي تتنوع حسب مجالات الحياة والإنسان والطبيعة المختلفة والمتداخلة. فالأدلة من ثمة تختلف من وجوه ثلاثة:

-         1- كل مجال يستقل بمنطقه النقدي

-         2- منطق كل مجال يجب تعديله حسب منطق غيره من المجالات

-         3-المنطق المحصل من مراعاة مختلف المجالات يسهم في توجيه المنطق الخاص بكل مجال

فنظرية النقد المتنوع تهدف إلى التواصل بين أنواع النقد بل وحتى نقدها في ذاتها

الأنتقال من التفصيل المقلد إلى التفصيل المبدع

صارت الحداثة عند الحداثَويّين من أبناء الأمة من المتعصبين في تمثل التطبيق الحداثة الغربي تقطيعا وتفصيلا للتراث إلا أن فصولهم وقطائعهم قلدوا فيها فصول وقطائع حداثة الآخرين وتوسلوا بفكرانيات منقولة عنهم في التفصيل وفصلوا حتى ما لا حاجة للتفصيل فيه فصاروا يفصلون في كل مذهب وتعلقوا  أشد تعلق بفصل " الحداثة عن التراث" و"فصل السياسة عن الدين"

فصل الحداثة عن التراث يحمل على معنيين :

1-    التراث مفصول عن روح الحداثة

2-    التراث مفصول عن واقع الحداثة في الغرب

ولبيان فساد المعنيين : نسرد الحجج الآتية

1-     المبادئ التي أسست لروح الحداثة عرفتها كثير من الحضارات فضلا عن الحضارة الإسلامية

2 - إبداعات المسلمين ساهمت في بث روح الحداثة في الغرب

3-    مبادئ روح الحداثة في التطبيق الإسلامي كامنة كإمكان تصور في روح الحداثة وإن لم توجد متحققة في واقع الحداثة

 

وأما فصل السياسة عن الدين ففيه خلط تنم على تفصيل مقلد  وحتى نتجاوز هذا الخلط لا بد من الإطلاع على آفات التطبيق الغربي لهذا الفصل من خلال المسلمات الثلاث الآتية :

-         1- الفصل بين الحداثة والدين فصل مطلق

-         2- الفصل بين العقل والدين فصل مطلق

-         3- التفصيل يقترن بمحو القدسية

ووجوه الفساد في المسلمة الأولى 4 :

1-الخلط بين الكنيسة والدين : الحداثة نبذت الاكليروس المتسيّس لا الدين المسيحي لأن الدين ليس ملكا للأكليروس

2-    -الأعتقاد بظهور الحداثة دفعة واحدة:بل إنها سيرورة تاريخية اثرت في روحها الثقافات اليونانية والمسيحية واليهودية

3-    توسل الحداثة بمفاهيم دينية صريحة:لم تجد الحداثة بدا من استعمال مفاهيم من المجال الديني : الحياة ، الكمال ، الأخوة، الزمان

4-    -وجود رجال دين من بين مؤسسي الحداثة :

البروتستنتيون من رجالات النهضة الايطالية الذين  ساهموا في النهضة عبر الإصلاح الديني وقيل هم وراء نشأة الرأسمالية الغربية ، ومنهم من عرف باستقلاليته : إيرازموس بل ونجد من مؤسسي الحداثة من حملت أفكارهم آثارا دينية : ديكارت نيوتن وكانط وهيغل

التطبيق الإسلامي يتعامل مع الفصل تعاملا وظيفيا لا بنيويا تقلب ومن ثمة فله صفة الوظيفية

فالفصول ليست مانعة بحيث أن ما يثبت لأحد المفصولين ينتفي عن الآخر والعكس بالعكس ومن ثمة فللتطبيق الإسلامي صفة الجمعية.فتوجد سياقات تجتمع فيها الفصول فالفصل بين السياسي والإقتصادي أو الثقافي والأجتماعي صار الآن محل نقد بل ترك خلافا لما كان عليه في بداية التطبيق الغربي للحداثة

الفصل بين السياسي والديني  : اثر من آثار التحولات المؤسسية المجتمعية ليس أحق بالتركيز عليه دون سواه من الفصول وهو كما أشرنا فصل وظيفي لا بنيوي غايته ضبط المفصولين والفصل لا يمنع من الوصل بل الوصل مقدم على الفصل وعلى المسلمين البحث عن توسيع معنى السياسة

فالسياسة في التطبيق الغربي : تدبير شؤون الناس بواسطة قوانين من وضعهم أنفسهم

أما السياسة في التطبيق الإسلامي: تدبير شؤون الناس بواسطة قوانين من اختيارهم أنفسهم.

