.

.

هل ستطلب نساء تونس الحماية من حلف الناتو؟

بتاريخ : 2011-11-04 الساعة : 02:02:56

اسم الكاتب : عبد الرزاق قيراط     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 905




يبدو أنّ ذلك لم يعد مستبعدا بعد تواتر التصريحات و التحرّكات الميدانيّة و آخرها ما عبّرت عنه السيدة سهير بالحسن الحقوقيّة التونسيّة - على القناة الفرنسيّة الثانية - من رغبة في أن تكون فرنسا حارسة لمكاسب المرأة التونسيّة المهدّدة بعد وصول النهضة إلى الحكم. و لأنّ المخاوف تأكّدت بفعل تكرارها في أكثر من وسيلة إعلاميّة داخليّة و خارجيّة، خرجت بضع مئات من نساء العاصمة إلى القصبة حيث رفعن لافتات تطالب بتنصيص الدستور على عدم المساس بما تحقّق للمرأة التونسيّة من مكاسب على امتداد نصف قرن.
و نتصوّر أنّ نسق هذه الاحتجاجات و المطالبات مرشّح للتسارع مع كلّ تصريح من هنا أو هناك و مع الإعلان عن تشكيل الحكومة التي مازالت معالمها غير واضحة و إن تأكّد أنّ النهضة ستكون لأوّل مرّة موجودة في دوائر السلطة بعد أن كانت في دوّامة الاعتقالات و المنافي.
و لعلّ المتابعين لشأننا التونسيّ لاحظوا كيف ركّزت التغطية الإعلاميّة قبل الانتخابات و بعدها على بعض الأحداث التي قد تكون معزولة مثل الاعتداء على أستاذة جامعيّة بسبب هندامها الذي لم يرق للمعتدين أو غضب مجموعات تُسمّى مرّة سلفيّة و مرّة أصوليّة على عرض فلم تراه مسيئا أو على منع طالبة من التسجيل في الجامعة لأنّها منقبة!
كأنّنا أمام فريقين متطرّفين متصارعين لفرض نمط معيّن من التفكير و أسلوب العيش على غالبيّة الشعب التونسي الوسطيّ بطبعه.
و لكن هل يوجد حقّا مبرّر لذلك الحجم من الخوف ما يدفع ببعضنا إلى طلب الحماية من طرف أجنبيّ ليس أهلا لها. ففرنسا كما نعلم لم تكن في يوم من الأيام راعية لحقوق الإنسان المنتهكة في تونس و إنما كانت راعية لنظام بن علي و متسترة على كلّ مثالبه، و لم نسمع في ذلك العهد هذه الأصوات الفزعة لأنّها ربما كانت من شركاء النظام البائد باعتبارها انخرطت معه في محاربة التيار الإسلامي لمنعه من الوصول إلى الحكم و لو بأضعف الإيمان أي السكوت عن الضيم الذي سلّط على أتباع ذلك التيار.
اليوم و بعد أن قال الشعب التونسيّ كلمته، نرى بعض هؤلاء المهرولين إلى أحضان فرنسا يتصرّفون بشكل عاطفيّ يفتقر إلى الذوق السليم و الفكر العاقل الحكيم، إذ كان الأجدر بهم أن يتحاوروا مع إخوانهم التونسيين في الداخل قبل اللجوء إلى الخارج. و كان عليهم أن يثيروا القضايا التي قامت من أجلها الثورة قبل الوصول إلى الجزئيّات و التفاصيل.
ألا نشعر بالحرج و نحن نشاهد من ينبّه إلى خطورة المساس بفصل في مجلّة الأحوال الشخصيّة يتّصل بالتبنّي، و يرفض تعويضه بنظام الكفيل حتّى و لو كان ذلك النظام ضامنا لنفس الحقوق لبعض أبناء تونس من الذين ولدوا خارج إطار الزواج!
ألم تصبح مجلّة الأحوال الشخصيّة نفسها نصّا مقدّسا يُحرّم تحريفه أو حتّى تطويره و الحال أنّها مجرّد اجتهاد بشريّ يحتاج كغيره من الاجتهادات إلى إعادة النظر و هذا يحدث في جميع البلدان و يمسّ جميع القوانين فلماذا أصبحت هذه المجلّة تتمتّع بحرمة غريبة و قداسة عجيبة، و بهما تُستثنى حتّى من مجرّد إبداء الرأي، و في مقابل ذلك ترتفع أصوات لإعادة النظر في آيات قرآنيّة صريحة بل و دقيقة في مسألة توزيع الميراث بين الرجل و المرأة.
