.

.

نهضة المهجر والداخل: وجهة نظر خاصة

بتاريخ : 2016-05-24 الساعة : 13:31:15

اسم الكاتب : طه البعزاوي     التصنيف : الكلمة الحرّة     عدد القراء : 5756




منذ بداية تسعينات القرن الماضي  وتحول حركة النهضة  إلى حركة مُهجّرة بسبب ما تعرضت له من حملة بوليسية شاملة قصد استئصالها كليّا واجتثاث تنظيمها في الداخل اجتثاثا تامّا، كان الرأي لديّ أن المهجر ليس هو الحركة مهما علا شأنه، ورغم الظروف التي جعلته أو فرضت عليه أن أن يقوم مقامها.

كان الرأي لديّ أن الحركة هي أساسا أبناءها المساجين، والمحاصرين في الداخل. وتلك هي الرسالة التي يجب أن يعلمها منّا "بن عليّ" وزبانيته  حتى لا يعتقدوا أنهم انتصروا علينا وهزمونا إلى الأبد، وشرّدونا أشخاصا وتنظيما.
فنيابة المهجر عن الحركة هي  ظرف طارئ، وعلى المهجر أن يعمل على خطين متوازيين أحدهما التوطين والإستقرار لعناصره في الغربة حتى لا تتدمر حياتهم وحياة أطفالهم مرتين! والخط الثاني  حمل المشعل  ـ مؤقتا ـ حتى يهيئ الله أسباب تسليمه لأهله، وأهله هم أهل الداخل فلا معنى لحركة تبقى مهجرة أبد الدهر. وقد كان ذالك هدفا استراتيجيا من أهداف المهجر/ الحركة "العودة بالصحوة والحركة للبلاد"!

 ويجب أن لا يكون من مصلحة أحد في المهجر ـ من القيادة أو من الصف ـ  أن يستمر الوضع على ما هو عليه! ... أفلح المهجر عموما ـ وبأقدار قد نختلف في تقييمها ـ في الحفاظ على جذوة الحركة مشتعلة ومتربصة للاندلاع، كما أفلح ـ وبأقدار أيضا ـ في الدعم المادي والمعنوي للداخل، وقام بدور إعلامي محمود من أجل التشهير بالمظالم وفضح الجلاد وتعرية كذبة "دولة المؤسسات" وكشفها على حقيقتها بأنها دولة "المافيات".

وقبل سقوط "بن عليّ" في ثورة لم يخطط لها أحد ـ كما يُروّج ـ رغم أن كثيرين بشّروا بها ولاحظوا إرهاصاتها، و"كفروا*" بذورها تحت التراب منتظرين الغيث، الذي نزل برحمة من الله وفضله في لحظة قدّرها وأرادها دون أن يُطلع عليها "الكفّار*" بالتعبير القرآني الوارد في سورة الفتح!

بعض الأخوة "التنظيميين" كانوا يردّون على زعمي بأن "الحركة ليست هي المهجر" بقولهم إنه "يقوم مقام الحركة أي جزء أو أي جهة سلِمت من الاستئصال، وإنه على افتراض سلامة التنظيم في أي جهة من جهات البلاد أو أي منطقة فإن ذلك الجزء الصغير يصبح هو الحركة إلى أن تتمكن الحركة من الانتشار  مجددا"... وهو ما انطبق على المهجر أو المهاجر المنتشرة شرق الكرة الأرضية وغربها حسب رأيهم.


وهو كلام منطقي ومعقول، ولكن طول المحنة وقيام المهجر على دوره السياسي والحقوقي ووقوفه من الخارج شوكة في حلق الجلاد تفضحه حيثما اتجه وتكشف كذبه وزيف شعاراته أحرجه أيما إحراج فخفف قبضته على الداخل ـ نسبيّا ـ مما شجع على إعادة بناء التنظيم والشروع في محاولة لإعادة توطين الحركة مجددا!
وفي الوقت ذاته كثف  نظام "بن عليّ" محاولاته لاجتثاث "نهضة المهجر" وتخذيلها بأساليب بوليسية مخابراتية قذرة، قد آتت أكلها للأسف مع بعض ممن يمكن وصفهم بالنخبة، فضلا عن بعض أبناء الصف!
ثم استمرت حملة التخذيل بمعاول "النظام"  تسندها معاول من سقط في مكره، الذين طُلب منهم أن يروجوا "لمنّة" الخلاص الفردي مقابل لعن الماضي والتبرؤ من الحركة وإعلان الاستقالة منها والإشادة بمنجزات "النظام" في المجالات الإقتصادية والاجتماعية وغيرها، والسكوت عن مظالمه فضلا عن الاحتجاج عليها أو المشاركة في تظاهر قانوني  ببلدان الإقامة ضدّها. ولكن الله سلم وعجّل بالفرج والنصر بعد أن دبّ اليأس في قلوب كثيرين!