-         الأحكام لدى المسلمين قد تكون من وضعهم وقد تكون من وضع خالقهم المهم آن تكون باختيارهم

-         أما المسلمة الثانية فتبطل أيضا لأنها تحصر الدين في اللامعقول أو الأسطورة والغيب والحقيقة أن اللامعقول يمكن حصره في معان ثلاثة:

-         1- الذي يستحيل وقوعه: كاجتماع النقيضين

-         2- الذي لا ينال بواسطة العقل : إما لأنه يجاوز مرتبته آو يخالف جنسه

-         3- الذي لا يجري عليه حكم العقل لا تصديقا ولا تكذيبا

فأن كان مستحيلا : لا يبعد ان يكون هناك عقل جدلي يجمع بين النقيضين فيكون الدين معقولا جدلا

أما إن كان لا ينال بالعقل :فان وجد عقل أعلى مرتبة من العقل المعلوم يمكن أن يصير الدين معقولا : هذا العقل يسميه البعض الروح وان كان بمعنى ما لا يجري عليه حكم العقل فيجوز أن  نجزم انه معقول أو لا معقول وقد يكون مدركا بقوة أخرى غير العقل. فالدين حتى لو كان غيبيات لا يتعارض مع العقل الجدلي ولا مع العقل الروحي ولا مع وجود قوة إدراكية خاصة

إن الطريق الإسلامي في التفصيل الحداثي يقوم على تعقيل الدين: فهو ليس طقوسيات لا معقولة بل هو أحوال عقدية وأحكام شرعية. فالأحكام الشرعية المعقول منه يدرج واللامعقول يجتهد فيه

أما إبطال مسلمة : التفصيل يقترن بمحو القدسية :

فالافتراض الذي بنيت عليه هذه المسلمة باطل يقوم على فكرة أن حيثما وجد قدسية وجد سحر.

-         إن التقديس هو تعظيم كل ما يتعالى على العالم فهي صفة تعظيم أما السحر فصفة تعظيم تنسب إلى ما يحل بالعالم ويتداخل معه، كأنه جزء منه كما في المعتقدات البدائية و لقد جاء العلم ليحل بعض هذه الطلاسم وكشف زيف القوى السحرية

-         إن الكون ليس جملة من الطلاسم يجب الكشف عنها بل هو آيات متجسدة في ظواهر كونية لها معاني تدل على أن لها خالقا يتقدس عن مماثلتها

-         والدليل أننا عندما نكتشف قوانينا، تمتلئ نفوس من اكتشفها أو بعضهم بعظمة من وضعها

فالإنسان كائن متصل زمانا ومكانا ، عقلا وقلبا، لهذا يبحث عن آثار للعوالم الروحية المتأصلة فيه ويصير المقدس هو راحلته إلى هذه العوالم ، كل شيء في الكون يحوي سرا وشتان بين سريّة آو أثريّة الكون وبين سحريته. فالأثرية تبقى بعد اكتشافها والسحرية تختفي بمجرد الاكتشاف.وكل اكتشاف لهذه الأثرية تزيد من اتصال الإنسان بإنسانيته.لا عجب أن يجد الإنسان المنفصل عن العالم فقد معناه لأنه محجوب عن أثريته آو سريته فيفقد الثقة به ويصير الكون عنده أشد من الموت لأنه انفصل عن الذي بعده.

10-الشروط الخاصة للتطبيق الإسلامي لمبدإ الشمول :

ويتكون مبدأ الشمول من ركنين: التوسع والتعميم

الانتقال من التوسع المقلد إلى التوسع المبدع: ما حصل ويحصل في مجتمعاتنا هي حداثة الآلات لا الأفكار فهي حداثة لم تستوعب جميع المجالات.المجال الأخلاقي الفردي لحقه التوسع الحداثي الغربي قبل ان يلحق المجالين السياسي والقانوني. في حين أن المسار الحداثي الصحيح هو الابتداء بتحديث الأخلاق ، يليه تحديث الأفكار ، ثم تحديث المؤسسات ، فتحديث الآلات .

