.

.

فهل من مدّكر؟تدبّرات على مكث في الكتاب العزيز(الجزء1)

بتاريخ : 2015-12-02 الساعة : 12:31:30

اسم الكاتب : الشيخ الهادي بريك     التصنيف : كتب و دراسات     عدد القراء : 3390




 مقالات أُخرى للكاتب - الشيخ الهادي بريك
رحل رجل ( الجرأة ) سليم بقة
بين المرأة والقرآن : علاقة حبّ يفسدها الغالون
لترحل بن سدرين كما رحّلنا من قبلها الحبيب عاشور
تشريع الإرث بين الثبات والتغير في ضوء الأسرة الجديدة والدولة الجديدة
ترشيح اليهودي في ميزان الإسلام
يوسف الصديق : طعم جاهز وشهي على طبق إستئصالي
مسلمو ألمانيا : يا ملح البلد
خطاب رئيس الدولة بين العلم الشرعي والموقف الشرعي
عندما يكون العلم سلاحا ذا حدين
رمضان مدرسة تربوية جامعة

المزيد من المقالات

   مقدمة

الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته وأسبغها ظاهرة وباطنة ..

الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا ..

الحمد لله الذي خصنا ـ والبشرية جمعاء قاطبة إلا من أبى ـ بخير دين وخير شرعة وخير منهاج وخير نبي أبى سبحانه إلا أن يظل عليه وملائكته مصليا ..

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ..

هذا كراس جديد وضعت له عنوان ( فهل من مدكر ) إستجابة لأمره سبحانه الوارد في سورة القمر المكية أربع مرات ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟). كراس بدأت فيه منذ سنوات طويلات ثم حيل بيني وبينه واليوم كلي مضاء وعزم بحوله وحده سبحانه أن أحتسي آخر قطرة من قطراته الندية العذبة أصفى من العسل المصفى ورب العزة. لن أبرحه بحوله سبحانه حتى أتمه أو تحول مصيبة الموت دوني ودونه.

هي قصة طويلة مع هذا الهدي الساحر العجيب ..

قصة التفكر والتدبر والنظر بلسان سؤول وفؤاد عقول كما قال حبر الأمة ..

القرآن ميسر للذكر فما هو الذكر وهل من مدكر؟

ذكر ذلك في كل مرة من المرات الأربع التي تروى لنا فيها قصة قوم أهلكوا بسبب إعراضهم عن منهجه سبحانه فمن قوم نوح إلى عاد قوم هود ومن ثمود قوم صالح إلى قوم لوط ليقر القرار بآل فرعون.

يروي لنا قصة بعيدة في التاريخ السحيق ثم يعقب في كل مرة بهذا التعقيب ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟). ما ذا يعني ذاك وأي علاقة؟ أربع مرات كاملات في سورة مكية هي من المفصل بل عده بعضهم قصيرا.

ذلك هو الذي شدني إليه شدا عجيبا فطفقت أسعى للذكر علني أكون من المدكرين في حديقة قرآنية غناء سحاء زينتها دوحاتها التي ربت عن المائة. شدني هذا التأكيد العجيب على فريضة الذكر بحسبانه الصراط المستقيم الذي يفضي بصاحبه إلى حياة القلب وذكاء العقل وشحذ الإرادة ومن جمع إليه ذاك إنطلق مسابقا مسارعا منافسا ..

 

 

فما هو الذكر ومن هو المدكر؟

الذكر هو ضد الغفلة وربما يكون حد الشيء بنقيضه في أحايين كثيرة أقصر الطرق إلى حسن فقهه كما قال الشاعر : ألا بضدها تتميز الأشياء. هذا الجذر اللساني الثلاثي الصحيح يعني نباهة الإنسان في قلبه أن يغفل عن إستحضار الشيء الذي يريد له أن يحتل له موقعا في فؤاده. قال عنترة عن حبه عبلة ( ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني ..) وقالت أخت صخر ترثي صخرا ( وأذكره لكل مغيب شمس ). الذكر إذن هو حياة نفسية داخلية تجعل الذاكر لا يغفل عن إستحضار من يحب أو من يرهب ويخشى. وليس هناك مضاد للذكر سوى الغفلة ومنها النسيان وما إلى ذلك. قال تعالى ( فاذكروني أذكركم ).

كيف يسر القرآن للذكر؟

القرآن ميسر منه سبحانه للذكر أي ينبض بالقصة المروية التي تبين لنا مصارع الأقوام الذين خالفوا أمره وعصوا منهجه فمن يقرؤه يلفى ذلك مبثوثا في كل صفحة تقريبا من صفحاته التي ربت عن المائة السادسة قليلا بحسب ما لدينا اليوم من مصاحف. لم أجد شيئا فيه حيرني وشدني وجعلني أشتبك معه أكثر من أنه كتاب دين جعل ثلثه كاملا مخصصا لرواية الماضي السحيق البعيد. وثلثه الآخر مخصص للكون بتضاريسه. وحتى الثلث الثالث الأخير لا يتحدث عن الدين كما نفهمه نحن اليوم. أين الدين فيه إذن؟ من سأل هذا السؤال وصل.

هو ميسر لأنه ممتلئ بالقصة التي لنا منها عبرة ولم تسق قصة إلا لعبرة لنا فيها اليوم وحيثما كنا موعظة نافعة لحياتنا ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) وهو ميسر كذلك لأنه بلسان عربي مبين وبنظم سلس يفهمه كل أحد حتى دون نشوء التفاسير والتآويل سوى أن لسان الخلف تعجمت لكنته فهو هجين ومن ذا نشأت الحاجة إلى البيان.

والذكر المقصود هو قطعا إستحضار التالي أو السامع لمصائر تلك الأقوام ـ ومنهم أقوام نجحوا في الإمتحان من مثل قوم يونس ـ كمن يقود عربة نارية كهربائية سريعة فما عليه سوى إستخدام المرايا التي تعكس له ما يجري وراءه وعن يمينه وشماله حتى يضبط سيره ويعدل إتجاهه وفق ما لا يعرضه ولا يعرض أحدا لأي ضر.

قصة القرآن هي المرآة العاكسة التي تجعل التاريخ أمامنا نتفرج عليه ونعي أحداثه كأنه مسلسل سنمائي بمشاهده المتنوعة.

فمن كان بإمكانه أن يقود عربة نارية كهربائية سريعة في فضاء مكتظ ـ والحياة بنا مكتظة دون ريب ـ دون أن يصيب نفسه أو غيره بضر فلا حرج عليه ولا تثريب أن يستغني عن قصة القرآن وعن مطلب الذكر في القرآن.

فهل من مدكر؟

أصل إسم الفاعل ( مدكر) هو الفعل الثلاثي المجرد الصحيح ( ذكر) فهو ذاكر. ومنه الفعل المزيد بحرف واحد والتضعيف نفسه زيادة ( تذكر). فهو متذكر. وكلمة متذكر ثقيلة على اللسان في لسان عربي قح سليق شأنه الإدماج والحذف والتوليد والإشتقاق تيسيرا. لذلك أبدلت بكلمة ( مدكر) وهي من فعل ( إدكر ) التي تعني تذكر. لما تذكر صاحب يوسف في السجن رسالة يوسف إل ربه ( أذكرني عند ربك ) قيل عنه ( وأدكر بعد أمة ) ولم يقل : تذكر. لأن التذكر لا يتخلف عن صاحبه الشغوف به أمة. أي : تذكر رسالة يوسف لربه بعد زهاء سبع سنين. وهنا كان مناسبا أن يقول عنه : إدكر. والذي يدكر هو مدكر. الفعل الأصلي الأول هو : ذكر ومنه جاء المزيد المقلوب في الآن نفسه : إدكر. قلبت ذاله دالا وزيد ألفا. بعض الأفعال تقبل مثل ذلك وبعضها يقبل الطاء من مثل ( إصطبر ) التي أصلها صبر. كما يدخل حرف الدال على بعض الأفعال جمعا بين الزيادة وبين تحويل جزئي في المعنى من مثل ( إزدجر ) التي أصلها زجر. لذلك عد الدال حرف زيادة عند بعضهم مثل الطاء والحروف الثلاثة الأخرى المعهودة.

فهل من مدكر معناها : هل من تال لهذا القرآن الميسر للذكر ونبذ الغفلة أن تسير بنا الحياة سريعة نلهث بها وتلهث بنا كمن تبلغ لذته أوجها وهو مستلق فوق ظهر قارب صغير في البحر في مناخ طيب جميل وشمس مشرقة ومنظر بديع فإن إنتبه هذا الرجل إلى أن القارب الذي يسير به حثيثا قد يقتحم به غمرات اليم العميق فيهلك ولا مغيث فإنه يذكر الموت والهلاك والغرق فلا يرخي العنان للذته تقوده لحتفه وهو لا يشعر وإن غفل عن ذلك قيد إلى بطون الحوت. من قرأ القرآن تعرض لتلك القصص فذكر أن مصيره هو مصيرهم هم لو سلك مسلكهم ومن فعل ذلك ظل قلبه حيا ومن ظل قلبه حيا تسددت جوارحه أن تقترف الظلم المؤذن بخراب عمرانه. تلك هي الحكاية كاملة قصيرة.

فهل من مدكر أصلها : فهل من متذكر لأنها مسبوقة بقوله ( ولقد يسرنا القرآن للذكر) فكان مناسبا أن يقول ( فهل من متذكر ) ولكن جاءت ثقيلة لا تناسب يسر اللسان العربي ولا يسر القرآن الكريم الذي يفتخر بأنه قرآن عربي بلسان عربي مبين. فقال : فهل من مدكر؟

سرعة الذكر المطلوبة لا تفيها كلمة ( متذكر ) الطويلة الثقيلة حقها فأبدلت ( مدكر). ليكون بين المعنى وبين المبنى تطابق ويحصل الإعجاز البياني المقصود قصدا.

وثمة ملحظ آخر يجعل ( المدكر ) هنا أولى من ( المتذكر ) وهي أن المدكر ـ كما ورد في حالة صاحب يوسف عليه السلام ـ قد لا يذكر ما عليه سوى بعد فوات ردح من الزمن. والإنسان مبناه الغفلة والنسيان جبلة ولا حرج عليه أن يذكر ما عليه في أول فرصة يسعفه فؤاده بذلك كما حدث لصاحب يوسف بالتمام والكمال إذ المكروه هو تنبه الفؤاد ومقابلة ذلك بالبرود والسلبية واللامبالاة ولذلك دعينا إلى التلاوة والسماع وبناء علاقة مع القرآن الكريم لأنه يطرد الغفلة ويجعلنا في حالة ذكر شبه دائمة.

فإذا كان التذكر ربما لا يعود إلا قليلا منا ممن تحصنت أفئدتهم ضد غازيات الشيطان فإن الإدكار ـ مصدر إدكر ـ له داعيات مثل داعية صاحب يوسف لما رأى الملك الذي رأى في نومه ومثل داعيات القرآن عندما نتلوه أو نستمع إليه.

كلمات أخرى عن الذكر.

1 ـ ذلك هو معنى الذكر في القرآن الكريم أي الإقبال على القرآن الكريم سماعا أو تلاوة وهو كفيل بتوجيهنا بقصصه الكثير إلى فتح نوافذ الفؤاد لنفيد عبرا من الماضي لحاضرنا طردا للغفلة والنسيان والتجاهل والإستمتاع بالدنيا التي تمضي بنا سريعة إلى الموت كما يمضي القارب بصاحبه على سطح البحر فإن إنتبه رد لجمه أن ترمي به في اليم فيهلك وإن غفل هلك.

2 ـ لم يذكر شيء مطلوب منا في القرآن بصفة التكثير والإكثار إلا الذكر فحيث يذكر لا يذكر إلا مقرونا بالكثرة إلا قليلا جدا ( أذكروا الله ذكرا كثيرا ) و ( الذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) وقال عليه السلام ( أكثروا ذكر هازم اللذات ..) لأن الموت خير واعظ وخير مذكر وخير مذكور.

3 ـ أين نحن ـ بل أين تراثنا نفسه إلا قليلا منه غابرا وحاضرا ـ من تلك القيمة الصحيحة للذكر؟ قال الشاعر : الصمت أولى. الذكر في تراثنا وفي حياتنا هو حركة اللسان وأحيانا حركة اللسان فحسب. عندما قال العلماء بحق أن أفضل الذكر هو تلاوة القرآن إنما يعنون بحق أن القرآن يطرد الغفلة ويجعل الإنسان في حالة ذكر أي في حالة يقظة وليس معناه في حالة تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير إلخ ,.. بل في حالة أسمى من تلك الحالة وأوصل بالمقصد الأسنى من الذكر ـ وهو حضور القلب ـ وهي حالة الذكر الصامت كما سماه بحق بعضهم أو حالة الذكر الواعي كما سماه آخر بحق كذلك أي حالة الذكر الذي يحيا به القلب عندما يذكر مصائر العصاة.

4 ـ وليس معنى ذلك ـ أبدا وحاشا قطعا ـ التهوين من الذكر باللسان خارج التلاوة لهجا بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل وغيرها .. ولكن معنى ذلك هو أن تلك الصيغ هي صيغ تساعد القلب على إعادة معانقة الحياة إذ يجتمع للذاكر قول باللسان وذكر بالجنان وهو أدعى قطعا كمن يستقبل مشهدا بالصوت والصورة فهو أدعى لحسن الفهم أو كمن يخاطب مخاطبا يحدثه بلسانه وفي الآن ذاته يستوعب بقلبه ما يقال. وعندما يؤول (ذكرنا المزيف ) إلى حركات باللسان فحسب فهل نحن إسرائيليو الهوى أي نظهر ما لا نبطن؟ عندها يصح كلام الشيخ الغزالي عليه الرحمة ( الذكر وظيفة نفسية وليست وظيفة حسية ) والدليل على ذلك أن أكثر الذاكرين اليوم بألسنتهم غافلون وأن أكثر الذاكرين بأفئدتهم ـ ذكرا صامتا أو ذكرا واعيا ـ حاضرون شاهدون. ولذلك إمتلأ القرآن الكريم بالدعوة إلى الذكر الصامت الواعي من خلال الإكثار جدا من قوله ( ومن آياته .. ) و ( ألم تر.. ) و ( ألم يروا .. ) و (إن في خلق السماوات .. ) وغير ذلك كثير كثير كثير لا يكاد يحصى.

5 ـ نظرية الذكر في الإسلام : عنوان يصلح أن يكون مؤلفا أو كتابا أو كراسا لما يحويه الذكر من أقسام يختلف بعضا عن بعض أجرا وغنما وذخرا ولما حصل من فراق بين ذكرنا وبين المقصود منه والمرجو منه. بل قل : من بعد ما أصبح ذكرنا غفلة بل هو الغفلة عينها. وقديما قيل : إستغفارك يحتاج إلى إستغفار ولعل ذكرنا يحتاج إلى ذكر. ولعل الأيام تفسح بإذنه وحده سبحانه لكراس مثل ذاك.

6 ـ في الذكر حديث صحيح تعلمت منه شيئا كبيرا فكان هذا الحديث وحده بما فهمته منه سبب منعرج في حياتي. الحديث نصه (  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم , وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم, فيضربوا أعناقكم وتضربوا أعناقهم قالوا: بلى قال: ذكر الله. ( رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني).

قرأته كما قرأه الناس قبل عقود فما أوحى إلي بشيء سوى بفضل الذكر ولم أسأل نفسي يوما ما هو الذكر؟ ولما حصل المنعرج في حياتي سألت نفسي : أنى للذكر الذي نقوم به نحن اليوم أن يكون خيرا من الشهادة في سبيل الله ( يضربوا أعناقكم ) وخيرا من النصر على الأعداء ( تضربوا أعناقهم ) وخيرا من الجهاد المالي الذي يرتفع أجره إلى حد سبعمائة ضعف؟ لا. هذا غير معقول. ولكن الحديث صحيح سندا. وجب إذن إعادة فقهه. ألفيت أن الذكر المقصود هو إعادة إعمار القلب وإحياء الفؤاد بوسائل كثيرة ـ لا يتسع لها الأوان الآن ـ لأجل تأهيله لخوض غمار الجهاد والمقاومة حتى الشهادة في سبيله سبحانه ولخوض غمار الجهاد المالي سراء وضراء ولخوض الكفاح حتى تحقيق النصر إستجماعا لأسباب النصر والتمكين والغلبة .. فمن ذكر الله سبحانه حتى تأهل قلبه لذلك وباشر ذلك بقدر المستطاع وعندما تحين الفرصة ـ وهي حائنة لا تتخلف عن الإنسان المبتلى ـ يكون ذكره خيرا من كل ذلك لأنه سبب لكل ذلك ومفض إلى كل ذلك. والعبرة في الدنيا والعمل بالسبب فمن وفر السبب الصحيح بالذكر وأهل قلبه وأعده لتلك الملاحم فهو الذاكر حقا ويكون ذكره فعلا خيرا من كل ذلك. ألا ترى أن الجذر في الشجرة مدفون لا يرى ولكنه هو أصل الحياة؟ فالثمرة الطيبة الناضجة ثمرته هو. كذلك السبب الذي هو الذكر هنا. ومن غفل عن الذكر بالطريقة الإسلامية وإبتغاء المقصد الإسلامي منه فلن يقدم نفسه يوما لمثل تلك المطحنات التي تطحنه مالا ونفسا. وإذا زعم ذلك فلا تصدقوه.

لذلك يكون الذكر هو معقد الخير كله. لأنه يثمر ذلك كله وهو سبب لذلك كله. أما من يقصره على لسانه أو يذكر قليلا لا كثيرا فمآله التأخر عن مواقع الردى فلا نصر ولا شهادة ولا جهادا ماليا. بل قعود وتخذيل.

لك أن تقول كلمة واحدة : لو كنا اليوم ذاكرين فحسب لكان لنا شأن آخر. ولكنا اليوم نملأ الدنيا ذكرا والمساجد دعاء ـ والدعاء ذكر قطعا ـ ولا يتخلف بيت تقريبا عن تنظيم ختم قرآني .. والثمرة : مزيد من الضعف والشقاء والنكد وتصرم الحبل وما تعرفون وأعرف وما لا تعرفون و لا أعرف .. لم؟ لأننا لا نذكر الذكر المطلوب بمقصده المطلوب بل إنهمكنا في الذكر باللسان والفؤاد تستبد به الغفلة فأنى لنا أن ننصر.

ذاك السؤال المشاغب الذي يعد اليوم هرطقة وزندقة وفلسفة هو الذي يكفل لك فقه دينك. إتبع في أسئلتك  المنهاج الموسوي ( ربي أنظر إليك ) أو المنهاج الإبراهيمي ( رب أرني كيف تحيي الموتى ) وقل كما قال عليه السلام في الحديث الصحيح ( نحن أولى بالشك من إبراهيم ). فليس سوى الشك طريقا يقود إلى الإيمان النافع بأمن لا خوف فيه.

النصر مدين للذكر ..

والشهادة في سبيل الله وهي خير ختام ـ بعد الصديقية ـ مدينة للذكر..

والجهاد المالي المضاعف بسبعمائة درجة مدين للذكر..

فهل من مدكر؟

( فهل من مدكر ) كراس سيضم إلى جناحيه بحوله سبحانه عشرات المواضع التي أعكف على ذكرها في القرآن الكريم بل ربما مئات. يضمها إليه في صورة لوحات قصيرة أحرص الحرص كله على عدم تجاوز صفحتين لكل واحدة منها. أكفكف من غلواء قلمي كما يكبح الفارس غلواء فرسه الجموح باللجم وإلا فإنه مندلق مني في أدمان حديقة غناء فوحاء سحاء لا ينقضي منها العجب ولا تخلق من كثرة الرد ولكن للضرورة أحكام كما يقال ..

لوحات أنشرها من الآن ـ وقد جهزت منها عشرات ـ بإنتظام يومي بحوله سبحانه فإذا إكتملت جمعتها في كراس واحد ثم أعرضها للنشر بأي صورة في سبيله هو وحده سبحانه وأجري واحد لا ثاني له إن أصبت فيها خيرا : رحمة لوالدي فحسب.

 

 

 

                                                ( 1 )

بسم الله الرحمان الرحيم ...

فتح بها أحدهم حديثه فقيل له : تحدث بإسمك وليس بإسم الله.

بسم الله الرحمان الرحيم : إما أن ننحو بها منحى الجملة التي لا محل لها من الإعراب وذلك بسبب أنها جملة ناقصة غير تامة فهي جملة إسمية مقصورة على مبتدإ لا يخبرنا عن شيء وإما أن ننحو بها منحى المقدر المحذوف ليكون محذوفها المقدر هو : بسم الله الرحمان الرحيم أتحدث أو أتكلم أو أدعو أو أفعل أي شيء. والوجهان في الإعراب مشروعان. صفة الخلو من محل الإعراب ليست مقبحة كما يظن الذين تعربت أسماؤهم وتعجمت ألسنتهم ففي القرآن الكريم نفسه مواضع معروفة لمثل هذا من مثل ورود الجمل الإعتراضية.

إنما الذي شغب على مثل أولئك هو ورود حرف الباء جارا للمبتدإ المرفوع حكما والباء هنا تتقلب بين كونها واسطية أو وسائلية أو هي باب الإستعانة التي لا تكون إلا بواسطة أو بوسيلة وبمثل ذلك قال سليمان عليه السلام في كتابه لبلقيس ( بسم الله الرحمان الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ). أي : أستعين بالله ـ أي بإسمه ـ عليكم أو على أمري إياكم أن تنبذوا العلو علي. ( ألا : أن لا = المصدرية ). كمن يقول : بإسم الشعب أو بإسم ماركس .. هل يتصور عاقل أنه يتحدث بإسم الشعب كله أي بإسم كل واحد منهم؟ أو يتحدث بإسم رجل مات؟ إنما المقصود هنا إثقال الحديث بصفة رمزية نشدانا لأكثر مصداقية.

ومما شغب على الناس هنا كذلك ورود البسملة في رأس كل سورة ـ عدا التوبة عند من يقول أنها سورة مستقلة عن الأنفال ـ فظنوا أنها للإبتداء وهو خطأ فادح إذ لم يبدأ عليه السلام كلامة أبدا بالبسملة بل كان يفتتحه دوما بالحمد وكذا إفتتح الكتاب الكريم نفسه بالحمد وإذا كان الخلاف مشهورا بين المالكية بصفة خاصة وغيرهم حول عد البسملة آية من الفاتحة أم لا فإن الإجماع قاطع في أنها ليست كذلك في أي سورة أخرى عدا النمل آنفه الذكر.

وبذلك ظن الناس أن البسملة فاتحة الكلام وإنما الحمد هو فاتحة الكلام لمن يريد دقة السنة ولا حرج في جعلها كذلك بشرط أن يدرك أنها جملة ذات مقدر محذوف أو لا محل لها من الإعراب. فلا مجال لقائلها زعمه أنه يتحدث بإسم الله إنما هو يتحدث مستعينا بالله أي مستعينا بواسطة إسم الله أو بوسيلة إسمه سبحانه كما يمكن أن تكون دعاء ـ وهو كذلك إمكان راجح وغالب ـ لقوله ( قل أدعوا الله أو أدعوا الرحمان ..).

ويظل كل ذلك في سياق التدافع الغربي الإسلامي أو العالماني الإسلامي تدافعا سياسيا برداء فكري إذ حتى لو حملنا البسملة هنا تحدثا بإسم الله ـ بل نطقا بإسمه ـ فلا صلة له بالتجربة الكهنوتية المسيحية الكنسية الدينية الجائرة التي عاشها الغرب يوما إنما هي للتقوي به والتوكل عليه إذ لا يتصور عاقل أن يتقمص السلطان الإلهي أحد سواه سبحانه.

دعك من قولهم ( خطبة بتراء ) لمن خطبهم فلم يبسمل فهي بتراء عرفا وليس شرعا وكيف نستحدث بسملة لم يبتدأ بها كلامه عليه السلام مستعيضا عنها بالحمد إتساء بفاتحة الكتاب الذي يعلمنا فن الخطاب الذي ألف فيه الغربيون فلسفة كاملة l art du discours

 

                                             ( 2 )

 

إياك نعبد وإياك نستعين ...

أسئلة سبعة  لحسن فقه رسالتك :

1 ـ لم جاءت الجملة إسمية لا فعلية؟

2 ـ لم قدم المفعول به بخلاف ما هو معهود في التركيب؟

3 ـ لم تعلن عن رسالتك بصيغة الجمع وأنت فرد فذ؟

4 ـ لم تحول الخطاب من حديث عن غائب إلى حديث إلى حاضر؟

5 ـ لم تكونت الرسالة من جزئي : العبادة والإستعانة؟

6 ـ أين ذهبت باء الإستعانة؟

7 ـ ولم ورد فعلا  ( مثنى فعل ) الرسالة بصيغة المضارع؟

جاءت الجملة إسمية لا فعلية للإعلام بأن رسالة العبادة والإستعانة هي رسالة ثابثة راسخة تقررها جملة إسمية قارة لا تعرف التبدل بين زمن ماض وآخر آت. إذ لو لم تعبد أنت ونفر من الجن معك فإن الكون كله في حركة عبادة لا تفتر ولا تسأم ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ). فإن فسقت أنت فأنت نجم آبق من فلكه فهو هالك لا محالة.

وقدم المفعول به على غير العادة للتعظيم أي تعظيم المعبود فهو هنا المقصود والعابد هنا ليس مقصودا بالأولية لأنه عابد دوما فمن لا يعبد الله يعبد هواه أو أي معبود آخر ( أفرأيت من إتخذ ألهه هواه ). العابد لا شأن لنا به هنا لأنه عابد في كل الأحوال ولكن شأننا مع المعبود هل يكون هو المعبود الحق وبحق فتكون العبادة صحيحة والعابد مثاب أم يكون غير ذلك ولذلك قدم للتعظيم من جهة ولبيان المقصود من جهة أخرى.

ولا بد لكل تال أو مصل أو عابد أن يتحدث هنا ـ وهو في صلاة ـ بإسم الجماعة العابدة كلها حتى لو كان يصلي فردا صلاة سرية في دغل من الأدغال النائية البعيدة فلا أثر لطائر يطير ولا لسائر يسير .. لا بد له من ذلك لغرس مقصد في نفسه وكسبه عنوانه : أنا مؤتلف مع الكون المسبح المصلي من جهة ومن جهة أخرى أنا أنتمي إلى الأمة العابدة فأنا واحد منها أسعى بذمتها وأناضل عنها وأنا عضو فيها فأتحدث بإسمها كأني أحمل هم عبادتها إذ العبادة الفردية ـ حتى عندما تكون فردية ـ لا تجلب لصاحبها الشعور بالإنتماء. ومن فقد الإنتماء فقد فقد جانبا كبيرا من شخصيته وبعدا حيا من أبعادها.

بدأ الخطاب بحديث عن غائب ( الحمد لله رب العالمين ..) وذلك في أثناء الثلث الأول بأسره لسورة الحمد ـ أو سورة الصلاة ـ ثم إنقلب في ثلثه الثاني إلى حديث موجه إلى حاضر مشاهد ( إياك نعبد ). لم ؟ في الثلث الأول تفرغ الخطاب لبيان هوية المستوجب للحمد أي هوية المعبود بحق. ولما فرغ من ذلك جاء لسان العابد ليعلن عن رسالته بنفسه وليس بصيغة الإخبار بل بصيغة الخطاب المباشر ليكون ذلك أدعى في إطر النفس وتزكيتها وحملها على رسالة العبادة. فلم يقل مثلا ( إياه نعبد ). هو في العبادة حاضر مشاهد بالفؤاد.

الرسالة متكونة من العبادة التي محلها القلب وهو مركز العقل (لهم قلوب يعقلون بها). إذ العبادة في المنظور الإسلامي عمل فكري يوجه العمل المادي. ومن الإستعانة أيضا. وهي العمل. إذ يقتضي كل عمل ـ والقول عمل ـ إعانة من معين عليه يتوكل العامل. فهي رسالة معنوية ومادية في الآن نفسه. وأي محاولة للفصل بين جزئيها هي محاولة بئيسة شقية فمن عبد الله بحق في قلبه العاقل ثم لم يستعن به توكلا وإستجماعا للسبب كان كمن إعتقد في شطارة الطبيب المعالج وفي نجاعة الدواء الموصوف ولكنه لم يتناول منه حبة. فهل يشفى؟ ولكن لا وجود لمستعين بالله لا يؤمن به.

فعل العبادة وكذا فعل الإستعانة متعديان بالضرورة. سوى أن الأول منهما يتعدى بدون الحاجة إلى حرف جر في حين أن الثاني منهما لا بد له من حرف جر هو باء الإستعانة. تقول العرب : إستعنت خالدا وإستعنت بخالد. والثاني أشهر. المهم هنا هو أن باء الإستعانة حذفت لغرس عقيدة الإستعانة فينا به وحده سبحانه خالية من كل واسطة أو وسيلة فناسب حذف الباء مبنى غرس العقيدة معنى فلا حاجة لك مستعينا بالله بأي شيء أبدا طرا مطلقا البتة على ملة إبراهيم الخليل الذي عرض عليه جبريل خدمة وهو على مرمى خنصر من النار فقال له مستعينا الله وحده سبحانه ( أما إليك فلا ).

الرسالة ماضية مطردة لا يهدأ لها حراك وصاحبها عابد دوما وأبدا ومستعين كذلك فلا بد من صيغة تفيد الحاضر ( نعبد ونستعين ) وأينما كان وكيفما كان فهو عابد لا تنفك عنه العبادة إذ يؤجر حتى بنومه ينشد سكونا يستعين به على حدب يوم آت.

 

                                             ( 3 )

 

إهدنا الصراط المستقيم ..

1 ـ يتواصل الخطاب بصيغة الجمع من لدن الفرد الفذ لعل البعد الجماعي ينغرس فيه إنغراسا مكينا يبعثه على الإصلاح فلا يتسلل إليه يأس من أمة ولا قنوط من إنسان. يطلب الهداية للناس جميعا وليس للمؤمنين مثله فحسب وليس للطائعين منهم كذلك فحسب. لو إهتدى هو فحسب لفسدت هدايته قطعا إذ الإنسان مدني بطبعه يؤثر ويتأثر. ينبذ الأثرة حتى في طلب الهداية التي يسألها الهادي سبحانه للناس كافة. له بذلك أجر كل مدعو له إذ يقيض الله له ملكا يقول له ( ولك بالمثل ). لكننا ندعو هنا في الصلاة بالصيغة الجماعية وعندما نسلم ندعو لأنفسنا فحسب بل ربما إعتدينا في الدعاء دعاء لمن لا يستحق أو على من لا يستحق.

2 ـ أصل التركيب الذي صاحب الكتاب الكريم كله هو ( إهدنا إلى ..). فأين إختفى حرف الجر ( إلى ). تكون الهداية إلى الشيء وليس تعديا مباشر دون حرف جر. إختفى حرف الجر هنا حيث إختفت باء الإستعانة كما أنف. كلاهما لا يتعدى في العادة العربية بدون حرف جر ولكن الإيمان الصحيح الخالص يتخلص من أي مبنى قد يؤخر الإستعانة قيد أنملة أو الهداية كذلك. هم عرب أقحاح وهم من صنعوا ذلك وعلمونا أن صفاء المعنى المراد يقتضي تهيئة المبنى لذلك. لا يهديك إلى الصراط المستقيم فحسب بل هو يهديكه. أي يجعلك في أمه متمكنا من صهوته فلا تزل ولا تزل. هو سبحانه على صراط مستقيم ( إن ربي على صراط مستقيم ) ومن نشد القرب منه لا بد من هداية الصراط وليس هداية إلى الصراط. من هدي إليه قد يضل يوما أو يزل ومن هديه ظل عليه راسخا بحول الهادي.

3 ـ الصراط سبيل ثقيل مفخم ثابت قار كذا تشكلت حروفه المثقلة المفخمة كلها ولو كان سبيلا لينا ـ هنا ـ ربما زل بسابله. هو قنطرة راسخة مشيدة بالأثقال متينة متانة حروفه التي تملأ الفم ليمتلئ بها الفؤاد.

4 ـ بدله : صراط الذين أنعمت عليهم. ( من النبييين والصديقين والشهداء والصالحين). هو صراط أقتفاه رجال مثلنا فثبتوا وليس هم ملائكة لا نقدر على ما يقدرون. هو صراط واقعي ولعل الأمة كلها بأسرها ـ إلا من أبى ـ مشمولة بصفة الصلاح. لك أن تتدرج في سلم الصراط المستقيم من الصلاح إلى الشهادة ثم إلى الصديقية وهناك تجد علامة( قف) حمراء قانية إلا أن تتشبه بالأنبياء فتكون منهم قريبا ( أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة ).

5 ـ غير المغضوب عليهم ولا الضالين .. أصلها قبل التضمين ( غير صراط المغضوب عليهم وغير صراط الضالين ). هو مقدر محذوف. حذف الصراط منسوبا للمغضوب عليهم وللضالين لأن الصراط ثابت راسخ لا يتحول وهؤلاء مذبذبون بل ليس ضربة لازب عليهم أن يظلوا كذلك فمنهم من آمن ومنهم من سيؤمن فلم يحبسون في صراط لا يملكون عنه تحويلا. ليسوا هم بوضعهم ذاك أهل صراط بل هم أهل سبل ضلت بهم عن سبيله. الصراط أصل والسبيل فرع. قدم المغضوب عليهم لأنهم عرفوا الصراط المستقيم ثم تنكبوه عنوة إيثارا للعاجلة. وعذاب من علم فلم يعمل أشد من عذاب الضالين الذين لم يعلموا أن عيسى عليه السلام عبد رسول يأكل مثلهم ويشرب.

6 ـ لم يذكر لنا الغاضب ولكن ذكر المغضوب عليه فحسب. العبرة هنا ليست بذكر الغاضب ولكن بذكر المغضوب. الغاضب يظل مطلقا ليشمل كل مسبح بحمده سبحانه. ألا يستأذن الكون ربه ( أرضا وبحرا وجبالا ) أن يأخذ المغضوب عليهم ولكنه لا يأذن؟ إستحقوا غضب كل شيء يسبح بحمده. أما الضالون فلم يقع عليهم فعل فاعل سوى فعلهم هم بالضلال. لم يقل ( المضلون ) لأنه لم يضلهم أحد عن الصراط المستقيم ولكن أضلوا أنفسهم لما ظنوا أن عيسى المولود على غير العادة بعض من إله.

7 ـ كان لابد من ذكرهما تمييزا للصراط المستقيم وتمييزا للأمة العابدة المستعينة إذ الحقل حقل إعتقاد فلا بد من التميز والتمايز ( لكم دينكم ولي دين ). وكان لا بد من ذكرهما لأنهما سيظلان يصحباننا حتى ينزل العبد الذي إتخذوه إلها وزعموا صلبه ولكن يكون ذلك حين يعلن ( لات حين مناص ) أو سبق السيف العذل كما تقول العرب أي حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. الأديان لا تتقارب ولكن أهلها يتعاونون على إقامة الحق والعدل والقسط بين الناس تكريما للإنسان المكرم ونبذا للتظالم.

 

 

 

                                               ( 4 )

 

وإذ إستسقى موسى لقومة فقلنا إضرب بعصاك الحجر ...

هل يصدق عاقل أن ضربة موسى عليه السلام الحجر بعصاه هي التي فجرت ماء عذبا زلالا شرب منه بنو إسرائيل فأرتووا وربما رووا أنعامهم التي هي ظهورهم ..

وهل يصدق عاقل أن هز مريم البتول عليها السلام جذع النخلة وهي في حالة وضع هو الذي أسقط عليها رطبا جنيا يغذي جسمها الهزيل في ذلك الوقت بالطاقة المطلوبة ..

أنا لا أصدق..

أجل. لا أصدق مؤمنا بالله سبحانه واليوم الآخر وبالكتب والرسل والغيب كله.

لا أصدق ذلك ولكني أصدق شيئا آخر عنوانه : السبب الذي يحركه الإنسان في الأرض فريضة مفروضة عليه وضربة لازب لا أمل له بدونها في شيء حتى لو كان هو نبيا رسولا أو أحد أولي العزم منهم أو كانت القضية قضية معجزة نبوية أو معجزة إلهية.

ذلك هو الذي أصدقه.

أصدق أن المعجزات نفسها ـ وليس ما ينسبون إلى بعضهم من كرامات لا أصل لها في الدين حتى لو أغاث بها سبحانه بعضهم لحكمة لا أرب لي فيها الآن ـ لا بد فيها من جهد بشري هو : السبب.

أصدق التعليم المقصود هنا وعنوانه : يا إبن آدم إختر لك ما شئت من الدين ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) ولكن فريضة البحث عن السبب الموصل إلى ما تريد لا بد منها إذ على ذلك شيدت ملكي وبنيت خلقي ولا تبديل لسنتي ولا تحويل لإرادتي. أصدق أن من أخذ بالسبب في الحياة حيي ـ أو عاش إن كان كافرا ـ كائنا ما كان دينه ولسانه ولونه ومن أهمل السبب جهلا أو تهاونا قيض له الله من يحتله ويفترسه ويستعبده ويسترقه.

ولا أصدق أن عصا موسى عليه السلام بضربتها هي التي فجرت الماء ولا أصدق أن بنية مريم البتول عليها السلام في تلك الحال هي التي هزت جذع النخلة فأكلت رطبا جنيا.. أصدق المقصود وأنفذ إلى المراد وألتقط العبرة وأجني الدرس.

وأقول في نفسي ولمن يريد سماعي : إذا كان ذلك كذلك في المعجزات الإلهية فكيف في التكليفات البشرية؟

أصدق أننا اليوم ـ نحن المسلمون ـ في ذيل القافلة البشرية نستجدي أكلنا وشربنا وملبسنا وظهرنا وفقرنا يجري فوق موائد الذهبين الأسود والأحمر كما قيل .. أصدق أننا في أهون حال ـ ونحن مؤمنون ـ بسبب نبذ السبب إما لجهل وهذا منه شيء كثير وإما لتهاون وتقاعس وتبطل وتعطل وهذا كذلك منه شيء كثير.

أصدق أنه بيينا وبين النهضة والتقدم وريادة المعالي دينا ودنيا مسافة سبب فحسب. فإن وعينا بالسبب وفقهنا أن الحياة سبب ثم حولنا العلم إلى عمل والفردية إلى جماعية .. غير الله ما بنا من أسوأ إلى سيء أولا ثم من سيء إلى حسن ثانيا وإن أبينا أطبقت علينا نواميس الحياة كهوفها وأرخت علينا سنن الكون أرديتها وحجبها وإرتددنا إلى كهوف الجهل والتخلف وكنا للكافرين فتنة ونحن ندعو بألسنتنا ( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ).

 

                                               ( 5 )

 

عندما تكشف بقرة مذبوحة عن جريمة قتل شنيعة ...

هي أول قصة في كتاب جاء إلينا بزهاء أربعين قصة ..

وهي القصة التي إختيرت لتصبح إسم السورة ..

هي سورة وأي سورة؟ أول سورة وأطول سورة وأعظم سورة فهي الزهراء وهي التي لا تستطيعها البطلة وهي الواقي ضد الشيطان في البيت لمن قرأها وهي الشفيعة ...

وهي تحتضن أعظم آية وأطول أية وأطول آيات الإنفاق وأطول دعاء ...

لإسم السورة التوقيفي دور كبير في التوجيه نحو موضوعها ومقصدها وأمها وكذا لفواصلها ومكان نزولها وزمانه ومناسبته ...

وهي أجمع سورة طرا مطلقا وأجملها ( نسبة إلى الإجمال )...

وهي القصة الوحيدة ـ من بين زهاء أربعين ـ التي رويت لنا من النهاية وليس من البداية. بدايتها هي ( وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ..). ملخص القصة هي أن قوما من بني إسرائيل قتلوا قتيلا بغير حق من قوم آخرين من اللفيف الإسرائيلي نفسه زمن موسى عليه السلام ولما أعيتهم الحيلة أن يكشفوا عن القاتل المتحصن ببطن أهله لجؤوا إلى موسى فسأل هذا ربه سبحانه فأمره بأن يطلب منهم أن يذبحوا بقرة. جواب عجيب غريب وليس معروفا إن كان تلكؤهم في ذبحها بسبب ظنهم أنها ستكون وسيلة للكشف عن القاتل ـ فهم أهل كتاب ولا يستبعد منهم ذلك ـ أو كان بسبب طبيعتهم الملتوية التي تحسن الإلتفاف حول الأوامر لتظهر طاعتهم وهم يبطنون عنادا وعصيانا. ولكن النظم القرآني العجيب تجاوز ذلك لعدم قيمته إلى ما يجنى منه لنا نحن  اليوم ـ أجل. اليوم ـ مما سبق أن رسخه من مقصد قصصي ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) فالقصة عبرة فحسب لذلك عفت على الدوام عن المكملات التي لا لزوم لها من مثل الزمان والمكان والأسماء ... فلما ذبحوها أمروا بأن يضربوا القتيل بشيء منها وعندها أحياه محيي الموتى سبحانه ونطق القتيل بلحمة لسانه ليدل على قاتله. وهنا إكتمل الغرض القصصي وعرف القاتل. ويروى أن البقرة التي ظلوا يشددون على أنفسهم في ذبحها ظنا منهم أنهم يشددون على نبيهم تفصيا من التكليف ظفروا بها ( وهي صفراء فاقع لا شية فيها عوان بين البكر والفارض غير ذلول ) عند رجل فقير منهم ليس له سواها فإعتراهم كبرهم وليهم إلى حيازتها بثمن باهظ جدا جزاء وفاقا لهم ولصاحب البقرة المسكين.

السؤال الذكي هنا هو : أي حاجة لإنبساط القرآن الكريم في قصة بني إسرائيل مع البقرة إذا كان المقصود هو أنه سبحانه يحيي الموتى بالصوت والصورة أمامهم لعلهم يزدادون إيمانا بالغيب أو إذ كان المقصود هو الكشف عن القاتل.

ظلت هذه الجملة ( قالوا أدع لنا ربك يبين لنا ..) تتكرر ثلاث مرات ..

وظلت هذه الجملة ( قال إنها يقول إنها بقرة ..) تتكرر ثلاث مرات كذلك ..

حوار عسير طويل بين الله وبينهم بواسطة موسى عليه السلام. ولما أراد إعلامنا بذبحهم إياها قال ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ). حتى إنك لتتوقف برهة لتسأل نفسك من صدمة الدوار التي تغشاك وأنت تخرج من أتون ذلك العسر : هل ذبحوها أم لا؟ يخيل إليك أنهم لم يذبحوها.