ولما عادت الحركة لأرضها واجتمع مهجرها بداخلها تبيّن أن هناك تباين في التفكير والتقييم، الذي من المفترض أن يكون عاملا للإثراء أصبح ـ للأسف ـ عاملا للفرز والتصنيف "منّا ومنهم" ووقع أبناء الحركة بشقيها في كثير مما حاول نظام بن عليّ أن يوقعهم فيه دون جدوى!

ومن مظاهر ذلك أن أبناء المهجر سمعوا في المؤتمر التاسع للحركة  ما يكرهون وأحس بعضهم ـ وأنا منهم ـ بأنهم يحاكمون، فقد صوّرهم بعض المتدخلين من إخوان الداخل أنهم كانوا يرفلون في النعيم ولم يكونوا ليهتموا بمعاناة إخوانهم وهي أكبر فرية كان يروجها إعلام بن عليّ ومخابراته، وذلك دون أن يتدخل أحد من "الكبار" ليردّ هذا الإفتراء أو يهدئ الخواطر.

ثم تواصل التباين واختلاف وجهات النظر بعضه في العلن وبعضه في الزوايا المظلمة!
وكلما حدثت مناسبة إلا وظهرت بوادر الإختلاف، بدا ذلك في تجربة الحكم أو حتى في الإعداد للمؤتمر العاشر  وما انجرّ عنه من نتائج!

فكثير من أبناء المهجر يحسون أنهم ظلموا  ولم ينالوا حقهم خاصة في انتخابات مجلس الشورى الذى كان نصيبهم منه زهيدا مقارنة بعددهم أو بدورهم، فهم قريبو عهد بكونهم هم الحركة لسنين عديدة وهم المكتب التنفيذي وهم الشورى كلها! ... وربّما فاتهم أن كثيرا ممن مؤثثي المؤتمر والمنتخِبين لم يعيشوا المحنة ولم يعرفوا رموز المرحلة السابقة، وذلك لا يعيبهم طبعا! ... فلكل مرحلة رجالها.

لست هنا بصدد تقصي الخلاف وأفضال كل من المهجر والداخل على الآخر، مع قناعتي بأن المُهجّرين لم يختاروا أن يكونوا مهجرا وأن أبناء الداخل لم يختاروا أن يكونوا "داخلا" وإنما قدر الله هو الذي يسّر كل لما يُسر إليه ووضع كل في المكان الذي أراده له وقدّره، ولكل فضله دون أن ينقص من فضل الآخر شيئا، فلولا الصمود البطولي لأبناء الداخل ما بقي مبرر لبقاء النهضة في المهجر، ولو لا تحمل أبناء المهجر للأمانة ـ على ثقلها ـ لاستفرد الجلاد بالداخل.
 والرأي عندي أن أبناء النهضة هم أبناء النهضة في الداخل كانوا أم في الخارج! لا تصح المفاضلة بينهم ولا تستقيم كما لا تصح المفاضلة بين أبناء الجهات المختلفة أو المهاجر المختلفة بالجملة دون تفصيل! (الباهي وما دونه في كل بلاصة)

وإذا سلمنا بأن التهجير مقابل السجن والحصار نعمة عظيمة فإنه يجدر التنويه بأن الحالين فتنة، وأن الذين سقطوا في "فتنة الخير" أكثر من الذين سقطوا في "فتنة الشرّ" والله أعلم بهؤلاء وأولائك وهو حسيبهم.

ولكني إذا قيّمت تقييما ـ غير محايد ـ بصفتي محسوب على المهجر فإنني أرى أن كثيرا من مواضيع الخلاف بين الداخل والمهجر مردّها إلى أن أبناء الداخل ـ في الأغلب الأعم ـ ينظرون إليها بعين الداخل المعزول عن الخارج ومؤثراته كأن تونس جزيرة معزولة عن محيطها والعالم وهو أمر متوقع.

 في حين أن أغلب أبناء المهجر ينظرون للصورة بعيون المَهاجر المختلفة ويرونها من كل جوانبها لأن سنين هجرتهم الطويلة أكسبتهم شيئا من الاطلاع والخبرة بمراكز النفوذ الخارجي وكيف تدير عالمنا "المستضعف" بأجهزة التحكم عن بعد!  وما الذي تسمح هذه القوى بمروره وما الذي تدمّره في مهده، وكيف تُصنع المواقف السياسية ومن يؤثر فيها وكيف يتناولها إعلامهم أو يصنعها! وما هو الخطاب المقبول وما هو الخطاب المثير والمرفوض! ... ولا يمكن أن نفقه واقعنا ما لم نفهم عالمنا!