فبدون مجاهدة للنفس لا حرية للتفكير وبدون الحرية لا روح علمية وبدون الروح لا قدرة على الإدارة ولا على الاختراع.

أما المسلمات التي جلبت الآفات للتطبيق الغربي لركن التوسع

فهي :

أ-الحداثة واقع حتمي

ب- الحداثة تورث القوة الشاملة

ج- ماهية الحداثة ماهية إقتصادية

المثقفون الغربيون يرون الحداثة قدرًا محتوما لا حول للإنسان معه ويقصدون طبعا واقع الحداثة لا روحها او يخلطون بينهما. فلا يمكن تفاديها بإيجابياتها وبسلبياتها.فهي ظاهرة معقدة لا يمكن فك آثارها السيئة عن آثارها الإيجابية لأن محو السيئ منها يؤدي إلى محو الحسن منها. فلا يبقى إلا سلوك التكيف معها باستثمار فرص الإنتفاع بها وتحمل التعايش مع أسباب الضرر المنطوي عليها.هذا المنطق الاستسلامي الأنهزامي : يخالف طبيعة الحداثة لأنها لم تفرض عليه من فوق بإرادة إلهية قاهرة بل اختارها وأسسها بيديه فبمقدوره إصلاحها كما أوجدها مغيرا مسارها متجنبا عوائق اللحظة كما تجنب عوائق الإنشاء

فالطريق الإسلامي في التوسع الحداثي يقوم على حقيقة أساسية : الإنسان أقوى من الحداثة

فإذا تعثرت الحداثة الغربية أي واقعها فبمقدور الإنسان أن ينشأ واقعا آخر.بل بمقدر طاقاته اللامحدودة أن ينشأ نمطا من الحياة ليس من جنس الحداثة نفسها فكما انشأ الإنسان مسارا سماه الحداثة يمكنه أن يزحزح هذا المسلسل الذي صار كأنه خارج عن طاقته وإرادته لينشأ مسلسلا جديدا

نقض مسلمة التوسع الثانية : الحداثة تورث القوة الشاملة

لا تصح مطلقا لأن الحداثة الغربية لم تورث أصحابها إلا القوة في مجال المادة فالمعرفة الغربية الغاية منها الهيمنة المادية. لقد منعوا الحداثة أن تمر إلى المجتمعات الأخرى استبدادا فسادت النظرة المادية والأخلاق المبنية على المصالح الفرديةو تلبسوا بأنانية عمياء.

أورثت الحداثة الغربية ضعفا روحيا فاحشا على قدر القوة المادية الساحقة. ومن ثمة ظهرت الما بعد حداثة وهي عودة للديني وللامعقول وعودة الروحانية وعودة المقدس كما يسمونها تعبيرا عن حاجيات لم تلبيها الحداثة.

فالمادة بلغت ذروتها حتى تحولت وثنية جديدة مقابل تفتت ديني بلغ ذروته. فعُبد ما لا يُعبد حتى صار البعض يتقرب لمعبوده بالأنتحار

فالطريق الإسلامي في التوسع الحداثي يقوم على حقيقة ثانية : جسمانية الإنسان تابعة لروحانيته.

فعلى الحداثة النهوض بالحاجتين المادية والروحانية على السواء بل الحاجات المادية موقوفة على تلبية الحاجات الروحية

فالعماد الثاني للحداثة تقوم على الحداثة الروحية. بحيث يتم تجذير جميع قيم التضامن والكرامة والمساواة عموديا في أفق أعلى هو الأيمان وهذا يتطلب إبداعا جديدا لقيم نافعة وقع تناسيها.فهذه القيم تفقد قيمتها إن استخدمت في توفير المصالح المادية : فالمساواة لا بد إن تعني كذلك المساواة والعدل في توزيع الموارد الداخلية : العقل والخيال والروح

أما مسلمة التوسع الثالثة التي يمكن أن نحدد من إطلاقيتها: " ماهية الحداثة ماهية إقتصادية "