لا أريد لحلقات هذه السلسلة ( فهل من مدكر ) أن تكون مسهبة لذلك أدلف إلى العبرة :

1 ـ غضبت على بني إسرائيل وحررت منهم رسالتي لأضعها عندكم بسبب عصيانهم المقرف. من عصاني من عبادي عن جهالة أو غفلة أصفح عنه ولا أبالي ولكن من عصاني منهم بطريق الإلتواء والإلتفاف والنفاق ـ أي المعصية المركبة غير التلقائية النابعة من شهوة جبلية في الإنسان أنا من غرزها فيه ـ .. فليس هو أهل لحمل رسالتي.

2 ـ أحب أن أطاع ولكني رحمان رحيم أرضى منكم بالقليل ولكن أبغض منكم المتشدد سواء على نفسه أو على الناس والعبرة هي بإتيان أمري وإجتناب نهيي بسلاسة وتلقائية ويسر ومن دون تكلف وتصنع وتعال فمن عصاني شهوة غفرت له ومن عصاني فلسفة وتقعرا وليا كما فعل هؤلاء فإني أبغضه حتى لو أطاعني ظاهرا أو في نهاية المطاف كما حدث معهم.

3 ـ أقداري عجيبة غلابة ماضية ليس أحد منكم في مستوى كنهها فقد أكشف الحق بينكم بطريقة لا تخطر لواحد منكم على بال وكذا في زمان ومكان أختاره أنا. وخاصة فيما يتعلق بالدماء والحرمات والأعراض والكرامات ـ أي فيما يتعلق بالإنسان بنائي ـ فإن كشف الحق فيها أمر كتبته على نفسي فهو واقع لا محالة ولكن كتبت أنه لكل أجل كتاب.

4 ـ أي علاقة بين بعض من بقرة مذبوحة بأيديكم وبين جثة قتيل ليبعث حيا؟ من أحياه؟ وكيف؟ أنا أحيي وأميت وهذه صورة حية أمامكم الآن وبمثل هذا اليسر أحييكم بعد موتكم. ولكن كتبت ألا يقع شيء في كوني ـ حتى لو كان معجزة كهذه المعجزة ـ إلا بسبب منكم.

 

                                           ( 6 )

 

هذه وظائف النبي يا ورثة النبي ..

 ورد في الحديث الصحيح أن ( العلماء ورثة الأنبياء ) أخرجه إبن حبان وغيره.

العلماء يرثون النبوة لا بمعنى تواصل النبوة ولا بمعنى العصمة ولكن بمعنى إستئناف وظائف النبوة المذكورة في الكتاب العزيز ويظل العلماء دوما محجوجين بالوحي ومحكماته وليسوا حجة على الإسلام ولا ناطقين بإسمه ..

فما هي وظائف النبوة التي على العلماء إستئنافها ؟

1 ـ " يتلو عليهم آياتنا ". تلك هي الوظيفة الأولى التي تصدرت كل آية ـ وهي مواضع ربما لا تتجاوز عدد أصابعك ـ تبين وظيفة محمد عليه السلام. يكفي الناس أن يتلى عليهم هذا الكتاب تلاوة صحيحة متأنية كما قال سبحانه ( وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ). مفرق في الزمان ( زهاء ربع قرن كامل ) وفي المكان ( بين مكة والمدينة وتخومهما ) والغاية من فرقه هي قراءته على الناس بتأن وتريث أي مرتلا ترتيلا حتى يستوعبوا أحكامه وقصصه وأمثاله. ولذلك تضمن برنامجنا التعبدي الصلاة الجهرية بالليل أي ركعتي الفجر وركعتي المغرب وركعتي العشاء ( زهاء ثلث ما يتلى في الصلاة يتلى جهرا وهو مختص بالليل ) ذلك ( إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا ) عدا النوافل من مثل التروايح وغيرها. ليس هو إنجيل يقرؤه القس على الناس ولكنه قرآن كريم يتلوه كل أحد ويستمع إليه كل أحد وميسر لكل أحد. فهلا تلونا نحن اليوم آيات الله على الناس؟

2 ـ " يزكيهم ". تلك هي الوظيفة الثانية التي ترد أحيانا في الموقع الثاني وأحيانا تؤخر بحسب السياق. التزكية معناها تهذيب النفوس وترقية الأرواح وإتيان ما يسل سخائم الصدور ويملؤها بقيم التراحم والحلم والأناة والإيثار. التزكية هي التربية الروحية التي توطن صاحبها على فعل الخير وقول الحق وقيم الصبر والشكر في السراء وفي الضراء.هي أعمال كثيرة لا تحصى وعمادها الأول تعميق التوحيد الصافي وتجديد الإيمان وإتيان العبادات وإحسانها وإتقانها ومخالطة الناس والصبرعلى أذاهم. الصدقة مثلا ـ مفروضة أو منفولة ـ تطهر القلوب وتزكي الأرواح المشبعة بالشح والمترعة بالقحط والأثرة. ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ). فهلا تزكينا أو زكينا الناس.

3 ـ " يعلمهم الكتاب والحكمة ". هنا مهمتان إذ أصل الكلام هو ( يعلمهم الكتاب ويعلمهم الحكمة ). أما الكتاب فهو القرآن الكريم دون منازع وأما الحكمة فهي الميزان بحسب إستقراء الكتاب نفسه إذ وقعت موقعه مرات فيه. والميزان هو أمثل طريقة لحسن الفقه للكتاب وللسنة والسيرة ليكون التنزيل واردا كذلك على أحسن حال. الميزان هو لزوم الوسطية والإعتدال والتوازن في الفهم والتطبيق معا في كل الحقول وكل الحالات قدر الإمكان وهو أمر لا يتأتى إلا بالعلم والفقه والإجتهاد والجماعة والتشاور والإفادة مما عند الآخر من حكمة. أما تعليم الكتاب فمعناه قوله الصحيح المتفق عليه ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ). وكذا قوله الصحيح ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ). تعليم الكتاب يعني تعليم حلاله وحرامه ومحكماته والعبر من قصصه وأمثاله أي إستيعاب رسالته الجامعة كلية ثم مفصلة قدر الإمكان سيما في القواطع الراسخات وليس في المتشابهات. الكتاب يعلم ـ لمن جعله معلما وهاديا ـ فن الحياة وفقه الكسب وشطارة التجارة وأدب الإنسانية وسنن التقدم والنهضة وقوانين الإنحطاط والركود. تعليم الكتاب معناه صناعة رجال على درب الصحابة أي جامعين بين الدين وبين الدنيا وبين الإخبات وبين المقاومة وبين الإتباع وبين الإبتداع أو ( رهبان بالليل فرسان بالنهار ). فرسان علم وفرسان مقاومة وفرسان مرحمة.

تعليم الكتاب لا يتسنى سوى لمن تعلمه أولا إذ فاقد الشيء لا يعطيه ومن يعطي جهالات يظنها علما فوزره كبير كبير. لما سئل حبر الأمة عن سبب نبوغه قال ( بلسان سؤول وفؤاد عقول ). من لا يسأل هو المتكبر وهو الذي لا يتعلم ومن يتعلم فلا يعقل يحجر عليه التعليم أي تعليم غيره والناس هنا محل تفاوت كبير وواسع. ( بلغوا عني ولو آية فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).

أما تعليم الحكمة فمعناه تعليم فنون الفهم الصحيح وشروط التطبيق الصحيح ومن يحسن فقه السيرة ـ السيرة وليس السنة رغم تداخلهما ـ يحسن الحكمة لأن خير من أحسن فقه الكتاب وخير من نفذه بحسب طاقة زمانه ومكانه وحاله إنما هو محمد عليه السلام. إن قلت : الحكمة هي السنة ما جانبت صوابا ولكن وجب عليك إتمام المعنى بقولك : السنة نفسها وكذا السيرة بحاجة إلى حسن فهم. فهم مقاماته مثلا عليه السلام وغير ذلك مما لا ننبسط فيه هنا حرصا على فصول هذه السلسلة أن تنداح مني.

الحكمة إذن هي حسن الفهم سواء في الكتاب ـ بل فيه هو أولا ـ أو في السنة أو في السيرة ولا يقتصر على ذلك بل لا تتم الحكمة حتى يحسن المرء فهم زمانه ومكانه وحاله وعرفه وما يطيقه كل ذلك إذ لا نفاذ لحق لا يجد له من يمضيه. الحكمة هي وضع كل شيء وكل أمر في نصابه المناسب فلا إخسار فيه ولا طغيان ولا تفريط فيه ولا إفراط. تلك هي الحكمة وذلك هو الميزان. على أن تعليم الحكمة لا يكون كتعليم الكتاب بالنظرية فحسب بل ربما يكون تعليم الحكمة بالتطبيق أكثر منه بالنظرية. وتلك هي سيرته.

أربع وظائف للنبوة ( تلاوة آيات الكتاب ليسمعها الناس مرتلة ترتيلا فيعونها + تزكية الأرواح وتهذيب النفوس وتطهير القلوب بطرق شتى + تعليم الكتاب + تعليم الحكمة).

هي نفسها وظائف العلماء الذين يرثون الأنبياء. ما يحجزك أن تكون منهم؟

 

                                             ( 7 )

 

الكون مصنع العقيدة ومعمل الإيمان ...

هذه مفارقة عجيبة إذ أن القضية الأولى العظمى التي تمحض لها الإسلام في كتابه الأخير أي الإلهية من توحيد خالص وأسماء وصفات وما يقتضي ذلك من الإنسان المخلوق ... وظل يعرضها بأسلوبه فلا تخلو منه صفحة واحدة بل قيض لها الكون بتضاريسه الأرضية والجوية وقيض لها التاريخ وحالات الإنسان في الشدة وفي الرخاء ومشاهد القيامة .. تلك القضية المركزية الأولى والعظمى فيه والتي عالجها هو بأسلوبه الأنجع في الإقناع بها .. تلك القضية عولجت من لدن أكثر المسلمين عبرالتاريخ وإلى اليوم بمنهاج آخر فلم يقتصر الأمر على علم الكلام الذي ربما يعذر بسبب إضطراره لنسف عقائد اليونان وغيرهم بالأسلحة الفكرية ذاتها أي المنطق الصوري المجرد .. بل إستصحبنا ذلك حتى إنك اليوم لا تلفى جامعة إسلامية واحدة في الأرض إلا وفيها قسم لأصول الدين التي تلقن للطلبة بالمنهاج الكلامي العتيق وكأن التحديات هي هي لم تفعل فيها صروف الزمان والمكان شيئا. عجب عجاب ورب الكعبة. أأنتم أعلم أم الله؟ من هو الأعلم بالمنهاج الأوفى لغرس العقيدة وتأسيس الإيمان؟ صاحبه المعبود أم أنتم؟ إندرس اليونان والغنوصية ومدارس لاتحصى وظهرت على أنقاضها ـ بل ربما من رحمها ـ مدارس غربية مادية شرسة تجهزت علينا بأمرين أرديانا سكارى وما نحن بسكارى : العلم وهو أول فريضة إسلامية تنزلت علينا في كتابنا وديننا فسرعان ما طويناه طي الجهلى + القوة وهي فريضة إسلامية محكمة لنا فيها كذلك سورة مدنية كاملة ( الحديد) فضلا عن أوامر أخرى صريحة بإعدادها. ألم تسترق منا الشيوعية في الخمسينات والستينات والسبعينات عشرات الآ لاف من خيرة شبابنا المثقفين ثقافة جامعية عالية ثم تبوؤوا المناصب الحكومية العليا فلم يرعوا فينا إلا ولا ذمة تجفيفا لمنابع قوتنا القيمية ( العلم ) ورساميلنا المعنوية؟ أي التحديات أولى بالمقاومة : المنطق الصوري التجريدي اليوناني القديم الذي تجاوزه أهله أنفسهم أم الحضارة الغربية المادية الكالحة التي إفترستنا بعولمتها؟ وتحديات عقدية أخرى كبيرة وكثيرة وخطيرة هي تحديات معاصرة أولى بنا أن نقاومها بميزان كتابنا.

أصول الدين عندنا اليوم هي التعمق حتى الثمالة في القالات الأشعرية والماتريدية والخوارجية والجهمية والباطنية والظاهرية والشيعية وهذا تعطيل وذاك تجسيم .. هل هذه هي أصول الدين في كتاب أصول الدين؟ اللهم لا. اللهم فأشهد.

إستبدلنا قيمة الإيمان بقيمة العقيدة فهان أمر ثم إنحططنا هناك وظللنا نائمين هناك حتى أيقظتنا دبابات هولاكو تدك العاصمة العباسية ثم تلتها دبابات الفرنجة لتخر تحتها غرناطة ويرثيها أحمد شوقي عليه الرحمة ثم دبابات نابليون بونابارت ودبابات ودبابات .. عندها بدل أن نطرح السؤال النهضوي المفتاحي اللازم : كيف تقدم هؤلاء وهم كفار وتأخرنا نحن ونحن مسلمون؟ تثاءبنا متكاسلين ثم فررنا إلى العهد العباسي القديم حيث إشتبك أسلافنا مع اليونان والغنوصية وعقائد أخرى وثنية أو شبه وثنية. أي أننا لفرط الصدمة ـ صدمة الدبابات التي تحمل العلم والقوة معا ـ ذهلنا فبدل أن نفر إلى الأمام فررنا إلى الخلف.

والآن وبعد نشوء الصحوة الإسلامية التي تملأ وهادنا ونجادنا وإستخلص بعضها الدولة جزئيا أو كليا .. الآن أيضا نلوث جامعاتنا بتحديات عقدية أكل عليها الدهر وشرب. ولا تظن أني صاحب موقف سلبي من علم الكلام. أبدا. أقدره وأحبه وأقدر أهله وكان ضروريا في زمانه ومكانه. ولكن إجتهد أهله لزمانهم وتحدياتهم وعلينا أن نفعل مثلهم وليس أن نشيد خلفهم طوابير التقليد والإمعية القرودية أو الإنبهار الببغاوي.

إقرأ القرآن مرة أخرى لتلفى أن قضيته الأولى عقدية قحة وأن منهاج الإقناع بها هو منهاج واقعي عملي يسير يعتمد النظر في الكون ( الكتاب المفتوح المنظور ) ويعتمد التاريخ لذلك جاء ثلثه كاملا قصة مقصوصة ( الكتاب المروي ) ويعتمد الإنسان نفسه في حالاته النفسية المتنوعة كما يعتمد مشاهد القيامة وغير ذلك من مثل الأمثال التي ربت عن أربعين تقريبا. ذلك هو منهاج الإسلام في الإقناع بعقيدته. إقرأه لتلفاه يتحدث عن الكون والتاريخ والنفس في كل صفحة دون أي إستثناء تقريبا.

" إن في خلق السماوات والأرض وإختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح و السحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون".

وأمثال ذلك عشرات بل مئون مئينة تدعوك إلى كسب إيمانك من الكون والتاريخ وليس من المعركة الكلامية السالفة وحولك معارك عقدية أخرى محتدمة.

ذلك هو المنهاج الإسلامي العقدي الذي صنع رجال الصحابة ونساءهم فأكرم به منهاجا وأكرم بهم روادا نهلوا من المعارف ومنابع القوة حتى غيروا وجه الأرض.

 

                                           ( 8 )

ليس البر... ليس البر ...

أو : الإيمان يقدم القيم ويؤخر المظاهر

ورد ذلك في ( البقرة ) مرتين : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ...) و ( ليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من إتقى ..).

هل يعني ذلك أن نستقبل في الصلاة أي إتجاه إتفق لنا مادمنا محتفظين بما ورد هنا ( الإيمان بالله واليوم وبقية أركان الإيمان وإتيان المال إنفاقا للمحتاجين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد والصبر في كل الأحوال )؟ طبعا لا. فما هو المقصود إذن؟ ولم يعرض بالقبلة التي حددها هو سبحانه؟ المقصود الأول هنا هو أن نعيد ترتيب أولوياتنا لنجعل المقدم الكبير مقدما كبيرا فلا نشغب عليه بتقوانا المزيفة بالمظاهر حتى لو كانت تلك المظاهر مطلوبة محمودة. تولية الوجه شطر القبلة المضبوطة أمر على أهميته وقيمته يسير على النفس إذ لا يفكر أي واحد من المصلين أن يستبدل قبلة بقبلة وهو أمر عملي تعلمناه وأطعناه وإقتصر دوره على هناك وهو أمر كذلك ننفع به أنفسنا في المقام الأول. ولكن العسير علينا هو الإحتفاظ بالإيمان إحتفاظ المجددين لرساميلهم وليس إحتفاظ الخازنين لها في بيوث ثلجية أو في مغارات صدئة. العسير علينا هو أن نجعل ذلك الإيمان نافعا نفعا يثمر الخير أن نكون بين يدي يوم القيامة من الذين لم يكسبوا في إيمانهم ( خيرا) فيستوون مع من لم يسبق له إيمان أي عندما تطلع الشمس من مغربها فيختم الله مرحلة الدنيا ويأمر بإيصاد سجلات الأعمال. العسير علينا هو إنفاق المال جهادا وهو يحبه إما حبا غريزيا مجبولا لا يند عنه إنسان أو حبا لفرط الحاجة إليه. العسير علينا هو المحافظة على أول أركان الإسلام ( الصلاة ) التي تكون أول ملف يفتح في وجوهنا يوم نلقاه سبحانه في محكمة التعقيب الأخيرة سيما أنها تغشانا كل أربع ساعات ونيف على مدار الحياة وأن المطلوب إقامها لا صلاتها فحسب. العسير علينا هو إيتاء الزكاة بعد إيتاء المال. ألا ترى أن الجهاد بالمال ذكر هنا في هذا السياق ـ وفي سياقات أخرى كثيرة ـ مرتين : مرة مقرونا مع الإيمان ومرة مقرونا مع الصلاة؟ العسير علينا هو حفظ العهد سيما مع المخالف العقدي أو مع من لا نحب أو عندما يكون العهد ثقيلا علينا. العسير علينا هو تجرع الصبر المر وهل أمر من جرعات الصبر عند إبتلاعها وهل أحلى منها بعد إنقضائها؟ كل ذلك عسير لأنه يجعلك ملتزما مع نفسك ومع ربك ومع الناس بالحسنى في منشطك وفي مكرهك. ذلك عسير لأنه مادة حياة وبرنامج سعي وخطة كفاح. هي معركة الحياة التي تخاض بأسلحة القيم. سل نفسك الآن : أنت من الفريق الذي يولي وجهه حيث أمر بدون شعور منه فهي حركة عادية تقليدية لا تكلفه شيئا أو من الفريق المقاوم في معركة الحياة الطاحنة.

ليس البر ذاك ..

وليس البر كذلك التعلق بالتقاليد الجاهلية والعادات الوثنية تدينا أسطوريا خرافيا مشعوذا إذ كانوا يعتقدون أن إتيان البيوت من بعد الأسفار من خلفها أقرب للتقوى.. تماما كما نظن نحن اليوم بكثير من الشركيات أن يوم الإربعاء يوم نحس وشؤم فلا نعرس فيه وأن التاجر الذي يبدأ يومه ببيع سلعة بثمن مؤجل صاحب نحس وشؤم وأن الماء الذي تسكبه أمهاتنا خلفنا ونحن نتأهب للسفر حصن حصين ومئات بل ألوف من مثل تلك المعتقدات الوثنية الصنمية الشركية .. ألم يقل سبحانه في أكثر آية مخيفة ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ). ألم يصطف إليه خليله إبراهيم عليه السلام لما خاض معركة التوحيد بعقله أي بطريقة رياضية عنوانها جمع الإفتراضات كلها ثم إمتحانها واحدة من بعد واحدة فما يصمد يبقى وما يسقط يزاح؟ لذلك كان من الذين ( آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ). أما من آمن فألبس إيمانه بظلم ـ أي ظلم الشرك ـ فلا أمن له يوم القيامة بل يبعث خائفا مذعورا.

ذلك هو الدرس القويم : المظاهر الشركية سرطان الإيمان تفترسه بدم بارد حتى يأتي المرء ربه يوم القيامة وما في إيمانه من مزعة لحم. أما المظاهر الإسلامية فهي مطلوبة بمستويات من الطلب مختلفة ولكنها مؤخرة لا مقدمة ومصغرة لا مكبرة ولذلك قال الأصوليون بحق ( من شغله الفرض عن النفل فهو معذور ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور ). فما بالك إذا كان المظهر ليس سنة ولا مندوبا أو كان تقليدا عربيا أو عادة قبلية يظنها الجهلى دينا مدينا. وما بالك إذا كانت السنة حائلة دونك ودون الفرض؟ هل تظن أنه مثيبك. أبدا. بل هو يعاقبك. ألم يقل ( ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما إفترضته عليه).

ألا تحرص على بر يبرك به سبحانه ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون). أليس الناس عياله وأحبهم إليه أنفعهم لهم؟ أجل. ليس البر الذي ينيلك بره مظاهر تضيع معها الواجبات والفرائض ولا هو تدين نخرته الشركيات وإيمان نخلته الشعوذات والخرافات والأساطير .. بل البر نفاذ إلى أم الكتاب لمعرفة مقصود الكتاب أولا وبها تتحقق محكماته وعزائمه.

 

                                            ( 9 )

الناس سواسية في دمائهم وأسعارهم ...

ليس أعجب عندي من جهل يتدثر بالعلم ليقنعنا أن بعض بني آدم أرفع سعرا وأبهظ ثمنا من بعضهم بسبب الجنس البيولوجي ليفضل الفحل على الأنثى أو بسبب اللون ليفضل الأبيض على الأسود أو بسبب الدين ليفضل المسلم على الكافر في أسواق القيم الأخلاقية الدنيوية وليس يوم القيامة أو بسبب المذهب أو بسبب الحزب أو العرق أو القبيلة والبطن أو بسبب المال أو بسبب النسب والحسب أو بسبب الجمال والوسامة.. السؤال الذي يفضح أولئك بالضربة القاضية هو : من الواهب لتلك التمييزات التي إختارها هو وليس غيره ولم يستشر فيها واحدا منا؟ يجيبونك ببلاهة وحماقة : الله. إذن؟ ألم يخبرنا هو أن ( أكرمكم عند الله أتقاكم ). عند الله وليس عندنا نحن. عندنا نحن هناك ميزان آخر إسمه المساواة التامة في المصدرية الخلقية الأولى إذ كلنا لآدم وآدم من تراب ( إتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) هل هناك نفس نفخ فيها من روحه وأخرى لا. أو نفخ فيها جرعة زائدة عن الأخرى؟ وهي كذلك مساواة رسالية ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) هل فضل نبي فأعفي من شيء من عبادتنا؟ أليسوا هم أثقلنا عبادة؟ ومساواة في المرجع الأخير ( إنك ميت وإنهم ميتون). هل هناك آدمي ينفك عنه هذا المصير؟

مرجع ذلك الجهل المتدثر بالعلم هو الفهم الجزئي المنشطر للكتاب أي قصر الفهم على موضع واحد والمعلوم هو أنه ليس  هناك تقريبا قضية واحدة عالجها القرآن الكريم في موضع واحد وفرغ منها بل يعالجها في مواضع متعددة ومختلفة ومبثوثة هنا وهناك ومن ذا لا يكون التفسير تفسيرا أوفى للقرآن وأدنى إليه حتى يكون موضوعيا لا موضعيا.

فهم أولئك التفرقة والتمييز في أثمان الناس وأسعارهم وقيمهم من قوله ( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ). هو فهم قاصر لسانا عربيا قبل أن يكون قاصرا شرعيا. هذا التركيب نفسه ( كذا بكذا وكذا بكذا ..) معناه : لا يند عن المساواة بالقصاص أحد. وليس معناه كما توهموا إرتفاع سعر الذكر بسبب فحولته البيولوجية التي لم يخترها هو لتكون له منقبة وإنخفاض سعر الأنثى بسبب جهازها التناسلي الذي لم تختره هي لنفسها ويكون لها ذلك مثلبة ومظنة دونية وهوان. أليست تلك هي الجاهلية الجهلاء التي جاء الدين لتحريرنا منها.

يعني لو قتل فحل أنثى فلا يقاد بها أي لا يقتص لوليها منه لأنها تنقصه سعرا ودرجة. كمن قتل دابة أو شيئا ليس ذي روح. ولكن لو قتلت أنثى فحلا لقيد لوليه منها لأنها إعتدت على جنس أرفع منها. أجل. تجد هذا مثبتا في فقهنا ولا يكون حظ أذكاهم سوى تحرير مشكلات فيه وترجيحات وكأن القضية مستغلقة مستعصية غير محكومة بأصول المساواة والعدل والقسط والحرمة الأدمية التي تصل إلى حد القدسية . 

بل زعم بعضهم أن ذلك مجمع عليه بين المذاهب فلا سبيل لإجتهاد جديد فيه حتى قيض الله لعصرنا رجالا على نهج الفقيه الثائر إبن حزم يعالجون بالصدمة المؤسسة على البحث العلمي والتمحيص الإستدلالي والإستقراء الموضوعي والإعتصام بالمحكمات والكليات والقواعد والمبادئ والمقاصد.

بعضهم فعل ذلك لما صدمته دبابات الغرب تقرع بابه بدسر المساواة وبعضهم أوصد بابه وجعل في أذنيه أصابعه أن يسمع شيئا جديدا يزعج راحته الفقهية ..

أي معنى للقصاص عندما لا نقتل فحلا بأنثى واليوم قد تكون الأنثى المقتولة ظلما طبيبة أو محامية أو أستاذة جامعية أو قاضية أو رئيسة ويكون قاتلها أميا أمية كاملة ليس له من أسباب الحضارة سوى عصاه التي بها يجلد زوجه التي يعدها أمة له. ألسنا نكون عندها إسرائيليي الهوى : حرمت عليهم بعض الشحوم فعصروها حتى أصبحت زيتا. ما هو المقصد من القصاص؟ أليس العدل والمساواة والقسط بين الناس ليعم الأمن ويتفرغ الناس للعبادة والخلافة والعمارة وإقامة العدل والحديد والشورى والصف الواحد؟

بأي حق تثمن هذا الآدمي بثمن والآخر بثمن أدنى أو أعلى؟ أأنت صانعه؟ الحمقى اليوم يظنون أن ذلك بأثر من الضغط الغربي والمتعلمنون يظنون أن الإسلام يرخص الأنثى لأنوثتها. ليت شعري. أين العدول الذين ينفون تحريف الغالين وإنتحال المبطلين؟

هات لنا هذه ( الباء ) المضللة. لما قال عليه السلام في بيع ثماني حاجات أساسية (يدا بيد) أن تنزلق العملية إلى ربا الفضل ... هل يقصد اليد المادية هذه؟ طبعا لا. لم؟ لأننا اليوم نتبايع بغيرها أي بالمبادلات عن بعد إلكترونيا وهاتفيا وكتابيا وعبر وكلاء ووسطاء إلخ.. فما معنى يدا بيد؟ هذا تعبير عربي شائع يقصد به الحرص أن تنزلق العملية إلى ربا فضل وليس معناه تحريم البيوعات الإلكترونية اليوم مثلا وكل بيوع عن بعد.

قس ( يدا بيد ) على ( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) لتدرك المعنى من منطلقه اللغوي العربي فإن لم يسعفك عقلك لحسن فهم ذاك فاعلم أن الله سبحانه لم يخلق الناس مختلفين لونا ولسانا وجنسا لإختلاف أثمانهم ولكن لتفقه قانون التعدد الذي يفضي بك إلى تعظيمه سبحانه أنه واحد أحد فرد صمد ليس كمثله شيء وما عداه كله متعدد.

خذ هذه مني ودعك مما سبق وما يلحق : أطلب العلم لعقود ربت عن أربعة فلم أجن أغلى من أن مفتاح السعادة هو القرآن الكريم ومفتاح القرآن الكريم هو اللسان العربي ومفتاح اللسان العربي هو قوله ( إنما العلم بالتعلم ) أي بطلب العلم.

 

                                         ( 10 )

القصاص عدل ومساواة أم همجية وبربرية وظلامية ...

فريقان إلتقيا على الشريعة فما أنصفاها :

1 ـ فريق يعبدون السلف الماضي فيظنون أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان وأن الأولين ما تركوا للآخرين شيئا أي كأنهم الأصحاب بل حتى الأصحاب عالجوا أمورا كثيرة بغير ما عالجها هو عليه السلام وقال قائلهم ( هو عليه السلام فعل الأنسب في زمانه وأفعل أنا الأنسب لزماني ). ولكن السلف ـ وفيهم الصالح والطالح قطعا وربما يكون صالحهم أكثر من طالحهم ـ قوم إتسع إجتهادهم للقرون القابلة كلها حتى يوم القيامة فما علينا سوى الإخلاد للراحة وإتقان فن الإجترار.

2 ـ وفريق يعبدون الغرب فيظنون أن الإسلام تخلف ورجعية وماضوية وظلامية وبربرية وهمجية فهو مرفوض ومن إستحى قليلا أو ساقته أقدار الموازين المنخرمة فإنه قبل بالعقيدة وركل ما عداها كمن إحتفظ لنفسه من الشجرة ـ زيتونة مثلا أو نخلة ـ بالجذر المدفون تحت الأرض فحسب فبتر الجذوع وقص الأوراق وقطع الأغصان .. هل يطمع هذا بأكل شيء من ثمرتها؟

القصاص حياة.

كانت العرب في الجاهلية تقول ( القتل أنفى للقتل ) واليوم إضطرت أكثر من بلاد غربية إلى العمل بالقصاص في جريمة القتل العمد أملا في تجفيف منابع هذه المصيبة المستفحلة. ضل أولئك الطريق ومثلهم هؤلاء وما أصابه سوى العالمانيون من عبيد الفكر الغربي عندنا. الحياة مبناها التوازن. والعدل بين الناس يحقق ذلك التوازن فمن قتل نفسا بغير حق إما أن يقتل إلا عفوا من وليه مقابل دية وإلا فإن العفو عنه من لدن القاضي يعد شهادة تشجيع على القتل وهي شهادة يلتقطها غيره ويكون القتل ثأرا أو لأجل المال والمرأة والجاه وغير ذلك. أي نشجع التكاثر الذي يلهينا حتى نزور المقابر. نشجع قيم الجشع والطمع والأثرة والأنانية والفردية والإستبداد. فمن قتل إنسانا بريئا ثم تقلد علينا منصبا هل تراه يتردد في قتلنا؟

العالمانيون حوّل عوّر إذ ينظرون إلى حق القاتل في الحياة فحسب ولا ينظرون إلى حق القتيل في الحياة نفسها. هذه حياة مسلوبة لا تضيرنا وهذه حياة توشك أن تسلب قصاصا عادلا فيجب أن نمنع ذلك. الحجة الشيطانية هي : أزهقت روح فلم نزهق روحين؟ تلك هي الطريقة السفسطائية القديمة في الحوار الأصم. لا. بل أزهقت روح بريئة وعلينا إزهاق الروح التي أزهقتها حتى يتوقف إزهاق الأرواح ظلما بين الناس. ذلك هو المنطق الذي إهتدت إليه الفطرة ـ فطرة قريش الجاهلية ـ ثم فطرة الأمريكان الآن مثلا. تبين إذن أن المسألة لا علاقة لها بالعقل والفطرة والعلم وحقوق الإنسان ولكن لها علاقة بالتحرشات الحزبية والأديولوجية لتضل بضاعة منافسي دوما مزجاة.

القصاص يجلب لنا حياة أي يحيينا بسبب أنه يرسم العدل بيننا والمساواة في أثماننا وأسعارنا وقيمنا فليس القاتل مصنوعا من روح هي أغلى من الروح التي منها صنعنا حتى نعفو عنه. إنما نحن متساوون في حق الحياة. القصاص الذي يقضي بقتل قاتل ظالم يجلب لنا حياة لأنه يقتل واحدا لينجو من القتل من بعده عشرات ومئات وآلاف مؤلفة وفي ذلك حياة وأي حياة. فلا يكن القصاص هو الشجرة التي تحجب عنك الغابة. هي حياة بصيغة نكرة لتظل حياة مبسوطة أي لتظل حياة في كل حقل نغشاه من بعد إيقاع القصاص.

القصاص هو الألم الذي ينقي عنك الأذى لتنعم بالعافية من بعد ذلك. أنى لنا أن نراعي مشاعر القاتل وأوليائه متجاهلين مشاعر أولياء قتيل بغير حق؟ أهذا هو العدل أم هي المساواة. أم هي حقوق الإنسان الظالم. فعلا هي حقوق الإنسان الظالم في الثقافة الغربية والفلسفة العالمانية. أما المظلوم فله القتل وزيادة.

لكم صدق العلامة إبن خلدون ( المغلوب مولع أبدا بتقليد غالبه).

 

                                        ( 11)

الزوج لباس وسكن وحرث ...

عندما أقول للناس في الحديث المكتوب أو المرتجل أن النظم القرآني السليق القح سحرني سحرا .. ينكرون علي ذلك لأنهم لا يفهمون من السحر سوى معناه الشرعي المنكور. حق لهم إذن أن يشطبوا كثيرا من ديوان العرب ـ كما سماه علي عليه الرضوان ـ أي الشعر الجاهلي العربي الذي يستخدم السحر في هذا الإستخدام غزلا بالمرأة أو بغيرها..

أجل. سحرني هذا النظم العربي السليق القح. سحرني بمعنى أنه إستبد بإهتمامي فأنا به كلف كلفا. سحرني بمعنى أني أظل لزمن غير يسير مشدوها أقلب تراكيبه في ذهني فأستحضر المشركين الذين سحرهم نظمه ـ وهم أرباب الكلمة العربية بحق وربانها وحدادوها وصناعوها ونجاروها ونحاتوها الذين تحداهم هذا البيان لعله يصرفهم إليه ـ فظلوا يحاربونه عليه السلام بالنهار ثم يختلفون فرادى إلى بيته يستمتعون بسماع أعذب ما نطق به لسان عربي قح سليق ساحر. أجل. خذها مني عوراء قحلاء : لو فقهنا نحن اليوم القرآن لسانا بمثل ما فقهوه هم لسانا لكنا غير الذي نحن.. ولكن جنت علينا عجمتنا.

كيف تستقبل قوله عن بيت الزوجية ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن )؟ البيت ملبس يلبس فيه الزوجان بعضهما بعضا. الملبس يدثر من برد لاسع ويستر العورة أن نتشبه بالبهيمة ويضفي الزينة لنرتقي إلى مصاف الإنسانية ويشتغل مكيفا يوفر للابسه نسيما عليلا ولنا فيه مآرب أخرى كثيرة .. تلك هي الوظائف التي يتقلدها الزوجان بعضهما لبعض. هل تجد أدق من هذا التعبير وهو مجازي بالطبع. يتركب المجاز في لسانك من أكثر من عشرة وجوه. هذا هو الذي سحر المشركين وأنا في إثرهم مسحور ببلاغة هذا النظم الساحر.

الزوج سكن ـ ومازال يلحن أكثرنا بل كلنا أقولها دون مجازفة على حسابي وذلك عندما يؤنث الزوج جاهلا أنها مؤنث مجازي بالطبيعة وهي مبنى لغوي يحتمل الوجهين فهل تجد في الكتاب ( زوجة ) .. وقد تحدث عنها مرات ومرات .. أم هل خطأه المشركون الذين تحداهم بلسانهم في عقر دارهم ..

الزوج سكن .. ( لتسكنوا إليها ). تسكن إلى زوجك كما تسكن إلى لباسك الذي كلما إلتصقت به زادك دفئا وزينة وجمالا وستر عورتك عن الناس. بعضنا لبعض سكن وملبس ماديا ومعنويا. ولا يكون ذلك إلا في الحالة الزوجية. ألا يذكرك ذلك بقوله ( وقد أفضى بعضكم إلى بعض )؟ بم أفضى؟ بكل شيء. أفضى بعضهما إلى بعض جسدا وروحا. لذلك لا يحتاج الفعل ـ الذي يقبل اللزوم والتعدي معا سواء بسواء ـ إلى مفعولات.

تسكن إليها كما تسكن في بيتك. ذاك سكون فيه أو تحته وهنا سكون إلى جسد وروح. لا يسكن الإنسان إلا إلى شيء فيه روح في العادة لينعم بالأنس واللذة. البيت مهما كان فاخرا لا يوفر ذلك.

ومودة ورحمة كذلك. هي مفردات لو أحصيتها لشيدت منها فلسفة الأسرة في الإسلام. بأثر من اللباس والسكن يشعر الزوجان بالمودة وهي أعلى درجات الحب ـ إذ لا يصرف الوله المشتق من الإله إلا إلى المعبود وهو على غيره كثير ولا حرج فيه لسانا عربيا ينشد الإبداع أما الهيام فهو مبالغة تفيد التيه والضياع فمن هام في شيء تاه فيه وهو ربما يحق للصوفية المبتدعة وليس الصوفية الشرعية الملتزمة ـ كما يشعران بالرحمة. قيل قولا جميــلا: المودة لحالات التوافق والرحمة لحالات النشوز. وبالمناسبة ينشز الزوجان معا في الكتاب العزيز وليس المرأة فحسب.

وهي حرث كذلك ( نساؤكم حرث لكم ). الحرث هو الملك بصفة عامة كما ورد في آية الزينة في آل عمران. سمي حرثا لأن العادة هي أن المرء يملك عاقبة حرثه في الأرض وحرثه في الأنعام وحرثه في الضرب في الأرض .. الحرث فلح يتطلب جهدا وعملا ولذلك إستأهل أن يكون أثره ملكا. الزوج حرث هنا بمعنى المتعة الجسدية والروحية معا تساوقا مع قيمتي السكن واللباس ومعنيي المودة والرحمة. لذلك قال ( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) فهو المتعة بمثل ما يستمتع المرء بحرثه المادي أي كسبه وملكه. وهي متعة مشتركة بالمناسبة كذلك وليست أحادية الإتجاه. ( فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك كما قال عليه السلام لجابر).

كل ذلك يؤويه ميثاق غليظ ولم يغلظ الميثاق إلا ميثاق النبيين أن يبلغوا أقوامهم كلمة ربهم وميثاق الزوجية أي عقد النكاح. ( وقد أخذن منكم ميثاقا غليظا ). ليس هو ميثاق كميثاق البيع عند عديمي الذكاء الذين قاسوا عقد النكاح على عقد البيع فقالوا بأن المهر ـ الصداق ـ ثمن للبضع أي الفرج. ذاك قياس مادي ساقط لا يليق بالإنسانية. بل هو ميثاق تأخذه المرأة لتستأمن عليه فهي عماد البيت وهي لذلك الميثاق أرعى ولذلك نسب الأخذ إليها وليس إليه فهو المعطي الذي يتعهد بتنفيذ قوله ( خيركم خيركم لأهله ).

ميثاق غليظ إذن يحتضن إليه قيم السكن والملبس والإفضاء والمودة والرحمة والحرث والعشرة بالمعروف التي تكررت مرات ومرات كثيرات ..

تلك هي مؤسسة الأسرة التي فصلها الوحي تفصيلا دقيقا ليسد بها منافذ المثلية الجنسية وشنائع اللواط وفواحش السحاق أن يلتحق الناس بالبهيمة وحاشا البهيمة أن تساحق .. ألسنا نرى اليوم بأم أعيننا إنهيار المجتمع الألماني ـ مثلا ـ وإنقلاب وضعه العمراني رأسا على عقب كما يتنبأ لذلك في حدود 2025؟ والسبب التمرد على مؤسسة الأسرة.

 

                                         ( 12 )

بين الكبير والأكبر ... مسافة فقه ومساحة حق.

أرسل عليه السلام ذات مرة وهو بالمدينة سرية إستكشافية إذ كان مهددا من لدن قريش ومن تجنده للثأر منه والله وحده يعلم ما يبيت له الخصوم. وإتفق أن إشتبكت تلك السرية مع ثلة من المشركين وكان قائد السرية يظن أن الإشتباك وقع في آخر أيام الشهر السابق للشهر المحرم ولكن ثبت خطأ ظنه فإهتبل المشركون بمكة ذلك وشنوا حملة إعلامية واسعة عنوانها أن النبي الذي يزعم دعوتكم إلى الحق والخير لا يرعى في الحرمات إلا ولا ذمة ولما بلغه ذلك عليه السلام عاتب قائد السرية وسرعان ما نزل الوحي مصححا الأمر بقولـــه ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه؟ قل : قتال فيه كبير. وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ).

يحمل هذا التصحيح قيمة كبيرة ومهمة عنوانها أن المسلمين مطالبون برعاية الحرمات وتكاليف الدين دون ريب سوى أن ذلك لا يجعلهم سذجا مغفلين يبسطون أنفسهم لخصومهم الذين يفترسونهم بإسم الدين وما تنزل الدين إلا لتحريرهم وليس لتكبيلهم.

يحمل التصحيح فقه مراتب الأعمال بتعبير إبن القيم ليظل المحرم الذي يفضي إلى الفساد والتهلكة في حالات إستثنائية خاصة مباحا بل مطلوبا. ألا ترى هنا صيغتي ( كبير ) و ( أكبر ). فالكبير يظل كبيرا في حرمته ولكن نطؤه ونطأ حرمته عندما يتخذ من لدن خصومنا أو غيرهم ذريعة للإيقاع بنا لأن النفس هنا مقدمة على الدين. نطأ الكبير توقيا للأكبر. وكذلك الشأن مع الواجبات والفرائض لا نأتي منها ما يفضي إلى مفسدة من مثل تأمين خائف فارّ من القضاء العادل من بعد عدوانه على الناس وأموالهم حرابة. الأصل ألا يتعارض الأمران ولكن صروف الدنيا موارة دوارة وحمالة للإستثناءات التي تراعى وفق تلك القاعدة الأصولية العقلية المنطقية ( نتحمل الضرر الأدنى توقيا لضرر أكبر ونتخلف عن واجب أصغر لتأدية واجب أكبر).

مبنى الشريعة التمييز بين مختلف مستوياتها ودرجات تكاليفها أمرا ونهيا فمن وضعها كلا واحدا في سلة واحدة ما فقه منها شيئا ومن فرز تلك المستويات فميز بينها تمييزات مناسبة بمعايير مناسبة أصاب الأدنى إلى الحق والأنسب بالرشد.

الشهر الحرام مصون أن نحترب فيه حربا لم نجد أي بد لتلافيها ولكن عندما يهتبل خصمك ذلك فيشن عليك غاراته ظنا منه ـ أو جس نبض ـ أنك ستظل ساكنا بإسم الدين فما عليك سوى معاملته بالمثل لأن النفس هنا مقدمة على الدين ولأن الحرمة الزمنية إنما شرعت لحفظ الحرمة البشرية فإن لم يكن ذاك فأي معنى لحرمة زمان تسفك فيه دماء الإنسان.

