.

.

دولة الإسلام وحريّة الآخر (4/7)

بتاريخ : 2011-12-21 الساعة : 13:50:52

اسم الكاتب : حارث عبد الحميد الشوكاني     التصنيف : مـن هــنــا و هــنــاك ...     عدد القراء : 808




سادسًا: بيان بطلان القول بأنّ آية السّيف نسخت كافة آيات القتال وعدم الإكراه.

مع شيوع المنهجيّة الجزئيّة في تفسير القرآن التي سرّبها الرّوافض المجوس إلى أهل السّنة انتفى الرّبط الموضوعي لآيات الموضوع الواحد حتى غدا المفسّرون يضربون القرآن بعضه ببعض من حيث لا يشعرون، ومما سرّبه هؤلاء المجوس أيضًا إلى جوار المنهجيّة الجزئيّة فكرة النّاسخ والمنسوخ عبر الاستشهاد بأدلّة متشابهة لا محكمة، وفي سياق النّاسخ  والمنسوخ بشكل عام طرحت فكرة أنّ آية السّيف في سورة التّوبة قد نسخت كافّة الأحكام المتعلقة بالأحكام المتعلّقة بالقتال وبعدم الإكراه في الدين والمجادلة بالتي هي أحسن، ولخطورة هذه الفكرة سنردّ عليها من عدّة زوايا محكمة لا متشابهة على النحو التّالي:

1- النّسخ  متعلّق بإلقاء الشّيطان لا نسخ ما شرعه الله:

الحقيقة أنّه ليس هناك ناسخ ومنسوخ في القرآن كما زعم بعض العلماء؛ فليس هناك نسخ لشرع الله، وإنّما لإلقاء الشّيطان بصريح قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشّيطان فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشّيطان ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). [الحج:52]، والعلماء القائلون بنسخ القرآن بعضه لبعض استشهدوا بقوله تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). [البقرة:106]. وأغفلوا الاستشهاد بالآية السالفة مع أنها صريحة الدّلالة في أن موضوع النّسخ  هو إلقاء الشّيطان  لا شرع الله (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشّيطان) وعلى مثل هذا الفهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله في مجموع الفتاوى: (وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ: إنَّ " الْمُحْكَمَ " هُوَ النّاسخ  و "الْمُتَشَابِهَ" الْمَنْسُوخُ. أَرَادُوا -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- قَوْلَهُ: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشّيطان ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ). وَالنّسخ  هُنَا رَفْعُ مَا أَلْقَاهُ الشّيطان لَا رَفْعُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ) [الجزء 3 ص 185]

وقوله: (فَإِنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُبَيِّنُ الْقُرْآنَ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ، وَتُعَبِّرُ عَنْهُ وَكَانُوا يُسَمُّونَ مَا عَارَضَ الْآيَةَ نَاسِخًا لَهَا؛ فَالنّسخ  عِنْدَهُمْ اسْمٌ عَامٌّ لِكُلِّ مَا يَرْفَعُ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى مَعْنًى بَاطِلٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَمْ يُرَدْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ؛ بَلْ قَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا وَقَدْ فَهِمَهُ مِنْهَا قَوْمٌ فَيُسَمُّونَ مَا رَفَعَ ذَلِكَ الْإِبْهَامَ وَالْإِفْهَامَ نَسْخًا[و] هَذِهِ التَّسْمِيَةُ لَا تُؤْخَذُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَأَصْلُ ذَلِكَ [مِنْ إلْقَاءِ] الشّيطان  ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ فَمَا أَلْقَاهُ الشّيطانُ فِي الْأَذْهَانِ مِنْ ظَنِّ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى مَعْنًى لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ سَمَّى هَؤُلَاءِ مَا يَرْفَعُ ذَلِكَ الظَّنَّ نَسْخًا) [الجزء 3 ص 146].