إن الواقع الاقتصادي حسب هذا التصور واقع مستقل عن الواقع الإنساني والاجتماعي، له سطوته على السوق والإنتاج والاستهلاك. لقد صار توجها أقتصادويا غابت عنه فكرة تحقيق الكرامة الإنسانية وغدت التنمية الإقتصادية غاية في ذاتها وحقوق الأنسان وغيرها من المجالات كالتربية والتعليم والثقافة وسيلة لهذا النمو الاقتصادي أما الآفة الثانية التي وقع فيها هذا التغول في الغاية : فاشتداد الاستهلاك لدى الفرد يصيبه بالنزعة اللذية : فالوزن يصير عندئذ اللذة المجلوبة وتصير جميع أنماط الحياة مشروعة وتسقط الموانع و"يسيل" الإنسان في وادي المتع وهذا نهاية في انهيار روح الحداثة.

فالطريق الإسلامي في التوسع الحداثي يقوم  على حقيقة ثالثة : " ماهية الإنسان ماهية أخلاقية" لأن الفعل الاقتصادي في جوهره اخلاقي: فمتى صلح الفعل الاقتصادي يصلح الإنسان ومتى فسد فسد الأنسان وبيان ذلك من وجهيين :

 الاستكمال المتواصل : فللانسان خصوصية قابلية الكمال ولكن هذا الكمال لا يتأتي بتراكم أرباحه وازدياد قوته الشرائية وإنما بالتحسن المتصل في أفعاله وقوته المعنوية

أما الوجه الثاني : الإستقبال الآجل : ففكرة "المستقبلية" المقترنة بالكمال التقدم الإقتصادي ليس مفتاحها وإنما مفتاح الكمال التزكية الاخلاقية المتجذرة في الدين لأن الأصل في الدين : بيان حياة المستقبل : فمفهوم المستقبل مفهوم ديني لان الدين يحدثنا عن حياة اخروية ما الحياة الدنيوية إلا مطية لهاوقد غاب هذا عن التقدمية إذ لولا الدين ما خرج الانسان من حاضره إلا لماضيه فالاخلاق الدينية تورث الأنسان الكمال و هي أصل الوعي بالمستقبل.

التوسع الإسلامي أذا يقوم على حقائق ثلاث : الإنسان أقوى من الطبيعة، جسمانية الإنسان تابعة لروحانيته ،ماهية الإنسان ماهية خلقية.

الانتقال من التعميم المقلد إلى التعميم المبدع :

التعميم بمعنى شموله جميع البشر مألوف في المجال التداولي الإسلامي.فهو يدعو إلى العالمية إذ يخاطب العالمين. لكن المسلمين أساؤوا استعمال هذا الطريق حين قرنوه بمسالة الدفاع عن الإسلام

فالحداثة قامت على أنقاض الإرث الكنسي على فكرة نبذ الدين كلية وفي هذا السياق الحداثي يغدو الدفاع عن الدين بقصد تبليغه رسالته العالمية ضربا من لا عقلانية الدين وبعض علماء الدين اخذوا بفكرانية الدفاع الديني وكان الأجدر بهم أن يسلكوا - أمام انفتاح أبواب العالم- طريق العطاء ويتخلوا عن طريق الدفاع

وكي يساهم المسلمون في حداثة المجتمع العالمي يجب عليهم اجتناب مسلمات التطبيق الحداثي الغربي:

أ-الحداثة تثبت الفكر الفرداني

ب-العلمانية تحفظ لجميع الأديان حرمتها

ج-قيم الحداثة قيم كونية

إبطال المسلمة الأولى : " أ-الحداثة تثبت الفكر الفرداني "

فإجماع الدارسين انعقد على أن الحداثة تفرز الفردانية أي تحمل الإنسان مسؤولياته كاملة وما وجوده في المجتمع إلا لتحقيق سعادته الخاصة

لكن الفردانية ليس لازمة من لوازم روح الحداثة ولا ملازمة لها ولا منفكة عنها

فالغرض من الحداثة تمتيع الأنسان بحقوقه كي يبني المؤسسات التي تصون الإنسان لا الفرد فالإنسان رتبة مثالية نحكم عليها من منظور الواجب أما الفرد فرتبة اجتماعية نحكم عليها من منظور الواقع.

ولقد خرجت الحداثة الغربية من رتبة الإنسان إلى رتبة الفرد استبدل في هذا الخروج مكان صفات الكمال صفات الأثرة والأنانية.