ولهذا تطبيقات لا تحصى ولا تعد. سوى أن السذج منا يظنون الدين شيئا جامدا لا يتعلل ولا يتقصد ولا يخضع للفهم والعقل فكأنه عقوبة إلهية علينا تحملها والحق أن من بدأ مرحلة فقهه للدين على أساس أنه ما تنزل إلا لحفظ مصلحة الناس في معاشهم ومعادهم بسبب أنه معلل مقصد مفهوم معقول وله مراتب وأولويات ومستويات .. من بدأ رحلته الفقهية بمثل ذاك جدير بأن يتصرف تصرفا إلى الدين ومقاصده أدنى وبالإنسان أرحم.

إدرس إن شئت معالجة الخضر لسفينة المساكين لتعلم أن القصد إلى إرتكاب الشر إبتغاء صرف شر أكبر منه عبادة عقلية ذهنية مأجور صاحبها لحسن فقهه إذ قال عليه السلام في الحديث الصحيح ( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ). وتفكر إن شئت لم عدل عليه السلام عن إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ( أي ضم حجر إسماعيل من بعد ما هدمته السيول الجارفة )؟ عدل عن واجب إلى واجب أكبر منه ألا وهو رعاية المستوى العام للمسلمين يومها وكذلك المستوى العام للمشركين وكلاهما حديث عهد بشيء غير مألوف وهو ما نسميه اليوم رعاية الشاهد الدولي.

 

                                           ( 13 )

 

التشريع مبناه المنافع والمفاسد.

سبق أن تحدثت مرات عن مختلف موازين الإسلام بحسب الحقل فلا يعالج أي حقل إلا بميزانه الخاص به. لما أراد سبحانه تحريم الخمر ظل الوحي يتنزل متدرجا خطوة خطوة في إتجاه توفير المناخ الملائم لحكمها الشرعي النهائي. وفي خطوة من تلك الخطوات قال سبحانه ( يسألونك عن الخمر والميسر؟ قل : فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ). سؤال الأذكياء هو : لم لم يقل إنها حرام وكفى. لم يريد تفقيهنا بالمقصد من تحريمها. هل يخشى علينا ألا نطيع؟ لا طبعا. ولكنه سبحانه يريد تعليمنا فلسفة التشريع أي الحكمة منه فلا يكتفى منا بعلم الحرام والحلال بل يفقهنا في الدين حتى نعلم لم كان هذا مباحا ولم كان ذاك حراما وهكذا.. يكون ذلك منه سبحانه تبعا لكلمة صاغها الأصوليون أحسن صياغة وذلك عندما قالوا ( الأحكام متناهية والأحداث غير متناهية ). لا يمكن أن يستوعب الوحي حكم كل شيء لأنه لا وجود لنهاية فيها كل شيء ولذلك حرص التشريع على وضع قواعد ومعايير من فقهها عرف كيف يقيس الأشياء بعضها على بعض بسبب إشتراكها في العلة أو المقصد كما يعرف أمورا أخرى كثيرة يدرسها طلاب العلم.

علمنا هنا قاعدة تشريعية جليلة عنوانها أنه يعسر جدا أن تعثر على شيء خالص المتعة فلا خبث فيه ولا على شيء خالص الخبث فلا متعة فيه وتلك هي سنته سبحانه في كونه وخلقه ومن ذا وضعت هذه القاعدة التي قوامها أن غلبة الخبث تعني الحرمة وأن غلبة الطيب تعني الحلية والإباحة. ثم جعل من الخمر هنا ومن الميسر مثالين إثنين.

منفعة الخمر هي المنفعة المالية المترتبة عن الإتجار به وليس له منفعة ذاتية فيه والمنفعة المالية منفعة معتبرة إذ المال قوام الأعمال و( نعم المال الصالح للعبد الصالح ). وهي منفعة الميسر ـ أي القمار بالتعبير المعاصر ـ كذلك. ولكن ما يحملان ( الخمر والميسر ) من آثام أكبر وأوسع ولذلك يحكم العقل الفطري السليم بحرمتهما. ( الخمر أم الخبائث ) كما قال عليه السلام أي أن المخمور يمكن أن يقترف الجرائم كلها لأنه فاقد لوعيه فهو غير مكلف في تلك الأثناء ولذلك قال سبحانه ( ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ). واليوم رصد الأطباء أضرارها البدنية وعليها يقاس كل خبيث يذهب بالمال ويفتك بالعافية من مثل التدخين والمخدرات وما يشترك معها ومعهما في العلة ( وصف ظاهر منضبط بلسان الأصوليين ).

وعندما ملكنا سبحانه ذلك المقياس الأصولي حملنا مسؤولية الإجتهاد والتحديث والإبداع والتجديد والنظر وفي فقهنا ثروة تشريعية لا نظير لها في الدنيا والتاريخ رغم ما أسبغت عليها عاتيات الإنحطاط من أردية التقليد والجمود.

بمثل تلك الآلية الأصولية يمكن للدعوة الإسلامية أن تتقدم سيما في زمن نفعي بإمتياز شديد مثل زماننا. وبمثلها لا يحجز الإسلام أن يستوعب الحياة ويذلل دروبها ليجعل منها ساحة بناء وعمل ولو كلفت نفسك بإحصاء المحرمات فلن تملأ ورقة واحدة مهما توسعت أو كنت من رواد مدرسة التشدد أو التشديد والتضييق ولو حاولت إحصاء المباحات لإحتجت إلى أسفار في إثرها أسفار تنوء بحملها عابرات القارات والأفلاك.

وبمثل ذلك فإن التشريع ما حرم شيئا إلا دل على البديل الطيب له. إذ قصد التشريع تهيئة الأرض والحياة للناس حتى يتسنى لهم أداء المهمات والوظائف التي لأجلها خلقوا فإذا كثرت الحواجز والمحرمات والموانع تعذر عنهم ذلك.

ولكم أعجبتني قالة قوامها أن الذي يضع أمامك علامة حمراء قانية تحذرك أن تطأ منطقة إنتشرت فيه الألغام عشوائيا .. يحتاج منك تحية وعرفانا حتى لو كان سيعيق سيرك قليلا أو كثيرا إذ هو فعل ذلك رحمة بك وليس إنتقاما منك. ولله المثل الأعلى سبحانه.

 

                                            ( 14 )

 

بأي حق نمنع من نكاح مشركة أو إنكاح مشرك؟

ليس في الإسلام حكر على سؤال أبدا. بل إن طريق السؤال هو طريق العلم.

أليست تشترك المشركة مع الكتابية في الأنوثة ( عندها الذي عندها بتعبيره عليه السلام في موضع آخر )؟ فلم تحل لنا هذه وتحرم علينا تلك.

1 ـ الشريعة محكومة بالعقيدة فالعقيدة هي الحاكمة المتبوعة والشريعة هي المحكومة التابعة ومن قلب السلّم ضل وأضل.

2 ـ العقيدة متشددة جدا مع الكفر كله ولكنها كعادتها لا تضع كل شيء مهما تقارب في سلة واحدة كما يفعل تجار الجملة بل تفصل لتجعل الشرك ـ هنا ـ أقبح من الإنتساب الكتابي وتجعل النفاق الأقبح أبدا وتليه الردة الصحيحة قبحا وهكذا ..

3 ـ نكاح الكتابية ـ وهو مباح مطلقا ولكن يتعرض كل مباح للتقييد حتى لو كان شرب ماء ـ فيه رسالة إليها وإلى قومها أن ( تعالوا إلى كلمة سواء ) وهي رسالة تعبّد الطريق وتقلص من المسافة وخاصة من بعد البناء والحياة الزوجية تحت سقف واحد وفوق أديم واحد .. هنا تظهر شطارة المسلم ومهاراته الدعوية قدوة بالرحمة والحلم والصبر لا باللسان. وصدق القائل ( لا تدعني إلى دينك ولكن إجعلني أحبه).

4 ـ نكاح الكتابية ينمي المساحات المشتركة وهناك في كل يوم مناسبة للعبادة ومن هنا يولد الحديث ـ ليس حديث الدعوة ـ ويولد العمل التعبدي وكلاهما يرقب صاحبه. فهما لبعضهما بعضا لباس وسكن ومودة ورحمة وإفضاء وبينهما ميثاق غليظ .. 

5 ـ الرسالة الإلهية هنا هي بوضوح وجلاء : أنا الواحد الأحد وليس كمثلي شيء فلا أقبل أن يحيا عبدي المؤمن مع مشركة ( وتقاس عليها كل لا دينية أو ملحدة والشرك نفسه اليوم ضروب وضروب ) إذ لا مودة ولا رحمة ولا إفضاء ولا سكن ولا لباس بين الإيمان وبين الشرك الذي هو جريمة في حق النفس وفي حق العقل الذي لا يقبل إمكانية الشرك ولكنه يقبل إمكانية الإنتساب الكتابي بسبب سابقة تاريخية ومشترك ديني وغير ذلك. الرسالة هي : التوحيد أغلى من أن تدنسه مشركة لا أخشى على عبدي منها بل ربما تهدى بسببه ولكن الإيمان أنقى من ذلك وأخلص وأعلى .. وليس ذلك كثيرا على رسالة الإسلام العظمى أي توحيد الله سبحانه. الكفر كله جريمة ولكن التمييز بين المستويات هنا لازم. أهل الكتاب لهم سابقة ولكن أي سابقة للمشركين إذ أن الشرك في التاريخ طارئ لا قرار له. ( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ).

6 ـ هناك ملحظ آخر إنقدح في ذهني وربما يكون له من الأمر نصيب وقوامه أن المشركة التي تضيق بها ضائقات إجتماعية في مناخات يظهر فيه الإسلام قد يتألف قلبها  إلى الإسلام بحثا عن منفعة عاجلة إبتداء ثم سرعان ما تطرد عن نفسها غوائل إفك لا طائل من ورائه. ربما يتألف الإسلام قلبها بإعلان الحرمان أولا ولقد ثبت لي تجربة أن أقصر طريق إلى الإسلام هو الحياة في المجتمع الإسلامي أي طرق باب الإسلام الإجتماعي ثم تتكون الفكرة وتتغير وهكذا. لكم نرهق نحن أنفسنا عندما نظن أن الإسلام فكرة ربما فيها من البدع ما فيها ومن الجدة والغرابة بما يجعل بينها وبين الناس جدارا سميكا. الإسلام أيسر مما نحمل في عقولنا والتاريخ في كل مراحله أثبت أن أقصر باب إلى الإسلام إنما هو الخلق الذي هو ثمرة عشرة وتعارف. كلما أخبرتني ألمانية مسلمة أو على وشك الإسلام أو حديثة الإسلام  ـ بل شاورتني ـ أنها تريد قضاء أسابيع في بلاد عربية كدت أثنيها خوفا عليها ـ بل عليّ ـ أن تكون صورة الإسلام في رأسها غير الصورة التي ستلفاها هناك. وعند عودتها ألفاها مبتهجة مسرورة سعيدة بما رأت وشاهدت وما زادها ذلك إلا ثباتا. قلت في نفسي : سبحان الله. وعندما أفكر بمكث أقول : أنا أنظر إلى الإسلام من نافذة الفكرة لأني سليل مجتمع إسلامي وليس ذاك هو ميزانها فهي تكتشف عالما جديدا فيه مظاهر التكافل والإلتقاء وبعض الحنان والتزاور وبعض التلقائية ونبذ التوجس من الغد الأحبل وما لم تعهده هي في مجتمعها.

7 ـ أما تحريم إنكاح المشرك فهو أوضح إذ أن الرجل في العادة ـ والعبرة بها ـ أقوى( حتى بمعنى أعنف وأقسى إن شئت ) وبذا يكون نكاحه كتابية ليس فيه أي تضييق عليها في عبادتها لأن دينه يعترف بدينها إعترافا واقعيا حتى لو كان يسحب منه المشروعية الدينية ولكن عندما يرأس البيت مشرك فهو لن يسمح للمسلمة ـ ولا للكتابية سوى أن ذلك لا يعنينا ـ بتنفيذ عشر معشار عبادة من دينها لأنه كافر بالدين كله ولا إلتقاء معه ومن هنا تعرض المسلمة إلى فتنة في بيتها فإما أن تتحول إلى مشركة أو تسام الخسف. وهو الأمر نفسه الذي بسببه لا تنكح المسلمة من لدن غير مسلم ولو كان كتابيا. يسمى هذا تمييزا إيجابيا بيننا وبينهم وليس هو من باب المكاييل الجائرة. تمييز على أساس الحرية التي يضمنها المسلم للكتابية ولا يضمنها الكتابي ـ بله المشرك ـ للمسلمة. والحرية هي مقصد الدين الأعظم.

الأسرة خلية المجتمع الأولى وهي المزود له بالكائن الإنساني والإنسان هو مستودع خلافة الله وهو أمينه في أرضه والمسؤول على تنفيذ إرادته ومن ذا أحيطت الأسرة ـ مصنع الإنسان ورحمه ـ بتشريعات تناسب وظيفته ورسالته ومهمته.

الشريعة حريصة على إبقاء الجدار النفسي بين المؤمن وبين المشركة قائما سيما في المساحة الباطنية الداخلية التي فيها مودة ورحمة وإفضاء وحرث ونسل حرصها على تحرير الحرم المكي من مشركين يقر لهم فيه قرار. ومن شأن العقلاء التفريق بين الأضداد.

 

 

 

 

                                             ( 15 )

الإصلاح مقدم على كل شيء ..,.

هذا يشترك كثيرا مع حلقة سابقة حول موضوع ( الكبير والأكبر ) أي في مسألة وطء حرمة الشهر الحرام إذا كان لا بد منه لإعلاء قيمة أخرى أعظم ..

قال تعالى ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ). جعل الله ـ أي إسمه قسما به ـ عرضة للأيمان معناه أن الإنسان عندما يقسم بالله سبحانه ـ وهو مأمور ألا يقسم إلا به إن أقسم ـ ثم يتبين له أن هناك ما يستوجب حنثه خدمة لقيمة أخرى مقدمة في الإسلام معظمة في الشريعة فعليه ألاّ يتردد لحظة في التكفير عن يمينه وإتيان الخير أو البر أو الإصلاح الذي أصبح واجب وقت بتعبير إبن القيم.

هذا يحدث للناس كثيرا بحسب التجربة التي تروى لي. حنث اليمين منكر معروف لأنه إستخفاف بعظمة الله سبحانه ولكن عندما نكون في وضع لا بد فيه من حنث اليمين لأجل تقديم خدمة أو إسداء معروف من مثل الإصلاح بين الناس .. فإننا نتحمل الأدنى مكفرين عنه لنصل إلى الأكبر والأعظم .

رجل أقسم بالله في ساعة غضب ألا يصل جاره أو رحمه أو يواصل إصلاحا بين متخاصمين ألحدا فيه .. عليه ألا يجعل من قسمه ذاك عرضة تمنعه من إتيان الذي هو خير لأن اليمين المنعقدة تجبر بالكفارة ولكن التخلف عن مثل ذلك لا يجبر إلا بعد أن ينصرم الصف الإجتماعي للناس ..

هناك مثال رواه القرآن الكريم نفسه في سورة النور وهو متعلق بالصديق الذي لفرط غضبه على مسطح المتورط في قذف إبنته مع المتورطين أقسم ـ أو عزم ـ ألا يواصل إنفاقه عليه. ولكن القرآن نهاه عن ذلك وأمره بالعفو والصفح وهي كبيرة وثقيلة جدا لا يشعر بها سوى من طعم مرارتها ولكن إرضاء الله عند الصديق أكبر وأثقل ..

سواء أقسم الصديق أو لم يقسم فإن العبرة هنا هي أنه أعرض عن عزمه السابق لأجل صلة مسطح الذي هو قريب ومهاجر وفقير وغير ذلك ..

ذلك مثال ساطع باهر ..

هناك دلالة عدم القسم به سبحانه في مثل تلك الحالات حتى لا نتأخر عن إتيان العزائم الكبرى ولكن المعنى العام لا يتغير سواء أقسم الرجل أم لم يقسم إذ العبرة هي بتقديم ما قدمه سبحانه سواء كان عزمنا على غيره أو سبق منه القسم عليه ..

تلك هي فلسفة الشريعة وذلك هو منطقها .. شريعة عمدتها إصلاح الأمر في أي حقل كان إذ أن تصريم الصف ـ أي صف موسع أو مضيق ـ هو طامة الطامات وناكية الناكيات. حتى لو عمد إمرئ إلى تعذيب نفسه ـ كما فعلت إمرأة في طريقها إلى الحج أو وقف آخر في الشمس أو ربطت الأخرى نفسها حرصا على الصلاة ـ في سبيل الله فإن الأولى هو تحرير النفس من ذلك العذاب ومواصلة العبادة بالقدر المستطاع فما بالك لو كان الأمر متعلقا بتحرير الناس سواء من نير الرق الدولي أو الحكومي أو المالي الربوي أو من براثن الجهل والأمية أو من سجون التفرق والتمزق وكهوف المديونية إلخ ..

تلك هي الشريعة صاحبة المستويات المختلفة والدرجات المتنوعة فهي شريعة واحدة فسيفسائية البناء محبوكة التشييد وليست هي كومة مكدسة لا تكاد تميز فيها شيئا عن شيئ.

الجماعة فيها مقدمة ولكن للفرد حرمته ..

الدين فيها ضرورة الضرورات ( الخمس ) ولكن تتقدمه النفس خارج ساحات الوغى..

الإنسان فيها مقدس محرم مكرم لا يجبر قتله البتة ولكن ترتفع حصانته التشريعية تلك عندما يكون معتديا على غيره ..

لا شيء يحول دون فعل الخير فيها ..

لا شيء حتى القسم المغلظ يمينا منعقدة به سبحانه

 

                                          (16)

ولهن مثل الذي عليهن ...

هذا التركيب اللغوي وحده يعني المساواة مطلقا. لك من الأجر مثل الذي عليك من العمل. تلك هي المساواة. نحن اليوم نكفر بالمساواة لأن خصوم الإسلام يستخدمونها ضد الإسلام. لا يسمى ذلك ـ من لدنا نحن ـ أسلوبا علميا ولا منهاجا موضوعيا. ذلك يسمى رد فعل غاضب متوجس متشنج. لو فرطنا في كل قيمة إستخدمها الخصوم ضد ديننا لما ظفرنا من ديننا بشيء. الإسلام ليس بدعا لا من الحياة ولا من الدين بل هو من المشكاة نفسها. هل جاء الإسلام بقيمة أخرى غريبة عن الناس أثارت حفيظتهم؟ أبدا. ما عارض الإسلام أحد من بعد حسن فهم رسالته إلا لكبر وهو كبر عادة ما تبعثه المصالح التي توفرت له قبل ورود دعوة الإسلام إليه. الإسلام هو اللبنة التي ظل البناء الديني الشامخ من قبله عفوا منها. هو خاتم الدين ونبيه هو خاتم الرسل وختام ذاك وهذا مسك.

دعنا نقرأ العلاقة في موضعين ومن زاوية فكرية.

هي العلاقة بين الرجل وبين المرأة. عندما نقرؤها من زاوية فكرية نلفى أنهما يشتركان في شيء قاعدي صلب سميك إبتدائي عنوانه ( المساواة المصدرية في الخلق " خلقكم من نفس واحدة " + المساواة الرسالية " إلا ليعبدون " + المساواة في المرجعية النهائية " إنك ميت وإنهم ميتون " ). مساواة تامة كاملة مطلقة في الآدمية ( كلكم لآدم وآدم من تراب) وفي الخلقة والتصوير والتقويم ( في أحسن تقويم ) وفي الجبلة النفسية ( فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) إلى آخر ذلك من مظاهر المساواة الطبيعية الأولى خلقا ورسالة ومصيرا وتقويما ونفسا ... تلك مساحة الإشتراك الواسعة.

وهناك مساحة إختلاف كذلك أكثرها بدني بيولوجي وبعضها نفسي باطني من مثل نزوع المرأة في العادة إلى الزينة أكثر من الرجل وإلى اللطف والحنان والرفق كذلك. وذلك الإختلاف النفسي والبيولوجي كذلك إنما هو تجهيز لكل منهما ليقوم بوظيفته الخاصة ضمن الوظيفة العامة كأحسن ما يكون القيام بمثل عدد من العمال في مصنع واحد يختص كل واحد منهم بجزء من الآلة المراد إنتاجها فلو تخلف واحد منهم تخلفت الآلة.

هما إذن مشتركان في مساحة واسعة مساواة خلقية من الباري سبحانه وفي الآن ذاته مختلفان في مساحة أخرى أضيق هي مساحة التخصص الوظيفي تحت سقف الرسالة العامة أي رسالة العبادة والعمارة والخلافة وإقامة العدل.

وما إشترك شيئان في أمر وإختلفا في الآن نفسه في أمر آخر إلا للتعاون على وظيفة التكامل بينهما. كالليل والنهار والشمس والقمر وغير ذلك من الزوجيات التي شيد عليها سبحانه كونه وخلقه.

تلك هي فلسفة العلاقة بين الرجل والمرأة : إشتراك وإختلاف ليكون تكامل. هل ينشئ ذلك قولا سقيما بعلو هذا على ذاك أو أفضلية تلك على ذلك؟ أبدا. إذ ( فضل الله بعضهم على بعض ) ليكمّل كل واحد منه الثغرة التي تركها صاحبه بسبب خصوصية وظيفته الدنيا تحت سقف رسالته العامة. فلم يقل هنا ( بما فضل الله به ..) بل قال هناك ( بما فضل الله به ..). هنا ـ في حقل بيان المساواة بينهما ناشئتها الإشتراك والإختلاف ثم التكامل ـ  حذف حرف الجر المضمور ( به) ليفيدنا أن كلا منهما مفضل على صاحبه بشيء فكلاهما مفضل من ناحية وكلاهما ناقص من جهة أخرى وبذا يتكاملان. أما عند الحديث عن الإرث أتى بحرف الجر المضمور ( به) ليفيدنا أن الرجل مفضل بالبنية التي بها يجلب المال فيرث ضعف المرأة والمرأة مفضلة بالإعفاء من بناء البيت بل تقبض فيه مهرا مصدوقا ونحلة ولذلك ترث نصفه فحسب في الحالات العادية لأنها أكلت نصفها الآخر عندما أعفيت من ذلك ومن أعباء النفقة على إمتداد عقود حتى لو كانت في مثل يسار قارون.

أرأيت كيف أن حرف جر واحد يمكن أن يحدث في ذهن المتعجل تشويشا وإضطرابا. ألا ترى أنه يحتفي بأنه قرآن عربي مبين بلسان عربي مبين ليقول لك : مفتاحي لسان العرب.

ولكن للعلاقة موضعين

موضع الأسرة وفيها تتنزل قيمة الدرجة ( وللرجال عليهن درجة ) وموضع الحياة خارج إطار الأسرة وفيها تتنزل قيمة المساواة في معالجة الحياة ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ). الدرجة مقصورة على سقف البيت من ناحية ومن ناحية أخرى هي درجة المسؤولية المالية ( وبما أنفقوا من أموالهم ) إذ المال يحفظ البيت بمن فيه وما فيه ويضمن قوته عندما يكون مقودا بالإيمان. هي درجة القوامة التي تعني المسؤولية التكليفية وهي جسيمة وغير مأمونة العاقبة لمن لم يرع حقها ( الرجال قوامون على النساء ). درجة قوامة بسبب الأفضلية البدنية قوة وتفرغا لها وبسبب الإنفاق من المال وجوبا لا مزية من أول أيام الزواج حتى تقسيم تركة الهالك. وكل ذلك محكوم بالأصل الآصل حتى لا يكون القرآن فينا عضين مبثوثا بثا لا نظم فيه. وليس الأصل هنا سوى ( ولهن مثل الذي عليهن ) أي مساواة قانونية لا بد أن تعالج ( بالمعروف) أي بنظام أخلاقي يرعى مفردات الميثاق الغليظ من سكن وملبس ومودة ورحمة وفضل وإفضاء ..

لهن مثل الذي عليهن بالمعروف إذن إعلان المساواة الكاملة المطلقة في الحياة بين الرجل والمرأة فإن شغبت الدرجة أو القوامة على ذلك فقد شغبت علينا عقولنا الأفنة وما حذقنا من فقه هذا الكتاب البديع شيئا.

 

                                           (17)

هل كفرت بالطاغوت ..

في موضع واحد في القرآن الكريم قدم سبحانه الكفر بالطاغوت على الإيمان به وكان ذلك في سورة البقرة في أعقاب أعظم آية أي آية الكرسي وإعلان الحرية الإنسانية والكرامة البشرية ( لا إكراه في الدين ). ورود ذلك مرة واحدة لا يعني تهوينا من أهميته. قال الشاعر ( تعيرنا أنا قليل عديدنا ... قلت لها إن الكرام قليل). قال تعالى ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد إستمسك بالعروة الوثقى ..). هذه الفاء فاء خبرية.

ما هو الطاغوت وكيف نكفر به ولم قدم؟

الطاغوت أرقى صيغ المبالغة على وزن فعلوت كرحموت وجبروت إلخ.. فعلوت وفعلان أرقى صيغ المبالغة فكانت للرحمان سبحانه مبالغة في الرحمة أن يقنط من فضله عاص نكد وكانت للطاغوت الذي يعبد من دون الله سبحانه. الطاغوت من الطغيان ( طغى يطغى) والطغيان مصدر مبالغة على وزن فعلان. طغى تعني ربى وعلا. طغى الماء على الربوة أي علاها. الطاغوت هو ما عظم في النفس فهابته وخشيته وإتقته أو أملت فيه وطمعت ويكون ذلك طغيانا ماديا كحاكم جائر أو طغيانا معنويا كما يقدس الناس أمواتهم أو أرواحا إبتدعوها. عندما يطغى ذلك الشعور في النفس لأي سبب يسمى صاحبه طاغوتا ويسمى الذين يقدسونه أو يعبدونه أو يهابونه ـ إلا تقية ـ عبد الطاغوت وأصلها عبدة الطاغوت ولكن حذفت التاء تيسيرا للنطق. ليس من شرط الطاغوت أن يكون طاغيا في الحياة والدنيا ولكن من شرط الطاغوت أن يكون طاغيا في النفس لأن النفس هي محل العبادة والتقديس والخوف والطمع ولكن الجوارح جنود قد تصدق وقد تكذب.

الكفر بالطاغوت ـ أي طاغوت تعظمه النفوس إلى حد العبادة والتقديس ولأي سبب ـ يعني جحود أن يكون له أي دور في النفع والضر والإحياء والإماتة والرزق والخلق والتدبير والحاكمية والولاية والربوبية والألوهية. إنما المشدد عليه هنا والمؤكد هو أن الإيمان والكفر عمليتان نفسيتان لا ماديتان لأن المادة لا عبرة بها هنا فقد يصحب مؤمن قوما مشركين مستخفيا بإيمانه أو يرقب فرصة سانحة وقد يصحب مشرك قوما مؤمنين للسبب نفسه أو لغيره. الإيمان والكفر هما أمران قلبيان عقليان إبتداء مبدوء.

المؤكد هنا أنه سبحانه قدم في هذا الموضع بالذات الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله وجعلهما شرطا للإستمساك بالعروة الوثقى لا إنفصام لها .. فعل ذلك لأغراض منها التشديد على أن الحقيقة ـ والإيمان أعظم الحقائق بل هي حقيقة الحقائق كلها ومشكاتها الأم ـ لا بد لها أن تحتل مكانها من بعد تطهيره مما يشغب وتلك هي الفلسفة التركيبية التي شيدت بها شهادة التوحيد العظمى ( لا إله إلا الله ) إذ نفت الألوهية أصلا مطلقا نفيا كاملا ومن بعد تحقق ذلك في النفس يأتي الإيمان ليحتل مكانه طاهرا مطهرا لا أثر فيه لرجز ولا لنجس.

هما يشتركان في التركيب اللغوي نفسه ( فمن يكفر بالطاغوت = لا إله ) و ( يومن بالله = إلا الله ). كل متأله هو طاغوت إبتداء مبدوء ثم يأتي الإستثناء لأن الله سبحانه يتكبر ويعلو ويقهر بالحق وليس بغير الحق فهو ليس طاغوتا لأن في الطغيان علو بغير حق شرعا ولكن لغة ليس ثمة مثل ذاك.

هذا الموضع شبيه جدا بالمعنى والدلالة بإيمان إبراهيم ـ بطل قصة التوحيد كلها تقريبا في القرآن الكريم ـ الذي قال عنه في عقب رحلته من الشك إلى اليقين ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ). ثم سماها حجة ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ). ذلك هو الإيمان المطلوب أي الإيمان الإبراهيمي وكل نبي إنما هو على ملته ونحلته عدا من تقدم منهم وهم بالتحديد نوح عليه السلام وربما نبي آخر وليس أكثر.

ذلك يعني أن الإيمان درجات وأعلى درجاته هي أن يكون مسبوقا بالكفر بالطاغوت فمن إحتسى عسلا مصفى في قحف كلب يطعم في حثالته ما يزكم أنفه بما لا يهوى .. أعلى درجاته هي تطهيره من لوثات الشرك كلها وشائبات الكفر جميعها.

ألا ترى أن أكثرنا اليوم غارق في مستنقعات الشرك الأوسط أو الأصغر من مثل تعليق التمائم والبحث عن المفقودات لدى الدجالين والمشعوذين والإستعاذة بالجن لقضاء الحاجة والتطير والتكهن وقراءة الكف والتقحم على الغيب المغيب بصور غريبة وعجيبة ولوثات شركية أخرى كثيرة لا أستحضر منها الآن غير ذاك وهي معلومة معروفة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بمقادير مختلفة .. ومنها كذلك المبالغة في أمور خلافية من مثل التوسل حتى به هو عليه السلام والنذر والإكثار منه وهو ( لا يأتي بخير ) وما سكن الأفئدة من تلك اللوثات كثير وكبير وخطير.

عندما أعظ الناس فأقول مثلا أنا كافر بهؤلاء الذين تعودونهم إبتغاء شفاء أو ولد ـ وأمعن أحيانا بتسمية بعضهم إستنانا به أنه كان عليه السلام يسب آلهتهم أي يعلن في حضرتهم عدم قدرتها على تدبير أي شيء وذلك يعد سبا في اللغة وعندهم هم ـ عندما أفعل ذلك يهمس إليّ بعضهم أو يسرّ من بعد إنقضاء الموعظة ألا تبالغ أن يعتريك بعضهم بسوء. وكنت أسمع من أمي حديثا ـ عليها الرحمة ـ ينهاني أن أتعرض لمن هم محل تعظيم من الناس وفي العموم ينصحني الناس دوما أن أدعو إلى الله دون التعرض لما يعتقدون لا بالإسم ولا حتى بالمبالغة في نزع التدبير عنهم.

ذلك هو معنى الكفر بالطاغوت. فلا يتحقق إيمان مثل إيمان إبراهيم عليه السلام حتى يكون منك ذلك. تكون التقية حيال حاكم جائر لمن أراد ذلك وضن بنفسه عن ربه ولكن التقية من الطواغيت الأخرى المقدسة والمعبودة هو إيمان بالطاغوت أو عدم كفر بها كفرا يرضى عنه سحبانه. ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا : أن إعبدوا الله وإجتنبوا الطاغوت). و( الذين إجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى ..).

 

                                             ( 18)

هل لك من فطنة إبراهيم حظ؟

إحتل إبراهيم الخليل عليه السلام من كتابنا حظا كبيرا. هذا النبي العظيم أحبه لفرط ما قص الله لنا من سيرته الجامعة بين خلوص التوحيد الإلهي الصافي كفرا بالطاغوت وإيمانا به وحده سبحانه وبين القوة العقلية والذكاء الفطري الوقاد وبين الجرأة والشجاعة والإقدام وبين التضحية التي فاقت الحدود العقلية إذ قدم فلذة كبده الوحيد وقد بلغ معه السعي قربانا يذبحه بمدية من حديد بيده هو وليس توكيلا.. ومناقب أخرى. قالت العرب قديما : قلّ في الناس جدا من يجمع بين القوة وبين الأمانة أي بين العلم وبين الحفظ. هؤلاء قليل من قليل من قليل. هذا واحد منهم جعله سبحانه للناس إماما فكان أمة. فرد في أمة وأمة لا تساوي فردا.

لما جاء خليل الرحمان يدعو النمرود ويجادله ظهرت قريحة هذا النبي الخصبة الثرة وكان المشهد عقديا صرفا فكيف بدأ المباراة أو المبارزة؟ عمد هذا النبي الفطن الذكي إلى مركب من مركبات هذا الكون ( الشمس ) وقال لخصمه ( فأت بها من المغرب ). هل جادله بمثل ما نجادل نحن اليوم نقرظ عقما غثا من مثل واجب الوجود أو أين الله هل هو في السماء أم لا وكيف يكون معك دوما ( يعنون حتى في بيت الخلاء مثلا ) وغير ذلك من السفالات والحقارات العقلية. ذلك هو معنى أن العقيدة مصنعها الكون وليس الكتب. لم يكن للصحابة كتب ولا حتى الكتاب العزيز نفسه. كانوا أميين بالكامل في أغلبيتهم الساحقة. عندها ( بهت الذي كفر ). بهت لقوة الحجة وهي حجة متاحة في متناول كل أحد لو تركنا الكلام الفارغ والكبر الجشع النهم.

وكان النمرود قبل ذلك قد إنهزم في الجولة الأولى وذلك عندما قال ( أنا أحيي وأميت) أي إله مثل إلهك يا إبراهيم. فهم هذا النبي الفطن الذكي أن الإحياء والإماتة عند النمرود هي أن يأتي بإثنين يحكم عليهما بالقتل فيقتل أحدهما ويعفو عن الآخر ومن عفا عنه فقد أحياه. السؤال هو : لم لم يستجب إبراهيم لخصمه في هذه الجولة الأولى؟ لم عدل عن قضية الإحياء والإماتة إلى قضية الشمس؟ هنا ملمح عظيم جدا لمن ألقى السمع وهو شهيد. إبراهيم الخليل أحرص الناس على حياة الناس حتى لو كانوا كفارا فمهمته هي دعوتهم وليس قتلهم. لذلك عدل عن المشهد الأول أن يقتل واحد من رعية النمرود ظلما بدعوى أنه يحيي الموتى. رسالة إبراهيم هي الحياة وليس الموت حتى عندما لا يكون هو القاتل فإنه يتحاشى أن يكون عضوا في مشهد سفاح ما إستطاع إلى ذلك سبيلا. لو قتل الرجل لما كان على إبراهيم من وزر ولكنه أذكى من ذلك وأفطن.

كذلك الداعية الناجح. يحرص على حياة الناس وحرماتهم وكراماتهم قدر الإمكان فلا يقتل واحد منهم ظلما في إثر مشهد من مشاهد الدعوة. وهل أن الحجج على عظمة الله سبحانه ووجوده شحيحة قليلة حتى نضطر إلى ذلك. لنعدل عن ذلك والشمس هنا آية أخرى وألف ألف آية أخرى لمن يريد إنهاك خصمه بالحجة. لو كان إبراهيم يسعى لهزيمة النمرود وربح الموقف لتركه في المشهد الأول يقتل الرجل البريء ولكنه  لا يسعى لكسب موقف يقتل في إثره إنسان بريء مكرم بل يسعى لإقامة الحجة فحسب. الحجة التي لا تراق فيها الدماء.

يظن السذج الذين لا حظ لهم لا في الدين ولا في الحياة أن مثل ذلك هو إنبطاح ولين في غير محله وتطبيع مع الوضع الظالم السائد.. لا. تلك هي الحكمة. غرز فينا سبحانه القرف في إثر شهود الدماء المهراقة حتى لو كانت من عجماوات والداعية الناجح يتحاشى ذلك ما أمكنه وليقل من بعده وفي إثره السذج ما يقولون ويكفيه عند ربه ـ وعند الناس كذلك ـ أنه حفظ على الناس حرماتهم وأذواقهم ودماءهم. المشكلة هي أن صوت الحمقى هو المرتفع دوما وتظل الأغلبية الصامتة ترقب لا تنبس ببنت شفة. قد يشوش عليك صوت واحد مرتفع لأحمق فتنساق مستخفا ولو ذكرت أن مثله أضعافا مضاعفة يكبرون موقفك ولكنهم صامتون لأي سبب ما حملك الإستخفاف.

ذلك موضع فطنة ولكن أنظر إلى موضع الجرأة غير المسبوقة.

إبراهيم الأعزل ـ ذلك الفتى الذي يذكر آلهة القوم بسوء ـ يكافح سلطانا جائرا متغلبا متمكنا لو أشار عليه بعشر معشار غمزة من عينه لتناوشته الأسياف وإخترمته إختراما. هما شجاعتان : شجاعة من قبلنا هي شجاعة مادية مباشرة وخلفها بالطبع شجاعة نفسية تعزرها وتغذيها إذ كانت معاركهم وجها لوجه كما حصل في بدر مثلا وغيرها. وشجاعة أخرى هي شجاعتنا اليوم عندما نقاوم من نقاوم بالأساليب المعاصرة المعروفة.

الرسالة هي أن إبراهيم الخليل الذي جمع أركان التوحيد الإلهي الخالص من كل شائبة شرك مهما كانت دقيقة متخفية .. لا يتم توحيده ذاك حتى يكون توحيدا سياسيا أي حتى ينبذ عنه الشرك السياسي ويعلن للناس من خلال هذه المناظرة العقدية السياسية مع النمرود أن مقاومة الجورة من الحكام شعبة من شعب العقيدة. تلك هي الرسالة الإبراهيمية الإسلامية التي جاء بها محمد ولده عليه السلام. أما تعليم الناس أن هناك توحيد للألوهية وآخر للربوبية وثالث لثالث .. إذن تتفرق العقيدة وينقسم التوحيد ويذهب ذلك بجماع الإسلام وجمال الإسلام في جماعه وشموله. لا بل عرفنا اليوم عقائد وتوحيدات منهمكة في المجادلات العقدية السخيفة ولكنها تضفي على الحكام الجورة شآبيب الحصانة وأردية الإسلام وبراقع الإيمان فهم ولاة أمر شرعيون والخارج عنهم ولو بكلمة حق في العالم الإفتراضي هو خارج عن الشرعية وربما كافر مرتد فاسق صاحب عقيدة فاسدة مفسدة.

 

                                            (19)

هل إطمأن قلبك بالإيمان ...

لما سأل إبراهيم الخليل ربه سبحانه أن يريه كيف يحيي الموتى قال له : أولم تؤمن؟ فأجاب قائلا وهو يحاور ربه سبحانه ( بلى. ولكن ليطمئن قلبي ).

ماذا لو سأل أحدنا اليوم سؤالا " وقحا " مثل هذا؟ ألسنا نوقحه ونقبحه ونحكم عليه بالردة ثم نقيم عليه " حد الردة " الذي خلطنا بينه وبين حد الحرابة فسلطنا حد الحرابة على المرتد ونحن نظن أننا " نطبق الشريعة ".

هل غضب سبحانه من سؤال خليله أم رحب به وأجابه عليه؟

إبراهيم الخليل مؤمن ولكنه أراد أن يطمئن قلبه بالإيمان. إذا كان رجل في وزنه ـ نبي رسول خليل أحد أولي العزم الخمسة وهو أمة إلخ .. ـ ويريد من بعد إيمانه إطمئنانا لقلبه بالإيمان .. فكيف حالي وكيف حالك؟ نحن لا نجرؤ على طرح السؤال لأننا نراه وقحا قبيحا عفوا من الأدب مع الله فهل تلك هي الحقيقة؟ أبدا.

ألا تشعر معي بأن الفجوة بيننا وبين أمثال هؤلاء ليست بعيدة فحسب بل أشعر أن كل واحد منا في إتجاه مضاد للآخر. وشتان بين من لوث إيمانه بظلم وبين من خلصه نقيا مصفى لله وحده سبحانه. شتان بين رجل يقول لجبريل وهو يعرض عليه خدمة وبينه وبين النار طرفة عين ( أما إليك فلا ) وبين " رجل " يقطع أميالا ليعود مشعوذا محتالا يدعي بالجن وصلا وهو ممتلئ يقينا فيه أنه سيدله على ضالته أو يبرئ منه كمها أو يذهب عنه برصا.

التفكير عندي هو أن الله سبحانه عندما يعرض مثل هذه الصور ( صورة الإسرائيلي صاحب الحمار الذي قال " أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه " وصورة إبراهيم عليه السلام وهو يشهد بعينيه كيف يحيي الله الموتى " خذ أربعة من الطير فصرهن إليك .." وصورة القتيل الإسرائيلي الذي يضرب بلحم بقرة مذبوحة فيحييه سبحانه ليدل على قاتله إلخ .. ) التفكير عندي هو أن الله سبحانه يتوجه بها إلينا نحن الآن ليحول لنا قصة البعث بالصوت والصورة. فمن صدق أن هذا الكلام من عنده سبحانه فسيصدق حتما بمثل هذه القصص المراد منها إقناعنا بالبعث بعد الموت وهي تساق إلينا رواية بأسلوب حواري قصصي حي كأنما تعرض علينا صوتا وصورة حتى لكأن التالي للقرآن الكريم يظن نفسه عضوا في ذلك المشهد وليس مجرد متفرج. وليس معنى ذلك أن أبطالها غير محتاجين لها وأنهم مجرد أدوات زينة ( ديكور ). لا. ولكن تقع القصة ثم تنقل إلينا حية نابضة لأجل إقناعنا بمقصدها العقدي لتطمئن قلوبنا نحن أولا.

ذلك أن ركن العلم وحده في الإيمان لا يكفي ليتجذر الإيمان في النفوس. لا بد من حصول الإطمئنان وهو غير التصديق أو قل : هو ثمرة التصديق عندما يقر قراره فيرسخ. الإطمئنان هو السكينة التي تغشى الأفئدة المترعة بالإيمان فترضى به ويصبح لها سجية وعادة وينزل منها منزل اللحم والدم. ربما يسبق العلم ثم يلحق به الإطمئنان فيترسخ. الإطمئنان في الإيمان كمثل الركون في حالة النكاح. إذا ركن المخطوبان بعضها إلى بعض فإنه لم يعد يباح لخاطب أن يخطب على خطبة أخيه أو يبيع على بيعه. الإطمئنان هو الواقي ضد ( الضرة) أي ضد أي مسجد ضرار يريد أن يسحب المشروعية من مسجد التقوى.

تعلمنا في هذا الكتاب نفسه اليقين وعلم اليقين وحق اليقين وعين اليقين. اليقين هو الموت وعلم اليقين هو العلم الراسخ كالإيمان باليوم الآخر مثلا وحق اليقين مثل القرآن الكريم والذروة هي عين اليقين أي ما يلقاه الناس يوم القيامة يباشرونهم بأعينهم يقينا ملموسا.

الإطمئنان بالإيمان شيء يقترب من عين اليقين حتى قال أحد الصحابة أنه لو رأى عرش ربه بارزا والجنة والنار وفيهما أهلوهما ما زاده ذلك يقينا ولا إيمانا.