2- لو افترضنا  جدلاً صحّة فكرة النّاسخ  والمنسوخ في القرآن، وأعملنا القواعد المنهجيّة التي طرحها العلماء لتقرير النّاسخ  والمنسوخ وأهمها قاعدة أنّ العالم لا يقول بالنّاسخ  والمنسوخ في إطار موضوع معيّن من مواضيع القرآن إلاّ إذا شعر أنّ هناك تعارضًا تامًّا بين الآيات، بحيث لا يستطيع تبرير هذا التّعارض إلاّ بأنّ هناك آيات منسوخة سابقة وآيات ناسخة لاحقة، ومالم يحصل هذا التّعارض التّامّ فلا ينبغي للعالم أن يسارع للقول بوجود النّسخ؛  لأن في هذا الأمر جرأة على كلام الله وآياته وتعطيلاً للقرآن.

ولو استعرضنا الآيات التي وردت في سورة التّوبة  التي زعم بعض العلماء أنّ فيها آية السّيف، وأنّها ناسخة لوجدنا أن سياق هذه الآيات ليس فيه أيّ تعارض مع آيات القتال وعدم الإكراه في الدّين، بما يوجب القول بالنّسخ  على النّحو التّالي:

أ- لنقرأ أولاً، ولنتدبّر آيات القتال الواردة في مقدّمة سورة براءة وهي قوله تعالى: (برَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ{1} فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ{2} وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ{3} إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ{4} فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{5} وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ{6} كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ{7} كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ{8} اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{9} لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ{10} فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{11} وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ{12} أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرّسول وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ{13}) التّوبة .

فهذه الآيات تمّ فهمها بصورة جزئيّة مبتسرة وهي مندرجة في إطار القواعد الكليّة المقرّرة، وأكبر دليل على فهم هذه الآيات فهمًا جزئيًّا مبتسرًا أنّ هذه الآيات فُصّلت عن سياقها في السّورة نفسها فضلاً عن السّياق الكلّي لموضوع القتال والدّليل هو قوله تعالى: (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرّسول وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ). فهذه الآية أوضحت بدلالة صريحة علّة الأمر بقتال المشركين السابق بأنّهم همّوا بإخراج الرّسول -صلّى الله عليه وسلم- وهم بدؤوا بالقتال أوّل مرّة بما يعزّز السّياق الكلّي للقتال بأن لا يكون ابتداءً ولا يكون اعتداءً، وإنما لردّ اعتداء (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ).

كما نلحظ في سياق الآيات قوله تعالى: (كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ). [التّوبة :8]، وقوله تعالى: (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ). [التّوبة :10].

فمعاني هاتين الآيتين أكّدتا أنّ هؤلاء الذين أمر الله بقتالهم إذا انقلب ميزان القوى لصالحهم، وظهروا على المسلمين لا يرقبون في المؤمنين إلًا ولا ذمّة، ثم يصفهم القرآن بأنّهم معتدون.

وقوله تعالى في سورة التّوبة: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ). [التّوبة:36]، فهذه الآية في سورة التّوبة نفسها وسياقها هو نفس سياق آيات القتال في بداية السّورة التي تتحدّث عن الأشهر الحرم (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ).

ونجد في هذه الآية قوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً)، والأمر هنا بالقتال لم يأتِ ابتداءً واعتداءً وإنما لردّ اعتداء (كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً).

وبهذا يتّضح انسجام سياق آيات القتال في سورة التّوبة مع سائر آيات القتال في القرآن كلّه، ولا مسوّغ مطلقًا للقول بالنّسخ، والزعم الباطل بأنّ آية السّيف قد نسخت ما يقرب من (114) آية، فالمشكلة تكمن في المنهجيّة الجزئيّة التي درج عليها علماء التّفسير في فهم القرآن وعدم تفسير القرآن كمواضيع متكاملة حتّى غدت كتب التّفسير مع الأسف مجرّد معاني مفردات القرآن لا تفسير لمواضيع القرآن، وهذه المنهجيّة الجزئيّة المتشابهة سرّبها إلينا المجوس واليهود بدهاء ومكر، وتلقّفها كثير من العلماء بحسن نيّة، وصدق الله العظيم القائل: (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ). [آل عمران: 7]، وصدق رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- القائل: (لكلّ أمّة مجوس ومجوس أمّتي القدريّة). والمتأمّل بعمق لكتب التّفسير سيدرك أنّ المجوسيّات في كتب التّفسير أكثر من الإسرائيليّات فهم القائلون: (عجزنا عن مقاتلتهم على التّنزيل فسنقاتلهم على التّأويل).

