.

.

العدالة الانتقالية والحطام البشري

بتاريخ : 2016-11-18 الساعة : 03:10:52

اسم الكاتب : طه البعزاوي     التصنيف : الكلمة الحرّة     عدد القراء : 3835




 

منذ ثلاث سنوات أو يزيد كانت فكرة هذا المقال ومنذ  ذلك الوقت وعنوانه مخزّن في الذاكرة بعد أن كُتب في شكل تفاعل مع بعض الأصدقاء في المنتديات الإجتماعية، ولكن كلماته لم  ترسم بسبب التردد والكسل وربّما اليأس من قدرة المؤسسة الدستورية ـ "هيأة الحقيقة والكرامة" ـ على ما أوكل لها من أمر تحقيق العدالة الانتقالية لعدة أسباب، منها أن "الهيأة" تواجه تيارات عاتية داخلية وخارجية، وهيّ منزوعة "الأنياب والمخالب". والتجربة أثبتت أن أي مؤسسة ليست لها سلطة تحميها  تبقى قراراتها حبرا على ورق!

 فكيف بمؤسة مطلوب منها أن تحقق العدالة ضدّ "أنياب ومخالب" أعملت في جسد الوطن وأبناءه فأنهكتهم بالجراح ولم تعترف أو تعتذر ولا يتوقع منها ذلك في ظل الاختلال القائم لموازين القوى.

واليوم حرّكت "هيأة الحقيقة والكرامة" العزم مجددا  على الكتابة في الموضوع تزامنا مع الخطوة المهمة في تاريخ تونس وثورتها، وهي الشروع في جلسات الإستماع العلني لضحايا الإستبداد. هيّ خطوة نأمل أن تكون في الطريق السليم وأن تساهم في دفع المسار الثوري  وتحقق بعض من أهدافها في إبقاء الأمل وإيقاظ جذوة النضال ضد الاستبداد والتحفز من إمكانية عودتة.

من هم أعداء العدالة الانتقالية؟
أعداء العدالة الانتقالية قسمان رئيسيان أولها هو الطرف الأساسي في القضية أي هم الأشخاص الذين تسلحوا بالسلطة ومارسوا شتى أنواع التنكيل على المخالفين وأصحاب الرأي المعارض. وهؤلاء أنفسهم أقسام عديدة موزعة على قطاعات مختلفة في الأمن بألوانه وأشكاله وفي الحزب الحاكم سابقا وشعبه ولجان يقظته وفي الوزارات ومؤسسات الدولة وفي المدارس والمعاهد والجامعات وحتى المستشفيات ...إلخ.

وأما القسم الثاني من أعداء العدالة الانتقالية فهم مجموعة من السماسرة المندسين في الأحزاب المجهرية وبعض الجمعيات "العنصرية" الذين يغيضهم أن تعترف الدولة بما ارتكب فيها من جرائم وأن تتم محاسبة الظلمة وتعويض من بقي من الضحايا، مادام أغلب الضحايا من تيّار يمكرون به بالليل والنهار ويعملون على استئصاله،  ولذلك رأيناهم في السابق يباركون حملات شواء اللحم البشري واليوم ينددون بإحقاق الحق، ويرفعون زورا وبهتانا شعار "بقدّاش كيلو النضال" ويكذبون بلا خجل ويختلقون أساطير بلا استحياء ويزعمون أن أموالا طائلة رصدت لتعويض الضحايا من خزينة الدولة كفيلة بحل مشكل البطالة ومشاكل البلاد الاقتصادية! في حين أن كثيرا ممن طحنتهم  "مكينة" الاستبداد سنوات الجمر مازالوا يعانون ويموتون لأنهم لا يجدون ثمن العلاج من عاهات غرسها في أبدانهم الجلاد!

بقدّاش كيلو النضال؟
لا يشكّ عاقل في أن الذين رفعوا هذا الشعار قد أصابهم الحقد الإيديولوجي الأعمى بعمى الألوان وشوّه إنسانيتهم فجعلهم يرفعون شعارا بائسا ومخادعا، أرادوا به أن الذين قاوموا الاستبداد إنما قاوموه ليقبضوا ثمن نضالهم وهو كلام مهزوز وسخيف لأن الذين ناضلوا لم يكونوا يعلمون ما سيكون من قادم أيامهم، أيكونون في السجون أم في المقابر أم في السلطة.