صاحب الإطمئنان لا يحتاج إلى غث مغثوث يملأ جدران الفضاء الإفتراضي اليوم من مثل أن الشجرة الفلانية مكتوب عليها إسم الله أو الوليد الفلاني أو حبة البطاطا أو وجود شعرة من شعرات رأسه عليه السلام أو شيئا من ملبسه أو إنجيلا في المكان الفلاني فيها ذكره عليه السلام وتافهات أخرى تحدث لي ورب الكعبة قرفا وتزهدني في هذا الفضاء وفي كثير من رواده. هل بمثل هذه التافهات آمن الأصحاب العظام وفتحوا مغاليق العقل والأرض معا؟ هل بمثل هذه السماجات كان في تاريخنا رجل حير الأرض من مثل إبن رشد الذي جمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا أو الغزالي الراحل من الشك إلى اليقين أو إبن خلدون القائل بأن علم أصول الفقه منطق الإسلام أو الفاروق الذي قبل الحجر الأسود وقال للصحابة أعرف أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولكن قبلك عليه السلام فقبلتك وهو الذي إقتلع شجرة الرضوان المذكورة في سورة الفتح ..

أجل. شتان بين إيمان يكسبه العقل ثم يقر قراره في القلب فيطمئن صاحبه ثم يدفعه إلى الجهاد والمقاومة والكفاح في كل ميدان يغشاه وبين إيمان عجوز يبحث عن مثل تلك التافهات فما تزيده غير وهن على وهن.

ربما لكل واحد منا ما يزيد إيمانه إيمانا والعبد الفقير إلى ربه يزداد إيمانا كلما تفكرت ونظرت وتدبرت وتأملت سواء في تضاريس الكون أو في التاريخ الغابر أو الحدث الحاضر أو فيما يعرض علي سمعا وبصرا وفؤادا .. أظن أن سبيل التفكر هو سبيل الإيمان لقوله سبحانه ( قل إنما أعظكم بواحدة : أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ).

 

                                             (20)

كن تاجرا مع ربك ..

عمد الوحي الكريم إلى تسمية العبادة ـ سيما في بعض مفاصلها ـ تجارة والتسمية تحمل دلالات ودلالات. ( هل أدلكم على تجارة .. ) و ( يرجون تجارة لن تبور ) و ( فما ربحت تجارتهم ...) إلخ .. سماها تجارة عند الحديث عن الكفار وعند الحديث عن المؤمنين سيما المفلحين منهم..

لم كان ذلك؟ ليعلمنا أن التدين عملية جادة وفيها المثابرة إذ من ورائها الربح والخسارة وهي تحتاج إلى ما يحتاجه التاجر بالتمام والكمال من رساميل ينطلق بها ومن أخذ الأمر بقوة العزم والفهم والبصيرة ومن إختيار السلعة النافقة والثمن المغري والمكان الأنسب والزمان الأرفق ومن تجنب للإفلاس إلخ ..

هي إذن عملية تجارية بكل ما تعنيه الكلمة من معان ودلالات..

ها هي أمثلة :

1 ـ رتب على الصبر ثوابا غير معقول فقال ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) وغير حساب هذه لا يدركها العقل فهي مبالغة أريد بها أن أجر الصبر خارج عن النظام الحسابي المعتاد ومن ذا أفدنا أن الصبر هو أفضل عمل يثاب أو هو من أفضل عمل يثاب ولذلك قال عليه السلام ( الصبر شطر الإيمان ) وإذا كان ( الثلث كثير ) فإن الشطر أكثر وأكثر فمن حقق شرط الصبر فاز قطعا.

2 ـ رتب على الإيمان الصحيح الخالص من كل شائبة شرك مهما دقت ثوابا عظيما إذ قال عليه السلام بحضرة أبي ذر ( من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة على ما كان منه من عمل ) فقال أبو ذر ( وإن زنى وإن سرق ) وظل يرددها ثلاثا حتى غضب عليه وقال له عليه السلام ( وإن زنى وإن سرق ورغم أنف أبي ذر). فعلمنا أن الإيمان ـ الذي شطره الصبر وشطره الآخر الطهارة كما ورد في موضع آخر ـ عندما يكون صحيحا وعميقا وخالصا يمحو الذنب كله عدا المتعلق بحرمات الناس.

3 ـ رتب على الشهادة في سبيله سبحانه مغفرة الذنب كله كذلك ـ عدا حرمات الإنسان فهي دوما مستثناة ـ وفي أول قطرة منه وكان شفيعا في عشرات وجبت لهم النار ـ وجوبا ليس سببه الكفر البواح المخرج من الملة ـ وتكون مرتبته الثانية بعد النبوة أي يتأخر عن الصديقية ويتقدم الصالحين.

4 ـ رتب على الإنفاق في سبيله سبحانه 700 درجة لكل وحدة إنفاق ـ فلس مثلا أو درهم أو دينار أو أي وحدة ولو كانت حبة شعير ـ وهو الحد الأدنى وبذا علمنا أن الإنفاق جهاد في سبيله سبحانه يسبق في الذكر الجهاد بالنفس دوما لأن الجهاد بالمال يعزر جانب الجهاد بالنفس وهذا يحتاج إلى ذاك ( من جهز غازيا كمن غزا ) و ( من خلف غازيا في أهله كمن غزا ) و ( أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة ) و ( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر ) إلخ ..

5 ـ رتب على صلاة الجماعة 27 درجة فمن صلى في جماعة كمن صلى صلاته تلك 27 مرة وهو أجر عظيم جدا وكلما كانت الجماعة أكبر تضاعف الأجر وكلما كانت في المساجد مع الناس تضاعف الأجر وتضاعف

6 ـ رتب على بقية الأعمال ـ ولم أذكر كل شيء هنا طبعا ولكنها أمثلة فحسب ـ 10 أضعاف ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) ولكنه رتب على السيئة سيئة واحدة وهي تمحى بالتوبة والإستغفار ما لم تكن متعلقة بحرمات الناس ..

7 ـ رتب في بعض الأزمنة ـ السحر للإستغفار والأشهر الحرم للعمل الصالح سيما العشر الأول من ذي الحجة وليلة القدر المساوية لألف شهر في العشر الأواخر من رمضان ويوم عرفة وعاشوراء وإدبار النجوم وأدبار السجود وقبل طلوع الشمس وقبل غروبها إلخ .. ـ أجورا مضاعفة ومثوبات كثيرة وبمثل ذلك لبعض الأمكنة ـ الحرمات الثلاث ومواضع المرضى إلخ .. ـ

8 ـ رتب لصاحب القرآن ما لم يرتبه لغيره (خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) و ( إن لله أهلين وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته ) كما رتب للعلم بمثل ذلك ( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ) إلخ ..

9 ـ رتب للعمل الجماعي على الفردي ثوابات مضاعفة فكلما كان العمل متعديا زيد في الأجر ( من مشى في حاجة أخيه قضاها أم لم يقضها خير له من الإعتكاف في مسجدي هذا مائة عام ) و ( الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) إلخ ..

10 ـ رتب على الإخلاص وسلامة النية وصحة الطوية ما لم يرتب للعمل نفسه حتى يجد المرء يوم القيامة في كتابه أعمالا ما عملها في الدينا فيقال له أثبت بأجر نيتك والنية هي معيار الثواب يوم القيامة فبها يؤجر أو يعاقب بخلاف الدنيا ..

ما معنى التجارة :

معناها أن تعلم سعر كل عبادة لتبادر بها أولا تاركا الأقل سعرا وتفعل ذلك مع المنهيات فتعلم أعلاها وزرا فتتجنبه وتقع فيما عداها إن كان لا بد من ذلك .. كما يفعل تاجر الدنيا.

 

 

 

                                               (21)

 

بين النذر وبين الشرك مرمى حجر ..

أجل. أدرك أن الكلام ثقيل عليك. ولكني أكثر إدراكا ببشارة الإسلام ( من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة على ما كان منه من عمل ..). وأكثر إدراكا أن الإيمان ـ العقيدة بالتعبير المستحدث المبتدع ـ عندما يستجمع أسباب الصحة والعمق والإكتمال ـ وليس الكمال ـ فلا تخدشه خادشة شرك ولا تشغب عليه شاغبة كفر مهما صغر ودق .. يثوي بصاحبه في الجنة حتى لو إحتاج إلى تقديم شفاعاته واحدة تلو الأخرى بسبب موت صاحبه على كبائر ـ دون الولوغ في حرمات الناس ـ موبقات غير تائب منها. ذلك هو معتقدي وذلك هو إيماني عندما تكون لا إله إلا الله أصفى من العسل المصفى وأخلص من الحرير الخالص وأنقى من اللبن وأحلى من شربة ماء زلال في ساعة قيظ لاظية. منهاجي هو التشدد في الإيمان والمعتقد والترخص فيما دون ذلك إلا أن يكون فريضة مفروضة أو واجبا موجوبا لنا فيه منه سبحانه سلطان وسلطان أو حق إنسان. معتقدي أن الإسلام ليس هو دين اليسر فحسب ولكنه اليسر عينه ولكنه متشدد ـ لأجل صون يسره ـ في زهاء ست حلقات تشددا مقصودا مرهوبا ( العقيدة + الفرائض المفروضة عينا وكفاية + الأسرة سيما الوالدين + الجيرة + الرحم + حقوق الناس بشرة ونفسا ومالا وعرضا وكرامة ).

الإعتقاد عندي مثل بؤبؤ العين أي حر لطيف حساس تجعله يدمي دموعا حارة بسبب هبة ريح خفيفة ربما تحمل ترابا وربما لا. فمن لفح معتقده بأدنى لفحة أو نفحة سقط إسمه من قائمة الظافرين بشفاعة لا إله إلا الله التي تعدل كل شيء ولا يعدلها شيء.

ولكن الناس ينذرون اليوم ...

1 ـ النذر نذران : معلق وغير معلق. المعلق كقولك ( إن حصل كذا أفعل كذا ) فهو معلق مشروط. وغيره كقولك ( سأفعل كذا ) دون رهن ذلك بحصول شيء. غير المعلق لا شيء فيه ولكن تجنبه أولى لسبب واحد هو أن خير العابدين عليه السلام لم يفعله ولو مرة واحدة ولم يأمر به ولو إستحبابا ولو مرة واحدة ولم يرو لنا أن أحدا فعله وأقره فهو إذن رغم إباحته خلاف الأولى أي تجنبه أولى. أما المعلق فهو منهي عنه بالسنة الصحيحة لقوله عليه السلام ( النذر لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل ). وهو إخبار في مقام نهي ومسدد بما أنف ذكره أي لم يفعله هو ولا فعله أحد وأقره عليه.

2 ـ أعرف سؤالك الآن وهو : لم ورد ذكره في القرآن إذن؟ ورد في القرآن الكريم ولكن بأي صيغة؟ ورد مرات بصيغة الثناء على من يوفي بنذره ما ورد الأمر بالوفاء بالنذر. وهنا لا بد من وقفة تفصيلية : أما من سبق له نذر ـ نذر صحيح شرعا طبعا ـ معلق أو غير معلق فهو مأمور بالوفاء به لأنه قيس على اليمين ومن حنث فيه عليه كفارة يمين. ولكن من لم يسبق له نذر فما أمر أبدا ولو إيماء بعيدا به بل إن الحديث ـ الذي يتقلد وظيفة بيان القرآن الكريم ـ ينهى عنه ( لا عن الوفاء به من بعد وقوعه صحيحا ) نهيا قوليا ونهيا عمليا ونهيا إقراريا بل هو نهي معلل. يعني عليك التدبر عند التلاوة وليس مرور الكرام. كل حركة ( ولا أقول كل حرف أو كل كلمة أو كل آية ولا كل سورة ) فيه بوزنها وثقلها ودورها الكبير والخطير في تحديد دقة الفهم وليس مجرد صحته.

3 ـ ولكن لم كانت تلك هي السياسة الإسلامية مع النذر؟ النذر كان مفردة راسخة من مفردات العبادة الجاهلية إذ كانت النذور للآلهة شيئا عاديا طبيعيا وحلقة قارة. والإسلام بطبعه ذو منهاج متدرج لا يكر على أي شيء محرم كرا بدبابة بل يتوخى التأني والتريث عملا ويتوخى التفهيم والتعليم والتعليل والتقصيد فكرا ولما ألفى النذر ـ كما الخمر والرق والربا وغيرها ـ مستفحلا في الحياة لا خلاص لها منه إلا بالتدرج سلك التدرج فبدأ بالحث على الوفاء بالنذر ما كان شرعيا صحيحا وفي ذلك مقصد عظيم عنوانه صناعة شخصية قوية ماضية عازمة حازمة لا تتردد ولا تلتوي إلتواءات الإسرائيليين. وظل يصاحبهم في قضية النذر فلم يأمرهم به ولم ينههم عنه نهيا صريحا ولكنه نهي خفي مبطن عند من يحسن فهم التراكيب العربية ومن مقاصد ذلك إحداث جدار عازل فيهم بين مرحلتين : مرحلة النذر الشركي ومرحلة النذر الإسلامي ولكنه لم يأمر به. فلما إستقر الإسلام في الصدور جاءت السنة تبين القرآن الكريم وتلك هي وظيفتها الأولى والأخيرة فقال عليه السلام أنه لا يأتي بخير وهل يفعل المؤمن شيئا لا يأتي بخير؟

4 ـ الخلاصة هي إذن أن النذر المسكوت عن فعله بالقرآن والمنهي عنه بالسنة نهيا يبدو خفيفا لطيفا غير عازم ولكن الصحابة فهموه نهيا .. كان ـ ولا زال ـ فقرة من فقرات العبادة الجاهلية الشركية ولا بد من إحداث الفرقة معه والأهم من ذلك كله هو أن الناذر ـ في الإسلام نذرا شرعيا صحيحا ـ عادة ـ والعبرة بالعادة ـ ما يقع في قلبه شيء من الخوف من شيء ما يحب حصوله أو لا يحب حصوله فيضطر نفسه مع ربه لما يشبه المقايضة والمساومة ( إن يسرت لي كذا أو دفعت عني كذا أفعل كذا ) وهذه عقيدة من لم تيقن ثقته في ربه سبحانه يقينا راسخا بالكلية والمطلق فهو رجراج متهافت بين يدي المطبات. وهي عقيدة يغذيها النذر وخاصة عندما يتحقق فيقضي بقية حياته تاجرا تجارة شحيحة مع ربه. وهذا تصور إلهي فيه من الدخن ما فيه. لذلك نهت عنه السنة.

5 ـ لا أطلق عليه صفة التحريم الشرعية مادام شرعيا صحيحا وحتى معلقا ولكني أقول أن المؤمن الحق لا ينذر بل يدعو ويتضرع ويفعل الخير ويقترب ويحرك الأسباب ثم يتلقى قضاء ربه شاكرا أو صابرا. ذلك أدنى أن تكون مشفوعا فيه من لدن لا إله إلا الله. بديل النذر هو الدعاء الخالص المثابر الضارع من في مؤمن بالله موحد إياه مستعينا به وحده. لنا قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين عولوا على الدعاء بأصلح فعل فعله كل واحد منهم أن يفرج عنهم ففرج عنهم سبحانه. ذلك أن النذر وسيلة ووسيلة المؤمن هي ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب). وسيلة المؤمن الخالص هي الدعاء وليس النذر.

 

                                               (22)

عندما نضل سبيل الفقه المستقيم ...

من أسباب دقة الفقه للكتاب العزيز مراعاة السياق والتمييز بين الغاية والوسيلة ومن بعد ذلك كله إستصحاب فريضة الجماع الموضوعي في الفقه لا تافهة التجزئة الموضعية.

كيف ذاك؟ لنأخذ آية الدين ـ أطول آية ـ مختبرا ونموذجا.

ما هو الإتجاه العام لهذه ا لآية أي لسياقها الموضوعي أي ما هو هدفها ووسائلها؟

1 ـ حفظ حقوق الناس المالية والمادية لأنها متعلقة بالمخلوق الذي إستخلفه سبحانه في أرضه وإستأمنه عليها وأستودعه دينه فلا بد من أن يحيا حرا كريما مسؤولا وإلا حق فيه قول الشاعر ( ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء).

2 ـ لحسن بلوغ ذلك الهدف أشار سبحانه إلى وسائل تكفله ومنها ( الكتابة لأنها توثيق يعسر النكول عنه) ومنها الإشهاد إمعانا في التوثيق لأن التوثيق قد نزوره تضليلا أو نخفيه ولكن نعزر ذلك بالتوثيق البشري في الصدور ومنها إباحة الرهن المقبوض عند تعذر الكتابة أو الإشهاد بسبب سفر أو أي مانع. ووسائل أخرى أدنى درجة.

3 ـ تحصل عندنا الآن إذن : أطول آية موضوعها الدنيا والمال وهدفها حفظ حقوق الناس المالية أن تغتصب وتؤكل ظلما ولها وسائل كفيلة بذلك الحفظ ( كتابة وإشهاد ورهن).

4 ـ نحن في حقل دنيوي وليس في حقل ديني وكلاهما حقل إسلامي. معنى ذلك أن الهدف يظل محفوظا لا يتغير ولكن الوسائل تتغير في الحقل الدنيوي إذ العبرة هنا ـ في الدنيا ـ ببلوغ الغاية كتطهير الفم يستوي فيه السواك والأراك مع أي مطهر آخر. غاية وسبب والحقل دنيوي.

5 ـ تنصيف شهادة المرأة هنا في أي سياق وأي دور؟ هو سياق حفظ الحقوق المالية للناس وهو دور الإشهاد وسيلة لذلك الحفظ المنشود. السياق إذن ليس هو سياق بيان منزلة المرأة وشهادتها ولكنه سياق آخر مختلف تماما. عندما تحدث عن المرأة قال ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) وقال ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ..) وقال عليه السلام في الحديث الصحيح ( إنما النساء شقائق الرجال ) و صدق عليه السلام بصفته الرئاسية في فتح مكة على عمل سياسي عسكري أمني خطير جدا باشرته إمرأة هي أم هانئ بمنحها  حق اللجوء لمشرك دون إذن مباشر منه. و أخذ برأي أم سلمة في الحديبية فإرتأب صدع أمة كادت تضل يومها بسبب ما رأته من إجحاف في بنود الإتفاق. وسمى الفاروق الشفاء ـ وهي إمرأة ـ على السوق المركزي في المدينة إلخ .. بل ثبت البخاري في صحيحه ـ على شروطه القاسية المعلومة عند طلبة علم الحديث ـ إمرأة هي أم محمد يأخذ عنها الدين. فأي الشهادات أثقل في الدنيا والآخرة ( شهادة دينية قحة أنه عليه السلام قال أو أمر أو نهى عن كذا أو كذا أو شهادة دنيوية في حق مالي لهذا أو ذاك ). كلاهما مغلظ كبير دون ريب ولكن الدين الذي يبيح للرجال ـ مثل البخاري وشارحه العسقلاني وغيرهما ـ الأخذ دينا عن النساء لا يمنع عنهم أخذ شهادتهن ـ حتى منفردات عندما نضمن سلامة الحق المالي للناس ـ عن الدنيا. ذلك هو منطقي العقلي الذي به أعبد ربي وليعبد من شاء ربه بغير ذلك ثم نلتقي يوما.

6 ـ إنما حجتي الكبرى هنا في أن تنصيف شهادة المرأة هنا هي وسيلة لضمان مقصد أعظم إسمه حفظ حقوق الناس المالية والوسيلة تتغير دورانا مع مقصدها فهو الحاكم وهي المحكومة وهو المتبوع وهي التابع .. حجتي الكبرى هي أن المسألة معللة مقصدة مفهومة معقولة بالنص ذاته الذي يقول ( أن تضل إحداهما فتذكر أحداهما الآخرى ). ذلك يعني أن ذلك التنصيف الذي فهمنا منه نحن لشقائنا الذهني عدم مساواة بل دونية وهوانا .. معلل بمقصده أي معلل بإمكانية طروء النسيان ( أن تضل ) على إحداهما فتذكرها الأخرى التي لم يطرأ عليها نسيان. فإذا أمنا النسيان ولو غلبة ظن بتعبير الفقهاء فلا حرج علينا أن نشهد أيا كان لتأمين حق الناس المالي. وكل أمر مقصد معلل سيما بنصه مدار إجتهاد على أساس القاعدة الشهيرة ( يدور الحكم مع علته وجودا وعدما ). ولكن عندما تتفتق قريحتنا لنستنبط من ذلك تنصيفا لسعر المرأة وثمنها حيال سعر الرجل وثمنه .. عندها يكون تديننا بحاجة إلى تدين جديد.

7 ـ والسؤال هو لم يطرأ النسيان على المرأة وليس على الرجل؟ ليس ذلك قدرا محتوما أولا وثانيا لأن زمن النزول لم تكن فيه المرأة معالجة للأمر المالي الدنيوي بمثل الرجل لذلك قد يطرأ عليها النسيان الذي قد يفضي إلى غمط الناس حقوقهم المالية فتحوط التشريع. ولكن عندما نأمن على أي شاهد ـ إيجاب شاهدين هو كذلك وسيلة فحسب للتحوط ولكن وجود شاهد واحد قوي حفيظ أمين عليم كاف ـ تحصنه أن يؤتى حق الناس من قبله فلا نحتاج لتنصيف.

8 ـ ولكن في عصرنا هذا ألم تحسم قضية الشاهد بوسائل عصرية أخرى كثيرة وقوية من مثل الإشهاد الإداري المنظم في المؤسسات الحكومية ومن مثل التصوير المتاح اليوم بهاتف نقال جوال في أي دغل في الأرض وبصور أخرى للتوثيق لم تكن تخطر على بال؟ وسؤالي الذي يحرجك هو : عندما تذهب إلى مؤسسة حكومية طلبا للإشهاد على تداين فألفيت نساء هناك موظفات ولم تجد بينهن فحلا واحدا فهل تمضي عملك أم تقول هذا مخالف للشريعة ولا بد من جمع نساء الدولة كلهن لجعل شهادتهن مجتمعات نصف شهادة فحل واحد تأتي به ربما من الخمارة أو رصيف الشارع؟

إفقه دينك يرحمك الله خير لك من اللهث وراء التقليد الببغاوي العقيم.

 

                                             (23)

حذار حذار أن يأثمن قلبك ..

لم ينسب الإثم إلى القلب إلا في موضع واحد هو موضوع الشهادة ( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ). نسب الإثم هنا في كتم الشهادة للقلب. والقلب هو ربان سفينة الإنسان .أي نسب إلى قيادة الإنسان أي عقله البصير. وعندما يضل ربان السفينة فإن السفينة غارقة. القلب أميرك والجوارح خدمك  فلا تمهد لإنقلاب فيك تكون فيه الجارحة قائدا والقلب مقودا.

نحن اليوم آثمة قلوبنا بسبب السياسة ...

الشهادة هي إقرارك بأي صورة كانت أن الشيء الفلاني أو الأمر العلاني أو فلانا هو كذا أو غير كذا . ومنها شهادتك أنه لا إله إلا الله. يعني قولك بلسانك من بعد إقرارك بقلبك أنه لا إله إلا هو سبحانه. شهادتك أن فلانا يصلح لأن يكون متقلدا لأي مسؤولية أو زوجا هي كشهادتك أنه على فلان مائة درهم لفلان . هي شهادة واحدة إختلفت مواضعها فحسب.

لذلك قاس الفقهاء اليوم شهادة الإنتخاب ـ أي إنتخابك فلانا لمنصب كذا ـ على شهادة المال. وهو قياس صحيح لأنهما يشتركان في العلة نفسها فهذا يشهد أنه لفلان على فلان كذا فإن كان صادقا كان ذلك أدعى إلى عودة الحق لصاحبه. وإن كان كاذبا فقد غش و( من غش فليس منا ) وحال دون صاحب الحق ودون حقه. وذاك يشهد أن فلانا أهل للمسؤولية يعني أنه يعطيه من الحق ما هو له وللناس ما لهم إن كان صادقا ـ وهنا يكفي صدقه فحسب بدرجة أولى ـ وإن كان كاذبا فهو يحرم الناس من مسؤول آخر أولى منه ويحرم المنتخب نفسه من فرصة لمراجعة أمره والبعد عن مواضع هو ليس أهلا لها.

بل إن الناصح هنا في الإنتخاب السياسي أعظم أجرا من الشاهد في قضية مالية محدودة بين رجلين لأنه ينصح أمة وينقذها. والغاش لها هنا غاش للرعية كلها لأنه يخدع أمة كاملة برجل قد يكون سببا في مديونيتها ومن بعد ذلك في إحتلالها ماليا أو سياسيا أو عسكريا.

هل معنى ذلك التأخر عن الشهادة السياسية ؟

لا أبدا. بل إن التأخر عن الشهادة السياسية هو تأخر عن أداء الشهادة المطلوبة نفسها. وإثم القلب يلحق من تخلف عن تلك التزكية وهو يقدر عليها لأنه بتخلفه مكن لشهادة أخرى ـ قد تكون فاسدة غاشة ـ تقوي نصيب المشهود له زورا. ويعظم أمر الشهادة ـ في أي حقل مدني أو سياسي ـ عندما يدعى إليها الشاهد. فمن لم يدع يتردد أمره بين الإثم وبين الإباحة وذلك بحسب حظوظ المشهود له أو عليه في إسترجاع حقه.

بعضنا يتأخر تدينا ولو علم الدين الحق الصحيح لما تأخر بل ذهب ليدلي بصوته لصالح الأمة بتزكية من يراه أنسب ولو بمعنى أقل شرا وأدنى ضررا. الميزان هنا هو الإختيار بين السيء والأقل سوء عندما نكون في وضع حرج متدهور وبين المؤهل والأكثر أهلية عندما نكون في مربع أفضل من مربعنا الأول.

كلاهما آثم قلبه : من تأخر عن الإدلاء بشهادته وكان قادرا عليها فإن كان مدعوا لها عظم إثمه. ومثله من شارك في الشهادة ولكنه ـ لأي سبب كان ـ زكى من يعلم أو يغلب على ظنه أن هناك من هو أولى منه. هنا لا رخصة أبدا. هنا أمر عزيمة لا رخصة فيه. لم؟ لأنه حق الله وحق الله في الشريعة يعني حق الأمة أي حق المجموعة.

لذلك عظمت شهادة الزور وعدت رابع أكبر كبيرة موبقة مهلكة. لما سئل عن أعظم الذنب قال ( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ) قيل : ثم أي؟ قال ( أن تزاني حليلة جارك) قيل: ثم أي؟ قال ( أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك) قيل : ثم أي؟ قال وكان متكئا فقام ( ألا وشهادة الزور ) وظل يكررها مرات ومرات ربما ربت عن العشرة حتى قال السائلون والحاضرون وددنا أننا لم نسأله وذلك لفرط الخوف عليه والشفقه. شهادة الزور واليمين الغموس جريمتان ليس لهما عقوبة في الدنيا لتؤجل العقوبة إلى يوم القيامة وهي الغمس في النار. جزاء وفاقا. فمن غمس الناس في النار بشهادة سياسية آثمة ظالمة زكى بها من ليس أهلا أو هناك من هو أكثر منه أهلية جزاؤه أن يغمس في النار يوم القيامة.

هذا فقه سياسي ضامر فينا ونحن اليوم به شبه كافرين. نحن نعد السياسة ملعبا خاصا بالسياسيين وهم عندنا كذبة فسقة وهذا خطأ. وحتى لو لم يكن خطأ فالواجب الديني هو عدم تركهم يعبثون بنا وبمصالحنا في زمان تكون الدولة فيه كل شيء فهي الأم وهي الأب وهي الراعي وهي المهيمنة بهيمنة السياسة على كل شيء. ومن رضي أن يكون مفعولا به خشية السجن أو النفي أو القتل لن يلقى ربه عليه راضيا لأنه عرض قلبه للإثم. وإثم القلب أن تتخلف عن أداء شهادتك في أي حقل ولو كان حقلا سياسيا فيه الإنتخاب أو أن تزكي من تعرف أنه أقل من تلك المسؤولية. أما من أخذ مقابل ذلك مالا ليزكي صاحب المال وليس صاحب الأهلية فقد غش نفسه وغش أمته وغش صاحب المال وإثم قلبه مضاعف.

هل مازلت تعتقد أن التقوى هي عدم تعريض القلب للإثم بكتمان شهادة مالية بين رجلين أما تعريض أمة بأسرها للضعف والهوان والقهر بتزكيتك من تعلم أنه ليس الأولى لا علاقة له بالتقوى؟ هل إنشطر قلبك ليكون تقيا هنا وفاجرا هناك؟ لو فكرت قليلا لألفيت أن شهادتك السياسية اليوم تربو على شهادتك المالية مرات ومرات. المصلحة العامة أولى من الخاصة عقلا لا دينا فحسب. هل تظن أن إغراق ملايين من الناس في يمّ القهر أهون عنده سبحانه من إغراق مظلوم واحد في مائة درهم أو مليون درهم؟ إذا رهبت الناس فأمامك طريقان : إما أن تغرب عنهم فلا تشهد لا لهم ولا عليهم وإبتعد أن تدعى إلى الشهادة فإنك إن دعيت فأبيت ولو بسبب الخوف والرهبة أثم قلبك وإن شهدت بالباطل أوحلت نفسك في السعير يوم لا يشفع فيك شفيع. وأي شفيع يتقدم للشفاعة يوم الدين في شاهد زور؟ وإما أن تشهد بالحق وتتحمل المسؤولية كاملة. أما الطريق الثالث : شهادة باطل وزور .. فشرب الخمر حتى الثمالة أهون عليك والله. وأكل لحم الخنزير أهون عليك والله. 

 

                                           (24)

ماذا لو وقعت مؤاخذتنا  بما نسرّ؟

ختمت ( البقرة ) بأطول دعاء في القرآن كله وهو جزء من آخر آيتين لهما فضل كبير بجانب آية الكرسي ( أعظم آية ) لأنهما ختام لأول سورة وأعظم سورة من جهة ولأنهما يحويان أركان الإيمان من جهة أخرى ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون. كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ..). ولأن الله سبحانه منّ علينا فيهما بغفران ما نسرّ.

أصل القصة هو أنه لما نزل قوله ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله). فزع الصحابة إليه عليه السلام وهم ككل بشر يحدثون أنفسهم ـ وتحدثهم أنفسهم ـ بما يحدث به كل واحد منا نفسه مما لا يقال ولا سلطان للمرء عليه. فأنزل سبحانه ما بعدها ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ..) ثم ألهمهم الدعاء الضارع الطويل يهدئ به لوعتهم ويطامن به فزعتهم ويختم به أعظم سورة ( ربنا لا تؤاخذنا ..). ففرح الصحابة.

وفي موضع آخر من الحديث جاءه بعضهم عليه السلام يسألونه أن الواحد منهم تحدثه نفسه بما يرجو أن تبتلعه الأرض فلا يحدث به. فقال عليه السلام ( أوقد وجدتموه؟) قالوا : نعم. قال : ذلك محض الإيمان.

لا أكاد أفرغ من موعظة أو درس حتى تنهال علي الأسئلة التي سميتها لكثرتها أسئلة الوسوسة إذ أكثر الناس يشكون مما يجدون في صدورهم أو أن الواحد منهم يتطهر مرات ومرات وفي كل مرة يظن أنه لم يغسل هذا العضو أو ذاك أو يصلي مرات ومرات وفي كل مرة يظن أنه صلى كذا بدل كذا .. وهكذا يفسد الشيطان على الناس أمرهم ودينهم فيدعهم في حيص بيص كما يقال ..

أصل المشكلة هي أننا نتصور الدين والإنسان شيئا آخر غير الحقيقة. نظن أن الدين عقوبة سماوية حلت بنا وأن هذا الجبار القهار إبتلانا بهذه العقوبة. كما نظن أن الإنسان غير ذلك الكائن الذي عرفنا به سبحانه في قوله ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ). بعضنا يظن الإنسان كائنا مثاليا ما ينبغي له أن يخطئ وإن أخطأ فلا توبة له وتصورات أخرى أعجب ورب الكعبة فمن أين يأتي بها الناس؟

الناس لا يتعلمون كيف كان الصحابة يحيون معه عليه السلام. لو ذكرت لهم مثلا مناسبة نزول قوله ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ) في رجل ـ أي صحابي ـ أصاب من إمرأة لا تحل له شيئا ( بعضهم يقول قبلة وبعضهم يقول كل شيء عدا الإيلاج ) .. إستعجبوا وإستغربوا وربما لا يصدقونك. جرى معي هذا مرات حتى أصبحت أحجم عن مثل ذلك أحيانا. الخطباء يقدمون لهم صورة مثالية محلقة لا وجود لها ثم يعقبون عليها : أين نحن من هذا؟ ولسان الحال ـ بل المقال ـ هو أننا اليوم هلكى لأننا ليس مثل أولئك. تراكمت عوامل كثيرة ومخيفة بعضها عند الوعاظ والخطباء وبعضها عند عامة الناس والنتيجة هي أن الإسلام وزر ثقيل لا يحمل وأن الله جبار قهار يعسر جدا أن يرحمنا وأن الصحابة ملائكة لا يخطؤون ..

عندما أذكر الناس بالحديث القدسي الصحيح ( أنا عند ظن عبدي بي ) تصيبهم الدهشة. هل هو سبحانه رحمان رحيم إلى هذه الدرجة؟ من بعد تجربة دعوية عمرها اليوم أربعة عقود كاملات تحصلت لي خلاصة عنوانها أن الناس في أغلبهم الكاثرة لا يظنون به سبحانه الظن الحسن الطيب أي ظن الرحمة ( الظن هنا إعتقاد طبعا وليس شكا ولا ريبة ). والأغرب من هذا أن أولئك أنفسهم لا ترى منهم عملا يناسب ذلك الوجل أو الخوف.

منهاجي الدعوي يقوم في الأغلب على بث الأمل فيه سبحانه. وعزما أغلّب ذلك على بث الخوف وأعرف أنهما يتكاملان فلا بد من هذا ولا بد من ذاك ولكني أغلب جانب الأمل والرجاء لأن الناس فيما أرى ينقصهم العلم كثيرا وظروف العمل ليست مواتية دوما للعبادة الدائبة الخاشعة.

عقيدتي تخبرني أنه سبحانه رحمان رحيم ودود حليم وقد غلبت رحمته غضبه وسبقته وأنه يرضى منا بالقليل مادام ليس على الطريقة الإسرائيلية الخبيثة ولكنه يبغض التكلف والتصنع والتقوى المزيقة والتدين المغشوش أي يحب منا التلقائية والواقعية والتوازن والإعتدال والتوسط والمهم حفظ الإيمان من الشرك واللسان والقلم واليد من حقوق الناس إذ لا يغضبه شيء سبحانه أكثر من العدوان على الإنسان حتى لو كان كافرا إبن كافر ما لم يكن محاربا. فمن حفظ إيمانه من الشرك وحافظ على عباداته سيما الصلاة التي تصبحنا وتمسينا بمعدل زهاء كل أربع ساعات على مدار الحياة وخص الأسرة الموسعة بالبر والإحسان سيما الوالدين والرحم والجيرة وأنفق قدر ما يستطيع وتجنب الكبائر التي لا تجاوز الثلاثين تقريبا ـ عدا كبائر المسؤولين السياسيين فهي أكثر من ذلك بزهاء ثلاثة أضعاف تقريبا ـ .. من سدده سبحانه لذلك فقد نجا برحمته وليس بعمله.

تبدأ السورة بمركز العقيدة ( ذلك الكتاب لا ريب فيه ) فهو الكتاب الذي يجمل العقيدة ويتسع لها ثم تختم بالدعاء الضارع أنه سبحانه تجاوز عنا ما أسرت به نفوسنا مما لا طاقة لنا به.

ذلك هو مصداق سورة الصلاة ( إهدنا الصراط المستقيم ).

ذلك هو مصداقها وهي تفتتح بالإعلان عن أعظم صفاته وأكبر أسمائه ( الرحمان الرحيم).

ذلك يؤكد أكبر قاعدة أصولية فقهية دينية ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها). الحمد لله رب العالمين : بلدة طيبة ورب غفور. الأرض كلها بلدة طيبة والرب الواحد سبحانه رب غفور. غفور رحيم لأنه لا يحاسبنا عما تحدثت به نفوسنا مهما كان سيئا لا يحتمل بشرط واحد مشروط وإلا نسف كل شيء وهو ألا نحدث بذلك السوء أحدا أبدا البتة البتة البتة.

 

                                            (25)

مبتدأ العلم هو : محكم أو متشابه.

أنهيت بحوله سبحانه وفضله إدكاراتي في أول سورة وأعظمهن ( البقرة ذلك الحصن من الشيطان وتلك الزهراء التي لا تستطيعها البطلة والشفيعة ) واليوم أواصل نزهتي الجميلة في سورة الزهراء الثانية وهي كذلك شفيعة ( آل عمران ).

" هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ".

نزل الجزء الأكبر الأول منها في نصارى نجران القادمين من اليمن ينافحون عن المسيحية ثم تفرغت السورة لواقعة أحد. فمن قائل أن المحكمات والمتشابهات هنا هي الكبرى العظمى التي تفصل ـ أو ترسم الحد ـ بين الإسلام وبين المسيحية نظرا لمناسبة نزولها ومن قائل أنها تحت السقف الإسلامي نفسه والحقيقة أنها لهما معا وتلك هي طبيعة الكتاب المعجز يلبي ما يعجز عن تلبيته كل أحد.

مبتدأ العلم لطالب العلم ـ بل لطالب الفقه ـ المثابر الذكي وليس الكسلان هو هذه الآية التي جاءت في أول آل عمران. ليس كل القرآن محكم من حيث الدلالة وليس كله متشابه من حيث الدلالة ولكنه كله محكم من حيث مصدر النزول ومن حيث الصحة والنظم وغير ذلك. هو جامع بين الإحكام وبين التشابه وبين الإجمال وبين التفصيل ولكنه محكم كله من زاوية مصدره وبنائه ومناطات الإعجاز الأخرى. ( كتاب أحكمت أياته ثم فصلت ..) ولكن المحكمات هنا ليست هي المحكمات من حيث قصر الدلالة على معنى واحد في آية هذه الحلقة أي ( هو الذي أنزل عليك الكتاب ..). هما إحكامان وهما متشابهان كذلك : تشابه بمعنى تشابه الآيات ونظمها ومثانيها وفواصلها وأحيانا تكون متطابقة بالكلية وتشابه بمعنى إحتمال دلالة من دلالات متنوعة أو إحتمالها جميعا والتشابه هنا هو ضد الإحكام.

مبتدأ العلم هو أن تمسّك بأم الكتاب. وأم الكتاب ـ أي قلبه وروحه ومخه الذي يكفل لك قلبا وعقلا وذاكرة وصراطا مستقيما ويؤهلك لمراقي الفقه ولتكون للناس به معلما وهاديا ومفتيا وواعظا بليغا ومزكيا وإماما ـ .. أم الكتاب هي :  محكماته وليس متشابهاته. مبتدأ العلم هو أن تعرف الآيات المحكمات منه أي من زهاء 6236 آية. هن قليلات جدا نادرات حقا. ليس هن آيات الأحكام فحسب. الآية المحكمة التي هي جزء من أم الكتاب هي كل آية كانت دلالتها جلية واضحة صريحة لا تحتمل أي رأي آخر ولم يختلف عليها العرب الأوائل الذين نزل بلسانهم متحديا لهم في عقر دارهم. الآيات المحكمات هن المعلومات من الدين بالضرورة ومنهن قطعا : آيات العقيدة والإيمان أصولا وليس فروعا و آيات العبادة وآيات الخلق وآيات الأحوال الشخصية بالتعبيرالمعاصر أي الأسرة من الخطبة حتى الطلاق أو توزيع الإرث وآيات الشريعة وهذه عادة ما تأتي في صورة كليات ومبادئ ومقاصد. وهن كذلك المقاصد المنصوص عليها نصا .. تلك هي أهم مفاصل الإحكام في أم الكتاب أي في آياته المحكمات. وكل آية إختلف فيها الناس ـ إختلافا معتبرا وليس كل إختلاف مما نرى اليوم ونسمع من عبيد الفكر الغربي وأذنابهم أو من المتطفلين الحمقى ـ فهي متشابهة وليست محكمة.

فائدة هذا العلم ( العلم بالمحكم والمتشابه أو علم أم الكتاب) هي أن طالب العلم من بعد عمق علمه بذاك وجماعه به وصحته يمكن له أن يدعو الناس إلى المحكمات الراسخات الثابتات القطعيات أي إلى أم الكتاب ( أم الإسلام وأم الدين وأم الحياة وسفينة السعادة وقارب النجاة الجماعي لا الفردي ) بما يرص الصف الواحد ويتيح حق الإختلاف في محاله ويحقق مقاصد الدين العظمى فهي المرادة من الشارع الحكيم.

ومن لم يعلم علم المحكم والمتشابه أي لم يميز في الكتاب بين أمّ وبين ولد أو رضيع أو فرع فليس له أن يرقى المنابر ويعظ الناس ويتصدر مجالسهم إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أو كان يحترم نفسه ويحب مثل ذلك من الناس أو كان في قلبة مثقال حبة من خردل من هيبة للعلم الذي عليه إرتكز هذا الدين وبه نزلت أول آية من آياته ( إقرأ) ومن كان يؤمن بسورة القلم. أما إن ورط نفسه في الإفتاء وهو جاهل لأم الكتاب فقد تودّع منه.

فمن فعل ذلك حشر نفسه مع أبغض من يبغض سبحانه أي مع الذين ( في قلوبهم زيغ ) فهم يتبعون ما تشابه منه ويعرضون عن محكمه. هؤلاء يمكن أن يكونوا أهل كتاب يعرّضون بديننا ويمكن أن يكونوا منافقين مثلهم ويمكن أن يكونوا منا جهلة حمقى متعالمين والنتيجة هي واحدة سوى أن هؤلاء يفعلون ذلك الإثم المسخط بجهل والجاهل لا يعذر بجهله من بعد البلاغ المبين وأولئك يؤدون مهمتهم أي التلبيس والكذب على الله سبحانه والقول عليه بغير حق أو بغير علم.

بينك وبين ذلك مسافة قصيرة ـ بل طويلة حتى أصدقك القول ـ هي مسافة العلم والفقه والمعرفة. هي مسافة سنوات ملؤها المثابرة والوله والولع والهيام بالعلم إبتغاء مرضاته سبحانه لأن العلماء ورثة الأنبياء ولأن فضل العالم على العابد كفضله عليه السلام على أدنى مسلم في الأرض والتاريخ ولأن من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ولأن خيرنا من تعلم القرآن وعلمه ولأن أهله وخاصته سبحانه هم أهل القرآن ولأن القرآن شفيع وأول من يشفع فيهم أهله الذين آمنوا به ثم فقهوه ـ وليس تعلموه فحسب ولا فهموه ـ ثم عملوا بما يقدرون عليه منه ثم دعوا إليه وعلموه الناس حرفا وحدّا معا.