ب- كما أنّ المتدبّر لسياق آيات مقدمّة سورة التّوبة  سيلحظ أنّ هذه الآيات لا تتضمّن النّسخ المطلق لآيات عدم الإكراه في الدين وآيات القتال السّابقة؛ لأنّ موضوع هذه الآيات هو البراءة من جزء من المعاهدات التي تمّت زمن الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- لا كلّها (برَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ). والدّليل على أنّ هذه الآيات لم تنقض كافّة المعاهدات في زمن الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- قوله تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ). فهذا الاستثناء دليل قاطع على أنّ البراءة من المشركين هنا محصورة على مَن نقضوا عهدهم، وظاهروا على المسلمين، أمّا الذين لم ينقصوا المسلمين شيئًا فقد أمرت الآيات باتمام عهدهم إلى مدّتهم، ولكي لا يُفهم أنّ هذا الاستثناء في قوله تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ) بأنه استثناء محدّد، ثم يسري الحكم العام سنورد استثناءً آخر في نفس السّياق غير مرتبط بفترة زمنيّة وهو قوله تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ). فقوله تعالى: (فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ) استثناء باستمرار المعاهدة دون تحديد مدّة زمنيّة.

وبهذا يتّضح لنا بعدّة دلالات قطعيّة بأنّ مقدّمة سورة التّوبة  لم تنقض كافّة المعاهدات في زمن الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- فضلاً عن القول عن نسخ هذه الآيات لكافة المعاهدات زمن الرّسول -صلى الله عليه وسلم- وفي المستقبل، بل القول بنسخ كافّة آيات عدم الإكراه والمجادلة بالتي هي أحسن والبلاغ وعدم الاعتداء.

ج- سنورد هنا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في آية السّيف حيث قال: (لا نسخ وإنما تغيّر أحوال) وقال بنفس القول الشيخ عبد العزيز بن باز كما ذهب إلى هذه الشّيخ القرضاوي -حفظه الله- وهذا الاستشهاد على سبيل التّمثيل لا الحصر.

د- للقائلين بالنّسخ عند التّعارض التّام بين الأدلّة القرآنيّة نقول لهم مجاراة لهم إذا افترضنا  أنّ هناك تعارضًا، فيجب أن لا نجزم بهذا التّعارض إلاّ إذا كان محكمًا لا متشابهًا، ولا يكون التّعارض محكمًا، إلاّ إذا كان باللّفظ والمعنى لا بالمعنى فحسب، كمثل قوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ). [البقرة:190]، فهذه القاعدة القرآنيّة المحكمة لا يمكن نقضها بتوهّم التّعارض معها بالمعنى دون اللّفظ، بل عندما يكون التّعارض باللّفظ والمعنى كأن يقول تعالى: (وقاتلوا المشركين ولو لم يقاتلوكم واعتدوا عليهم إن الله يحب المعتدين)، فهذا التّعارض باللّفظ والمعنى هو التّعارض التّامّ، أمّا توهّم التّعارض بالمعنى كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء في آيات سورة التّوبة  فقد انكشف أنّه وهم لا صحّة له.

هـ- ورد قوله تعالى في نفس سياق آيات السّيف المزعومة في سورة التّوبة: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ). [التّوبة:6]، هذه الآية دليل على عدم النّسخ؛ لأنّ مقتضى النّسخ هو قتال كافّة المشركين حتى المعاهدين حتى يسلموا في حين أنّ نصّ الآية سمح بتأمين المشرك وإجارته حتى يسمع كلام الله، ثم بعد سماعه لكلام الله إيصاله لمأمنه، أسلم أم لم يسلم، فهذا دليل صريح بعدم النّسخ.