أعتقد أن هذا هو مدار الخلاف الظاهر  وهذا مجاله دون  أن ننفي أحيانا تأثير هوى الأنفس والأنا المتضخّمة عند هذا "السجين" أو ذاك "المهاجر"!  وما الله أعلم به من صاحب هذه الكلمات المتسرعة!

 مع ملاحظة أن من أبناء الداخل من له نفس نظرة أبناء المهجر والعكس كذلك!

والرأي عندي حاليّا أن يقبل المهجر بالعودة  إلى وضعه الطبيعي أي وضع المُهَاجِرين وليس المُهَجَّرين وعليه أن يعكف على معالجة أوضاعه الداخلية فيصلح ما ترهل منها، وعليه أن يتخفف من "طاحونة" التنظيم بشكلها القديم التي تثقله وتكبّله وتكلفه الجهود المضنية والأموال الطائلة مع المردود الزهيد!


وقد وجب تغيير وسائل العمل والسعي لتكوين لوبيات في المجالات المختلفة والعمل مع بقية أبناء الجالية لخدمة تونس ومن ورائها النهضة وليس العكس!
في تقديري أبناء النهضه لهم الآن الخبرة والتجربة لمراكمة جهودهم في هذا الباب متخففين من الأعباء التنظيمة والواجبات الحركية، وعليهم أن يبحثوا عن سبل الفعل والتأثير  بدل انتظار منصب أو موقع في هرم الحزب أو سلمّه.
وعلى أبناء النهضة أن يستفيدوا من منافسيهم حتى لا أقول خصومهم الذين يفرّخون الجمعيات كالفقاقيع حتى أنك تجد أحدهم "لوبيا" بمفرده!

الملخص، تحديات المرحلة القادمة لا تقلّ عن تحديات المراحل الماضية ولكن طبيعتها مختلفة، ومن طمع في الراحة أو قبض ثمن نضالات المرحلة الماضية فليذكر نهاية الحصار الذي ضربته أحزاب الشرك على المدينة وما لحقه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه المرهقين ولتكن له في ذلك الموقف عظة وعبرة:
 
"من كان يؤمن بالله و اليوم الاخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة"!
والله ولي التوفيق
 والسلام

ــــــــــــــــــــــــــــــ
* زرعوا /  الزُّرّاعْ

طه البعزاوي
24 ماي 2016



 

مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 


الاسم : فتحي نصري

14-06-2016 12:34:03

التعليق:

أخي الكريم طه الموضوع لم يعد بعد المؤتمر العاشر مهجر و داخل ، لقد أصبح لكم نهضتكم و لنا مشروعنا تحياتي أخي طه و شوقي الى سواكك الحار


الاسم : رضا

27-05-2016 08:06:04

التعليق:

قرأت مقال الأستاذ طه البعزاوي و اعتقد أن نظام بن علي رحل بدون رجعة و ان المهاجرين لهم الحق في  الدخول لبلدهم تونس التي تطهرت بفضل الله و بفضل الثورة من أزلام النظام الفاسد و هم حسب رأيي لا يمثلون هؤلاء المهاجرين و ليس المهجرين  اي خطر على البلاد بل على العكس أرى ان تونس اليوم  بحاجة  لهم قبل اي وقت مضى و حركتهم تفتح لهم ذراعيها و مثلما أشرت في مقالك الرائع : نهضة المهجر و الداخل

هذا قدر الله وهو الذي يسّر كل لما يُسر إليه و وضع كل في المكان الذي أراده له وقدّره، ولكل فضله دون أن ينقص من فضل الآخر شيئا، فلولا الصمود البطولي لأبناء الداخل ما بقي مبرر لبقاء النهضة في المهجر و هذه بين ظفرين وجهة نظرك  ....

و لكن الآن " النهضة " عزيزة مكرمة في بلدها تونس .

مع وافر تحياتي أخوك  رضا


الاسم : ابواسامة

24-05-2016 15:21:07

التعليق:

الاستنتاج الاخير جيد جدا وقد سبق ان طرحت هذه الرؤيا على جمعية الزيتونة كحل للخروج من السلبية التي تعيشها فقد اصبحت الحركة كما ذكرتم عبئا تحمله الجمعيات الاوروبية خاصة وكان من الاولى و الانفع للبلاد و العباد ان تنكب الجمعيات على تكوين ابنائها وتوفير حاجياتهم المهجرية وتكوين إطارات عليا تحتاجها الحركة فعلا وليس اللهاث وراء اوامر الحركة بالداخل وعلى كل فان المسألة تتعلق بالوسائل في حين ان المقاصد واحدة والله اعلم 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.