 

                                             (26)

أم التزكية : وجبة السحر.

لم يرد فضل الإستغفار في الأسحار إلا في موضعين : ( الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار). آل عمران  و(وبالأسحار هم يستغفرون ). الذاريات.

التزكية ثاني مهمة من مهمات النبي عليه السلام أي هي ثاني مهمة من مهمة ورثته أي العلماء وقد مرّ بنا هذا. أم التزكية أي ترويض القلب والنفس للتطهر والتزكي والتخلق بما يرضيه سبحانه من حب وإيثار وإقبال على التقوى وبعد عن الفجور ورحمة وحلم وأناة وكظم غيظ وجرأة وكرم وخفض جناح إلخ .. أم التزكية هي تقحم حصون السحر المحصنة بهوى النفس وتزيينات الشيطان وثقل الجسم لأجل لقاء المحبوب الأكبر سبحانه وولي النعمة الأعظم جل جلاله إذ يتنزل في تلك اللحظات إلى السماء الدنيا ليقول هل من مستغفر فأغفر له وهل من داع فأجيبه ومن سائل فأعطيه.

لم هي أم التزكية؟ لأنها الأعسر على النفس والأثقل على البدن وهي أخصب سوق نافقة للعدو الأكبر والأعظم بل الأوحد ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ).

السحر هو الوقت الذي يسبق دخول الفجر وربما يكون مبتدؤه في الثلث الأخير من الليل أو سدسه الأخير أو غير ذلك ولا يهمنا هنا تحديد مبدئه ولكن يهمنا تحديد منتهاه وهو دخول الفجر أي عندما يحل لك مباشرة صلاة الفجر أو الصبح وهو الوقت الذي يتسحر فيه الصائم في العادة أي آخر وقت لسحوره لمن أراد تطبيق السنة في تأخير السحور ليكون بركة. وبركة السحور هنا ليست بركة جسمية فحسب بل هي بركة روحية لأن المتسحر عادة ما يصيب ما شاء له الله أن يصيب من العبادة ولو إستغفارا بشفتيه مع حضور قلب.

عرفنا قيمة السحر لأنه زمن محروس من النفس والشيطان ولأنه بين يدي صلاة وعبادة وبكور يوم جديد وعادة ما تكون عباداتنا في الأوقات التي تتحول فيها الأزمنة ( الفجر بين الليل وبين النهار والعصر كذلك بين النهار وبين الليل والحج بين عام فات وعام آت)

ولكن ما معنى الإستغفار.؟ الإستغفار إما يقصد به طلب المغفرة ـ أي التجاوز والصفح ـ منه سبحانه ويكون ذلك باللسان مع حضور القلب فإن غاب القلب أصبح الأمر لهوا ملهوا ويكون ذلك بصيغ كثيرة أعظمها ( أستغفر الله العظيم أو يزيد عليها : الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ) أو ( أستغفر الله الحي القيوم ...) أو( أستغفر الله وأتوب إليه .. ) أو ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) أي دعاء ذي النون عليه السلام. والعبرة هنا ليست بالصيغة ولكن العبرة بحضور القلب وذكره تقصيره وذنبه وشروده وإسرافه وإستغراقه في حالة من الذلة والإنكسار كمن ينكسر ويذل بين يدي ملك جبار قهار يمكن أن يحكم له بعطاء لا قبل له به أو يحكم عليه بقطع رقبته .. ومالك الملك سبحانه وملك الملوك سبحانه هو القهار الأولى بذلة عبده بين يديه وإنكساره له.

أو يقصد بالإستغفار إعلان التوبة وتحشد القلب لها وحدوث ما يشبه الإنقلاب العسكري المفاجئ في داخل الإنسان بسبب فراغ روحي أو شعور بالتيه والضياع فيتجند اللسان لاهجا والقلب فزعا ويكون ذلك مبعثا حقا لتوبة نصوح.

المعنيان مقصودان بل مرتبطان ومتكافلان وخير الإستغفار هو حالة الإنقلاب العسكري المفاجئة التي تحيط بالإنسان فيهرع إلى ربه كمن خشي شيئا وخافه خوفا شديدا فهو يغذ السير غذا لجهة تؤويه وتعصمه وتحصنه. أي الإستغفار الجامع بين القلب واللسان والعمل.

كان عليه السلام يستغفر ربه في اليوم مائة مرة أي بمعدل مرة واحدة في كل عشر دقائق تقريبا على مدار الحياة. الإستغفار والتوبة وما في حكمهما مطلوبان دوما ونافعان دوما ولكن فضّل وقت السحر لهما تفضيلا لأن من يقوم في تلك اللحظات متغلبا على حلاوة النوم وإغراءات الفراش مؤثرا الآخرة على الدنيا والنصب على الفراغ لا بد أن يكون إيمانه باليوم الآخر غير إيماننا نحن. طعم الإيمان ليس هو هو. ومن يقوم عندها لا بد أن يصلي ما شاء له الله أن يصلي راكعا وساجدا وذاكرا وهي أحلى ساعات حلاوة الإيمان وأغلى ساعات العبادة سيما عندما يكون العابد منفردا لا يراه غيره سبحانه أو أهل بيته ممن لا بد منهم ولأن ذلك أنفى للرياء وأكسب للإخلاص وأطهر للقلب وأزكى للنفس أو يكون المحيط من حوله ساكنا حتى ليتراءى له كأنه يناجي ربه سبحانه وهو ماثل أمامه لفرط تعمق الشعور بالأنس والقربى والزلفى.

لذلك أمره ربه عليه السلام ـ من بعد نزول أول سورة عليه ـ بقيام الليل وقام حتى تفطرت قدماه الشريفتان دما وقال له معللا ذلك (إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا ) ولأن الحياة كلها ثقيلة بتحدياتها ومشاكلها وصعابها فلا يذللها سوى السحر الخالص بمدرسته التطهيرية العظيمة. المستغفر بالسحر لا بد له أن يعانق أعظم عبادة : الذكر. وخاصة الذكر الصامت أي تفكرا وتدبرا وتأملا لينهل علما وفقها ومعرفة وتزكية وطهارة لن يجد لها أثرا ورب الكعبة إلا في ساحات الوغى حيث يقاتل المقاتلين بأي سلاح تسنى له.

إنها مدرسة السحر المتخصصة في تأهيل المجاهدين والمقاومين الذين لا ترهبهم الحياة بما فيها من إبتلاءات كادحة لا تني وكريهات كابدات لا تفتر ولا تسأم. حياتك معركة ضارية شرسة قاسية وأحد أعدائك ممن يقاتلك يختفي فيك أنت فلا فكاك لك منه إلا بمقاومته بما يكره أي بالمواظبة على مدرسة السحر التي تغذيك بقوة لا تخشى بعدها الفقر حتى لو أنفقت ما أنفق الصديق في تبوك أي ماله كله كله كله ولا الموت فداء لقيمك التي إنخرطت فيها.

ولكن لا تنخدع يا صديقي. كلمة حق لا بد منها الآن : صاحب هذا القلم لا يزيد على الإستغفار بلسانه كلما إستيقظ في ساعات السحر إذ لم يرتق بعد إلى درجة إيمانية تجعله في تلك اللحظات الغالية جدا راكعا وساجدا يرجو رحمة ربه ويخشى عذابه. فهلا خصصته بدعوة منك في تلك الساعات الغالية؟ لا تضن عليه لأن الملك الموكل بك سيقول لك : ولك بالمثل. شكرا.

 

                                               (27)

الولاء والبراء بين الحق و الباطل.

 الولاء والبراء من الكلمات التي نفق سوقها في الأعوام الأخيرة وإختلط فيها الحابل بالنابل والحق بالباطل. وكثيرة هي الكلمات التي أصلها حق ولكن يراد به باطل من حيث علم صاحبها أو لم يعلم. وأشهر تلك الكلمات تاريخيا هي آية يوسف عليه السلام ( إن الحكم إلا لله) التي رفعها الخوارج في وجه علي عليه الرضوان يوم صفين بعدما إنشقوا عنه لمّا رضي بالتحكيم بينه وبين معاوية وكانوا من حوارييه. فقال قولته الشهيرة ( كلمة حق أريد بها باطل). ذلك هو معنى الميزان المنزل جنبا إلى جنب مع القرآن في سورة الحديد. الميزان هو العقل السديد الذي يجعلك تحسن الفهم ومن أحسن الفهم أحسن إستخدامه ومن أساءه أساء تنزيله. الحكم لله : كلمة حق. ولكن أي حكم؟. وكيف؟ هو الحكم القدري لا الحكم الشرعي لأن الحكم الشرعي يمكن أن يسير وفق ما لا يرضيه سبحانه معصية وهذا كثير. ولكنه لا يقع إلا من بعد إذنه أي من بعد علمه وقضائه ومشيئته. يفعل ذلك سبحانه إبتلاء. وهل يتصور الخوارج أن الله سبحانه هو الذي سينزل بنفسه ليحكم بين المتخاصمين؟ كيف نحكم في خصوماتنا إذن ومن نحكّم؟ ألم يحكّم عليه السلام سعدا عليه الرضوان في بني قريظة بطلب منهم وحكم عليهم. فقال عليه السلام : لقد حكمت فيهم بحكمه سبحانه من فوق سبع سماوات. لو كان الخوارج يومها هناك لواجهوه عليه السلام بمثل ما واجهوا عليا.

الولاء والبراء مثل ذلك بالتمام والكمال.

الولاء معناه موالاة المؤمنين من دون غيرهم والبراء معناه التبرؤ من الكافرين. هذا المعنى وارد في الكتاب بكثرة.ولكن كيف نفهمه؟. تلك هي مشكلة الذين يؤمنون بالكتاب ويجهلون الميزان عن جهل أو غرور.الولاء والبراء عندما يكون عقيدة ـ أي يوالي المؤمن في قلبه مؤمنا ويتبرأ من غير مؤمن ـ فهي عقيدة صحيحة. وعندما يوالي في قلبه غير المؤمن أو لا يتبرأ من الكافر فهي عقيدة فاسدة. ولكن أنّى لنا أن نعرف ذلك؟. لذا نلجأ إلى العمل. فمن والى المؤمن وتبرأ من غيره فهو المؤمن ومن فعل ضد ذلك فهو غير المؤمن.

 كيف يكون ذلك عمليا.

عمليا يكون ذلك في الحقل الديني الخاص وليس في الحياة العامة التي فيها تفصيل. عند الضرورة ـ ضرورة الخوف على النفس مثلا ـ يوالي المؤمن مشركا كما فعل عليه السلام عندما إستجار بمشرك في مكة وهو عائد من الطائف فأجاره وأمّنه. أليس ذلك ولاء منه لغير مؤمن؟ بلى. لأن الولاء هو جعلك أحدا وليا لك. مثل هذا النوع من الولاء لا شيء فيه لأنه لا يجعل للكافر على المؤمن سلطانا على دينه وعقيدته. ومثلها عندما والى عليه السلام قبائل مشركة موالاة سياسية فأستلف سلاحا من قريش وهي مشركة ليحارب قبيلة أخرى مشركة. أو عندما عقد في الحديبية عقدا سياسيا مع قريش وهي مشركة وفيه بنود عدّها الصحابة مجحفة. ولمّا عاهد اليهود في المدينة. ولمّا قتل قتيل ذهب إليهم ـ بني النضير ـ وأخذ منهم نصيبهم من الفدية. الولاء السياسي إذن عندما يكون لا سلطان له على الدين  يكون واجبا أو مباحا أو مستحبا أي بحسب الحالة التي يقدرها أصحابها. علة الولاء هي جعل سلطان لغير مؤمن على مؤمن وهو سلطان يفقد به المؤمن حريته فيفتن. ذلك هو الولاء المحرم بشدة.وما عدا ذلك فهي أعمال سياسية ومالية وعلاقات دولية لا بد منها للحياة ويغشاها المسلمون لتحقيق مصالحهم ولا يعرضهم ذلك إلى الفتنة أو الإكراه أو الكفر. في كثير من الولايات القديمة في تاريخنا تحمّل بعض اليهود حقائب وزارية بتعبيرنا المعاصر حتى قرظ بعضهم في ذلك شعرا وقال : تهود الزمان ألا فتهودوا ...

أما البراء فيكفي فيه القلب فلا تعلن براءتك من كافر هو حليفك سياسيا. تلك حماقة تعرض حلفك الذي  تحتاجه لمصلحة دينك وأمتك إلى النسف. هل تظن أنه عليه السلام لما إستلف سلاحا من قريش المشركة ليقاتل بها قبيلة أخرى مشركة يحب قريشا أنها أسلفته حبا دينيا؟. كلا. ولكن إعلان البراءة له زمانه والحاجة إليه وليس هو عمل فوضوي لا يخضغ لعقل.

وعندما إضطر بعض الصحابة إلى قول كلمة الكفر تحت سياط التعذيب في مكة خافوا على أنفسهم فاستفتوه فقال عليه السلام ( إن عادوا فعد ) أي إن عادوا لتعذيبك فلم تعد تتحمل عد إلى قول كلمة الكفر حتى تتخلص من العذاب ونزل قوله سبحانه  ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان). أي عندما يكون القلب مطمئنا بالإيمان فلا حرج عليك أن توالي ظاهريا أقواما غير مؤمنين لمصلحة سياسية تقدرها ولا حاجة لإعلان البراءة منهم. وكل عمل ـ حتى العبادة ـ لا يكون في موضعه المناسب و زمانه المناسب لا يعدّ عملا مشروعا إسلاميا بل يعدّ حدّة  وطيشا. وعندما يكون ذلك من القادة فهو وبال على المجموعة بأسرها.

ولذلك فإن آيات الولاء والبراء متعلقة بالعقيدة ومتوجهة إلى ولاء مع غير مؤمنين وهي آيات تخص في الأغلب الحكام وليس الناس العاديين لأن الولاء سياسي بالدرجة الأولى فلا تسئ الفهم فتظلم نفسك وتظلم الناس غير مميز بين مقامات التشريع.

بين مغالاة سلفية في الولاء والبراء ومغالاة شيعية في التقية .. تتوه الحقيقة.

النسبية ـ أي التوازن والإعتدال ـ هي بلسم ذينك الغلوّين. فمن ألغى التعاون مع الناس على إختلاف دينهم في الشأن الدنيوي التدبيري  بدعوى الولاء والبراء فقد غلا وعطل مصالح الأمة. ومن ألغى الحدود الدينية بدعوى التقية فقد غلا وجعل للكافرين على المؤمنين بطانة وولاية. أرأيت كيف أن الأمر نسبيّ لأنه عمليّ؟ نعم للتقية في حدود توقي الشر. ونعم كذلك للولاء في حدود تحقيق المصالح التي لا بد منها لنا في الحياة السياسية والمالية وغيرها.

 

                                               (28)

مريم البتول .. تلك المرأة العظيمة.

هلا سألت نفسك لم خلق سبحانه عيسى عليه السلام فحسب على غير العادة التي خلق بها الناس من قبله ومن بعده؟ أكثر أسئلة الناس هي : كيف تم ذلك؟ والسؤال عن الكيفية لا يسمن ولا يغني من جوع. حتى عندما نعلم أنه  خلقه من نفخة فيها من روحه سبحانه .. لا يضيف لنا ذلك شيئا. لأننا أصغر من أن نعرف روحه سبحانه وأدنى من أن نعرف كيف نفخ منها في فرج مريم البتول عليها السلام. هو سؤال الفارغين البطالين المتسكعين.

السؤال الذي يحبه سبحانه هو : لم كان ذلك؟

ما كان ذلك بدعا من الخلق سوى لحمل بني إسرائيل ـ أي من بعد موسى عليه السلام ـ على الإيمان بالله وحده إيمانا خالصا سائغا للأفئدة الظامئة إلى الحق. كانت تلك البدعة الخلقية التي لم تتكرر إلى يوم الناس هذا للعلاج بالصدمة التي يحتاجها الإسرائيليون الذين قالوا ( عزير إبن الله ). فكان مناسبا أن يصدمهم بصدمة خلقية باهرة لعلها توقظهم من سباتهم أو تهزم إلتواءهم ولعل ذلك يكون دافعا قويا وباعثا جديا على تخليص الإيمان الإسرائيلي بالله سبحانه من لوثات البنوة والأبوة فيعبدوا ( من ليس كمثله شيء ) إلها واحدا أحدا فردا صمدا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. الغافل يحتاج إلى الصدمة تعالج سدره في غياهب الجهالة. لذا لم يضن عليهم سبحانه بتلك الصدمة وأي صدمة أن يقف الإنسان ذات يوم في رحلته الطويلة على آدمي يخرج من رحم إمرأة حصين بتول عذراء لم يمسها بشر؟ بدعة في الخلق المنتظم بادعة وصدمة عاتية كفيلة بطرح السؤال الذي يريده سبحانه : من خلق هذا كذلك؟ هذا الخالق الذي خرق عوائد الخلق وتقاليد الصنع لا بد أن يكون عظيما حقا وقدوسا فعلا وذا قدرة عجيبة لا تؤتى لغيره.

ولكن النتيجة كانت مخيبة لكل الآمال ..

أجل. يا خيبة المسعى. الذين حباهم سبحانه بالصدمة لعلهم يفيؤوا هم الذين فاء عقلهم السمج إلى أن هذا المخلوق الصغير الذي خرج من رحم إمرأة لم يمسها بشر لا بد أن يكون إلها أو بعض إله. وكذا أمه لا بد أن تكون ( ثالث ثلاثة ). كلما تفكرت في الموقف وحدي أسفت لهذه الجهالة الجهلاء. نحن في الدنيا عندما يتكرم علينا مهندس (VW أو Peugeot  أو غيرهما ) بتخريج طراز جديد من هندسته نكبر فيه قدرته ونشيد بعظمته ونغبطه على ذكائه. ذلك هو الذي حدث مع الحمقى الإسرائيليين بالتمام والكمال : حباهم سبحانه بشيء خارق لعله يفيئ بهم إلى الإيمان الحق تعظيما لخالق عيسى ومن قبله أمه فإتجهوا في الإتجاه المضاد بالتمام والكمال ظانين أن هذا الصبي الصغير ـ حتى وهو يتكلم فور خروجه من رحم أمه قائلا لهم أنه عبد الله ـ خلق نفسه أو خلقته أمه أو هناك ثالوث خلاق مشترك ( الرب ـ مريم ـ عيسى ). لم أجد في التاريخ البشري نذالة ولا حقارة ولا صفاقة مثل هذه. وليس هناك برهان مادي يناسب عقولهم المادية الكالحة الجوفاء مثل هذا البرهان. ورغم ذلك آثروا الكفر.

مريم البتول .. تلك المرأة العظيمة.

كلما ذكرت قصتها أحببتها والله. هي المرأة التي إختارها سبحانه ليخرق بها سنته الماضية وليبين لنا نحن اليوم كذلك أن الله خالق السنة. وهو الذي يخرقها متى شاء وكيفما شاء ومع من شاء. يريد أن يقول لنا : كما لا يعجزني أني خلقت أباكم آدم من عدم أي من تراب وماء وطين وصلصلة فخار ونفخت فيه من روحي فأضحى إنسانا عاقلا مكرما بتلك النفخة التي ما نفخت بها إلا في الإنسان ليكون مفضلا مستخلفا مستأمنا .. كما لا يعجزني ذلك ظللت أخلق بنيه كلهم من زوجين ( ذكر وأنثى ). ولما أردت هداية الإسرائيليين بالعلاج بالصدمة العقلية خرقت سنتي وخلقت لهم عيسى من أنثى فحسب دون ذكر مسها. ثم أمضيت سنتي تلك في الخلق أي من زوجين ذكر وأنثى. كما لم يعجزني ذلك فإنه لن يعجزني أن أبعث الأموات الذين يحرقون بالنار بأيديكم فلا يبقى منهم شيء. الرسالة هي : من دلائل قدرتي وعظمتي أني أنوع الخلق. فأخلق من عدم ثم من زوجين ثم من أنثى بلا ذكر بل خلقت حواء من ذكر بلا أنثى. أفعل ذلك التنويع لعلكم تصدقون حقا أني أنا الله لا إله إلا أنا فلا تعبدون سواي. أليس أشقانا فعلا هو من يشرك به من بعد كل ذلك؟ أليس فينا اليوم من لا يعتقد أن عيسى هو إبن الله ولكنه يعتقد أن الجن لها في ملكه شيء من التدبير أو للكهنة من المشايخ والعلماء وأصحاب البخور الكثيف والشعوذات المحيرة. أجل. فينا. ويوم القيامة يكشف أمرنا ( قالوا سبحانك بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ). فينا من يقول مثلك : الله أكبر بلسان مقاله ولكن لسان حاله يقول : الجن أكبر. الشيخ الفلاني أكبر. ولسان الحال أبلغ لو كنا نعلم. لسان الحال هو الوعي الباطني كما قال علماء النفس.

عيسى إبن مريم.

لا يفتأ يذكرنا بأنه إبن مريم وليس إبن الله. ميلاده عجيب وموته أعجب إذ توفاه سبحانه ورفعه إليه فلم يصلب ولا حاجة لكاهن الفاتيكان أن يعتذر لليهود كما فعل قبل زهاء عشرين عاما أنهم برآء من دم الصليب عيسى. هو صليب ولكن اليهود برآء من دمه. ألا تفعل شيئا لأجل إقناع هؤلاء أنه لم يقتل ولم يصلب ويوم تستقيم الموازين يعلم الخلف منهم أن حضارتهم التي أقاموها على الصليب منخرمة إنخرام سقف خرت أركانه فـدابة الأرض تأكل منسأتها.للبتول مريم إبنة عمران ـ ومنهم من عدّها نبية ـ سورة في كتاب الإنسان. كانت منذورة لخدمة دار العبادة لما كانت في بطن أمها فلما وضعتها تعذر ذلك ليدخرها سبحانه لما هو أعظم من ذلك بكثير. هن أعلام بهن تقتدي البشرية ( إمرأة فرعون التي أحصنت عقلها أن يعبث به زوجها وأم موسى التي أحصنت فؤادها أن يتسلل إليه اليأس من عودة رضيعها وإبنة عمران التي أحصنت فرجها ليخرج منه أحد أولي العزم من الرسل).

 

                                            (29)

القرآن يعلّمنا الإنصاف والموضوعية والعدل ...

( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك. ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما). (من) التبعيضية .. وردت مرات ومرات في الكتاب العزيز. فمرة تنسب إلى الناس (ومن الناس من يعجبك قوله) ومرة إلى المنافقين ( ومنهم من يلمزك في الصدقات) ومرة إلى المؤمنين أنفسهم ( من المؤمنين رجال صدقوا ..)

يريد سبحانه أن يروّضنا على الإلتزام بالحق والإنصاف والعدل مع الناس كافة وخاصة عندما يكونون مخالفين لنا في الإعتقاد أو في حالة حرب. أهل الكتاب الذين يتحدث عنهم دوما بصيغة التبعيض هم مصنع النفاق في المدينة. ولكن حتى لو كان واحد منهم فحسب غير كذلك ـ أي غير مورط في خيانة أو غيرها ـ فإنه يأخذ في الخطاب الإسلامي حقه فلا يوضع مع الناس في كيس واحد. يريد سبحانه منا جمع الناس في جبهة واحدة. فإن حالت دوننا ودون ذلك سننه ـ وقد حالت ـ فلتكن جبهات تتعايش بالسلم والأمن وليس بالحرب والدماء. قال علي عليه الرضوان لأحد عماله ( الناس رجلان : إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق). أجمل خلق هو عدم بخس الناس أشياءهم. إذ أن أكثرنا في حالي الرضى والغضب لا يحسن سوى جمع الناس كلهم في كيس واحد ليسهل لنا لعنهم. إتجاه القرآن هو الإتجاه المضاد لذلك. فهل جعلنا القرآن متبوعا؟

ذهب الخطاب القرآني في إعتبار حرمة الآخر المخالف مذهبا بعيدا إذ قال ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) بل قال ( لكم دينكم ولي دين) بل قال ( قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما كنتم تعملون). هل تجد مثل هذا في أي خطاب أنتجته البشرية من آدم حتى اليوم؟ ألا تخترمك مشاعر الفخر إختراما وأنت تقرأ مثل هذا؟ ألست كمن يطأ الثريا بإخمص قدميه؟ ولكن من منا يلتزم بذلك حتى في حالات الرضى بله الغضب؟

هو خلق بضاعتنا فيه مزجاة. هو خلق الواثقين من بضاعتهم. أما من يستبد بهم اللسان الأعمى أو الغضب الأصم فإنهم يبررون عدوانهم بقولهم أن الكفر ملة واحدة. وهو ليس ملة واحدة. ولو كان ملة واحدة فما علينا سوى التربص بأنفسنا والترفق بها أن نصيب قوما بجهالة فنبيت على شوك الندم. هذا خلق العفو والصفح والحلم والأناة. لمّا جاء نفر من اليهود يحيّونه ليّا بألسنتهم وهم يريدون قول ( السأم) بدل السلام غضبت عائشة عليها الرضوان إذ رد عليهم عليه السلام بقوله : وعليكم. ثم قال لها يا عائشة السأم ـ أي الموت ـ علينا وعليهم وعلى الناس أجمعين. أجل. بذلك الصدر الرحب والخلق العظيم تجاوز الموقف عليه السلام. وأي كسب يجنى من الخصومة مع الحمقى وكل إناء بما فيه يرشح.

ليس الإنصاف وحده بل معه تقديم الخير.

أهل الكتاب في حرب شعواء ضد الله ورسوله عليه السلام ورغم ذلك قدم أهل الإنصاف فيهم لينصفهم فقال (ومنهم من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) أي بدأ بالجهة الإيجابية فيهم حتى لو كان فيها واحد منهم فحسب. هي رسالة إليهم أن الإسلام ليس دبابة ( مثل دبابة شارون أو السيسي ) تجرف كل شيء لتشيّد على أنقاضه شيئا جديدا. بل هو دين يزكي النافع المفيد الذي سبقه لينمّيه. وهي رسالة إلينا نحن عنوانها أن نسج خيوط التعارف ونبذ نصال الإحتراب مطلوب مع المخالفين حتى لو كان فيهم واحد فحسب من أهل الوفاء. الناس كذلك في كل زمان و مكان و دين : منهم .. ومنهم. لذا وجب تقديم الخير إذ لا تكسب القلوب إلا بالرسائل الإيجابية والإنسان مجبول على حب من أحسن إليه. في جانب الوفاء ذكر قنطارا ولكنه في جانب الخيانة والغدر ذكر الدينار وتلك هي المسافة التي يجب قطعها من لدنّا تأليفا لقلوب أخرى إلى الإسلام. الخطاب الإسلامي هو خطاب الدعوة التي تجمع ولا تفرق والتي تحلم ولا تظلم وتحسن ولا تسيئ. فهل يعي الدعاة اليوم ذلك؟ أم نسير على خطى (أئمة الجمعة) الذين يمطرون الناس في كل أسبوع بهذا الدعاء المعتدي ( اللهم أهلك اليهود والنصارى ودمرهم ..).هل وجدت ذلك في أي دعاء مأثور عندك؟ أم تأمر بالسنة وتخالفها في الدعاء؟ وهل أنت في إثر نبيك داع إلى الخير أم قاض بالهلاك. هل ترقب من بعد ذلك من يهود بلادك إيمانا؟ وما شأن النصارى الذين يسبقونك اليوم ـ في كثرة منهم ـ إلى سنة نبيك في حلف الفضول؟ ألا يسعك أن تؤثر أدعية القرآن والسنة فهي جامعة مانعة؟ إذا كنت ممتلئا شجاعة ضد هؤلاء فهل تمطرنا بشجاعة مثلها ضد الظالمين من أبناء الجلدة؟ لا. تلك دونها الذي دونها.

أين نحن من قائد الدعوة عليه السلام وهو يقول لولد رأس النفاق الذي يستأذنه في قتل أبيه أن يقتله غيره فيقتل هو مؤمنا بكافر فيلج النار (لا. بل نصاحبه مادام فينا). بل أين نحن منه وهو يقف على قبور المنافقين ويستغفر لهم حتى نهي عن ذلك فقال : لو أعلم أنه سبحانه يغفر لهم لأستغفرت لهم أزيد من سبعين مرة. إذ قال له ربه (إن تستغفر لهم سبعين مرة). بل أين نحن منه عليه السلام وهو يكفّن رأس النفاق الذي أساء له في عرضه في بردته؟ أصحاب الإتجاه المضاد لهذا سيواجهونك بكل السبل لأجل إبطال مثل هذا. فمن قائل : ذاك نبي. وهي حجة عليهم وليس لهم فهو نبي لنتخذه أسوة. ومن قائل : ذاك زمن ولّى. ومن قائل : أنها حالة خاصة. المهم ألاّ نتأسى به في هذه لأننا ثوريون وهو إصلاحي. لن يكون إيمانك مرشحا للشفاعة فيك حتى يكون هواك تبعا لما جاء به قائد الدعوة. وإياك أن تعتقد أنه لم يزاول السياسة بمثل ما تكون أحسن سياسة. إياك أن يثور فيك الغرور الأحمق لتظن أنه عفا في غير محل عفو أو قسا في غير محل قسوة.

الكلمة هي التي تسعر الحرب أو تنسج عرى التفاهم. فهي ذروة الجهاد الذي هو بدوره أفضل عمل ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). فمن أحسن الكلمة إسلامية أصيلة معاصرة مؤتلفة لا مفرقة وعافية لا منتقمة فقد أحسن إنتاج خطاب إسلامي تتقدم به الدعوة ومن تنكب ذلك نفّر عن دينه وهو يحسب أنه يحسن صنعا.

 

                                          (30)

من أكبر محكمات الكتاب : الإعتصام.

سبق أن عالجت بعض هذه الحلقات من سلسلة ( فهل من مدكر) موضوع محكمات الكتاب التي هي أم الكتاب و التي أمرنا بالعض عليها بالنواجذ غير متبعين لما تشابه منه لأن إتباع المتشابهات صنعة الفتّانين الذين يمزقون الصف الواحد المرصوص أو الذين يبتغون التأويل فيما إحتفظ به سبحانه بتأويله. هي محكمات قليلة العدد ولكن أثرها عظيم في حفظ الدين والأمة وقواطع الإجتماع البشري التي بها يسعد الناس. ومنها ما ذكر هنا بمناسبة في سورة آل عمران. المناسبة هي خصومة جدّت بين رجلين ينتميان لقبائل مختلفة في المدينة بسبب سقي ودلو وبئر ماء.وهي مشكلة تقع بين الناس. ولكن تلقّفها رأس النفاق إبن أبي سلول ليفرق صف الأمة وحرّش بين المتخاصمين اللّذين إستصرخ كل منهما قبيلته بالدعوى الجاهلية فغضب عليه السلام غضبا شديدا وقال ( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم) ونزل قوله ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين). وإجتمعت كلمة المفسرين على أن المراد بالطاعة هنا ليست الطاعة العقدية بل طاعتهم فيما تكون نتيجته تفريق صف الأمة الواحد.

من أكبر عوامل صحة الفهم ودقة الفقه : إعتبار السياق.

لضمان حسن الفقه ودقة الفهم عوامل منها اللسان العربي وإعتبار التكامل ومناسبة النزول إن وجدت والمقصد والأساس العلمي أو الواقعي. ومنها ملاحظة السياق حتى لا ينتزع الفهم إنتزاعا من سياقه فيضل صاحبه. السياق هو مثل مناسبة النزول أي أنهما محل تحكيم لحسن فقه المطلوب ولكن لا يجمد عليهما ولذلك جاءت القاعدة الشهيرة ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب). نحرص على حسن فهم السياق ولكن لا نرهن الأمر به هو فحسب فلا نعدّيه لغيره عندما يحين أوان ذلك. السياق هنا يأمرنا بتقوى الله حق تقاته وهو أمر لن يأتمر به أحد لأنه لا يقدر عليه أحد حتى لو كان أمين الوحي جبريل نفسه. ولذلك نلجأ إلى السياق لنحسن الفقه إذ نلفى قوله ( وإعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وندرك أن الأمر غير المقدور عليه ( حق التقوى)  يتحقق بمقدور عليه وهو الإعتصام.

الإعتصام محكم من أم الكتاب وله شرطان وسبب.

أما السبب فنعالجه في لوحة قابلة من لوحات هذه السلسلة (فهل من مدكر). وأما الشرطان فهما : أن يكون الإعتصام بحبل الله منا جميعا وبحبل الله جميعا. جميعا هذه تعرب حالا وهي حال مزدوج. فهي حال للفاعل الذي جاء هنا ضميرا مستترا تقديره أنتم. وهي كذلك حال للمفعول وهو حبل الله. فلا يتحقق إعتصام إلا بتحقق شرطيه أي أن يكون الإعتصام منا جميعا وبحبله سبحانه جميعا. فلو إعتصم بعض منا ولم يعتصم الآخرون ما حصلنا على ثمرة الإعتصام ولو إعتصمنا جميعا بجزء أو أكثر من حبل الله ـ وحبل الله هو دينه في محكماته وأمه وقواطعه ـ ولم نعتصم بالحبل كله ما حصلنا على ثمرة الإعتصام. الإعتصام هو المعبّر عنه بسورة الصف وهو مؤكد بنفي الإفتراق ( ولا تفرقوا).والعرب تستخدم الإتيان بالضد لتأكيد الشيء. فهو إعتصام جماعي بالدين كله في قواطعه وهو إعتصام لا تفرق بعده. تشديد في قضية الصف الواحد لأنه قضية الإسلام العظمى.ولذلك قال المفسرون كلهم أن الكفر هنا معناه التفرق. وعندما يسمي سبحانه تفرق الأمة كفرا فذلك يعني أنه أكبر كفر نعمة وبينه وبين كفر الملة طرفة عين. كفر الفرد هو بإتيان ناقض من نواقض الإيمان وكفر الأمة هو تفرقها إذ لا يغني عنها إيمان أبنائها من بعد تفرقهم. لم؟ لأن التفرق يغري العدو فيحتل الدار ويفتن أولئك المؤمنين المتفرقين بشتى ضروب الفتنة ترغيبا وترهيبا فيكفرون فعلا كفر ملة وتنهدم شعائر الإسلام وتختفي شرائعه.

الإعتصام بأمرين لا فكاك لأحدهما عن الآخر.

1 ـ الإعتصام بالله أي بحبله المتين وعروته الوثقى ويكفي هنا الإعتصام بالمحكمات التي هي أم الكتاب أي القواطع المعلومة من الدين بالضرورة في شتى حقول الحياة من الصلاة حتى العلاقات الخارجية وتدبير الدولة والحكم وتداول المال وسن التراتيب المنظمة.

2 ـ الإعتصام بالأمة نفسها أي بجماعتها المعصومة إذ ماتت العصمة الفردية مع صاحبها عليه السلام ودفنت معه في قبره فلا عصمة لفرد من بعد موته عليه السلام. دعك من خزعبلات بعض الشيعة الذين يخلعون على بعض أئمتهم من عصمة ما لهم بها من سلطان. ولكن بقيت لنا عصمة واحدة هي عصمة الأمة التي لا تجتمع على ضلالة وهي التي سنت الإجماع أول مصدر من مصادر التشريع إجتهادا من بعد المصدرين الأوليين اللذين لا يجادل فيهما إلا منافق. الإعتصام بالأمة معناه لزوم جماعة الأمة تحت سقف صف واحد لا يخرق بأي سبب. الإعتصام بالأمة معناه إتباع الأمة ـ أي أكثرها إذ الإختلاف فيها ضربة لازب ـ في القضايا الكبرى التي أجمعت عليها. خذ مثلا معاصرا : المقاومة للعدو المحتل في فلسطين ونبذ التطبيع. هذا أمر صرفت له دوليا وعربيا ما يزن الأرض ذهبا وفضة ولكن باء بالفشل الذريع لأن الأمة في جملتها الغالبة ظلت معتصمة بعضها ببعض خلف الحبل المتين الذي يجرم الظلم ويؤثم الإحتلال ويدعو إلى مقاومته بالروح الغالية الثمينة.

خلاصة مركزة : لن يتقي الله مؤمن حق تقاته أبدا حتى يعتصم بالأمة المعتصمة بالحبل المتين وحتى يساهم بما يقدر في ذلك. فمن خرق صف الأمة فليس منها وليس من حبلها.

 

                                            (31)

الدعوة إلى الخير فريضة على الأمة مفروضة ..

الإعتصام بالإسلام ـ بمحكماته لا بمتشابهاته ـ وبالأمة ـ في إتجاهها الأعظم الغالب ـ هو الفريضة العظمى التي تحقق للأمة وحدة صفها المرصوص مهما كانت الأمة متعددة متنوعة دينا ومذهبا ولسانا ولونا وعرقا. ولفرط علو تلك الفريضة ـ الإعتصام ـ أبى الوحي الكريم إلا أن يفرض لها وسيلة قارة راسخة ثابتة لحسن حمايتها وصونها وهذا قليل جدا في الشريعة الحريصة على بيان الغايات أكثر من حرصها على بيان وسائلها إلا عندما تستوي الغايات والوسائل أو تقترب كما هو حال الإعتصام غاية والدعوة إلى الخير وسيلة. إذ لا يعتصم الصف الواحد المرصوص بأمته ولا بمرجعيته الدستورية العظمى ـ الكتاب والسنة ـ إلا بوسيلة قوية ثابتة تدعى لها الأمة جمعاء قاطبة وهي وسيلة الدعوة إلى الخير كما سميت في مواضع أخرى كثيرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فريضة الدعوة إلى الخير بين أولوياتها وقوانينها

1 ـ لكل شيء أولويات في العقل البصير المستنير بالوحي وبالإجتهاد معا. أولوية الإسلام هي الحرية التي تثمر التوحيد فلا يؤمن بالله مسترق مأسور مستعبد لأنه معرض للفتنة وإن آمن كاتما إيمانه في صدره عمره كله فلن تتاح له فرص إستثمار إيمانه. وأولوية التوحيد هي إنشاء أمة وليس اللبث في الصدر مخزونا لا ينفع حتى صاحبه. وأولوية الأمة هي حفظ صفها المرصوص الواحد. والإختلافات تحت ذلك السقف تقويه وتثريه. وأولوية الصف هي صون الإعتصام به وبالمرجعية الدستورية العظمى. وأولوية الإعتصام هي إتاحة الدعوة إلى الخير من لدن الأمة جمعاء قاطبة لصنع الرواحل والعدول والدعاة والمصلحين والأئمة في كل حقل. وبذا تكون تلك الفريضة فريضة مؤسسة أي فريضة قانونية تقوم عليها الدولة نفسها بالرعاية والصنع والتخريج والتأهيل والتكوين والمجتمع يحضنها في مختلف دواليبه فلا توجد صورة مثلى تكون فيها الدولة خادمة للمجتمع ويكون المجتمع فيها مسؤولا على الدولة إلا بمأسسة فريضة الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أي فريضة الدعوة إلى الخير. فإن تركت للمبادرات الفردية ربما عزف عنها أهلها وعلاها الدخلاء فيكون فساد من حيث أردنا الصلاح أو تموت بالكلية وعندما يفرغ مجتمع من تلك الفريضة فهو طعام عفوا من الملح أي لا يصلح إلا للمرضى والمصابين ومن حرم جسمه من كمية معلومة من الملح يوميا أصابه القعود لفرط الهوان البدني. الدعوة إلى الخير هي بوصلة الخير والصلاح في الأمة وهي الإبرة التي تدل على معدل حرارة المحرك. هي القلب النابض الذي ينبه للأمراض والعاهات قبل وقوعها لأجل حسن تداركها. هي بإختصار شديد : جهاز المناعة الداخلي الذاتي الذي يصاب من فقده بداء فقدان المناعة ومن فقد المناعة الذاتية الداخلية فجسمه معرض لكل الأدواء ولو بأثر من نسيم عليل.

2 ـ بحسب السياق فإن أولوية الأولويات لفريضة الدعوة إلى الخير ـ أو جهاز المناعة الداخلي ـ هي رص الصف الواحد ليكون متينا قويا وتوظيف الإختلافات تحت ذلك السقف لخدمة تلك الوحدة فإن وظفت لهدم الوحدة فالذنب ذنبنا نحن وليس ذنب الدين الذي جعل التنوع إرادة مرادة لله ليعلمنا وليمتحننا. ذلك لأنه عقب في إثر الأمر بهذه الفريضة بقولــــــــه ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا وإختلفوا ..) أي : من فرط في إقامة هذه المؤسسة المشتركة بين الدولة وبين المجتمع فقد أتاح لجرثومة التفرق البغيضة أن تغتالنا بدم بارد.

3 ـ وفي سياق موال بالتمام والكمال أناط سبحانه خيرية الأمة ـ خيرية تفضل بها الأمم الأخرى كلها غابرها وحاضرها ـ بالقيام على هذه المؤسسة : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعندما تؤول الأمة ليس إلى التفريط في هذه المؤسسة المفروضة فحسب ولا حتى إلى عدم رعاية أهلها بله تأهيلهم وتكوينهم فحسب .. بل تؤول إلى إعلان الحرب عليها وعلى أهلها من مصلحين ودعاة وعلماء وفقهاء ومعارضين سلميين ومثقفين وإعلاميين وطنيين وأدباء ملتزمين وفنانين مبدعين .. عندها لا يستغرب أي واحد منا أن تؤخر الأمة من مقام الخيرية العالمية المطلقة إلى مقام الذيلية والذنبية أو مقام الببغاوية القرودية.

4 ـ في حال مثل هذا ـ  ونحن فيه ـ فما على الأمة بمختلف مجتمعاتها وشعوبها وفعالياتها إلا أن تتقلد هذه الفريضة المكروهة من لدن دولتنا والمحاربة من لدن لفيفها العالماني المؤثر وأن تعد ذلك جهادا في سبيله ومقاومة لأجل إعادة الإعتبار للمجتمع وهويته. التكلفة باهظة جدا سواء تخلفنا عن هذه الفريضة المؤسسة العليا ـ التي هي وسيلة غائية لخدمة فريضة الإعتصام وبناء الصف الواحد ـ  أو قمنا بها. فإن تخلفنا تسلل العدو الخارجي إلى أرضنا وضرب هويتنا وفتننا وهو حاصل. وإن قمنا بها سجنا ونفينا وعذبنا وهجرنا وأوذينا منه هو بعصا دولتنا. والعاقل الحصيف المؤمن بالله حقا وباليوم الآخر فعلا يقدم التكلفة الباهظة الثانية على الأولى أي خوض غمار المقاومة السلمية دعوة إلى الخير قدر الإمكان ضمن جمعيات ومنظمات وأحزاب وغيرها وليكن منه الصبر على لأواء المقاومة فإن مات مات واقفا لا مدبرا وإن جاء نصر الله والفتح تمكن عقبه من بعد عقود وقرون من ناصية الحكم والسلطان ومواقع التأثير. وذلك هو مراد الله سبحانه من خلقه بالضبط إذ جعل لهم الحياة دار إمتحان ومحل إبتلاء.