فالطريق الإسلامي في التعميم ينطلق من مفهوم جديد هو مفهوم: " المجتمع العالمي ". فالمجتمع الحداثي الغربي بعيد عن هذا المفهوم فما هو إلا مجموعة أفراد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى هو ثمرة الكوجيتو الديكارتي القائم على التفكير القاصر مقابل التفكير المتعدي الذي يقوم عليه الطريق الإسلامي.

ومقتضى التفكير المتعدي : هو "أن يفكر المسلمون على أساس أن فكرهم يتعلق بغيرهم بقدر ما يتعلق بهم" فهو تفكير يقتضي المعية الفكرية  ويبررها ثلاث وقائع :

أولاها كل مشكل يقع في العالم يحل بطريق عالمي والثانية : التفتت الثقافي زاد الحاجة إلى التواصل بين الجماعات المتفرقة والثالثة :الجمعيات المدنية صائرة إلى اختراق الحدود وإلى عبور القارات مثلها مثل الشركات الدولية وهي الوحيدة القادرة على مواجهة هذا الأنهيار الوشيك القريب والكامل.

أما مسلمة " العلمانية تحفظ لجميع الأديان حرمتها "

فالبعض عرف الحداثة بالعلمانية  واختلفوا في خواصها فتارة : نهاية سلطان الكنيسة وتارة "نهاية المسيحية" وتارة" نهاية الدين " .وتارة  " غياب الإله ".

وفصلوا بين التدبير السياسي والأختيار الديني ولما عمت العلمانية جميع المجتمعات بأديانها المختلفة بدت حافظة لحرمة الأديان.

 لكن القول بتساوي الأديان غير صحيح كما لا يصح أن السياسات والفلسفات و الفكرانيات متساوية فبعض الأديان أعقل من بعض وبعضها أشمل من بعض. فكما عرضت الحداثة الفلسفات على محك النظر كان من باب أولى ان تعرض الأديان كذلك على محك النقد كي تستفيد من صحيحها في تدبير الشأن العام كما تستفيد من صحيح الفلسفات والسياسات. أما لم لم تفعل ؟ فلأنها ترى الأديان مؤسسات لا عقلانية فالقول بصيانة حرمتها هو من باب الإقصاء والأحتقار لا من باب الرعاية والأعتبار.

فالطريق الإسلامي القائم على التفكير المتعدي  يقتضي  التفكير في دينهم في صلته بالأديان الأخرى حتى يعلموا كيف أنه أعقل منها في المسألة التي تشغلهم. ويتبين من خلال هذا أن العقلانية المدعاة قائمة على عقلانية الآلات لا عقلانية الآيات. ويتبين كذلك أن سياق الحداثة الغربية كان بواسطة العقلانية الأداتية التي لا تناسب الأحياء فضلا عن العقلاء بقدر ما تناسب الجمادات.

إن عقلانية الآيات ليست واحدة كعقلانية الآلات. فالفعل عقليا له مراتب تيجعل صاحب عقلانية الآيات ينفتح على آفاق في  العقلانية لا ينفتح عليها صاحب عقلانية الآلات.

 

فالتطبيق الإسلامي الحداثي ينشأ عقلانية بديلة عن عقلانية الآلات تقوم على عقلانية الآيات يشاركها فيها كل من يدرك الآيات . عقل يرى في الآلة آية لا مجرد آلة.

أما أبطال مسلمة التعميم الثالثة :  قيم الحداثة قيم كونية "

فلا شك أن أهل التطبيق الحداثي يدعون أن القيم التي انتزعوها قيم تجري على العقول والشعوب قاطبة ولكن فرقا بين القيم التي دعوا إليها والوقائع التي أحدثوها.

التطبيق الحداثي لا كونية فيه هو تطبيق محلي رفع إلى رتبة الكوني عنوة. كان الأولى أن يدلوا غيرهم إلى إبداع حداثة خاصة بهم. وفي الأفق دلائل واقع حداثي جديد يتبلور لا يرتبط بمجتمع آو دولة بل مجتمعه هو العالم بأسره تستعيد فيه السياسة دورها بعد أن سلبه منها الاقتصاد وكذلك التربية.

فالتطبيق الإسلامي يقوم على كونية سياقية يقوم على أن الشيء وإن أبدع في مجتمع ما فقد يعاد إبداعه في مجتمع آخر بإضافات جديدة.