أيّ النصين مقدّس أكثر في تونس؟ القرآن أم مجلّة الأحوال الشخصيّة؟
و أيّ الذوات أجدر بالطاعة؟ الذات الإلاهيّة أم ذات الفنان و الفنانة و الحقوقيّ و الحقوقيّة؟
رجاء لا تقرؤوا أسئلتي بعجالة و لا تنظروا إليها بازدراء، بل حاولوا أن تجيبوا عنها متقمّصين شخصيّة المواطن التونسيّ البسيط الذي يصارع من أجل ضمان مستقبل أفضل لأبنائه دون أن يدور في خلده أنّ مجلّة الأحوال الشخصيّة "الكريمة" مهدّدة بعد أن كانت في مأمن من التلاعب. و دون أن يفكّر يوما في الطريقة المثلى لتوريث أبنائه الذكور و الإناث، و هو لا يملك ربّما ما يورث بعد موته و دون أن يتمنّى يوما الزواج من ثانية لأنّ الأولى لقّنته درسا لن ينساه، و لكم في قصص المطلّقين و المطلّقات و هم بالآلاف ما يثير تساؤلات أخرى لا يتسع المجال لذكرها في هذه المقالة و لكنّنا نكتفي بالإشارة إلى مسألة التنصيص على اتفاق الشراكة في الملكيّة بين الزوجين في عقد الزواج لما جلبه من خراب البيوت و تحويل الزواج من رباط اجتماعيّ يقوم على الحبّ و التعاون إلى شركة اقتصاديّة تسودها الحسابات و الأطماع .
لقد أصبحنا في تونس ننظر إلى كلّ القضايا بازدواجيّة الذكر و الأنثى، و يدّعي الكثيرون منّا النضال و الدفاع على حقّ الأنثى قولا لا فعلا. و لنا في نتيجة الانتخابات الأخيرة أرقام بليغة تغني عن كلام كثير، فمن بين المقاعد التسعين التي فازت بها النهضة كان للنساء نصيب محترم بست و ثلاثين مقعدا.
و مع ذلك نرى هؤلاء الحرّاس و الحارسات لمكاسب المرأة و لمجلّة الأحوال الشخصيّة "الكريمة" يثيرون خوفنا و رعبنا من انتكاسة منتظرة. و لهم و لهنّ كلّ الحقّ في التعبير، و لكن للآخرين ممن يختلفون معهم نفس الحقّ و هم عموما يلاحظون أنّ الأقلّيّة المتخوّفة بالغت في تخوّفها و أخطأت في توجّهها إلى الفرنسيين لطلب النجدة حتّى شعر صديقنا ساركوزي بالقلق و وعدهم بأن يكون يقظا في متابعته لما يحدث في تونس، و لعلّنا نسمع قريبا نفس الأصوات الخائفة متوجّهة إلى الناتو لا لتطلب حظرا جوّيّا على بلادنا كما وقع في ليبيا الشقيقة و لكن لتطلب حظر الديمقراطيّة التي أوصلت النهضة إلى الحكم.
و الناتو حلف قويّ، ساعد الأشقاء الليبيين في الإطاحة بنظام القذافي و كتابه الأخضر، و قد يفعل نفس الشيء مع أعداء مجلّة الأحوال الشخصيّة "الكريمة" إن هم أطاحوا بالمكاسب التي أسّست لها، فانتبهوا أيّها النهضويّون فساركوزي متيقّظ و طائرات الناتو أقرب مما تتصوّرون!
عبد الرزاق قيراط- تونس.
 

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 


الاسم : ابوعبدالرحمن

16-12-2011 22:08:53

التعليق:

جزاك الله خيرا
تمتعت بقراءة هذا المقال لانى والحق يقال فى نفس التوجه والوعي التام بضرورة النظر والتحقيق من جديد على بنود هذه المجلة -المقدسة - عفوا - المشؤومة -
اتمنى لك مزيزا من التقدم والفهم حتى تنقذ العقول - الرؤوس المربوطة اعنى بالتونسي - المسكرة -وشكرا


الاسم : M.B.A

10-11-2011 06:25:31

التعليق:

excellent article Bonne continuation Si Abderrazak
 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.