 

                                          (32)

حبل الله وحبل الناس...

الحبل هو الآلة التي تستخدم لوصل شيء بشيء ولأي غرض من أغراض ذلك الوصل ولذلك سميت الحبلى أنها حبلى لأنها تصل نفسها بشيء جديد يوشك أن يخرج منها. فالأيام حبلى والأنثى حبلى. كما يكون الحبل أداة قتل وتعذيب ( في جيدها حبل من مسد) أو أداة إنجاء ( وأعتصموا بحبل الله جميعا ).تقول العرب إختلط الحابل بالنابل كناية على التصرم.

جاءت بيانا عن أهل الكتاب من آل عمران.(ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس).هي ذلة الكفر سيما إذا إقترن بظلم. وإلا فإن أكثر أهل الأرض اليوم عزا وغلبة وعلوا إنما هم أهل الكتاب. هي ذلة الشعور الداخلي التي تخز الظالم وتهينه في نفسه ولا تنسب الذلة للإيمان حتى في أوج ضعفه. إلا ذلة القلة في بدر( وأنتم أذلة).الإستثناء هنا (إلا) موصول لا مفصول لإستقامة المعنى. وبه نفهم الذلة المضروبة عليهم وفق ما أنف.

فما هو حبل الله؟

1 ـ هو قدره القاضي بالمساواة في العطاء الدنيوي فلا محاباة لأهل إيمان لأجل إيمانهم إذا نبذوا سنة العطاء ولا عقوبة لأهل كفر لأجل كفرهم إذا أخذوا بسنة العطاء وقد قال في الإسراء ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا). حبل الله الذي به يستثني بعضهم من الذلة هو قدره القاضي بالتسوية في العطاء فإذا أخذ أهل الكتاب ـ كما هو الحال اليوم ـ بسنن النهضة وقوانين العمران نزعوا عنهم الذلة ـ ذلة الفقر والحاجة والفاقة والغلبة والجهل ـ وذلك خضوعا لمشيئته سبحانه التي هي الوجه الآخر لحكمته. حكمته الإبتلاء ومشيئته حرية الإنسان في الدنيا ليتحمل مسؤوليته كاملة يوم القيامة.

2 ـ وحبل الله هنا أيضا هو تدحرج المسلمين عن سدة القيادة وغرفة الريادة في رأس السفينة الواحدة التي تقل البشرية جمعاء قاطبة وهو تدحرج لا يرضاه ولا يحبه ولكن عندما يرتضيه المسلمون لأنفسهم فإنه لا يكرههم على سواه. ذلك التدحرج هو الذي جنّب أهل الكتاب أن يكونوا أذلة. الذلة تكون في مقابلة الوضع الإسلامي القوي وعندما يتخلف ذلك فليس هناك من يثقفهم ليذلهم.

وما هو حبل الناس ؟

1 ـ هو حبل الأمة الإسلامية العظمى عندما تكون قوية قائدة شاهدة تحمي أهل الكتاب المسالمين من الإضطهاد والقهر فهم أهل ذمة عندها أو مواطنون لهم ما لها وعليهم ما عليها أو لاجئون ريثما تعود الحرية لأوطانهم. حبل الناس هو حبل الأمة الإسلامية الواحدة القوية بمثل ما كان لنا ذلك ذات يوم وهو حبل ينزع الذلة عن أهل الكتاب أي ذلة الدنيا.

2 ـ وهو حبل الموازين الدولية المنخرمة عندما تكون مائلة إلى غير الجهة الإسلامية من مثل الوجود الإسرائيلي الصهيوني اليوم الذي هو محمي بحبل الناس بسبب إنخرام الموازين إذ ليس كل من يحمي الدولة العبرية المحتلة هم أهل كتاب فحسب  بل هو لفيف عربي إسلامي و غربي مسيحي.

ثمرات الآية :

1 ـ لله سبحانه إرادة ومشيئة قدرية كونية عليا مبناها حكمته في الإبتلاء لأن الدنيا كلها دار إبتلاء يعتلج فيها الناس أجمعون ليكسبوا منها بحسب عملهم وليس بحسب دينهم سيما عندما ينبذون دينهم الذي يجعل من عمارة الدنيا وكسب قوتها فريضة دينية. وهي إرادة عادلة منصفة لا تعاقب كافرا في الدنيا وبالدنيا بسبب كفره ولا تحابي مؤمنا في الدنيا وبها بسبب إيمانه لأن الناس كلهم عيال الله فهو خالقهم وهو مولاهم وهو الذي يحبوهم بالغذاء والحياة فهم عباده والدنيا موضوعة لهم جميعا فيها يتنافسون وبكسبهم فيها يحاسبون يوم القيامة. هي دار عمل لا دار جزاء إلا تنبيهات ضوئية حمراء من حين لآخر فردية أو جماعية قليلة.

2 ـ حبل الله ذاك ـ أي قدره الماضي ـ لا يعطل حبل الناس ولا يحجزه أن يعمل عمله إبتلاء منه حتى يجرد له كتاب حسابه يوم القيامة فهو اليوم حر طليق بحبله الذي يرفع الذلة عن أهل الذلة بحق أو بغير حق. الحبلان ( حبل الله وحبل الناس ) يخضعان لمشيتة إلهية واحدة وحكمة ربانية واحدة بخلاف ما يوحي التعبير هنا بإختلاف الحبلين. حبل الله يمنح قدرا من الحرية لحبل الناس حتى يحاسبهم على ذلك يوم القيامة. تلك هي منزلة الإنسان وذاك هو دوره : حر تحت سقف منيع مشيد لا ينفذ من أقطاره وهي حرية مجهزة بإرادة وعقل وسلطان فهي حرية مسؤولة أي تتعرض للإيقاف والسؤال يوم القيامة.

3 ـ ومن حبل الله أيضا وحبل الناس أن يهتدي أهل الكتاب ـ أي من أراد منهم ذلك ـ لتنزع عنهم ذلة الدنيا فحبل الله يهديهم إلى ذلك بالوحي وبالعقل وحبل الناس يهديهم إلى ذلك بالدعوة بالتي هي أحسن. وأحسن دعوة هي دعوة يمتزج فيها الحق بالقوة ثم بالخير. فما يؤمن بالإسلام اليوم من أهل الكتاب أحد إلا بالحق وهو أعزل. ويوم يتجهز بالقوة علما ومعرفة وإعتدالا متكافئا لميزان الإرهاب يدخل الناس في دين الله أفواجا.

                                                 (33)

هلاّ لك أن تكون أقوانا وسيدنا فتكظم غيظك ..

لما قرأت ـ قبل عقود ـ حديثه الصحيح عليه السلام ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) قلت في نفسي ـ وكتبت ذلك ـ أنه ليس للإسلام عنوان هو به أقمن وأخلق سوى أنه رسالة أخلاقية جامعة وأي تعريف آخر للإسلام لن يكون دقيقا حتى لو كان صحيحا. ولما قرأت حديثه الصحيح الآخر عليه السلام مخاطبا الأشج إبن قيس ( إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله : الحلم والأناة ) .. قلت في نفسي ـ ثم كتبته ـ أن ذروة سنام الخلق العظيم الطيب الكريم الذي هو بدوره عنوان الإسلام إنما هي الرحمة. أليس ذلك أدنى إلى بسم الله الرحمان الرحيم أو إلى الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم أو إلى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )؟ بلى. هل تظن أنه عليه السلام كان عاجزا أن يرد عن نفسه الأذى وسلا الجزور مترعا دما وروثا يطرح على عاتقه وهو ساجد حول الكعبة؟ أم تظن أنه أعجز عن ذلك والأعرابي الغليظ الجلف يلوي عليه قميصه خنقا حتى إحمرت عنقه فلما تركه أمر له بشيء؟ الضعيف يرى ذلك ضعفا والقوي في إثره عليه السلام يرى ذلك قوة. أليس هو القائل ( ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب). أليس هو العافي عن إسرائيلية دست له السم في خيبر تريد إغتياله إن كان دعيا وإختباره إن كان نبيا؟ أليس هو صاحب أشهر وأعظم عفو تشريعي عام كامل مطلق في التاريخ بقوله لقريش الذي ظلت تعذبه عقدا ونيفا وتطارده وتحاربه مثل ذلك ( إذهبوا فأنتم الطلقاء). لكم صدقت العرب في قالتها ( كل إناء بما فيه ينضح). أليس هو الذي تربع فوق عرش الغلبة ضد قريش بشهادتها هي فيه ( الصادق الأمين)؟ هل أتاك حديث رجل ينتصر بشهادة عدوه فيه؟ نحن دخلنا الإسلام من نافذة جانبية تاركين لجهلنا الباب الرئيس ـ باب الإستقبال ـ ولذلك نرى القوة دوما في العضلات المفتولة ورد الصاع صاعين كما قالت الجاهلية العربية.

كظم الغيظ أعسر عبادة

هي مواقف ثلاثة : أحسنها الصفح والعفو والحلم بكظم الغيظ بشرطي القدرة على الإنتصاف وإخلاص النية له وحده سبحانه. ثم العدل والقسط أي العدوان على من إعتدى عليك على أساس ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) ودون بغي ولا تعد تشفيا ونكالا. ثم جزاء العدوان بعدوان أقسى منه غرورا وعجبا ورياء. ثلاثة لا رابع لها. تبيع الأنبياء موقفه الأول وهو الذي يبوئ صاحبه مقام الإحسان أي مقام المقربين. وتبيع المقتصدين موقفه الثاني وهو مقام أصحاب اليمين. أما تبيع هواه فلن يفدى يوم القيامة بملء الأرض ذهبا أن نال ممن إعتدى عليه بأكثر مما إعتدى عليه قطميرا.

ورد في الحديث الصحيح من قصة بني إسرائيل أن رجلا ما وجد له الملائكة ـ من بعد إيمانه ـ شيئا سوى أنه يتجاوز عن الناس فدخل بذلك الجنة.إنما سمى نفسه الرحمان سبحانه والحليم ـ وأكثر أسمائه وصفاته في إتجاه الرحمة والحلم وليست في الإتجاه المضاد ـ لعل عباده يتمثلون رحمته قدر الإمكان و( الراحمون يرحمهم الله يوم القيامة ) و ( من لا يرحم لا يرحم ).

هذا الذي أخطه الآن كلام نظري لا قيمة له أبدا البتة. إنما قيمته في تمثله مني ومن قارئه حتى يكون لنا ذلك سجية أو إمتحانا عسيرا نعالجه في كل مرة بتسديده بما يرضيه عنا. ليس هناك أعسر على كل آدمي ـ حتى الأنبياء أنفسهم لولا أنهم معصومون لأجل البلاغ والإتساء ـ من النجاح في إمتحان كظم الغيظ إذ الجرعة الواحدة الصغيرة منه أمرّ من الحنظل وأشد إيلاما من السم الزعاف ولسكراتها فحيح مثل فحيح سكرات الموت. نحن اليوم نعبر عن ذلك بكلمة سيئة جاهلية فنقول هذا كبرئائي وهي مجروحة إلى آخر مما يزين لنا الشيطان الذي لم نؤمر بإتخاذ عدو سواه. تلك هي العقبة الكأداء حقا وليس هناك عقبة أكأد من تلك الجرعة من غيظ مكظوم. ويشتد عسرها عندما نكون في ملإ من الناس ويزداد شدة عندما يكون الظالم مجهولا مغمورا أو مدحورا بين الناس ويكون المظلوم مرموقا فيهم بعلم أو مال أو بسلطان وجاه أو بحسب أو نسب. كل ذلك جمعه عليه السلام فهو خيار من خيار من خيار وساغ محيطات هادرة من الغيظ فكانت في فؤاده أحلى من العسل المصفى.

الكظم لغة ضد السفاهة فالكظم ينسب للقارورة أو لأي وعاء به يضبط فلا يندلق ما فيه والسفاهة هي لين ذلك الوكاء الضابط وهوانه فسرعان ما يفسق ويجري ما كان يحفظه جريان فؤاد مستطلق مبطون. كما يتبين لي سياقا أن مما يجعل المرء للغيظ كظاما المسارعة إلى المغفرة بالإنفاق في السراء والضراء والمستغفرين في إثر كل فاحشة أو ظلم. ولكن يظل كظم الغيظ أعسر عبادة طرا مطلقا ولذا يكون الجزاء عليها إحسانا و( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان). روى لي ذات مرة في دنهاخ الهولندية ـ 1995ـ رجل عاش الأمر بلحمه ودمه. قال ذهبت كعادتي من سوريا إلى الخليج أجمع أموالا لمدرسة قرآنية ولما وقفت أمام تاجر ثري معروف أقدم له ملفي وأسأله أفرغ في صفحة وجهي جرعة كبيرة من نخامته تأففا مني وطردا. قال فمسحتها بيدي بلطف مبتسما وقلت له : هذا قدري لديك وأعرف أنه ليس لي قدر لدى الناس ولكن ما هو قدر الله لديك؟ قال : فما كان منه سوى أن مدني بحزمة في يده من المال كبيرة وسيقة وهو يعتذر بلسان حاله. مذ روى لي ذلك الصديق هذا إنحفرت في ذاكرتي فما فارقتني والله. ولكني لست للغيظ كظاما ولا من العافين والناس من حولي يكظمون غيظهم من سيئاتي وعفوهم عني جزيل. اللهم أعف عنهم بما عفوا عني فإنك عفو تحب العفو يا عفو يا كريم.

 

                                                (34)

القرآن سفر سنن وكتاب قوانين..

 كلمة السنة وردت مرات في كتاب السنن ـ القرآن الكريم ـ وما وردت ولو مرة واحدة بالمعنى الشائع عندنا بل وردت دوما بمعنى الطريق والسبيل والمنهاج والشرعة والصراط أي بمعناها الجذري ( س ن ن) أي نهج نهجا فيه علامات.

هو كتاب النهضة والتقدم وفيه قوانينها.

نحن نظن أنه كتاب حلال وحرام فحسب أو كتاب دين بالمعنى الكنسي المسيحي فحسبه منا الصلاة وغيرها. هو كتاب كل واحد منا وليس هو كتابنا المشترك بيننا جميعا به نرسم نهضتنا كما فعل الأصحاب الكرام. نعامله على أنه إنجيل يهدينا فرادى أما الهداية الجماعية إلى مواطن القيادة والتأثير لإصلاح حالنا فلا تكاد تظفر لها بركز.

قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض ..

أمرنا مرات بالسير في الأرض سيرين : سيرا بالأقدام سياحة للتدبر والتأمل والتفكر والتذكر لننهل إيمانا لا يرتد وعقيدة ذات شغاف ولود لا ينضب. وسيرا بالقلوب والعقول قراءة في التاريخ وحركته التي شغلت الوحي كثيرا. فهل سرنا؟ وكيف كان سيرنا؟ أكبر سنة حفل بها القرآن الكريم هي سنة الإنجاء والإهلاك للذين عمروا الأرض من قبلنا إذ بيّن لنا في زهاء أربعين قصة أن من سار على نهجه ـ ولو بالمعاصي إذ لا ينجو منها ناج ـ نجا ومن تنكب نهجه أخذه أخذ عزيز مقتدر ولا تشفع له من بعد ذلك طاعات ممزقة مقطعة هنا أو هناك. العبرة بالمنهاج أي بالإتجاه فما هو إتجاهك يا عبد الله؟

وسنن أخرى حرية بأسفار من البيان.

1 ـ سنة الزوجية أو الإزدواج فهي أقوى سنة و لا حظ من حسن فهم لمن جهل هذه السنة. ومن الموافقات العجيبة أنه لم يتحدث عن سنة الزوجية بلسان المقال إلا في موضعين تناسبا بين مبناها ومعناها ( ومن كل شيء خلقنا زوجين ). حسن فقه هذه السنة يقود إلى أحسن توحيد خالص من شوائب الشرك كلها عفوا من كل لوثات الوثنية والصنمية.

2 ـ سنة التدافع (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) و (لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع). أنت ومن معك مدفوعون شئتم أم أبيتم بقدره فهلا دفعت بنفسك في يم المعركة لتكون مختارا لا مكرها كما تسير الكواكب لا مزية لها في حراك؟

3 ـ سنة الإصطفاء والإستبدال ( يستبدل قوما غيركم ). الإستبدال في القديم يتمّ بموت المستبدل منهم. أما في الدين الجديد فيستبدل الناس بأجيال تخلف أجيالا قعودا أو بإنقاص الأرض من أطرافها أي بإندحار حضارات كانت تعمر أطرافها ليصطفى الأخيار.

4 ـ سنة التعدد أوقانون الإختلاف والتنوع ( ثمرات مختلفا ألوانها وجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك).هي سنة فرع عن سنة الزوجية الأقوى.أحيانا يستقل الفرع بالذكر لقيمته و أثره. إن قراءة متأنية في شبكة السنن تفضي إلى أن سنتي الإزدواج والإختلاف يثمران سنة التدافع وهذا بدوره يثمر سنة الإصطفاء والإنتخاب. شبكة السنن في الكون والخلق مثل خلية نحل عاملة تتكافل لصنع الحياة والحركة بإذن واهب الحياة سبحانه.

5 ـ سنة الإبتلاء وهي أظهر سنة لكثرة إنبثاثها في الوحي. ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم). إبتلاء بالخير والشر فتنة.قال المحققون أن شكر النعمة أعسر من الصبر على النقمة.

6 ـ سنن النهضة والإندحار وهي تخصص إبن خلدون أبي التاريخ السياسي وفقه العمران. وهي من أكثر السنن معالجة في الوحي لشدة الحاجة إليها من لدن الأمم والحضارات.

7 ـ سنن التغيير والإصلاح و الفصل فيها هو ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).أي تغيير في أي إتجاه صالح أو طالح لا يكون إلا من بعد معالجة الحقل النفسي  للإنسان فإن تبدلت النفس تبدل الوضع وإن تأبت عن التبدل تأبى الوضع من حولها كذلك.

بيان غرضي وكلمات أخر.

1 ـ فقه السنن مظنة التقوى لقوله تعقيبا على سنة التعدد( إنما يخشى الله من عباده العلماء).

2 ـ السنن قوانين أودعها سبحانه كونه العابد كرها وخلقه العابد طوعا فهي مثل الغرائز والجبلات والفطر أي من أحسن فقهها فطلبها بلا طغيان ولا إخسار إنسجم مع حركة الكون العابد فأفلح وفاز ومن جهلها أو تجاهلها أو طلبها بإفراط أو تفريط خسر وهلك.

3 ـ غرضي هو التحريض على تغذية علوم الإجتماع المعاصرة ـ العلوم الإنسانية ـ بفقه السنن كونية وخلقية مما بث في الوحي فإذا كان مقصد تلك العلوم هو بيان الإنسان للإنسان لمساعدته على حسن إدارة رسالته فإن الباب الرئيس لحسن فقه الإنسان إنما هو باب السنن المودعة في كونه وفي خلقه وفي حركته.

4 ـ وغرض آخر أحرض به على نحت تفسير خاص بالسنن المذكورة في القرآن وقد خطا الشيخ الغزالي عليه الرحمة في ذلك خطوات في تفسيره الموضوعي الذي وافته المنية قبل إكماله وكذا في كتابه الذي يكاد يتخصص لذلك أي كيف نتعامل مع القرآن الكريم. ولكن ظل هذا النهج من التفسير والبيان يتيما وما أكثر مواطن اليتم فينا.

 

                                            (35)

وما كان لنبي أن يغل ..

الغلول هو أخذ شيء من المال العام بدون إذن. جيء ذات مرة إليه عليه السلام في أعقاب معركة بقتيل ظل الصحابة يثنون عليه فرحين بنيله الشهادة ففاجأهم عليه السلام بقوله ( هو في النار). قالوا : لم؟ قال ( في شملة غلها). الشملة هي طرف الثوب الذي يشتمل به ومن يقرأ الفقه يجد نهيا عن الإشتمال أو إشتمال الصماء. قطعة ثوب لا قيمة لها أخذها صحابي مجاهد بدون إذن من الأمة أو مؤسستها يومها أي هو عليه السلام فجرّته إلى النار. مثل هذه الحوادث من المفترض أن يزداد بها وعينا بالإسلام وشريعته وغيرته سبحانه على حقوق الناس حتى ما كان ماليا منها. بل ما كان منها ماليا بالمقام الأول. شملة لو قسمت على عشرات المقاتلين يومها ما ظفر كل واحد منها بخيط يربط به خفه أو يرقع به ثوبه. إنما العبرة بالقيمة أي قيمة حفظ المال العام. ولذلك جاء النهي هنا ـ في سورة آل عمران تعقيبا على واقعة أحد ـ منسوبا إليه هو عليه السلام. هل تفهم أنه يمكن أن يغل عليه السلام شيئا من المال العام ليستأثر به لنفسه؟ طبعا لا. فما المقصود إذن؟ المقصود هو أنه يحرم على أي كان أن يستأثر ولو بحبة خردل من مال عام لنفسه من دون إذن ورضى. ولو كان ذلك ليحلّ لحلّ لنبي من مثل محمد عليه السلام. وإذا حرم شيء عليه هو عليه السلام فالرسالة عنوانها : ذاك حرام مضاعف وهو جريمة شنيعة. ولم يتوقف الوحي عند ذاك بل قال( ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة ) أي يفضح على رؤوس الخلائق يوم القيامة لتكون المصيبة أنكى. ولذلك قال عليه السلام ( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان إبن فلان). وليس كفضيحة المحشر فضيحة.وأي فضيحة أشنع على إمرئ عندما تتقدم إليه الأمة جمعاء قاطبة يومها كل واحد منهم يطالب بحقه في تلك الشملة التي لم تكن تساوي في الدنيا جناح بعوضة؟ إذا كانت الأم يومها لا تظفر من فلذة كبدها بعشر معشار حسنة تتزحزح بها عن النار وتدخل الجنة فالخطب أجلّ مما نتصور.

 

 

حرمة المال العام.

كلما درست شريعة الإسلام إزددت يقينا أنه ليس أغضب لله سبحانه من العدوان على الإنسان سواء في عرضه أو ماله أو دمه. لم ندرك بعد قيمة الإنسان عند رب الإنسان. مازلنا نظن أن مثل هذا الخطاب هو خطاب السياسيين الذين يريدون أصوات الناخبين أما علاقة هذا بالدين فهي علاقة أوهى من خيط العنكبوت. من غرس فينا مثل هذه العقيدة الفاسدة المرذولة؟ تراكمات تاريخية أشد فسادا.

وعندما يتحدث أحد مبرزا أن كثيرا من البلاد الغربية ـ التي هي كافرة ـ هي بلاد قوية آمنة مطمئنة تعيش رغد الحياة  يتهم بأنه منبهر أو ربما هو غربي الهوى. يريدون منا أن نثني على الفساد الذي ينخر بلداننا عدوانا على المال العام وسرقات لا تحصى وإرتشاءات ومحسوبيات حتى إن الصلحاء عندما ينتخبون لا يقوون على فتح ملفات الفساد المالي تقديرا منهم أن القطط السمينة ستنتقم وتحرك أذنابها في الشرق والغرب ومن ذا تنشأ فتنة وربما يفضي ذلك إلى تدحرج الثورة أو حركة الإصلاح إلى الوراء أو غير ذلك من التقديرات التي تجعلهم يتأخرون عن فتح ملف واحد من ملفات الفساد. يريدون منا أن نثني على ذلك أو يريدون منا عدم الإشادة بالحكمة والخير حتى لو نضح من وطاب غربي كافر. عندما يكون الكافر أمينا في الأرض فأنا أولى بإلتقاط الحكمة منه. وعندما يكون ( المسلم ) فاسدا أكالا للمال العام نهابا سلابا فإن الحكمة هي مقاومته.

وقف ذات يوم من أيام 1995 على ما أذكر ( هلموت كول ) المستشار الألماني الإتحادي الأسبق الذي حكم البلاد لمدة عقد ونصف ونيف فتوحد شرقها مع غربها في عهده .. وقف ذات يوم أمام المحكمة ـ قادما بسيارته الخاصة من مكتبه الرسمي ـ متهما بالتحايل بما قدره خمسة ماركات فحسب ـ أجل. والله خمس ماركات فحسب أي أقل من عشرة دنانير تونسية ـ في قضية متعلقة بدفع الأداءات المترتبة عليه. أجل. لبى الدعوة الكتابية وخرج من مكتبه ومثل أمام القاضي وخضع للإستجواب ولما تبين أنه بريء أطلق سراحه وعاد إلى مكتبه.

وقبل ذلك وتحديدا في عام 1986 كتب الفقير إلى ربه مقالا في الصفحة الأولى من الجريدة الأسبوعية ( الأيام ) في تلك الأيام بعنوان سيارة إدارية تحمل الخمور يوميا إلى مكتب المتفقد الجهوي للشغل بمدنين ووثقت فيه كل شيء إذ كنت يومها موظفا هناك وخضعنا جميعا إلى مساءلات رسمية بعضها من لدن الوزارة وبعضها من لدن الأمن ثم إنتهى كل شيء وطوي الملف ولم يبرز من جديد إلا يوم إعتقلت ( الثلاثاء 24 مارس 1987 ) من لدن مصلحة الأبحاث الأمنية إذ خصصت لي وجبة دسمة من التعذيب البدني لزهاء نصف ساعة بسبب أني صاحب ذلك المقال الذي فضح مشهدا من مشاهد الفساد الإداري.

عجب لا ينقضي..

عجبي لا ينقضي من أنفسنا إذ نجد في كتابنا عشرات المواضع التي تنظم حياتنا الجماعية ومنها حياتنا السياسية والمالية والتنظيمية وغير ذلك ـ الغلول مثالا ـ ونقرأ ذلك ونصدق الله في قوله ونشفع المصحف بقبلة حارة ثم ينتهي كل شيء. سؤالي الذي لم أجد له جوابا  : هل فهمنا ما قرأناه أم لا؟ هل تألمنا من بعد ما فهمنا أم لا؟ هل حدثنا أنفسنا بفعل شيء لتغيير هذا الوضع الفاسد أم لا؟ هل من مجيب يريحني من عبء السؤال؟

 

                                             (36)

قل هو من عند أنفسكم أو تفسير الهزيمة ..

هذا الكتاب سفر جمع كل شيء ومن ذلك قوانين الغلبة وسنن الهزيمة ولكنا قوم نقرأ القرآن بحثا عن البركة فحسب وليس بحثا عن منهاج يقود حياتنا ويحل مشكلاتنا ويفسر لنا فقه الحياة. ورثنا فكرا إنحطاطيا عنوانه : القرآن كتاب بركة فحسب وربما يذهب سموم العقارب أو لسعات الحيات أو يهب لمن يشاء الذكور ذكورا ويذهب العقم عمن يريد ولدا. وهو في الأعم الأغلب للموتى من بعد موتهم تعاويذ نتلوها عليهم. وما شأنه بالتقدم والنهضة والتحضر والترقي والسؤدد والغلبة والهزيمة والسياسة والحكم والدولة والمال العام والعلاقات الخارجية والأنظمة الدستورية. نجحت العالمانية فينا فالتقطت منا آلافا مؤلفة إذ جعلت نظرتنا لدستورنا الأول والأعظم نظرة كنسية بئيسة.

لما وضعت معركة أحد أوزارها دار بين الصحابة الكرام عليهم الرضوان جميعا سؤال عنوانه : أنّى لهذه الهزيمة العسكرية المدوية بنا؟ ألسنا مسلمين مؤمنين؟ أليس بيننا المؤيد بالوحي المعصوم عليه السلام؟ أليست قريشا كافرة مشركة معتدية؟ كيف توصل المشركون إليه عليه السلام ليكسروا رباعيته ويخدشوا وجهه حتى يسيل بالدماء؟ هي أسئلة مشروعة لأنها أول هزيمة عسكرية ثقيلة من بعد أول إنتصار مدوّ في بدر. وما أثقل الهزيمة من بعد النصر. وكعادة الوحي لم يتردد في النزول مصححا الوضع ومجيبا عن السؤال بقوله ( قل هو من عند أنفسكم ).

قل هو من عند أنفسكم. عنوان حياة جديدة إسمها : الإنسان مسؤول على أفعاله وتصرفاته وإعداداته فلا ينصر لأنه مؤمن فحسب ولا يهزم لأنه كافر فحسب. قل هو من عند أنفسكم: عنوان لعقيدة القضاء والقدر بمعنى أن الإنسان الذي يريد النصر ويعمل للنصر مستجمعا شروطه ينصره الله سبحانه إن شاء. أما الذي يريد نصرا ولا يعمل له أو يتهاون في العمل له إستجماعا لشروطه المقدور عليها فلا ينصر. قل هو من عند أنفسكم : عنوان لمعركة الحياة الجديدة بمفردات مفتاحية منها أن الإنسان سبب من الأسباب وليس هو ضحية الأسباب وهو سنة من السنن وليس هو ضحية السنن وهو قدر من أقدار الرحمان سبحانه وليس هو ريشة في مهب ريح لا فعل له ولا مسؤولية له ولا إرادة له.

قل هو من عند أنفسكم أو : عصيان النبوة يثمر الهزيمة

لا بد  من الجمع بين السياق الخاص وبين المعنى العام. السياق الخاص عنوانه أن المسلمين إنهزموا في أحد من بعد ما كانوا منتصرين بسبب مخالفتهم لأمر نبيهم ـ أي مخالفة بعض رجال جبل الرماة ـ . إذ صدرت إليهم الأوامر القيادية العسكرية واضحة صريحة ألاّ تبرحوا مكانكم حتى لو رأيتمونا بأمّ أعينكم نحصد الأفياء والغنائم. فلما رأوا النصر بأمّ أعينهم أضافوا إلى ذلك العصيان عصيانا آخر إذ عصوا أميرهم هناك. فانقسموا ونزل بعضهم تاركا المكان شاغرا لأبي سفيان عليه الرضوان الذي ظل يبحث عن ثغرة في جدار محمد عليه السلام في الأرض فوهبت له هدية من السماء على طبق من فضة وورد. لذلك لمّا تساءل الصحابة كيف نهزم جاء الجواب ( قل هو من عند أنفسكم ). أي لم تهزموا لأن الأقدار شاءت هزيمتكم نكاية بكم ولا لأن العدو أقوى منكم. ولكن هزمتهم لأنكم عصيتم.وهو عصيان فرضتموه على أنفسكم. بل هو عصيان ثلة صغيرة منكم جنى عليكم جميعا. نحن في سفينة لا تحتمل تصرف أي واحد منا بحسب ما يريد هو.

اليوم كذلك يقال لنا : قل هو من عند أنفسكم.

قل هو من عند أنفسكم : درس قاس ولكنه خصيب ثري لنا نحن اليوم كذلك. ليس هو قصص مضى وإنقضى بل هي عظة حية ماضية مطردة لا تتخلف. هزيمتنا اليوم هي تفرق وتمزق وهوان بل وهن بتعبيره هو عليه السلام. هزيمتنا اليوم أرض محتلة ومديونية وإنقسام وهوية فيها دخن وأفن وفردية وأثرة وأنانية ولهث خلف التكاثر الملهي وجهل وأمية بلغت حد 43 بالمائة ونحن أمة عنوانها ( إقرأ). هزيمتنا هي أن الحديد الذي أمرنا بإعداده وصناعته يفترسنا بأيدي صنّاعه الغربيين وهو في كتابنا فريضة ( سورة الحديد). هزيمتنا هي أن لنا سورة إسمها ( الصف) وصفنا ألف صف وصف. وكل صف فينا يدعي إمارة المؤمنين. هزيمتنا هي أن لنا سورة إسمها ( الشورى) ونحن طرائد ضعيفة منهكة تفترسها الدكتاتوريات والإستبداد والفردية وتسام الخسف. ومساجين الرأي والفكر والمعارضة السياسية الإصلاحية لا يخلو منهم سجن على إمتداد وطننا العربي الكبير. هزيمتنا هي أن الإنتخاب عندنا إما بدعة وحرام بلسان عبيد السلف الماضي وببغاواته أو هو مسرحية فجة لنظل سقط متاع نورث كما يورث متاع الهالك. ونحن هلكى على عتبات السلطان. هزيمتنا هي أننا نقترض من البنك الدولي غصبا عنا وبنسب ربوية عالية لنستثمر تلك القروض فيما يمليه علينا ذلك البنك وليس فيما يعود علينا نحن بالفائدة ونظل لعقود طويلات منهكين من تسديد فوائد القروض الربوية وليس أصول تلك القروض. وبذا نظل في حالة من الإستقلال المغشوش وباطنه إحتلال مالي وإقتصادي وسياسي لا مكان فيه لسيادة ولا لإستقلال قرار.

هو الدرس نفسه : قل هو من عند أنفسكم.

أجل. كل ذلك هو من عند أنفسنا نحن أو بسبب ما أسماه مالك بن نبي القابلية للإستعمار. إذ يمكن أن يتحرر كل مسترق إلا مسترقا واحدا يعتقد أن الحرية كفر أو مفسدة فهو لا يطيق سوى أن يكون عبدا نكدا يباع ويشترى في أسواق النخاسة ولسان الحال يقول : لا ترحل لطلب المعالي وأقعد فأنت الطاعم الكاسي.

قل هو من عند أنفسكم :

1 ـ قانون يلغي نظرية المؤامرة أو يحدّ من أثرها على الأقل.

2 ـ قانون يلغي نظرية الجبر القديمة\الجديدة ويصحح إعتقادنا في القضاء القدر.

3 ـ قانون يحقق كرامة الإنسان بتحقيق مسؤوليته على أفعاله.

 

                                          (37)

كل نفس ذائقة الموت ..

كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة.(آل عمران).كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة.(الأنبياء).كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون.(العنكبوت).

الموت يقين والأحياء نيام والموتى أيقاظ

 سمي الموت يقينا (وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين) لأن الميت يكشف عنه حجاب الغيب ليرى الملك ومقعده وبعض مشاهد الآخرة في حياة برزخية فاصلة تحيا فيها الروح منفصلة عن جسدها الذي وعاها قبل الموت. ثلاث حيوات يحياها الإنسان. واحدة للعمل ووسطى للتربص وأخرى للجزاء. اليقين الذي يغشانا ساعة السكرات هو بداية اليقظة (الناس نيام فإذا ماتوا إستيقظوا).في الدنيا نحيا كما يحيا النائم مع مناماته فما إن يبعث من (موتته الصغرى) أي نومه حتى يعانق اليقين. مصداق ذلك كثير منه قوله ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد). الغيب الذي نؤمن به جزء منه حاضر مشهود سوى أن بصرنا قدّ بطريقة تحجبه عن ذاك فلا نرى الأرض إلا مهدا مبسوطا وهي مدحاة مكورة عندما ننظر إليها من خارج قطرها الفضائي.

عذاب القبر بين مادية غربية جوفاء ومادية شرقية عرجاء.

من عجائب ما قرأت في الفضاء الإفتراضي أن مجموعة من (المتدينين) أرادوا إثبات عذاب القبر فحفروا عن قبر ووصلوه بآلة تصوير ثم إكتشفوا بالصوت والصورة ما يعانيه صاحب القبر من عذاب يذهب بالأفئدة. وآخرون إلتقطوا حيات في القبور أو حولها وشعوذات كذوبة تجعلك تشمئز من هذا التدين الأخرق. هؤلاء إسرائيليو الهوى فلا يؤمنون بالغيب إلا كما يؤمن اليهود في قصة البقرة مثلا أي لا بد من آية مادية تظل لها الأعناق خاضعة. هذا لا يسمى إيمانا بالغيب بل هو إيمان بالشهادة وصاحبه أدنى إيمانا دون ريب. عذاب القبر حقّ لقوله عن آل فرعون ( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا). فضلا عن حديث صحيح. ولكن عذاب القبر إنما نسب إلى القبر لغلبة الأمر كما تقول العرب أي أنه في العادة يقبر الميت. ولكن من مات فلم يقبر وقد حقّ عليه عذاب القبر أفلا يعذب؟ أين يعذب وقد أحرق مثلا فلم يبق منه شيء؟ أو إلتهمته الحيتان؟ عذاب القبر عذاب روحي لا حسي. حياة البرزخ كلها روحية شعورية لا حسية مادية مثلها مثل الرؤى والأحلام بالتمام والكمال. هذه جثة فرعون الذي هو الآن وآله يعرضون على النار صباح مساء. أليست هي أمام كل من يريد الفرجة في مصر بل نقلت ذات مرة إلى باريس. ألم يفحصها الأطباء هناك ليكتشفوا أن صاحب هذه الجثة مات غريقا؟ هل سمعوا ألما أو شعروا بعذاب؟ جرّب هذا بنفسك إن شئت. أما تستحي كذبا على الله؟ ألا تلجم لسانك وقلمك أن يتحدث عن الغيب إلا بإذن صحيح صريح من القرآن أو من الحديث؟ ما الفرق بينكم وبين المادية الغربية؟ ألستم أصحاب إيمان مادي لا يؤمن إلا بالخوارق والمعجزات والكرامات؟ لو كنتم تؤمنون بالغيب حقا كما يرضيه سبحانه لقلتم : سمعنا وأطعنا وحسب. هل تتبّع الصحابة مثل هذا؟

أنت مطالب بذكر الموت لمقاصد عظمى فحسب.

لم نتفصى مما أمرنا به لنرهق أنفسنا خلف غيب لم نؤمر بالكشف عنه ولا سبيل لنا إلى ذلك؟ أليس هو القائل ( أكثروا ذكر هازم اللذات)؟ أليس هو القائل ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة)؟. عندما سئل عن الساعة عليه السلام بم أجاب؟ ألم يقل ( ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؟). ألم يقل ( ماذا أعددت لها؟). ألم يقل ( تبدأ ساعتك يوم موتك؟). ألم يقل ( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة؟). يعني أنه يتلقى الأسئلة فيردها إلى أصحابها ملأى إيجابية ليشغل الناس بما هو أجدى وأنفع في قضيتي الموت والبعث ولا يدعهم أسرى الخزعبلات والشعوذات. إذا كنت مدعوا في الدنيا إلى المثول أمام أي قاض أو محكمة بصفتك شريكا في قضية أو متهما هل تسأل عن اللون الذي زينت به قاعة المحكمة؟ أو عن لون عباءة القاضي؟ أو عن سيارته؟ لم لا يسأل أي واحد منا عن مثل ذلك في الدنيا؟ لأننا نعرف بالسليقة والفطرة أنها أسئلة الأطفال الصغار التي لا تقدم ولا تؤخر. ولكن نسأل عن الوكلاء الشطّار. نسأل عن تفاصيل القضية. نسأل عمّا يمكن أن يخلصنا منها. لم؟ لأننا نأخذ الأمر بقوة وجد لا لهو فيه. لو أخذنا قضية الآخرة والموت والحساب بالجد نفسه والقوة ذاتها لما سألنا عن ميعاد يوم القيامة ولا عمّا يقع لنا بعد الموت أي في القبر. هل يسأل التلميذ أو الطالب عن ربطة عنق الأستاذ ما لونها؟ أو عن جدار القاعة بم بني؟ وعندما يكون إيماننا بالبعث إيمانا مهزوزا ـ دعك من الدعاوى الكثيرة التي لا يعجز عنها لسان ـ فإنا نخلص إلى مثل تلك الأسئلة الفارغة التي لا تقدم ولا تؤخر. أنّى لنا أن نكون في الدنيا وما يتصل بها إيجابيين مقاصديين عمليين أما عندما يتعلق الأمر بالآخرة فإنا نفقد صوابنا لنرتد صبيانا تلهى بأكوام التراب. الذين يشغلون أنفسهم بمثل ذاك لا يؤمل منهم أن يعمروا الدنيا لأن عمارة الدنيا تتطلب تفرغا وتجردا عن مثل ذلك اللهو.

بديلك عن الفراغ واللهو هو ثلاثة مشاريع إستثمارية عظمى.

1 ـ إما أن تنكح فترزق بولد(ذكر أو أنثى) صالح يدعو لك من بعد موتك إذ يحتاج الميت من الحي الدعاء والإستغفار والصدقة وقضاء الدين ولا يحتاج الحي من الميت أي شيء.

2 ـ وإما أن أن تعمر الدنيا بالعمل لتكسب مالا فتجعله صدقة جارية تظل تدر عليك الحسنات وأنت في قبرك حتى يوم القيامة أي جراية تقاعد في حسابك لا تنفد أبدا.

3 ـ وإما أن تجاهد لطلب العلم ـ أي علم  ديني أو دنيوي ـ مما ينتفع به الناس من بعدك.

قال عليه السلام ( إذا مات إبن آدم إنقطع عمله إلا من ثلاث : ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية أو علم بثه في الصدور). تلك هي المشاريع الإستثمارية الكبرى التي هي اليوم لك متاحة وهي خير لك من السؤال عن الساعة وعن أحوال القبر وكل غيب ليس لنا فيه شيء.

 

                                          (38)

إذا كنت تاجرا فعليك بالصبر.

موضوع التجارة في الدين موضوع يسرني ويبهجني ولا أسأم منه وعظا وبيانا. أعجبني جدا تشبيه الدين بالتجارة في القرآن. المتدين تاجر أو لا يكون. كلاهما يحتاج لرساميل يبدأ بها عمله وكلاهما يحتاج إلى مصلحة حسابات يمسكها ليعرف مرابيحه وخساراته وكلاهما يتجنب الإفلاس لأن إفلاس التاجر في الدنيا يقوده إلى السجن والحجر عليه والمفلس في الدين يقاد إلى النار حتى لو جاء بإيمان وعبادة بسبب عدوانه على حقوق الناس. إنفعلت بتمثيل الدين بالتجارة ثم بحثت عن وجه آخر مشترك فألفيت أن الدين كالتجارة فيه أعمال طيبة سعرها عال وتطير بصاحبها إلى الفوز والفلاح طيرانا فهي أولى بالجني. وأعمال خبيثة وزرها باهظ وتهوي بصاحبها إلى قاع النار هويا فهي أولى بالتجنب. فمن تدين بعقلية تاجر فاز ومن تدين بعقلية غير تجارية ما جنى من الفوز حظا.

الصبر سلعة التاجر

لن أنبسط هنا في أغلى بضاعة تجارية مع الله لأجل توقي الإسهاب. فمن ذلك ( الإيمان النافع المتجدد لا المثلج. و الخلق الطيب. والعبادة.وحياة القلب ذكرا وشكرا وصبرا ويقينا وتوكلا وأملا ورجاء وحسن ظن بالله وبالناس معا. والدعوة إلى الخير. والجهاد بالمال وبالنفس وبالفكر. والإجتهاد. والحدب على الأسرة وتوقي نارها سيما العقوق والقطع والأذى..) وما عدا ذلك عمل عادي سعره ( الحسنة بعشر أمثالها ) فحسب.ولكن الإنفاق مثلا ( سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ). ومنها الجابّة لكل ما قبلها ( الإسلام من بعد كفر والهجرة والحج والتوبة النصوح الصدوق ). ذلك هو معنى التجارة في الدين.