 ولكن والحال أن الله قد وفق في الإطاحة بالظالم ومازال عدد كبير من ضحاياه يعاني القهر ويتجرع الويلات لماذا يمنعون الدولة من تحقيق بعض العدل ويستكثرون على الضحايا أن يصلح بعض حالهم ويساعدوا "شيئا" ما على التعافي من آثار المحنة والتنكيل والهرسلة؟ وهل مطلوب من الدولة أن تواصل التنكيل بالمناضلين وحرمانهم من الحق في العيش الكريم والتداوي وغير ذلك من الحقوق الأساسية لكل إنسان؟
 وإذا أصلحت الدولة أخطاء فهل معنى ذلك أنها تدفع "ثمن النضال"؟

نضرب على ذلك مثلا: مواطنان كلاهما من وسط إجتماعي فقير أحدهما اليوم من جماعة "بقدّاش كيلو النضال" والآخر من الضحايا الذين يجدر بالدولة أن تعوّضهم كانا في نفس المرحلة الجامعية، الأول أكمل مشواره العلمي فأصبح أستاذا أو قاضيا أو محاميا يعيش حياة مستقرة وأهدافه وآماله متحققة إلى حدّ بعيد، وأما الثاني فقد قطع الاستبداد طريقه فقبض عليه وألقى به في السجن سنين عددا فخرج منه بعاهات وتشوهات بدنية ونفسية فهو يعيش اليوم الفقر والخصاصة واليأس فهل هذا من العدل؟
هذا فضلا عن أن يكون الشخص الأول متسببا في سجن الثاني أو  دالاّ عليه أو مشجعا على قهره أو صامتا على مظلمته!


ثمّ إنّ الذين ينكرون على الدولة أن تعترف لضحاياها وتعوضهم شيئا عن ظلمها هم في الغالب من المعششين في مفاصل الدولة كالسوس والذين حلبوا ضرعها حتى أدموه ونالوا من المال العام تحت مسميات عددا وقبضوا أموالا طائلة من الخارج تحت مسميات من قبيل "دعم العمل النسائي في العالم الثالث" أو "دعم الثقافة والفنّ" أو"دعم حقوق الإنسان" أو"دعم الإعلام المستقل" أو"دعم الديمقراطية"  وغيرها من العناوين التي لم تكن في الغالب الأعم تتطابق مع الحقيقة هذا فضلا عن الأموال التي ضخت من قبل أعداء الثورة في الخارج من بني خلفان ونهيان وطهران وبشار والسيسي وحفتر راحت إلي حسابات عدد من أصحاب الشعار الممجوج آنف الذكر!

هل للنضال من ثمن؟
المناضلون الشرفاء قاوموا الاستبداد بصدور عارية وأكف فارغة أصالة عن أنفسهم الأبية ونيابة عن أهلهم وشعبهم، لم يكن لهم من أمل غير أن يتنسموا الحرية ويعيشوا في بلد يملك أهله قرارهم بأيديهم، أحرار في تولية هذا وعزل ذاك!
لم يطمعوا في مال ولا منح بل على العكس من ذلك بذلوا من صحتهم وجهدهم ووقتهم ومالهم وقوت عيالهم الكثير حتى ينعم الجميع بالحرية.
وإنه إن وجد اليوم من نادى بتعويض الضحايا أو من طالب من الضحايا بتعويض فإن الأصل أن جرائم الإستبداد لا يمكن أن تُعوض والإعتداء على الكرامة لا يمحى وإن أقل إعتداء على الكرامة لا تمحوه أموال الدنيا!