و- قوله تعالى: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ). [التّوبة:29] مضمون هذه الآية دليل على عدم النّسخ؛ لأنّ مقتضى النّسخ الأمر بالقتال حتى يسلموا، وقد جاء الأمر هنا بالقتال حتى يعطوا الجزية فهذا دليل عدم النّسخ.

والغريب أنّ بعض العلماء قالوا إنّ هذه هي آية السّيف، ولو كانت كذلك لكانت علّة القتال حتى يسلموا، كما أنّ اختلاف العلماء أيضًا في تحديد آية السّيف نفسها في سورة التّوبة  دليل اشتباه الأمر عليهم وعدم وجود دليل محكم، وأنّ منهجيّتهم الجزئيّة  في تفسير القرآن حتى بلغ بهم الأمر أن تُفصل الآية عن سياقها الموضوعيّ هو سبب التأويل الجاهل للقرآن بحسب إشارة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)، وفوق كلّ ذي علم عليم.

ز- القول بنسخ آيات القرآن دليل جهالة بطبيعة التّشريع القرآني؛ لأنّ كلّ ما في القرآن هو من الثّوابت لا من المتغيّرات؛ لأن موضوع التّشريع هو السّنن العامّة والقوانين العامّة النّاظمة للحياة الكونيّة وللحياة الإنسانيّة والسّنن والقوانين ثابتة لا تتبدّل بدليل قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). [الروم:30]، فهذه الآية القرآنيّة قد أمرتنا بأن نقيم وجوهنا لتعاليم الدّين وسننه وقوانينه الهادية الآمرة، ثم علّلت الآية سرّ هذا التّوجيه الإلهي بالتزام تعاليم الدّين بأنّها موافقة للفطرة الإنسانيّة (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) كما جاء التّأكيد الإلهيّ بأنّ سنن وقوانين الفطرة والخلق لا تتبدّل (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)، وبهذا يتضّح لنا بدلالة قرآنيّة قطعيّة بأنّ سنن وقوانين التّشريع ثابتة لا تتبدل؛ لأنّها موافقة لسنن وقوانين الخلق والفطرة؛ فالتّشريع الإلهيّ القرآنيّ متّصف بصفتي الثّبات والمرونة في نفس الوقت، صفة الثّبات لأنّ موضوعه السّنن والقوانين العامّة الناّظمة للحياة الكونيّة والإنسانيّة الثّابتة وصفة المرونة؛ لأنه يضع القواعد والسّنن الكليّة المجرّدة (الحقائق العلميّة) (الحقّ) بالمصطلح القرآنيّ، ولا يشير إلى الجزئيّات التفصيليّة المجسّدة التي تتغيّر بتغير الزّمان والمكان، وترك أمر هذه الجزئيّات المتغيّرة للاجتهاد وللعقل البشريّ، فللّه حقّ التّشريع وللعلماء حقّ التفريع لا التّشريع (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ). [الشورى:21]؛ لأنّ التّشريع مشتقّ من الشّروع، وهو الابتداء، ولهذا كان موضوع التّشريع السّنن والقوانين العامّة؛ لأنّها مبتدأ الخلق والفطرة التي فطر النّاس عليها؛ فالتّشريع يضع الأصول والكليّات والتّفريع يضع الفروع والجزئيّات على هدى أصول التّشريع وكليّاته.

ولمّا جمع التّشريع الإلهيّ بين هاتين الصّفتين (الثّبات والمرونة) استحقّ أن يتّصف بصفة ثالثة وهي (الدّيمومة والاستمرار والصّلاحيّة) عبر الزّمان والمكان، فإذا أدركنا هذه الأبعاد وأدركنا مدى خطورة الزّعم بالقول بالنّسخ في آيات الله الثّابتة التي لا تتغيّر وصدق الله العظيم القائل: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). [فصلت:53].

مصدر الخبر : الإسلام اليوم
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.