دعنا مع واحد منها أي الصبر الذي هو في أعلى القمة إذ ( يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). وهو صبر ثلاثي : صبر على الطاعة له جزاؤه وصبر على المعصية له ثوابه كذلك ولكن أعظم أجزية الصبر هو الصبر على المصيبة بما يجعل اللسان لاهجا بالترجيع أي إنا لله وإنا إليه راجعون ولا يلهج اللسان بذلك لهجا عند الصدمة الأولى إلا من بعد إمتلاء القلب باليقين والأمل. فاللسان بريد القلب كما قالت العرب.

الصبر ثلاثة أنواع.

1 ـ الصبر الفردي العادي ( يا أيها الذين آمنوا إصبروا). الصبر لغة الحبس وهو قتل الشهوة في النفس قتلا فلا تبرز حتى لو طارت بها الوساوس داخليا. إذ العبرة في اللسان هنا وفي العمل. الصبر هو حبس الشهوة أن تنطلق في إتجاه لا يرضيه سبحانه. الصبر هو ثمرة العقل وضده أي الفسق هو ثمرة الشهوة والهوى وهما في حرب ضروس أبدا.

2 ـ الصبر الجماعي أو الصبر الدائم الذي لا ينقطع ويسمى مصابرة ( وصابروا). على وزن المفاعلة والمشاركة فهو صبر من الجماعة لأن الإسلام منهج الجماعة ولو صبر بعضنا وفسق الآخرون خسرنا جميعا في الدنيا. وخسارة الدنيا مؤلمة إذ قال ( وأخرى تحبونها). والمصابرة هي كذلك لزوم الصبر من الفرد أغلب الحياة ولا يأمن العاقل على نفسه إنفلاتا أبدا والعبرة بالأعم الأغلب أي بحصيلة الميزان النهائي كما هو عند التاجر فقد يخسر مائة صفقة ثم يربح صفقة واحدة تعوضه كل شيء. الصبر مرة ومائة مرة مقدور عليه ولكن لزومه ليكون سجية ومصابرة أمر لا يخلو من مجاهدة ومقاومة.

3 ـ الصبر الفردي المغلظ المقترن بلزوم دائم لا يفتر ولا يسأم وهو الإصطبار. إصطبر فعل ثلاثي مزيد بحرفين والطاء حرف زيادة تفيد التغليظ والتضخيم. ( وأمر أهلك بالصلاة وأصطبر عليها). كعادة القرآن دوما يجعلك مترددا بين أمرين لتجمعهما لا لتفرقهما. على من يعود ضمير (عليها) هنا؟ هل تصطبر على أهلك التاركة للصلاة بالكلية أو بالجزئية ومن الأهل أهل الدار كلهم من ولد وغيره.أم تصطبر على الصلاة نفسها لتكون قدوة لا آمرا بلسانك فحسب؟ أهل الفهم الموضوعي ـ لا الموضعي  ـ يؤثرون فهما يجعل الإصطبار فريضة عليهما معا. إصطبر على أهلك عملا بإستراتيجية الدعوة ( بالحكمة والموعظة الحسنة) وإصطبر على صلاتك ليرى أهلك بأم العين أنك تدعو بلسان حالك قبل لسان مقالك وعندما يروا فيك ذلك ( محافظة على الصلاة ودعوة إليها بلسان لين هين وأنت معهم تؤاكلهم وتشاربهم وتنادمهم وتجالسهم وتضاجعهم وتضاحكهم سنين وعقودا) يهديهم ربهم سبحانه بك كما هداك أنت بغيرك ويكون لك أجر الدعوة وأجر الصبر معا.

النبي عليه السلام يرسم سبيل الصبر.

قال عليه السلام ( ومن يتصبر يصبره الله). الصبر أمرّ من الحنظل وجرعة منه صغيرة كفيلة بتكدير محيطات هادرة ولكن ثمرته عسل مصفى. وهو مكروه كالقتال ( كره لكم ) لأنه قتال النفس و من يحمل نفسه على الصبر يصبره الله. ولذا أستأهل أن يكون الثواب عليه ( بغير حساب). جزاء وفاقا.

كيف يكون الله صبورا؟

لله أسماء وصفات علينا تمثلها قدر الإمكان عدا ما يختص به لوحده من مثل(الرحمان والمتكبر..). الله صبور معناها أنه يصبر على عبده ـ سيما الظالم والكافر والمؤمن شديد الفسق ـ فيرزقه رغد عيش على كفره ويمدّ له في أجله وعافيته عساه يفيئ إليه. ولذلك قال عليه السلام ( لو كانت الدنيا تساوي عند الله  جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء).

من عرف الحياة وتدبرها أدرك بيسر أنها معركة قاسية سلاحها الصبر ولا شيء غير الصبر. صبر العاملين الآملين وليس صبر القاعدين القانطين.

 

                                         (39)

تقوى الأرحام من تقوى الله..

باشرت اليوم سورة النساء. ثلاث دعوات للتقوى في أول آية بها ( إتقوا ربكم. وإتقوا الله.والأرحام). الأرحام : مفعول به ثاني معطوف ومنصوب بالفتحة الظاهرة. وهو جمع رحم. والمعنى : إتقوا الله وإتقوا الأرحام. ولم تنسب الأرحام لأنها معلومة إذ لكل مخلوق آدمي رحمه الذي خرج منه. سئل صحابي عن التقوى فقال : هل مشيت يوما في طريق فيه شوك وأذى؟ قال : بلى. قال : ما فعلت؟ قال : شمّرت على ساقيّ أن ينالني من ذلكم من شيء. قال : تلك هي التقوى. كما تتقي شوكة أو شرا أو أذى أو ضرا تتقي ربك سبحانه أو تتقي رحمك. أي تتجنب ما يسخطه ويسخطهم. التقوى هي التجنب والإبتعاد مخافة أذى.

لأي مقصد يعلى أمر الرحم إلى هذه الدرجة المرتفعة جدا.

( الرحم معلقة في العرش تقول اللهم صل من وصلني وإقطع من قطعني). وهي مشتقة من الرحمة والرحمان سبحانه. هي حميمية لك كرحم أمك. فمن رحم أمك خرجت وفيه خلقت وأكلت وحييت هناك زهاء عام إلا قليلا. ومن رحم قرباك ولدت قبل ذلك أي قبل أن تكون نطفة وبعضهم ولد منك. قال عليه السلام ( لا يدخل الجنة قاطع). لم يقل قاطع ماذا. لأنه معلوم أن القطع الذي يحجز عن الجنة لا يكون إلا قطع ما لا يقطع بل يوصل أبدا أي الرحم. فمن قطع رحمه قطع نفسه وحاد عن فلكه وأبق من ذاته فلا يرحمه راحم. الإسلام : عقائده وأقواله وأعماله مقصدة معللة مفهومة معقولة المعنى لا تقصد لذاتها بل تقصد لغيرها. المقصد الأسنى من صلة الرحم وتقواها هي بداية رص الصف الواحد على إختلافه وتعدده. أي من الحلقة الضيقة الأولى. أي حلقة الرحم. فمن وصل رحمه وصل صفّ أمته ومن قطع رحمه فلا أمل فيه أن يكون برحم أمته أبرّ. لا أجد في الإسلام شيئا أحدب عليه من الصف الواحد المرصوص فهو أمّ مقاصد الإسلام والحرية بابه. فلا يكون توحيد خالص إلا من بعد التحرر من الوثنيات والصنميات ومن بعد التحرر من التمزق والتفرق. هما بابان للإسلام رئيسان من ولج من أي منهما وصل وذاق ( الحرية والصف الواحد ). ومن تسلل من النوافذ الخلفية وهي كثيرة حسبه الموضع الذي تسلق منه والذي تسلل إليه.

الرحم جبلّة فهي أمر فطري وشرعي في آن واحد.

 الأوامر الفطرية الجبلّية لا نؤمر بها شرعا من مثل الحدب على ولد الصلب لأننا أمرنا بذلك جبلّة فهو أمر لا يعصى كرها منا. ولكن أمرنا بالأوامر التي يمكن أن تعصى أي الأوامر الشرعية من مثل الإحسان إلى الوالدين إذ فيه أمر شرعي مغلظ. جاءه عليه السلام رجل يشكو رحمه قائلا (أعطيهم ويمنعونني وأحسن إليهم ويسيؤون إلي وأصلهم ويقطعونني ) فقال له عليه السلام ( إن كان حقا ما تقول فكأنك تسفّهم الملّ). ليس في الرحم كفر ولا إيمان ولا طاعة لا عصيان إذ قال عليه السلام لأسماء : (صلي أمك).وأمّها مشركة. وقد ظل واصلا لرحمه عليه السلام وهم مشركون بل محاربون. الإسلام جاء لتجميع الناس لا لتفريقهم. يدعوهم إليه ولكنه لا يفرّق شملهم بإسم الدين. الدين عنوانه الجماعة والتجميع فمن فرّق الناس بإسم الدين أو الدعوة فما فقه من الدين شيئا.

 

 

كيف أتقي رحمي؟

1 ـ مداومة الوصل بأي وسيلة وصل. ويكون الأمر فريضة في حالات التهنئة والتعزية والإنفاق بسبب فاقة. قال الفقهاء أن الإنفاق على الرحم المحتاج واجب على الرحم الذي يسعه ذلك. وهو قول صحيح مناسب للإسلام. ولذلك لا تجوز الزكاة مالا ورأسا لمن تعول و لمن يجب أن تعول. وعلة ذلك أن يفيء ما أنفقت إليك بالنتيجة وهو تحايل منكور.

2 ـ مداومة الصبر على أذاهم إن حصل منه شيء ومداومة الشكر لهم إن حصل منهم خير. أليس الذي ( يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم). والرحم ناس من الناس. عندما يكون الرحم جارا تتضاعف الواجبات وعندما يكون محتاجا تتضاعف أضعافا مضاعفة وعندما تكون معه في خصومة يحملك هو بنفسه ليس إلى الجنة بل إلى فراديس الجنة وأعاليها. رحم وجار ومحتاج وشاحن أو مشحون. من جمع في نفقته كل ذلك طار إلى الجنة طيران جعفر الطيار عليه الرضوان. لا عبرة بالدين هنا لأن الإنسان مكرم بقضاء إلهي وبسبب النفخة الروحية الرحمانية فيه. فلا تظنّنّ أن جارك ـ أو رحمك ـ  المؤمن إذا إستوى في الحاجة ـ أي في الفاقة ـ مع جارك ـ أو رحمك ـ غير المؤمن ـ هو أولى بخيرك. لم؟ لأن المقصد من خيرك ـ سيما المادي منه ـ هو طاعة الله في إكرامه الإنسان. عندما يستوي الناس في الحاجة فلا يبجّل مؤمن على كافر وتكون الأولوية لأكثر الناس حاجة دوما وبحسب تقديرك. ولا تظنّنّ أن من قدّم مؤمنا محتاجا على كافر أكثر منه حاجة قد أطاع الله. لا. هذا عصى الله فإن كان جاهلا فالله يغفر له ولنا وإن كان عالما فقد عصى ربه عصيانا شديدا لأنه عصيان فكري مثل عصيان إبليس لمّا أبى السجود وليس كعصيان آدم لأنه عصيان شهوة يقع فيه كل أحد.

3 ـ مداومة الإحسان أعلى درجات الإسلام والإيمان وذلك بالسؤال عنهم وعيادتهم وزيادة في الإنفاق لهم هدية وعطية وخلقا طيبا كريما.

تقوى الرحم من تقوى الله سبحانه فلا عبرة بهذه دون تلك. مقصدها الأسنى رص الصف الواحد بداية بمربعه الأول الصغير. وليس هينا أبدا أن يقرن سبحانه في الآية نفسها والسياق ذاته الدعوة إلى تقواه والدعوة إلى تقوى الأرحام.

 

 

 

 

                                               (40)

وأرزقوهم فيها ... فارزقوهم منه ..

أمران إجتمعا فهما يصنعان البهجة والسعادة : لسان العرب العجيب ثرا خصيبا سليقا قحا يقول إرتجالا لا تدوينا فيعرب ولذا إختير ليكون حمّال رسالة السماء الأخيرة إلى الإنسان حتى يوم الدين. و هذه الشريعة الأعجب. لا يدرك ذلك سوى من تدبر القرآن وهو يتلوه أو يستمع إليه. أما الذي لا يتدبره فلا حظ له من شيء. التدبر هو التوقف المطول المركز عند كل حرف وليس عند كل كلمة فحسب أو آية أو سورة أو سياق. لا. في هذا الكتاب الذي جمع إليه حسنني الشريعة والنظم العربي البليغ لا بد من التركيز تدبرا في كل حرف.

عندما تحدث عن السفهاء من أهل البيت الواحد قال ( وأرزقوهم فيها ) أي إرزقوهم في تلك الأموال. والسفهاء هنا هم الأيتام المكفولون قبل بلوغهم الحلم أي سن الرشد فلا حجر عليهم بعدها أن يتصرفوا في أموالهم. إذ السفيه في السياق المالي هو من لا يحسن إدارة المال ومعالجة الموقف الأصلح فيه بسبب صغر سن أو نقص شديد في الحكمة والتدبير. وإذا وردت في سياق إجتماعي سياسي فإن السفيه هو الرويبضة الذي يتكلم في الأمر العام للناس دون علم. ومن السفهاء الإسرائيليون الذين حاربوا الإسلام ودعوته فحوربوا. كلاهما سفاهة و السياق هو المحدد.

عندما تحدث عن قسمة المال وحضر المحتاجون من عامة الناس قال ( فارزقوهم منه). هنا مكمن الفقه. حروف الجر ينوب بعضها عن بعض ولكن عندما تكون في سياق واحد يختلف معناها وليس هذا خاصا بها بل كلما وردت بعض الكلمات المنتمية إلى حقل دلالي واحد في سياق واحد إختلفت المعاني وكلما تفرقت توحدت تلك المعاني. كلمتا الإسلام والإيمان مثالا : (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين. فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين).

الرزق في المال هو الإستثمار

وأرزقوهم فيها معناها إستثمروا لهم تلك الأموال أو بعضها بحسب تقديراتكم لأنهم الآن سفهاء وعندما يكبرون يجدون أموالهم ذات مشاريع تدرّ عليهم المال. وهي الفلسفة نفسها مع الزكاة إذ الزكاة ضريبة على المال الراكد حتى يتحرك ويستثمر ولذلك لا تجب الزكاة إلا من بعد حولان حول أو حصول صابة وبيدر وغير ذلك. أي أن الزكاة تفرض خشية أن تخلد الأموال إلى الركود فيكون الأمر شبيها بكنز الذهب والفضة وما في حكمهما ولذلك تكون الزكاة ذات مقصد أولي هو تشجيع صاحبها على الإستثمار بها والإتجار. ذلك هو معنى الرزق فيها. أي رزقا في أصلها الذي يتحول بسبب الإستثمار إلى فوائد وأرباح وغير ذلك. الرزق فيها هنا أنسب لأن الرجل مسؤول على أولئك السفهاء من الأيتام وغيرهم وهو الذي أبيح له أن يأكل بالمعروف منها إن كان في حاجة إلى ذلك. هو تصرف وليّ يفكر في مصلحة كفيله. ولا يتسنى له رزق السفهاء في المال إلا بسبب أنه ولي عليهم أو وصي ومسؤول فهو يدبر لهم أحسن وجوه معالجة الأموال.

الرزق من المال صدقة

فارزقوهم منه معناها التصدق على الذين يحضرون القسمة من غير أهلها ومن غير أهل ذلك البيت أصلا فهم فقراء وأرامل وأيتام وغير ذلك. لذلك يكون الرزق من المال مباشرة ولا مكان هنا لإنشاء إستثمارات بعيدة المدى زمنيا تدرّ عليهم أموالا وأرباحا لأن المتصدق أي صاحب المال المعدّ للقسمة ليس مسؤولا على ذلك مسؤولية مباشرة. وأولئك بحاجة إلى أكل سريع وطعام أسرع فهم محتاجون إحتياجا مباشرا وسريعا وليس لهم ـ ربما ـ من ينفق عليهم حتى تستثمر تلك الأموال وتؤتي أكلها.

معنى ذلك أننا مأمورون بالتخطيط.

أعمق الناس إيمانا بالآخرة هم أكثرهم قياما على التخطيط لليوم الموالي أو العام الآتي كما فعل يوسف عليه السلام وهو يخطط لخمس عشرة سنة مقبلة في إثر رؤيا الملك وبمثل ما خطط عليه السلام لمحو الأمية وغرس العلم بما سنّه من إجراءات في أسرى بدر. وأضعف الناس إيمانا باليوم الآخر هو من يقصر إهتمامه على حاضره ويومه فإن فعل ذلك بإسم التدين الكذوب والقضاء والقدر فهو إلى التطيّر الوثني أقرب. ألا ترى اليوم أن أنجح الإقتصادات ما كان بناؤه الإستثمار لا الإستهلاك. لأي مصلحة تفرض علينا المصارف الدولية المقرضة إما سياسة إستهلاكية أو إستثمارية ولكن في الحقول الهشة المتقلبة (السياحة مثلا)؟ لمصلحة إبقائنا في حالة تبعية لا إستقلال. لا يريدون لنا (رزقا في) أموالنا بل يريدون لنا (رزقا منها) فحسب. الإستثمار تخطيط دون ريب.

لا إيمان لمن فصل بين الإعتقاد وبين الإنفاق

ألم تقرأ الكتاب العزيز مرات؟ ألم تلف أنه يحض على المحتاجين حضا عجيبا؟ ألم يشدك إليه أنه يتعرض لموضوع الإنفاق ورعاية المحتاجين في كل سورة تقريبا؟ هذا أمر شدني إليه شدا عجيبا. أقول مطمئنا : لا إيمان لمن لا حظ له من الإنفاق وليس حده الأدنى الزكاة المفروضة فحسب. ماذا لو صرفنا عشر معشار ثروتنا البترولية على فقراء المسلمين؟ ألسنا نكون أغنى أمة؟ لكم صدق المرحوم الغزالي وهو يقول ملتاعا : أمة يمشي فقرها على موائد مائجة موّارة من البترول والذهب والفضة. وعندما تكون أرضك أغنى أرض وتكون أنت متسوّلا فلا قدّست ولا قدّس لك إيمان. ذاك إيمان الكذبة الفجرة. بئس إيمان رجل وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم. الجيرة جيرة دول وحكومات وليست جيرة أفراد فحسب.

 

                                               (41)

للذكر مثل حظ الأنثيين ..

علم المواريث من محكمات الآيات وليس هو متشابه. أورد  الدكتور زغلول النجار أن عالما بريطانيا أسلم لمّا علم أن قانون الإرث في الإسلام لا يتجاوز في القرآن الكريم صفحتين في حين أن مجلة الإرث في بريطانيا كراس قانوني ضخم. الخوارزمي كان متخصصا في علم الفرائض والمواريث فاهتدى بواسطته إلى إجتراح معادلات رياضية في علم الجبر تلقفها الأروبيون وتسمى بالإنجليزية بإسمه (Algorism).

الإسلام هو العدل في المال بين الناس.

القرآن ممتلئ بالحديث عن المال والعدل فيه وبتفصيلات في توثيقه والإشهاد عليه وكتابته و توزيعه. ذلك معناه أن الإنسان كلّ لا يتجزأ فمن إعتدى على حقه المالي كمن إعتدى على حقه المعنوي أو البدني. ولكن أورثنا ثقافة بئيسة منافقة فهي تبث تحقير المال ولكنك لا ترى سوى اللاهثين خلفه بلعاب سائل. يتعرض الداعية إلى ألف سؤال وسؤال : لم كذا؟ وكيف كذا؟ ومتى كذا؟. ومن حق الناس أن يعلموا دينهم سيما مقاصده وعلله ومعاقده وجوامعه وعزائمه ومحكماته أي أم الكتاب. هب أن ألمانيا دخل عليك مسجدك أو مجلسك قائلا : أنتم العرب تتكلمون كثيرا وليس للوقت عندكم حرمة وأنا أريد منك كلمة واحدة عن دينك وكتابك ونبيك. ليس لي وقت يتسع لغير كلمة واحدة. فهل أحضرت جوابك. أم تظل فاغرا فاك مندهشا. أم تسخر منه. أم تدعوه ليجلس إليك فتغدق عليه من ثرثرتك ليفرّ من دينك. في القرآن مما طلبه هذا الرجل مواضع ومواضع. نحن لا نقرأ وإذا قرأنا فلا نتدبر.

لم كان نصيب الرجل مضاعفا؟

سؤال لا يخلو منه حديث بينك وبين أي غربي. إن قلت لا أدري حرمت نفسك من فرصة دخول الجنة بهداية رجل إلى الله على يديك. وإن قلت : الإسلام يظلم المرأة ولو بلسان حالك دون مقالك فقد إقترفت الخطيئة العظمى أي القول على الله بغير علم . بعض الناس يغرقون في إحصائيات تفيد أن حالات كثيرة يتناصف فيها الرجل والمرأة التركة وحالات أخرى تأخذ هي أكثر منه. بل قرأت أن أكثر حالات الإرث تمنح المرأة أكثر من الرجل؟ لو كان ذلك صحيحا لما كان لقوله الذي تكرر مرتين في سورة النساء من معنى ( للذكر مثل حظ الأنثيين). صحيح أن حالات كثيرة تأخذ فيها المرأة أكثر من الرجل ولكن ليست هي الحالات العامة السائدة في المجتمعات الإسلامية السويّة (ديمغرافيا). نحن نعمد إلى إحصاء عشرات الحالات من هذا النوع لنخفي هزيمتنا الحضارية عن أنفسنا ولنقول لعبيد الفكر الغربي أن قوله (للذكر مثل حظ الأنثيين) ما هو إلا كلمة زيّنت السورة فحسب أما الحقيقة فهي مخالفة. مثل هذا على صحة بعضه  لا يعجبني. الأصل هو مضاعفة النصيب ولكل قاعدة إستثناءاتها. هذه مسألة يتعلق بها أعداء الإسلام كثيرا يغرون بها فئات نسوية أرستقراطية منّا بأن الإسلام رجعية عربية لم تعد تغري المرأة العاملة والقاضية والمحامية والأستاذة والطبيبة.الذنب ذنبنا. لا يأكل الذئب إلا شاة قصت عنك. عندما أكون في عيون بعض الناس ذئبا مفترسا فلا أنزعج من فرارهم عني إلى من هو في عيونهم حملا وديعا.

فلسفة الإرث

شريعة المواريث حكمتها الحيلولة أن يكون المال دولة بين الأغنياء منا فحسب ولذا توزع هنا بحسب القرابة وليس بحسب الحاجة. وكذلك رص الصف الداخلي القريب بما يجعله موطن ود وحب وتراحم والمال ينسج الخير عندما نحسن توظيفه. وكذلك بيان الأولى للناس بعضهم ببعض إذ يرث الزوجان بعضهما بعضا وترث الأصول والفروع بعضها بعضا ثم ينداح الأمر إلى الأجنحة من أشقاء وغيرهم ويقدم المكلف بالإنفاق على غيره أبدا عملا بالعدل وليس المساواة. المساواة بين غير المتساوين في الواجب حيف وليس عدلا. وعندما يكون التراحم بين مكونات الرحم فريضة مالية يشيد الصف بقوة فلا تغتاله لا دولة ظالمة ولا إحتلال مقيت. ذلك هو النسيج الذي صمد قرونا في وجه الدولة ووجه الإحتلال معا.

بين الإرث وبين الوصية والدين

الدين أولى بالقضاء ناهيك أنه عليه السلام لم يصل على صحابي عليه دين ولكن أمر بالصلاة عليه. حقوق الإنسان لا مساومة فيها عند الله. وحد الوصية لغير الورثة ـ إلا إجازة منهم ـ هو الثلث ( والثلث كثير) أن يستبد الشيطان بهالك فيتشفّى من رحمه قبل موته ويختم له بالسوء. في الثلث فرصة للهالك حتى يختم لنفسه بالجهاد بالمال. خارطة الفرائض هندسة رياضية وفكرية لذيذة لمن وضعها أمامه متدبرا. في عرفنا السيء أن المرأة التي لا تتنازل لأخوتها عن حقها بسيف الحياء تظل اللعنة تلاحقها حتى موتها. جاهلية جديدة. هي جديرة بالجنة مثل الرجل لعلّها توصي بشيء من مالها فيكون لها جواز عبور.

( تلك حدود الله): المرأة التي تأخذ نصف الإرث أخذت نصفها الآخر من المال عندما أعفيت من الإنفاق على البيت من أول يوم من تأسيسه أي الخطبة والهدية والمهر والوليمة حتى آخر يوم. وبين اليومين لا تطالب بإنفاق فلس واحد لا على نفسها ولا على أبنائها ولا على زوجها وفي كل الحالات إلا تطوعا منها فهو لها صدقة جارية ومهما تكن غنية موسرة. بل لا تطالب بخدمة البيت سيما فيما يشقّ عليها لذلك كان بعض الصحابة يتخذون خدما.ثم ترث مع الرجل لتحقيق إستقلالها الإقتصادي وإلا فلا معنى لقوله (والمتصدقات). لو تصدقت بمال زوجها فما هي بمتصدقة.

(آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) : الموت لا يميّز بين شيخ يأخذه وشاب يدعه فلا ندري هل ننتفع بميراث أبنائنا أوّلا أم بميراث آبائنا أوّلا. يعني : إلزموا حدود الله في توزيع المال وكسبه فالموت كفيل بخلط الأوراق وإفساد ما خططنا له.

نحن لا نقرأ وإذا قرأنا فلا نتدبر لنفهم ونفقه ونتعلم.

 

                                               (42)

إجتنب الكبائر فحسب تدخل الجنة ..

 هي أرجى آية أي أكثرها بعثا للأمل في النفس( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما). خطاب الله إلينا أمل ورجاء وترغيب وترهيب. قال عن الرومان الذين زجوا بالإسرائيليين في أخدود ملئ نارا نقمة منهم أنهم آمنوا فحسب :(ثم لم يتوبوا). سورة البروج. حتى هؤلاء السفاحين المجرمين الذين يعذبون المؤمنين بالنار ـ ومنهم المرأة التي تكلم رضيعها في حضنها ـ  حتى هؤلاء تفتح لهم باب التوبة؟ من لم يعرف من هو الله في هذا المشهد  فلن يعرفه. من لم يحسن الظن بربه فلن يظفر بشيء. في موضع آخر قال : (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله).

سؤال التجار الأذكياء  هو : ما هي الكبائر حتى أتجنبها فأظفر بالجنة؟

أحصيت الكبائر بنفسي وأعددت فيها كراسا أنشره عما قريب بحوله فألفيت أنها في الكتاب الكريم زهاء تسعين كبيرة. زهاء ثلثيها تخص الحكام والمسؤولين في علاقات خارجية وأخرى داخلية. أمارة الكبيرة هي ترتيب عذاب ـ أي حد ـ في الدنيا ( السرقة والزنى والرمي والقتل العمد والحرابة ) أو وعيد في الآخرة دون ترتيب عذاب في الدنيا (الردة السلمية وشهادة الزور وأكل الربا..) أو غضب أو لعن أو التعقيب بفاصلات العزة والقوة والشدة في أواخر الآيات. هي علامات ثلاث للكبيرة لتتاح لك معرفتها دون الحاجة لأحد سوى لصبرك. لو إشترط علينا سبحانه إجتناب ما ننهى عنه كله ما دخل واحد منا الجنة ولكنه بنا رحمان فما طلب منا سوى إجتناب الكبائر فحسب. الكبائر ضروب ثلاثة : ضرب لا يغفر لمن مات عليه دون توبة وهو الشرك الأكبر.المؤمن مطهر منه فمن تلوث بشيء منه فلا يلومنّ إلا نفسه. وضرب لا يبالي به سبحانه وهو ظلم المرء نفسه سيما من بعد صون العبادات المشدد فيها ( الصلاة والصيام والزكاة والحج وبر الوالدين وصلة الرحم والإحسان إلى الجار). وضرب ثالث هو الذي تدور عليه أكثر الكبائر وهو أكثر الأبواب إفضاء بالمؤمنين إلى النار من بعد إعلان الإفلاس يوم القيامة. وهو العدوان على حرمات الناس وحقوقهم وحرياتهم بغير حق وعدم نيل المغفرة منهم في حياتهم. عنوان الكبائر هو رعاية حرمات الناس وتجنب الإساءة إليهم فمن سلم الناس من يده ولسانه لا يحجزه عن الجنة إلا شرك أكبر. أو ـ بصفة مؤقتة إن كان مؤمنا خالص الإيمان ـ نقصان كبير في العبادات وخاصة الصلاة التي لا تسقط عن واع أبدا ولو كان طريحا مقعدا.

 ما نهينا عنه درجات ثلاث(كبائر وسيئات ولمم). وهذه بعض درجات الكبيرة.

1 ـ أن تجعل لله ندا وهو خلقك أي الشرك الأكبر.

2 ـ المهلكات الثلاث وهي كبائر قلبية : شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه.

3 ـ أكبر الذنب : الزنى بحليلة الجار وقتل الولد مخافة الطعم معك وشهادة الزور.

4 ـ الموبقات : السحر وقتل النفس وأكل أموال الناس بالباطل ومنه الربا وقذف المحصنات والتولي يوم الزحف.

5 ـ درجة أخرى من الكبائر منها ثلاث لا يدخل صاحبها الجنة : لا يدخل الجنة نمام ـ لا يدخل الجنة عاق ـ ولا يدخل الجنة قاطع. العقوق للوالدين والقطع للرحم.

6 ـ درجة أخرى : القول على الله بغير علم أو بغير حق وأمارتها أنك تلفاها عادة مقدمة بقوله (ومن أظلم ممن). يتورط فيها كثير من المتصدرين للمشهد الديني. منها قوله (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام). أكبر الذنب أن تقول على الله أو على نبيه عليه السلام بغير حق أو بغير علم في أي أمر كان. ذلك هو الشرك. فمن قال بغير حق فقد إدعى له الولد سبحانه ومن قال بغير علم فقد إعتدى على حقه في التشريع وكلاهما شرك. تحريم الحلال مثل تحليل الحرام في الإثم. بعض الناس بإسم سد الذريعة يعمدون إلى تحريم المباح وهذا قول عليه سبحانه بغير علم. المباح يقيّد ولا يحرّم. فمن فعل ذلك رياء ليقول الناس : عالم. فقد هلك هلاكا بعيدا.

أجمع آية ـ بعد تفصيلات الأنعام والإسراء وغيرها ـ في الكبائر هي آية الأعراف (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون). هي خسمة أصول للكبائر وتحت سقفها زهاء تسعين كبيرة ليتمّ سلم الكبائر ثم تكون سيئات وصغائر ولمم وكلها تسميات قرآنية.

1 ـ كبيرة في حق ربك لا بد من إجتنابها وهي : الشرك به سبحانه فهو لا يغفر أبدا.

2 ـ كبيرة في حق نفسك وهي : التهاون جزئيا أو كليا في محطات التزكية الكبرى التي لا بد منها لك أنت (الصلاة التي لا تسقط أبدا) و(الصيام والزكاة والحج) قدر الإمكان.

3 ـ كبيرة في حق الناس وهي الإساءة إليهم بلسانك أو يدك في أموالهم أو أعراضهم أو أبدانهم بدء من الوالدين والأسرة المضيقة و مرورا بالأسرة الموسعة (الرحم والجار) وإنتهاء بالناس كلهم بغض النظر عن قربهم منك أو بعدهم دينا ولسانا ولونا ما لم يكونوا محاربين وخاصة المحتاجين منهم لمساعدة معنوية منك أو مادية أو مالية.

بينك وبين الجنة مسافة إسمها : حقوق الإنسان. فمن ضمنها للناس فقد فاز.

 

                                               (43)

واضربوهـــــــــــــــــــــــن ...

ثلاثة أمور لا بد منها للشخصية السوية المستقيمة المعتدلة :

1 ـ الموضوعية بدل الموضعية و الجماع بدل التجزئة فعندما تنظر لأي شيء في الدنيا ـ حتى لو كان شيئا ماديا ـ فلا تأسر نفسك فيه لينحبس تفكيرك هناك إذ الحياة مبناها التشابك والتعاقد والإتصال فلا يقوم شيء بنفسه أبدا عدا الله سبحانه.

2 ـ المقاصدية والغائية وما هو مراد ومفهوم بدل الظاهرية وما هو مقول ومنطوق فعندما تلتقط أي كلام مفيد سل نفسك : ماذا يريد هذا المتكلم؟ فمن يحدث حركة أو صوتا أو لونا أو هيئة يبلغك رسالته بطريقته هو فالتقط مراده ودعك من كل شيء عدا مقصوده.

3 ـ الجمع  بين الإستقلال في غير غرور يمنعك من إقتباس الحكمة وبين الإنفتاح في غير إمعية تجعلك منبهرا. التأثير والتأثر ضربة لازب على كل موجود فلتكن نفسك بيتا له باب رئيس يستقبل الضيف ونافذة تهوئة أن تختنق بريح غرورك.

وإضربوهن ... لا تفهم إلا بالشروط الثلاثة للشخصية المتوازنة آنفة الذكر.

1 ـ وإضربوهن .. هي آخر مرحلة في مسار علاجي. سياق الحديث هو سياق معالجة لأوضاع أسرية مهددة بالإنفراط وليست الأسرة هينة عنده سبحانه حتى يفرط فيها تشريعه.المعالجات نفسها قليلة في الحياة لأن المرض نفسه طارئ وليس هو أصيل. عدد رجال التعليم مثلا يفوق عدد الأطباء كلهم في أي مجتمع.

2 ـ وإضربوهن .. هي فعلا علاج نفسي ـ وليس هو علاج بدني وذاك هو المقصود منها أي كسر الأنفة المغلظة الناشزة التي تهدد لبنة الأمة المقدسة أي الأسرة ـ ولذلك لا يكون الضرب مبرحا أي لا يؤلم ولا في الأماكن الحساسة التي تهين الكرامة من مثل الوجه وغير ذلك. فمن فهم أن الضرب إيلام بدني فليراجع نفسه بل هو إيلام نفسي لأنه أشد وأقسى وهو المطلوب هنا لحمل من يريد كسر الأسرة على الأوبة في آخر محطة إستشفائية قبل الطلاق. ومن تحكمت فيه التقاليد والعادات البالية فلا يرم بجهله على الإسلام.

3 ـ وإضربوهن .. علاج نفسي أخير من بعد فشل محطتي الوعظ والهجران. الهجران نفسه علاج نفسي والوعظ مثله. الإنسان نفس فحسب وليس البدن إلا ظاهر ما نراه ونلمسه فهو الوعاء لا غير. والنفس تحتاج لعلاج نفسي من طينتها ومن عجز عن ذلك فإنه يكون بهيمي الهوى عجماوي العقل يعالج الأبدان لا النفوس. يكون جلادا ولا يكون زوجا.

4 ـ السنة الصحيحة تفسر القرآن الكريم ( لتبيّن للناس ما نزّل إليهم). والسنة ثابتة أنه عليه السلام لم يضرب ولم يأمر بضرب حتى وهو يتعرض لحالة شبيهة في بيته بل ندد بالضرب ( يضرب أحدكم زوجه في أول النهار ويجامعها في آخره؟).ومن أخذ بالقرآن فحسب فهو أعور الفؤاد لا يصلح أن يكون لا زوجا ولا مربيا ولا والدا ولا وليا.

5 ـ عليك بفهم الموضع الصغير(واضربوهن) ضمن موضوعه الكبير وهو أنه مسار لمحطات علاجية والضرب آخر محطة لا يلجأ إليها إلا في حالات نادرة جدا من الطرفين أي الضارب والمضروب والموضوع حاكم على الموضع إن كنت تعقل الحياة وفنّها. عليك بفهم الضرب أنه علاج نفسي في ثوب بدني كالطبيب يطرق على ركبتك بطرقات قوية حادة ليختبر ردة فعلك العصبية فالضرب مادي ولكن المقصد نفسي. عليك أن تفهم أن المقصد من الضرب هو حفظ ما هو كبير ومقدس أي الأسرة التي بإنهدامها تهدم أمة كاملة.والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة عند تعارضهما في حالات نادرة جدا.عليك أن تفهم أن الببغاوات والقرود التي تنهق صباح مساء لأجل التنديد بالإسلام لأنه يبيح الضرب هي إمعات باعت شخصيتها للغرب بسبب إنبهارها وإنسحاقها أمام منجزاته المادية وهم أهل عور وحول إذ لم يبصروا حالة الأسرة في ألمانيا وأصوات الحكمة فيها ترتفع منذ سنوات ومن نساء إعلاميات ـ Eve Hermanـ لإعادة الإعتبار للأسرة التي هجرتها المرأة فأقفرت من النسل وضعف المجتمع. ليس لهم أن يضغطوا عليك بتأثيراتهم لأنهم في موقع غلبة مادية فلا تكن المغلوب الذي يقلد غالبه. تقدمهم كبير وحقّه منا التقدير ولكن علينا التأثر بأسبابه وهي العلم والعمل وأخلاقهما وليست أسبابه التخلص من الإسلام.

6 ـ الضرب غير المبرح بقصد نفسي ـ لا بدني ـ هو آخر محطة في مسار علاجي لأجل حفظ الأسرة مصنع الإنسان ومستودع دين الرحمان وفق ما فسرته السنة كما أنف وهو الشر الذي نلتجئ إليه لتوقي شر أكبر منه والذي لا يقع إلا في حالة من ألف حالة .. ذلك الضرب هو أمر خاص لأنه أمر أسري ولا سلطان عليه إلا لأعضاء الأسرة وليس هو شأن عام فهو كالزواج والرضاع أي أمور محلها عشّ الزوجية لذا يكون الكلام الفارغ فيه إفتئاتا أي تقمصا لسلطان غير سلطانك. من يريد أن يجعل منه قضية وطنية فهو يريد الفتنة.

7 ـ شيّد شخصيتك بتوازن فلا تكن جلادا في بيتك إنبهارا بالجاهلية العربية ولا متسيّبا  تعرّض بيتك بمن فيه إلى الزوال إنبهارا بالمرأة الغربية. الإسلام لا هو ذا ولا هو ذاك. الرجل نفسه ينشز(وإن إمرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا).الشريعة تعالج نشوز كل واحد منا بما يناسبه لحفظ مؤسسة الأسرة المقدسة. الطبيب الذي يعالج المصابين بالمرض نفسه بالدواء نفسه دون إعتبار لإختلاف أحوالهم النفسية والبدنية هو متطبب كذاب. قال عليه السلام (ولن يضرب خياركم). ليس الحل حوارا حول الضرب بل الحل : إعادة الإعتبار للأسرة وتشييدها على أسس إسلامية. أي تجفيف منابع النشوز منذ البداية وتجنب اللجوء إلى الكيّ.

 

                                              (44)

أصحاب الحقوق عشرة فتوازن وآت كل ذي حق حقه.

هي آية الحقوق كما سماها بعض المفسرين تسمية مسددة. (وأعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وإبن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا).النساء36. أصل الحقوق3 : حق الله عليك وحق نفسك عليك وحق الناس عليك.

1 ـ حق الله : إخلاص العبادة والإستعانة به وحده سبحانه أي إخلاص الإعتقاد والعمل معا. عدم إخلاص الأول شرك أكبر لا يغفر وعدم إخلاص الثاني رياء يحبط العمل.عندما تخلص العبادة له وحده سبحانه فأنت تبني شخصية مستقلة قوية لا إمعة كالماء يتلون بكل لون يغشاه. أروع مثال ضربه عليه السلام للمشرك هو أن رجلا إستأجر أجيرا وقال له : إعمل في هذا الحقل وأدّ إليّ فكان الأجير يعمل في حقل مؤجره ثم يؤدي إلى غيره أي يسلم الثمرة إلى غيره ممن هو ليس شريك في ذلك الحقل. قال عليه السلام: هل يرضى أحدكم أن يكون أجيره مثل هذا؟ أروع مثال. الله تعالى خلق الكون وملّكناه مستخلفا ومستأمنا ومعلما وآمرا بالعمارة وعبادته شكرا على أنه أطعمنا من جوع وآمننا من خوف فمن توجه بعبادته شكرا أو خوفا أو سؤالا إلى غيره فحقه العذاب. هل هذا دين أحجيات فلسفية عويصة لا تفهم؟ هو أيسر من اليسر وأسلس من السلاسة ولا يحول دونه إلا شيء واحد إسمه : الكبر. أجل. الكبر العقلي ولا شيء غيرالكبر العقلي.

2 ـ حق الوالدين : حقهما الإحسان الذي هو أتقن عمل وأحسن فعل وأخفض الكلمات جناحا وذلا. لا أحد منا يعلم ـ ولا حتى يتصور ـ كيف كان أبواه يتمزقان جوعا ليشبع ويتضوران ظمأ ليروى ويموتان سهرا لينام ويعريان ليكسى ويخافان ليأمن ولو ترك يوما واحدا دون إهتمام لمات فإذا مرض مرضا ثم شفي فكأنما بعثا من جديد لفرط الحب. هما الشمعة التي تضيء دربك فتذوي هي يوما من بعد يوم ويشتد ساعدك  أنت يوما من بعد يوم. ليس هناك من يهرم لتشب سواهما. وليس هناك من يحب الخير كله لغيره أكثر مما يحبه لنفسه  سواهما لفلذة كبدهما. هما سبب الوجود فمن تجاهل سبب وجوده نطفة من منيّ من ذلك الشيخ الفاني وصلبا من ترائب تلك العجوز الحدباء فهو الشقيّ. لا. بل حاشا الشقاوة.

3 ـ حق ذي القربى : التأكيد على حقهم لا ينقضي في هذا الكتاب العجيب أولا لضرورة بداية رص الصف الإسلامي الواحد والمتنوع من قريب أي من الدائرة الرحمية الدنيا وثانيا لأنه غلب علينا أن تنشب المعارك والشحناوات في الصف الرحمي الأدنى وعند تمزق هذا يتمزق المجتمع حتما. هي دائرة الإنتماء الأولى لا بد من الوفاء لها.

4 ـ حق اليتامى : لما أراد سبحانه أن يصدنا عن الإساءة إلى اليتيم قال ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم). أي أن الأيتام الذين تسيء إليهم اليوم قد يكون ولدك في موضع إساءة مثلهم وذلك عندما تموت أنت وتتركه للناس. فمن سرّه أن يكون ولده يتيما لا يلقى إحسانا فلا تثريب عليه أن ينهر اليتيم.ألم يقل عليه السلام (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة؟). قارنا بين سبابته ووسطاه فلا تتقدم النبوة كافل اليتيم إلا بشيء يسير.