أم الكونية المطلقة او غير السياقية فلا يمكن إعادتها في مجتمع غير الذي نبتت .

فتطبيق مقولة : " حقوق الإنسان " كما أبدعها الغرب لا تطبق بنفس المعايير بل في الغرب نفسه تتفاوت : فهي حقوق اقتصادية في أوروبا الشمالية وهي حقوق سياسية في أوروبا الشرقية وفي قارات أخرى نجدها أحيانا تضاد الحقوق المقررة في أوروبا كحقوق الجماعة وحق الإجماع في إفريقيا .

فالكونية السياقية لا تقطع القيم عن أسبابها في مجالها التداولي الأصلي وتفتح للثقافات الأخرى الباب لتلوين الأصل بمجالها التداولي الخاص.

أن الحداثة الثانية بدأت تلوح في الآفاق و تقوم على التفكير المتعدي وعلى عقلانية الآيات وعلى الكونية السياقية .

الخاتمة :

التعريف النهائي للحداثة حسب طه عبدالرحمن :

الحداثة روح تقوم على ثلاثة مبادئ : الرشد و يتكون من ركنين هما الإستقلال والأبداع ومبدأ النقد ويتكون من ركنين : هما "التعقيل" و"التفصيل" وأخيرا مبدأ الشمول ويتكون من ركنين : التوسع والتعميم وتنشا أسس هذه الأركان الستة عن إبطال مسلمات التطبيق الغربي لروح الحداثة . فالاستقلال أستقلال عن الأقوى الخارجي الذي لا يعتني بالأضعف وكذلك عن رجال الاستعمار في الداخل لا عن وصاية رجال الدين وهو أستقلال عن الوصاية الأجنبية لا عن الوصاية الدينية

أما الإبداع الأسلامي لا يقتضي الانقطاع التام المطلق ، فالحداثة حداثة قيم لا حداثة زمن.ويقتضي ابداع حاجيات حقيقية هي الحاجيات الروحية وهو إبداع يستهدف الأزهار الحقيقي الذي يتعدي نفعه الذات المطلق إلى ما يتعدى نفه الغير

أما التعقيل الإسلامي : فيقوم على فكرة محدودية العقل  لأنه لا يعقل ذاته ولا يستطيع أن ينقد كل شيء فليست الأشياء كلها ظواهر ولأنه لا يسود الطبيعة التي هي أُمه لا أَمَته.

أما التفصيل الإسلامي فيقوم على درء الفصل بين الحداثة والدين : لأن أهل الحداثة توسلوا بمفاهيم دينية وكثير من رجال الدين ساهموا في بناء الحداثة. كما لا فصل بين العقلانية والدين لأن العقلانية مراتب ينزل الدين مرتبة من مراتبها.كما أن  القدسية جزء من الإنسان لأنه كائن متصل و الحداثة الإسلامية ترى في العالم آيات فضلا عن كونه جملة ظواهر.

أما التوسع الإسلامي ففيه الإنسان أقوى من الحداثة التي هي ليست حتمية وقوة الحداثة الإسلامية يجب أن توفر القوة الشاملة لا انقطاع فيها بين جسمانية الإنسان وروحانيته فالحداثة الإسلامية هي ماهية أخلاقية لأن ماهية الإنسان الحقيقية أخلاقية.

أما التعميم الإسلامي :فتفكير متعدي مناسب للمجتمع العالمي وهي حداثة تحفظ حرمة الأديان بإثبات عقلانية الأديان وأثبات في الآن ذاته تفاوتها وترك للناس حق نقد الأديان تأسيسا على أنها مراتب في سياق عقلانية الآيات ويقوم التعميم على كونية سياقية

المرجع :طه عبدالرحمن- روح الحداثة المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية-المرطز الثقافي الغربي-الدار البيضاء-المغرب-الطبعة الأولى-2006

 

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 


الاسم : tamara

20-02-2014 04:49:04

التعليق:

السلام عليكم لقد اعجبني المفال عن طه عبد الرحمن ولكن لا يوجد مصادر عن روح الحداثة واتمنى ان ترسلوا لي كل شيء يتعلق بهذا الفيلسوف العظيم لاني احضر رسالة دكتوراه وانا بحاجة لمساعدتكم وشكرا

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.