سجين يأتيه والده المسن  بالقفّة فيقف أمام السجن الساعات الطوال ثم يتعرّض للإهانة من قبل أعوان السجون بل والضرب "بالمتراك" كي يقف في الصف صامتا ويُسمع من السب والبذاءة أقذعها (وأقسم بالله أن ذلك حصل) ثم يغادر ذلك السجين سجنه لسجن أوسع فيجد أن والده فارق الحياة كمدا وقهرا، هل يمكن تعويضه بمال  الدنيا؟
 
هي قصص كثيرة يشيب من هولها الولدان ولا يمكن أن تحصى أو تجمع في مقال أو ديوان، ورغم أن بعض المساجين السابقين أو زوجاتهم قد دوّنوا للتاريخ بعض تلك المشاهد المرعبة والمروعية التي يصعب تصديقها ممن لم  يعايش الواقع أويكن قريبا منه!

تونس عاشت سنوات عجاف انتصر فيها الظالم الجبان فعمت الأحزان والأشجان ودمّر الإنسان تدميرا، دُمّر الإنسان الظالم بتحويله إلى وحش كاسر لا يرقب في الناس إلاّ ولا ذمة ولا يراعي الله في أفعاله ولا يحترم قانونا ولا دستورا ولا مواثيق دولية معلّقة باستخفاف في غرف التعذيب،  ودمر المظلومون وأهاليهم تدميرا لم يستثن حتى الأطفال والرضّع والشيوخ الركّع!

هذا جزء من تاريخنا القريب جدّا الذي يُشيد به بعضنا اليوم دون أن يُجرّم. هو تاريخ أسود يجب أن نقطع معه بتحمل الدولة مسؤوليتها أمام الضحايا، وبمحاسبة الظالمين مهما كانت مواقعهم. يجب أن يمثلوا أما الشعب ويعترفوا بجرائمهم ويطلبوا العفو والصفح من الضحايا ومن الله!  وعلى ذلك يجب أن تتكاتف جهود الصادقين المحبين لوطنهم المؤملين في غد أفضل لأبنائهم وأحفادهم!
وما لم يحدث ذلك ستكون المعالجات قشرية كمن يداوي "جرب البعير بالطلي فوق الوبر"!

بعض من ضحايا الاستبداد لم يذكرهم أحد!
الحق أن هذا القسم هو الدافع الحقيقي لكتابة هذا المقال وهنا أتحدث عن مجموعة من الأخوات أغلبهن كنّ طالبات أعرفهنّ معرفة شخصية وتربطني بهنّ علاقات أخوية متينة، سأذكر بعضهن بعجالة وأركز على نقطة  واحدة أساسية، وهي تدمير الحياة العاطفية أو بناء أسرة،  وسأستعمل أسماء رمزية حفظا لكرامتهن وأذكر بعضا من قصصهن بإيجاز  مع الاعتذار المسبّق لهن.


(هادية) طالبة ناشطة جدا حيِّية وخلوقة تدرس في السنة الثالثة لا أعرف إن كان لها علاقة مشروع زواج أم لا ولكن ما أعرفه أنه تتوفّر فيها كل صفات الزوجة المميزة التي يتمناها أي شاب محترم مقبل على الزواج، كنت أيام الجامعة أمازحها وأقول لها أنتم لا يمكن "لبرّاني" أن يتزوج من مدينتكم فأنتم تغالون في المهر وتشترطون "غربال ذهب" فتضحك وتقول نعم هذا من عادات البلد ولكننا نحن الإسلاميين قد غيّرنا كثير من هذه العادات!

سجنت المسكينة دون أن تقترف ذنبا غير  ما تحمله من رأي مخالف لرأي السجان نُكّل بها أشد التنكيل في السجن واعتدي عليها وعلى أنوثتها من قبل منحرفات مساجين الحق العام سُلّطن عليها، انكسرت نفس المسكينة ونكّل بها وبكل اسرتها، وخرجت من السجن كتلة مدمّرة!

