.

.

حبّة الديمقراطية و قبّة المناصب

بتاريخ : 2011-12-02 الساعة : 12:25:41

اسم الكاتب : عبد الرزاق قيراط     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 689




يحتدم النقاش هذه الأيام حول كلّ شيء في تونس، في قصر باردو حيث يتفاوض أعضاء المجلس التأسيسيّ حول الدستور الصغير، و في كلية الآداب بمنوبة حيث يعتصم المدافعون عن حقّ المنقبات في الدراسة و اجتياز الامتحانات بنقابهنّ، و في وسائل الإعلام المكتوبة و المسموعة و المرئيّة التي تستثمر ما في المشهد الديمقراطيّ الناشئ و تحوّله إلى نوع من الفرجة الشيّقة أو ما يسمّى "بالتوك شو".

المواطن التونسيّ البسيط قد يجد صعوبة في متابعة الأحداث التي تتعاقب بسرعة. و كثافة المادّة الإخباريّة التي تتهاطل على رأسه كلّ يوم تضعه أمام مسائل بعضها أو أكثرها عصيّ على فهمه أو باعثة على الريبة.

قد يساعده الإعلام على فهم بعض الأمور، و قد يدفعه بشدّة إلى الارتياب، لذلك فالحذر واجب في التعامل مع ما نسمع و نقرأ، لأنّ هذا الإعلام الذي أخذ يستفيد من مناخ الحرية بعد الثورة مازال يتلمّس طريقه نحو المزيد من الحرفيّة و الحياد في نقل المعلومات و تحليلها بعد التثبّت من صدقيّتها و التحرّي حول مصادرها.

و بالعودة إلى الجدل حول ما سمي بالدستور الصغير، أجمعت وسائل الإعلام على تفسير بعينه لأسباب تأخير التصويت على مشروع التنظيم المؤقّت للسلطات العامّة، فأرجعتها إلى خلافات جوهريّة بين أعضاء اللجنة التي تعكف على مناقشة الورقة الذي تقدّمت بها الأحزاب المتحالفة، و هي خلافات مدارها توزيع الصلاحيات بين الرئاسات الثلاثة و النسب المطلوبة للتصويت على الدستور و منح الثقة أو حجبها عن الحكومة التي تشكّلت في الكواليس و مازالت ولادتها عرضة للتأجيل أو التأخير و ربّما الإجهاض! فالخلافات المذكورة تجاوزت قوى المعارضة فشملت أيضا التكتل و المؤتمر، و هو ما اعتُبر مفاجأة غير متوقّعة و ضربة غادرة شُبّهت من طرف قياديّ في حزب النهضة بالنيران الصديقة.

و يبدو أنّ حركة النهضة ستبقى عرضة للمزيد من الضربات من معارضيها الذين خسروا الانتخابات و كوّنوا جدارا لصدّ مشاريعها و تعطيلها و لو بالتشويش عليها، و من الحزبَيْن اللّذين دخلا معها في تحالف هشّ أخذت أركانه في التصدّع في أوّل امتحان له حين صوّت أعضاء من التكتّل و المؤتمر ضدّ مشروع القانون المنظّم للسلطات بعد أن أمضوا عليه باعتباره مقترحا مشتركا من التحالف الذي توافق عليه. و التوافق لا يتيسّر إلاّ بعد دراسة كلّ النصوص دراسة مستفيضة، لذلك يعتبر موقف التكتل و المؤتمر تراجعا عن ذلك التوافق قد يتسبّب في إرباك للاتفاقات التي أبرمت.

و قد ساهم هذا الارتباك في ارتفاع أصوات تتّهم النهضة بالتخطيط لدكتاتوريّة جديدة من خلال الصلاحيات التي عزمت على منحها للحكومة مقابل "منصب شرفيّ لرئيس الدولة و سلطة صوريّة لرئيس المجلس التأسيسيّ".

و لعلّ النهضة بما قدّمته من مشاريع، تطالب بحقّها الشرعيّ في بعض الصلاحيّات باعتبارها الحزب الفائز بالنصيب الأوفر من أصوات الناخبين دون أن يدفعها ذلك إلى الانفراد بالحكم و التأسيس للجمهوريّة الثانية، لذلك طالبت بالتوافق و مازالت تسعى إليه رغم التذبذب الذي يعتري المتحالفين معها.

البداية إذن صعبة، و حبّة الديمقراطيّة في حاجة لبعض الوقت حتّى تُنبت سنابلها، و لكنّ صراع المناصب والصلاحيات قد يثير المزيد من الشكوك و المخاوف لدى الأطراف التي تروّج لها و تعبّر عنها في آن واحد.

لذلك نتوقّع أن يواصل هؤلاء تحويل الحبّة إلى قبّة في كلّ ما سيحدث و ما سيقال باعتباره السلاح الذي قد يساعدهم في تحقيق بعض المكاسب التي تسمّى حينا صلاحيّات و حينا آخر مناصب.

و أمام كلّ ما تقدّم ذكره، يسود الاعتقاد لدينا أنّ ما يحدث في جامعة منوبة لا يمكن أن يكون معزولا عن أحداث باردو، و أنّ الذين زرعوا بذور الفتنة بين الطلبة و الجامعيّين حول قضيّة جانبيّة دخيلة على مجتمعنا، إنّما أرادوا أن يصنعوا معركة في منوبة لتحقيق انتصار في باردو، و لسنا في ذلك مبالغين، فالمعركة حقيقة لا ينكرها أحد بما في ذلك السيّد ديلو الذي يتحدّث عن إصابات مؤسفة بنيران صديقة.

أرجو فقط أن لا أكون أنا أيضا قد صنعت من الحبّة قبّة!

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.