5 ـ حق المساكين : هذه الدنيا يبسطها سبحانه لمن يشاء ويقدر فليست هي بسبب علم عندك أو قوة أوتيتها على قيمة ذلك قطعا ولكن إرادته غلابة سبحانه فما إبتلاك بيسر إلا ليمتحن فيك خلق الإيثار والإحسان والرحمة وكم من موسر غدا مسكينا وكم من مسكين غدا ثريا تزدحم على أبوابه التسولات.

6 ـ حق الجار ذي القربى : الجار جزء من الرحم ولكنه يصل إليك بسبب التراب وليس بسبب النسب ولذلك دخلت النار صحابية مشهود لها من الصحابة بكثرة الصلاة والصيام والصدقة وقال عليه السلام (هي في النار لأنها كانت تؤذي جيرانها). فإذا كان الجار قريبا تضاعف حقه فهو رحم وهو جار وهو أولى ما لم يكن غيره أكثر حاجة منه.

7 ـ حق الجار الجنب : للجار منزلة دوما حتى لو كان أجنبيا في الدين أو اللسان أو العرق. المهم أنه جارك. وربما يحتاج لهذا مسلمو الغرب لأن الجار هناك في العادة جنب بالكامل.

8 ـ حق الصاحب بالجنب : هو الرفيق والزميل ومن تحمله الأقدار إلى جنبك في سفر أو تعليم أو عمل. ولا معنى هنا كذلك لدينه ولسانه ولونه وعرقه. حكمه حكم الجار الجنب ولكنه مؤقت إذ عادة ما لا يصحبك الصاحب بالجنب العمر كله.

9 ـ حق إبن السبيل : هو من تقطعت به السبل حتى لو كان موسرا في بلاده وصروف الدهر لا يعلمها سواه سبحانه. والسفر قطعة من العذاب وضربة لازب على كل واحد منا.وعادة ما يكون إبن السبيل غريبا لا يعرف ومن ذا وجب إكرامه.

10 ـ حق ملك اليمين : لم يعد اليوم له وجود.

إنه الدين الذي يرفع كرامة الإنسان إلى أعلى حد.فكل من فيه نفخة روحية منه سبحانه جدير بالإحسان بدء بالدوائر اللصيقة حتى آخر دائرة. ثم يكون التعقيب (إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا) ليعلمنا أن حق أولئك جميعا منه هو سبحانه حتى ملك اليمين لا يؤدى حتى يتخلى الإنسان عن الإختيال والفخر أي الكبر ويتحلى بالتواضع. الكبر أصل كل داء وهو طريق مضمون إلى النار. والتواضع أصل كل فضيلة وهو طريق مأمون إلى الجنة.

 

                                             (45)

تدينك بين التدرج والتدحرج

التدرج في التشريع :

1 ـ تحريم الخمر من قوله (سكرا ورزقا حسنا) إلى قوله (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله و عن الصلاة فهل أنتم منتهون).وبينهما قوله (يسألونك عن الخمر والميسر) و (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى).

2 ـ إباحة زيارة القبور ( كنت نهيتكم عن زيارة المقابر ألا فزوروها).

3 ـ نسخ عقوبة الزنى من قوله (فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) إلى قوله (فأجلدوهم مائة جلدة).

4 ـ نسخ التوارث على أساس الإيمان والهجرة إلى أساس القرابة ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله).

5 ـ إباحة نكاح المتعة لعنت السفر إلى تحريمه في خيبر أي بعد زهاء 7سنوات من الهجرة وكذا تأخير تحريم التبني وأكل الربا وفرض الخمار إلى ما بعد الهجرة بزهاء 5سنوات.

6 ـ التدرج في تجفيف منابع الرق بدء بتوجيه بعض الكفارات لتحريره (اليمين المنعقدة + القتل الخطأ إلخ ..) حتى مبدإ المعاملة بالمثل وغرس منازع التحرير في الإنسان.

7 ـ التدرج في تشريع الصلاة من مثنى مثنى بالغداة والعشي حتى صورتها الأخيرة في المعراج أي بعد أزيد من عقد كامل من البعثة وتأخير التشريعات الأخرى حتى الهجرة وما بعدها ( القتال + الصيام + الزكاة + الحج .. إلخ.)

8 ـ التدرج من العزيمة إلى الرخصة بحسب القوة والضعف ( من وجوب المقاومة على أساس غلبة مؤمن واحد لعشرين محارب إلى أساس غلبة مؤمن واحد لإثنين فحسب).

التدرج في الدعوة :

بدأ بقوله عليه السلام ( قولوا لا إله إلا الله تفلحوا). وظلت المرحلة المكية كلها أي عقدا ونيف قاصرة على عنوانها ( كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة). أي ( البلاغ المبين والصبر الجميل). ولم يؤذن لعبد ولا أمة ممن آمن أن يأبق عن سيده حتى وهو يسام الخسف وفاضت روح سمية وهي تعذب لتكون أول شهيد في الإسلام. وظل هو نفسه ودعوته بأسرها في حماية مشرك بدافع عصبي وهو يعلم ذلك بل إستجار المشركين فأجاروه.

التدرج في الإلتزام :

قال عليه السلام ( إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى). وإضطر بعض الناس في مكة إلى كتمان إسلامهم لشدة الأذى ولم يعلن آخرون ذلك إلا بعد حصول الأمن أي بعد الحديبية وفتح مكة وقبل عليه السلام من القبائل عام الوفود إسلامهم السياسي أي التسليم للدولة والإيمان لمّا يدخل قلوبهم ثم حسن إسلامهم.

لماذا الحديث عن التدرج؟

1 ـ أوضاع كثيرة في أماكن كثيرة إنغمست في وثنيات فكرية أو شبهات مغلظة أو معاصي كبيرة تحميها قوانين ودول حتى إستمرأها الناس وأضحى الحديث فيها غريبا حتى لو أقرّ الناس رشد قولك ( ربا ـ إرتشاء ـ عراء ـ مشاهد شرك ـ خمر ـ مشاهد سحر ـ كذب وإحتيال وأكل أموال الناس بالباطل ..).

2 ـ رسالة الشريعة المتدرجة هي أن ترفقوا بأنفسكم وبالناس من حولكم. هي حكمة إبن عبد العزيز عندما قال لإبنه المتحمس ( أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة). القانون الرياضي هو أن كل قوة لا بد أن تعدلها قوة أخرى مضادة في الإتجاه المعاكس. إكمال الدين لا يعني عدم مراعاة التدرج في تنزيله بحسب فقه المآل نظرا في الحال المرقوب بعد تنفيذ هذا الأمر أو ذاك النهي أن نسقط في منكر أكبر. الفقه : فهم النص الصحيح الصريح  ثم فهم مقصده ثم رسم تصور لمآله من بعد التنفيذ.

3 ـ الإصلاح مهمة الإنسان في الحياة من آدم عليه السلام حتى آخر مخلوق إذ لن يختفي الكفر أو المعصية إلا عندما ينفخ في الصور لطيّ صفحة العمل وبدء صفحة الحساب. أنت حلقة من حلقات لا تحصى. ها قد مات عليه السلام و الإسلام لم يتجاوز شبه الجزيرة العربية. هي طبيعة الإنسان : كائن متقلب متفلت يحتاج إلى تربية طويلة متأنية وليس إلى علم مجرد فحسب بأن هذا حلال وذاك حرام. الداعية الناجح يبدأ بالمادة العظمى أي التوحيد فإذا وقر هذا في الصدور هان ما بعده كله سواء صلح أو لم يصلح وهو في الغالب يصلح.

فلا تذهب نفسك على الناس حسرات لجهلك بسنن الإصلاح وقانون التدرج فتنقم عليهم وربما تكفرهم أو تهجرهم ولك في عمل يونس عليه السلام درس عنوانه : الصبر على الناس حتى لو لم يؤمنوا فالرسالة رسالتي أنا والقلوب بيدي أنا وأنت موظف بأجر. لذاك عوقب النبي يونس في الدنيا ثم نجاه سبحانه بـ(لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).عندنا فقر مدقع في فقه التغيير وسنن الإصلاح ولكم صدق القائل : نقل جبل شاهق من الغرب إلى الشرق أيسر من نقل إنسان واحد من وضع تربوي إلى وضع آخر.

 

                                              (46)

 

الحياء خلق لا تعلّمه الجامعات بل ترضعه صدور الأمهات.

الله حييّ يحب الحياء. كثير منا يقول في سورة البقرة (إن الله لا يستحي). هناك فرق بين بعض الرسم في الكتاب وبعضه في حياتنا المعاصرة. لا ينسب عدم الحياء إليه سبحانه.ميّز بين إستحى و إستحيى. قال عن بنت شعيب (تمشي على إستحياء). تربعت فوق عرش الحياء كما يتربع الملك المظفر فوق عرشه ويستوي فلا ينازعه عليه أحد.

 

 

وحي ينظم الحياة الخاصة والجنسية ولكن بريشة الأدب الدمث الجم.

1 ـ إستخدم كلمة الغائط مرات للدلالة على قضاء الحاجة البشرية والغائط هو المكان المنخفض من الأرض. وإستخدم تعبير (لامستم النساء) بصيغة المفاعلة والمشاركة للدلالة على الإتصال الجنسي المباشر. وكلمة (لا تقربوهن) للدلالة نفسها. وكلمات أخرى مثل المحيض ـ الذي يكون أحيانا إسم موضع ـ والفرج والنكاح.وتعبير آخر جميل جدا (فعلن في أنفسهن) أي تزيّن وتجمّلن. وتعبير (ما طاب لكم من النساء). و (فما إستمتعتم به منهن). و (غير مسافحات ولا متخذات أخدان). و( وأهجروهن في المضاجع) و(إن كنتم جنبا).والتعبير بالرمي أي القذف بالفاحشة. و بالجيوب على فتحات الصدر والتعبير المجمل بالزينة على كل شيء من زينة المرأة خلقيا وخلقيا. وبقوله (عورات النساء) وبلوغ الحلم للأطفال. والتعبير بالتبرج و(لايضربن بأرجلهن) وقوله عن زيد (قضى منها وطرا) وقوله (إن وهبت نفسها للنبي). و (ولو أعجبك حسنهن). و بالنفخ في الفرج و بالظهار في المجادلة إلخ ..وعندما يرغّب في الجنة ونعيمها يتحدث عن شهوة النساء بقوله (وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون) و (حور عين)و(لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان)و(كأنهن الياقوت والمرجان)و (فيهن خيرات حسان)و (كأمثال اللؤلؤ المكنون)و(أبكارا عربا أترابا) إلخ.. عين : جمع عيناء أي واسعة العين. حور: جمع حوراء أي شديدة بياض العين وشديدة سوادها. عربا : جمع عروب أي جميلة يكاد حسنها ينطق فيعرب عن نفسه كما قال الشاعر (أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلما). أترابا : جمع ترب أي ند. وفي الحديث مثل ذلك (هلاّ بكرا تلاعبها وتلاعبك) أو (من إستطاع منكم الباءة فليتزوج) ومن الباءة الأهلية الجنسية. وقوله (إذا جلس بين شعبها الأربع فأجهدها) دلالة على الإيلاج. أو (حتى تذوق عسيلتها وتذوق عسيلتك) أي الإيلاج والإمناء إلخ ..

2 ـ ورد ذلك على العرب فسمعوه وفهموه ولم ينقل إلينا من الأصحاب في ذلك أي سؤال تقريبا ولم يشتك واحد منهم أن هذا لسان غير مبين أو لم يقصر عن التصريح كما نفعل نحن برثاثة وصفاقة وسماجة حتى غدت كلمات فينا شائعة هي النباءة نفسها والبذاءة ذاتها.

3 ـ الوحي بيّن لنا كل شيء في هذا الحقل الذي لا يوطأ منا إلا قليلا بكذبة إسمها الحياء وعندما يتورط في عدم الوطء ذلك إمام مسؤول بعينه لسائل متعيّن بنفسه فهو كتمان علم لا ريب فيه. يمكن الجمع بين البيان وبين الحياء دون أن يشغب الحياء على البيان فيجعل المسألة مبهمة ولا البيان على الحياء ليجعل الريح كريها. قالت الأم العظيمة عائشة (رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من التفقه في الدين).

4 ـ لا بد من إكتساب الفقه الصحيح في هذا الحقل الذي يستحي فيه السائل أن يجهر في ملإ من الناس إلا خلوة بالإمام  أو ظل السؤال معلقا في فيه. سألني ذات يوم من أيام 1982 شاب قائلا أنه يضطر لغسل كل ثوب جامع فيه زوجه حتى لو لم يمسسه من المني شيء وأن ذاك أثقل ظهره بالإنفاق. وسئلت السؤال نفسه ورب الكعبة الأعظم ـ من شاب آخر في الحي نفسه ـ عام 2011. أجبت الأول حزينا قائلا في نفسي : الإسلام في صدر هذا الشاب عبء ثقيل. ولما عاودني السؤال نفسه بعد زهاء ثلاثة عقود كاملة  كان حزني أنكى.

5 ـ في ألمانيا يتعلم الطفل ثقافة جنسية. يهجمون عليه بها وهو غض طري. أذلك خير أم حالنا ـ في جيلي وليس في ثورة الإتصالات ـ ونحن نكبت ذلك بإسم الدين؟ هي مشكلة الوسطية المفقودة. الحل الثالث يظل متروكا إلا قليلا. الحياء خلق عظيم بل هو زينة الإسلام وهو شعبة من الإيمان. الحياء خلق عملي لا نظري بمعنى أن  مصدره ثقافة عملية تنغرس فيك من أيامك الأولى في بيئتك الأولى وليس  مصدره ثقافة قولية. فمن حيي بالحياء في بيئته الأولى ظل حييا مهما طوّحت به دروب الدنيا وهو فاء يوما إلى وليجته كما يفيء الفرس المشدود إليها. ومن حيي منزوع الحياء في البيئة الأولى فما عليه أن يظل كذلك لأن الذنب ذنب بيئته. السنّ شرط في فعالية الحقنة التطعيمية وجدواها.

6 ـ الحياء خلق يعاش ويحيى به المرء ولكنه لا يحكى ولا يقال فإن حكي وقيل ذهب طعمه. الحياء هو لسان الجسد والحال وليس هو لسان المقال. ورأس الحياء الحياء من الله سبحانه وإلا كانت الشخصية مفصومة كمن يقبّل يدي أبويه وهامتهما عند خروجه من البيت فما إن يتوارى عنهما حتى يخرج من جلده الفطري الجبلي الأول تبرجا وتفالة وسماجة. لم تكون المرأة أجمل بحيائها حتى لو تربعت على عرش الجمال؟ لو ترك التعبير لجمالها فحسب سفيرا حتى وهي متدثرة بلباس الستر فهو أبلغ في النفوس ( الذبابية) النهمة الجشعة التي لا تشبع ولو أعلن حياؤها عن نفسه وهي في مثل ذلك الجمال ودثار الستر لكان أبلغ في النفوس (النحلية) التي ترشف رحيقا زائلا فتحوله إلى عسل مصفى فيه شفاء للناس.

سلا نفسيكما : هل أنا (نحلي) الجمال بحيائي أم (ذبابي) الزينة بفقاعتي؟

 

                                                  (47)

هل أتاك حديث الترميز ..

الدين إيمان بالغيب وطاعة بالغيب. الغيب هو لبّ الدين فلا دين بلا غيب إيمانا وطاعة. الترميز هو الإتيان بصورة رمزية أي غير حقيقية وظيفتها الإحالة إلى قيمة أخرى. الأرقام  رموز لأعداد متعينة والحروف والحركات رموز. الترميز بعد من أبعاد التعبير كالإشارات. التعبير بالعبارة وبالإشارة وبالإقتضاء. في الدين حركات رمزية لنا معها موعد.

التيمم رمز.

هل يصدق عاقل أن المسح من الصعيد الطيب ـ سواء كان ترابا أو حجرا أو أي شيء صعد على الأرض ـ يزيل نجاسة أو يطهر بدنا إستعدادا للصلاة؟ أبدا. ولكننا نفعل ذلك. لم؟ لأن الله سبحانه يريد أن يخفف عنا  فلا يكلفنا ما لا نطيق عند عدم الماء بأي وجه ولكنه يريد منا أمرا آخر عنوانه : أختبر طاعتكم لي بالغيب فيما لا تعقلون. إذ لو قال قائل : هذه خرافة. أنّى لي أن أتطهر بصعيد ترابي أو حجري وأنا أعلم أن ذلك لا يزيل نجاسة ـ لمجنب مثلا إذ أن التيمم لصاحب الحدثين الأكبر والأصغر بتعبير الفقهاء ـ؟ هنا لا يسعفك عقلك. ولكن يسعفك إيمانك بالغيب. تقول في نفسك : هو سبحانه أراد التخفيف عني ولكنه يريد إختباري هل أومن به فأطيعه فيما لا يعقل وأنا لا أراه أم لا؟ التيمم إذن رمز للطهارة وليس هو طهارة حقيقية والمقصد منه إختبار الطاعة بالغيب فيما لا نعقل. قيمة أخرى مهمة هنا وهي أنه لا بد لكل شيء من سبب. فإن تخلف الماء الذي هو وسيلة للطهارة فلا بد من سبب يعوضه ليتربى الإنسان على فقه الأسباب. من فقه السبب كان على عمارة الأرض أكثر أهلية. التيمم لغة معناه القصد. يمّم الشيء جعله مقصدا. تيممه : قصده. الجذر اللغوي هو : يمّ. اليم هو قلب الشيء وعادة ما يكون قلب الشيء هو المقصد. التيمم هو التقصد لغة.

التيمم خلق.

لم يشأ لنا سبحانه أن نباشر الصلاة في حال فقد الماء بأي وجه إلا بواسطة سبب لنفقه سنة الأسباب في الكون والحياة والدين.هذا يدفع إلى العمل والكسب ويجفف منابع التواكل والعطالة والبطالة. هناك قيمة أخرى في التيمم عنوانها : هذه فرصة سانحة لتباشروا الأرض التي منها خلقتكم وإليها تعودون ومنها تخرجون. فرصة لتباشروها بأيديكم وتمسحوا منها بوجوهكم. أجل. نمسح على وجوهنا بالتراب. كان يمكن له سبحانه أن يشرّع لنا سببا آخر ولكنه إختار لنا الأرض والتراب. لم؟ لنتربى على خلق التواضع ومعانقة الأرض التي هي أمّنا وهي قبرنا. ربما ننسى الأرض لفرط الحياة في رغد العيش والنعيم الرافل ووفرة الماء ساخنا في الشتاء وباردا في الصيف. لا بأس علينا إذا فقد الماء بأي صورة أن نعود إلى الأرض. أكثرنا اليوم يتيمم ولا حياة في فؤاده لمثل هذه المعاني. الذنب ذنب من؟ ألا ما أروع أن يكون الإنسان كبيرا بالمنظار الدنيوي وفي عيون الناس  مالا وعافية وعصبة وجاها وفجأة يفقد الماء لأي سبب فيلجأ إلى الأرض بها يتطهر. (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا). ما أروع أن يكون مثل هذا مطيعا لربه سبحانه بالغيب وفي أمر لا تكنهه العقول. التيمم هو خلق التواضع معه سبحانه ومع الأرض ومع أنفسنا ومع الناس. لم أر خلقا أبغض عنده سبحانه من خلق الكبر. الكبر أصل كل سرطان نفسي. ويندر ـ بل يستحيل ـ أن تلفى متكبرا على الناس متواضعا لربه أو العكس من باب أولى. هي قيم كبيرة ومعان عظيمة ولكن من يتدبرها؟ لم ألف في حياتي أغذى للعقل وأزكى للنفس من التدبر والتفكر والتأمل والنظر. ألم يمتلئ به الكتاب العزيز إمتلاء عجيبا؟

التيمم يسر.

 الدين هو الإيمان بالغيب والطاعة بالغيب. لم يأمرك عند فقد الماء بتيمم الجبال أو البحار أو أي مكان آخر. بل أمرك بالتطهر حيث أنت. حتى لو كنت في سفينة في يمّ البحر أو كنت في طائرة تمخر بك عباب السحاب أو كنت في سجن ضيق. حيثما كنت فلم يتسنّ لك الماء بأي وجه فالتيمم وسيلتك إلى الصلاة حتى لو كنت على جنابة وحتى لو ظل بك الحال شهورا وسنوات. ضربة واحدة لما تيسر لك من الصعيد ـ دون أن تكلف نفسك قطع المسافات ـ هي كافية لرسغيك وأخرى لوجهك. أفحم إبن حزم أصحاب الأقيسة الفقهية  الجامدة من قبله ممن أوجب ـ أو سنّ ـ التيمم لكل صلاة إذ واجههم بقوله أن  التيمم طهارة ترابية والوضوء والغسل طهارة مائية فما ينقض هذه ينقض تلك وكفى. ثم تمادت تلك الأقيسة الجامدة حتى إبتدعت وجوب تأخير التيمم إلى آخر لحظة قبل الصلاة. الذين يرتبون ذلك يقصدون إمكانية حصول فاقد الماء على الماء. ولكن الجهل جعل من ذلك واجبا تلقّاه الجهلة بالقبول. حزني عميق لا ينقضي على سواد كثيف تلقّى آراء فقهية حسبها أنها صيغت لزمانها ومكانها و في ضوء علل ومقاصد تدور أحكامها عليها وجودا وعدما فإذا جهل الناس ذلك جمدوا على تلك الآراء. 

تلك مدرسة التيمم الرمزية

1 ـ رمز للإيمان بالغيب وللطاعة بالغيب.

2 ـ خلق من خلق التواضع يذكرك بأصلك ومرجعك.

3 ـ مشهد من مشاهد تخفيف وتيسير كثيرة في هذا الدين العجيب.

4 ـ مدرسة تعلّمك فقه السبب لتعمّر به الأرض التي لا تعمّر إلا بالأسباب.

 

                                           (48)

سورة النساء تحتضن أول بند من بنود الدستور الإسلامي.

هو علم المناسبة.أي : لم جاء هذا في هذا السياق وليس في سياق آخر. مثل علم مناسبات النزول. سؤالان لا غنى عنهما  : ما مناسبة هذه الآية إن كانت لها مناسبة؟ وما دلالة تثبيتها هنا في هذا السياق أو في هذا المكان (مكة أو المدينة)؟. أكثر السور المتضمنة لجولات طويلة مع الكافرين (من إسرائيليين ومنافقين ومرتدين ومشركين) هي السور الأولى (البقرة لليهود وآل عمران للنصارى والنساء والمائدة لهم جميعا تقريبا عدا جزء صغير للمرأة والأسرة وأحكام عامة أخرى. ثم سورة الأنعام للمشركين). ثم التوبة للمنافقين. ثم إنداح الكتاب ـ إلا قليلا ـ يعرض قضيته العظمى أي الإقناع العقلي بالله سبحانه متوسلا بالقصة  وبالمثل وبالكون وبأحوال النفس ومشاهد القيامة مثبتا أكبر الحروب التسع في عهده عليه السلام. وفي تلك الأثناء يعرض حجج الذين بدأ بهم أي الكافرين بمختلف ضروبهم كما يعرض للتشريع التعبدي وهو الأندر والتشريع الأخلاقي وهو الأوسع والتشريع المعاملاتي في مختلف شؤون الحياة في صورة كليات ومبادئ فحسب. تلك هي خارطته العامة.

 رسالة الأمة.

للأمة رسالة إنتدبت لها وهي : (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل). السياق يدلنا إلى أن الأمانة التي أمرنا بأدائها إلى أهلها إنما هي : الحكم بين الناس بالعدل.  أمرنا بها بصيغة الأمر لحما ودما (أي بفعل الأمر نفسه = يأمركم). هي الأمانة العظمى المشتقة من الأمانة الأولى (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان). الأمانة صراط : رأسه الأمانة مع الله ألاّ يعبد سواه. وذروته الحكم بين الناس بالعدل. وذيله أداء الأمانة الفردية  كمن إستأمنك على بضاعة. اللسان ومدلولاته طبقات من المعاني مركبة بعضها فوق بعض ولذلك تجد السطحي القشري في فهمه والمقاصدي العميق. المعنى المقصود هنا هو أن نختار منا أخلصنا وأكفانا من الرجال والمؤسسات والقوانين لنقوم بالحكم بين الناس بالعدل. 

 مرجعية الرسالة ومشروعية الدولة وشرعية سلطانها.

تلك الرسالة تحتاج إلى دولة تقوم عليها ولا قوام لدولة عليها إلا بالخضوع إلى التراتبية الدستورية المذكورة بعد الرسالة مباشرة في سورة النساء (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). بعد تحديد مضمون الرسالة (الحكم بين الناس بالحق) عرّفنا بالمؤسسة التي تقوم عليها وهي مؤسسة ثلاثية : رأسها الأول طاعة القرآن الكريم ـ أي محكماته التي هي أمه فلا خلاف عليها ـ ورأسها الثاني طاعة السنة النبوية ـ أي منهاجها الإداري السياسي بتفاصيله المعروفة ـ وعمادها طاعة ولاة الأمر منا. هنا إختلف الأمر فلم يعد لهؤلاء طاعة إبتدائية مطلقة بل جاءت طاعتهم مقيدة ونسبية ومشروطة. مقيدة بطاعة الرأسين الأوليين أي الكتاب والسنة. ونسبية لأنهم قد يختلفون وهناك معالجة لخلافهم كما سيأتي بعد قليل. ومشروطة بكونهم منا نحن وليس من غيرنا. وهي منّية دينية عقدية وليست منّية جغرافية أو عرقية. في البدء كان ولاة الأمر هم الفقهاء والرؤساء في الآن نفسه أي حتى سقوط الخلافة الراشدة. ثم تبدل الحال فولاة الأمر صنفان : صنف يحكم فعليا وليس رجاله فقهاء. وصنف يعلم ويفقه ويفتي ولكنه لا يحكم. فإن إستعان الصنف الأول بالثاني رشد الأمر وإن إستغنى عنه وقعنا في الغي والضياع. الأمر في الإسلام (أي كلمة الأمر في القرآن والسنة) هو الأمر العام أي الأمر السياسي بالتعبير المعاصر. ولا مانع دينا من أن يتولاه الأدنى علما وفقها ولكن بشرط أن يكون الحكم مؤسسة مركبة من أولئك ومن أهل النظر والسداد. فإن كانت المؤسسة السياسية العليا للأمة منضبطة لتلك المرجعية الدستورية العليا أي (طاعة الكتاب وطاعة السنة طاعة مطلقة ثم طاعة ولاة الأمر طاعة مقيدة نسبية مشروطة) فهي ذات سلطان سياسي مدني وأمني ـ أي بالقلم وبالسيف ـ على الناس. وإلاّ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق كما قال عليه السلام.

 مؤسسة معالجة الخلاف أو المحكمة الدستورية العليا بالتعبير المعاصر.

الكون والخلق والإجتماع : ثلاثتهم مبناهم الإختلاف إبتلاء. فإذا نشأ الإختلاف (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) فإن الوحي لم يتركنا سدى بل بيّن لنا سبيل المعالجة وهو سبيل الرد إلى مصدري الطاعة الأوليين أي الكتاب والسنة. السؤال هو : كيف نؤمر بطاعتهما في البدء ثم نختلف فنرد إليهما في الختام؟ أي : كيف نتنازع وقد رضينا بهما حكمين في البدء؟ الجواب مزدوج : إما أننا توهمنا طاعتهما في البداية إذ لمّا عرضت لنا قضية أحيلت إلى ولاة الأمر لم يلتزموا فيها بهما فنشأ النزاع. وإمّا أننا أطعنا منهما المتشابهات وليس المحكمات. الرد العملي لله ولرسوله يعني إحالة الأمر محل التنازع إلى الأمة مجددا ـ سيما من خلال المؤسسة الشورية التي إنتخبتها ـ وهو الأمر المعمول به في  الخلافة الراشدة وهو المعمول به اليوم في كثير من بلدان أروبا. أي رد محل النزاع إلى ممثلي الأمة هناك. ولذلك عندهم المحاكم الدستورية العليا ذات سلطان قضائي مستقل يضمن الوفاء من الدولة ومؤسساتها لروح الحياة العامة (الدستور) فهي تحمي العالمانية أو المسيحية.وتبنّى الشيعة في إيران ذلك بمؤسسة قضائية دستورية عليا لحراسة المذهب.

 لم أدرجت هذه القضية السياسية في سورة النساء؟ النساء ـ مرأة وبيتا ـ علاقتهن حميمية بمثل هذا فإن خضعنا لذلك هدينا وإن قلنا : صوتها عورة وهي نصف الفحل ضللنا ثم أصبحنا عورة بين الأمم حسبنا منهم الذنب (أي الذيل). دعني أذكر  بالأركان الثلاثة :

1 ـ رسالة الأمة هي : الحكم بين الناس بالعدل.

 2 ـ مرجعية الرسالة هي : الطاعة المطلقة لمحكمات القرآن والسنة ثم طاعة ولاة الأمر علما وعملا طاعة مقيدة مشروطة ونسبية.

3 ـ مؤسسة معالجة الخلاف هي : الأمة نفسها بمؤسستها الشورية أو بمحكمتها الدستورية العليا بما يحمي عقيدتها وهويتها من أي تغول محتمل من السلطة السياسية.

                                               (49)

القرآن متناقض..

 إقرأ هذا (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك. قل كل من عند الله. فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا. ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك). متناقض لأنه يقول في السياق نفسه في أوله (قل كل من عند الله) أي : الحسنة من عند الله والسيئة من عند الله كذلك. وفي آخره يقول (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك). ينسب السيئة مرة لله ومرة لصاحبها. إما أن تقنعني بأنه غير متناقض وإما أن تقرّ أنه متناقض أو أن تظل على جهلك فلا أنت مقتنع به بينك وبين نفسك ولا أنت ممن تطمئن قلوبهم بذكر الله.

مبدأ الفقه التوافق.

 فقه التوافق اليوم مصطلح سياسي قح ولا شأن له عندنا بالدين. ربما إختلط الأمر على الإمام الشاطبي فإنتهى إلى أن الشريعة توافقية فسمّى سفره اليتيم (الموافقات في أصول الشريعة). الموافقات هي التوافقات. مبدأ الكون التوافق ومبدأ الخلق التوافق وليست الشريعة إلا من المشكاة ذاتها. التوافق معناه عدم قيام شيء بنفسه لأنه يحتاج إلى غيره لأداء وظيفته. لذلك يتوافق الإنسان بشطريه الرجل والمرأة ويتوافق الزمان بشطريه الليل والنهار وتتوافق الحياة بشطريها الخير والشر. التوافق سنة ماضية تعلن أنه لا إله إلا الله سبحانه فهو  الأحد الصمد الذي ليس كمثله شيء وهو الذي يقوم بنفسه بالقسط لا يوافقه شيء. السنن والأسباب في الكون والخلق والإجتماع هي أخصب ساحة تدرّ الإيمان الصافي. 

من مظاهر التوافق الفقهي.

1 ـ نبدأ بمثالنا هذا أي التوافق بين الأمر القدري الرحماني وبين الأمر الشرعي العملي المشاهد. عندما قال (قل كل من عند الله) هو يتحدث عن عندية قدرية في اللوح المحفوظ أي أن ما أصابك من حسنة ومن سيئة فهو بتقديره سبحانه وبعلمه وبقضائه. قضاؤه سبحانه إلتحام بين مشيئته وبين حكمته فهو يشاء أشياء لا يرضاها ويريد أمورا لا يحبها. يقدرها مشيئة وإرادة لأجل إمضاء أقوى سننه أي الإبتلاء لأن الدنيا دار إبتلاء وليست دار جزاء. ما أصابك من سيئة أو أذى لا يخرج عن ملكه وتدبيره وإلا لما إستأهل أن يكون إلها معبودا بحق. وعندما قال (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) هو يتحدث عن أمره الشرعي المشاهد لا الغيبي أي عن حقيقة ما يقع في الأرض أي عن القدر المكشوف من بعد ما كان قضاء غائبا. ما أصابك من سيئة فهو بسبب كسبك (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس). هو الجزاء المعجّل وله وظيفة الإبتلاء كذلك تأهيلا أو مدّا وإستدراجا. ليس هو بمتناقض إذن. ورود كل شيء في سياقه المناسب يجعل ظاهره متناقضا وهو تناقض ظاهري مقصود منه سبحانه. أغلى قاعدة في فقه الحياة : قانون الإبتلاء يعلو ظهر قانون الإزدواج الذي مخه أن كل شيء خلق زوجين يشتركان في شيء أو مساحة ثم يختلفان في شيء آخر أو مساحة أخرى. فمن توقف بصره هنا قال بمنطق التناقض والصراع أي بمنطق المدرسة الغربية (الشيوعية الماركسية) ومن مدّ بصره إلى الأمام ألفى أن ذلك الإشتراك وذلك الإختلاف لا بد لهما من مساحة ثالثة إسمها مساحة : التكامل. فمن فقه قانون التكامل آمن ومن تنكّبه كفر.

2. النظم القرآني كالبحر يبدو سطحا مائيا هادئا يغري السباحين وعندما يباشرونه فإنهم بحاجة إلى مؤهلات جديدة وعتاد جديد كلما تقدموا في عرضه أو نزلوا إلى عمقه. بحر هادئ وديع ولكنه عميق إذ لا تجتنى لآليه وحليّه إلاّ من بعد لأي وكبد وكدح.

3 ـ الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره ركن من أركان الإيمان. إيماننا بهذا فيه من الغبش الذي فيه. فمن معتقد أن الإنسان مسيّر بالكلية وهو ريشة في مهبّ الريح لا مسؤولية له ولا مسؤولية عليه كما تفشّت عقيدة الإرجاء قديما وحديثا وعنوانها (لا يضرّ مع الإيمان معصية). ومن معتقد أن الإنسان مخيّر بالكلية حتى نفيت أمور بسبب  أنّ العقل البشري الآن ـ في الدنيا ـ لا يكنهها ولا دليل على إستحالتها يوم القيامة. وهنا نشبت المعتزلة الذين إنتصر بهم العباسيون فردوا الصاع صاعين لمخالفيهم. ولما ظهرت الفلسفة الغربية الحديثة نفت الإنسان وجعلته رقيقا من حيث أنها تريد تحريره. نحن اليوم مترددون بين إرجاء ينشر البطالة والمديونيات الباهظة وبين نزعة إعتزالية عقلانية مشطّة تجعل من الإنسان مسؤولا عمّا لا قبل له به وبين فلسفة غربية تعلن موت الإنسان وحياة المادة. ضاعت بين كل ذلك وسطية عقيدة القضاء والقدر وعنوانها : الله مالك الملك كله وحده سبحانه فلا شريك له وهو من إستخلف الإنسان في ملكه إبتلاء ومنحه هامشا واسعا من الحرية يكفيه للقيام بوظائف العبادة والعمارة والعدل ولكن حجب عنه ما لا يعنيه من ذلك ليذكّره أنه مهما علم وجال وصال فهو عصفور صغير في قفص مغلق. حريته الواسعة هي داخل ذلك القفص وليس خارجه. وهي حرية مسؤولة ومقيدة ويوم القيامة يحاسب عنها. فما أصابه من خير أو شر هو إبتلاء بالأساس الأول. ربما يكون جزاء سيئة إقترفها أو إشارة حمراء أن يعود أو تأهيلا أو إستدراجا ومدّا. كل ذلك من عنده سبحانه قدرا ماضيا ولكن لا يعفى الإنسان من المسؤولية ولا تنزع عنه الحرية. هو حرّ حرية مقيدة (حرية عصفور صغير في قفص واسع عريض لا يدرك العصفور ببصره إلا مدّ بصره ولكنه مزوّد بكل ما يحتاجه للقيام بوظيفته). وهو مسؤول عن تلك الحرية التي أكرم بها دون سواه. وهو مسؤول بقدر ما زوّد به فحسب وما أتيح له. فلم يكلّف نفسه ما يشقيها ولا تفقهه؟

من أمارات الرسوخ في العلم طلب مثل هذه المواضع ذات الظاهر المتناقض لحسن فقهها إذ لا فقه إلا لصاحب عقل مركب يعالج به الدين المركب والحياة المركبة.

 

                                               (50)

أفلا يتدبرون القرآن؟

ورد هذا مرتين. مرة في النساء (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا) ومرة في محمد (أم على قلوب أقفالها).كما وردت الدعوة إلى التدبر في مثل قوله في صاد (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته). التدبر مصدر من تدبر. جذره ثلاثي (د ب ر). بمعنى : إتيان الشيء من دبره أي من خلفه أو إتيانه من قدامه نفاذا إلى خلفه ودبره حتى تتسنى دقة فقهه. ضد التدبر هو التسطح وضد الدبر هو السطح أو الظاهر. المعنى إذن جلي وهو دعوة منه سبحانه إلى نفض القرآن الكريم نفضا من أوله إلى آخره ومن سطحه إلى عمقه ومن وجهه إلى دبره لأجل الكشف عما فيه. كان حبر الأمة إبن عباس يقول للأصحاب (ثوروا القرآن). أي إحرثوه وإنفضوه وقلبوه كما تقلب الأرض لتخرج ما في بطنها. ولذا نشأت مدرستان : مدرسة الأثر ومدرسة الرأي. أو مدرسة الظاهر ومدرسة المقاصد. وظهر في الصحابة إبن عمر الميال إلى التضييق وإبن عباس الميال إلى التوسعة وإعمال المقصد. مدح عليه السلام هذا الأخير فقال عنه أنه حبر الأمة وقيل عنه ترجمان القرآن. إذا غلب على إبن عمر العلم والحافظة فهذا يغلب عليه الفقه والإستنباط والتدبر.

أمثلة على التدبر.

1 ـ يؤكد القرآن مرات بشرية محمد عليه السلام. هل تظن أنه يريد إقناع الناس ـ مشركين وغيرهم ـ بذلك؟ أبدا. لأنهم يعلمون يقينا أنه بشر. فما المقصود إذن؟ المقصود هو الحيلولة دون وقوعهم فيما وقع فيه النصارى عندما غفلوا عن بشرية عيسى فألهوه وعبدوه فضلوا.

2 ـ ذكر الوسيلة في القرآن مرتين فحسب ففهمناها لأنه يفسر بعضه بعضا. نيل ما عنده سبحانه لا يكون إلا بوسيلة أي بواسطة (إتقوا الله وإبتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله) و (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة). فمن أراد نيل ما عند ربه سبحانه عليه بذاك معا : التقوى والجهاد والدعاء. كطبيب أشار عليك بوصفة ثلاثية التركيب فإن تناولتها حسب إشارته شفيت بإذنه سبحانه وإن تناولتها بحسب ما تريد أنت فلا شفاء.

3 ـ أخبرنا بأن اليهود والمشركين أشد الناس لنا عداوة وأن أقربهم لنا مودة النصارى. علل ذلك في آخر الآية بعدم الإستكبار حتى لا يطلق الحكم بل يدور مع علته وجودا وعدما. ورد ذلك  مورد الغالب في تلك الأيام فالذي يجعله صحيحا هو وجود العلة أي الإستكبار. فلو إستكبر اليوم غير اليهود أو غير المشركين فهل نعدّل أمرنا لنواجه ذلك بما يناسبه أم نظل مشدودين إلى ما كان زمن التنزيل. وإذا صح ذلك في اليهود ـ وهو صحيح ـ أفلا يصح في المشركين و النصارى. النصارى اليوم أشد علينا من المشركين. التدبر هو رعاية العلة. والقرآن معلل. أحصى إبن القيم فيه ألف موضع ثم تركه لما أيقن أنه معلل كله.

من مفاتيح التدبر.

1 ـ التمكن من لسان العرب بأكثر ما يمكن فهو مفتاح الفهم قطعا.

2 ـ الإنتقال بالتصور إلى بيئة التنزيل قدر الإمكان لطي المسافة الطويلة التي يمكن أن تشغب على حسن الفهم أي محاولة إستعادة المشهد التاريخي المعيش يومها.

3 ـ حسن فقه الرسالة الإسلامية بعمق وجماع فمن فقد العنوان الأكبر لن يصل إلى مبتغاه حتى لو تحصل على مليون عنوان فرعي كمن عنده إسم زقاق وعدد المنزل في بلاد أروبية فلن يصل مبتغاه حتى يتحصل على إسم المدينة لأن الأزقة التي تحمل الإسم ذاته بالآلاف.

4 ـ الإحاطة بعلوم أخرى مهمة من مثل المكي والمدني والمحكم والمتشابه والمطلق والمقيد والعام والخاص والمجمل والمفصل والظاهر والنص والناسخ والمنسوخ ومناسبة النزول...

5 ـ الجمع في عملية التدبر بين المثلث الفقهي بتكامل ( حسن فقه النص وحسن فقه مقصده وحسن فقه مآله عند التنزيل أي التنفيذ). فإن تخلفت حلقة واحدة فسد المشهد كله.

6 ـ التركيز على السياق وعدم الإنحباس فيه معا. السياق حمال من حمالات الفهم ولكن الإنحباس فيه يهدم قاعدة فقهية عظيمة ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب).

7 ـ الجمع بين الفهم الموضعي للكلمة والآية والسورة وبين الفهم الموضوعي للقضية. والجمع بين الفهم الظاهري وبين الفهم المقاصدي. وبين موضوع السورة الأم وبين الرسالة العامة للقرآن أو للقضية محل المعالجة. أي القطع مع التجزئة والإبتسار قطعا كاملا.

8 ـ مراعاة الفواصل في الآيات ودلالاتها لأنها تعين بنسبة كبيرة على حسن فهم المعنى وكذلك على اللهجة المستخدمة هل هي ترغيب أم ترهيب أم تقرير أم إخبار وهل هي حادة أم لينة أي الإتجاه العام للسياق والسورة ومعالجة القضية لتعرف درجتها.

9 ـ إعتماد قانون : القرآن يفسر بعضه بعضا وما ندّ عن ذلك تفسره السنة الصحيحة أو السيرة الصحيحة وما ندّ عن ذلك يفسر بعمل الصحابة سيما لو إجتمعوا. وعادة لا تندّ أي قضية عن ذلك المثلث ( القرآن والسنة والسيرة منها وعمل الصحابة بما يشبه الإجماع).

10 ـ الإستعانة على حسن الفقه بمعافسة الواقع وفهم أحوال الناس وكذا بدراسة التاريخ دراسة جادة فهو يعيد نفسه في الأعم الأغلب ولكن بتبدل الزمان والمكان والأبطال.

وإلى لقاء متجدد مع الجزء الثاني من سلسلة (فهل من مدّكر) أي من الحلقة 51 حتى تمام المائة بحوله سبحانه.

 

 

 

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.