زرت  الجامعة سنة 2012 ـ تقريبا ـ لأقابل أحد الإخوة ممن عاد للدراسة والبحث العلمي دخلت المكتبة فرأيت "طالبة" (امرأة/سيّدة) منكبّة على كرّاسها تخط فيه أسطرا تنقلها من كتاب!
تمعّنت في ملامحها! كأنني أعرفها ثم حضرت صورت (هادية) مما بقي من بعض ملامحها المخزّنة جيدا في الذاكرة! تقدمت منها مرتبكا ... سلّمت ثم سألت "ألست أنت (هادية ....)؟ رفعت عينين ذابلتين مكسورتين وقالت بصوت منخفض جدا وفيه نبرة واضحة من الألم "نعم وأنت؟ ذكّرتها وأحسب أنها تذكرت ( والله أعلم)!

سألتها عن أحوالها وسألتني، كان اللقاء قصيرا وموجزا ولكنه ترك في نفسي جرحا غائرا لا يندمل خاصة بعد ما عرفت جزءا من قصتها وعرفت أنها إحدى الشخصيات التي تناولها المخرج المبدع المنصف بربوش في فلم صراع وهو ما أسره لي بنفسه حين أجريت معه حوارا نشر في الحوار نت!

وجدتها تدرس في نفس السنة الدراسية التي انقطعت منها تعسفيا قبل أكثر من عشرين سنة!
لم تتزوج  ولا أمل لها في زواج! وجدتني للحظات أقف أمام حطام وركام لإنسانة كانت تنبع حيوية وثقة، ثم لم أتمالك نفسي ففررت من أمامها وفي القلب غصة وحسرة وألما ونقمة!!
فهل لأسطر موجزة أن تجسد معاناة هذه الأخت الفاضلة وهل لمال الدنيا أن يعوّض هذه الأخت كرامتها المهدورة وإنسانيتها المحطمة وحرمانها من الزواج ومن كلمة "ماما"؟؟


(كريمة) طالبة شعلة من النشاط الطلابي والعمل الإجتماعي، ذات خلق وحياء وأدب، أغلب أشقائها  مناضلين ومقاومين للظلم، فرّق الاستبداد بينها وبين الطالب الذي أحبّته وتعاهدا على الزواج، فقدت كل أثر له، وانقطعت أخباره عنها، تتصل بكل من لها به علاقة خارج البلاد ليساعدوها في البحث إن كان من المهجرين، ولكن تبوء كل المحاولات بالفشل، وتيأس المسكينة فتقبل بزوج لم تكن لترضاه لو لا ما جناه عليها الاستبداد ثم يفشل الزواج  وتتزوّج ثانية من أرملٍ له أولاد تعيش معه مقطعة القلب راضية بقدر الله صابرة محتسبة حتى تقوم الثورة ويسقط الطاغية ويظهر الشخص الذي أحبّته وقد ظل متحصنا بالفرار عشرين سنة  لم يتزوّج بعد وهو أيضا من خيرة من عرفت ... ويتعمّق الألم!
فهل يمكن لعدالة الأرض أن تعوّض هذه السيدة بمال الدنيا، وذاك الشاب المغدور في شبابه؟

(السّيْدة م) طالبة ناشطة وزهرة يافعة كان لها مشروع زواج، لكن خطيبها فرّ إلى بلد أوروبي وحصل على اللجوء هناك، طلب منها أن تلتحق به ولكن والدها ـ رحمه الله ـ رفض رفضا قاطعا، امتثلت لرغبة والدها برّا وطاعة واحتسبت أمرها لله!
 مرّت سنوات وحالها على ما هو عليه حتى وجدت نفسها مجبرة على خوض مشروع زواج مع شخص لا تشترك معه في الميول والإهتمامات، ولكنها أرادت أن يكون لها أسرة، حاولت أن تصبر وتترفق به وتغيّره بلطف علّ الله يصلح حاله فيصبح على الأقل من المحافظين على الصلاة ولكنها لم تنجح في مرادها كما أرادت، أحست بالإرهاق وحين اختارت الانفصال عن زوجها اكتُشف أنه مصاب بمرض  عضال فعادت لبيت الزوجية وقامت على رعايته في مرضه، ولكن المرض لم يمهله طويلا، رحمه الله! ... ترمّلت في عزّ شبابها، وبقيت تذكر من زوجها المرحوم محاسنه!


هي من أخواتي المقرّبات قابلتها في المؤتمر التاسع لحركة النهضة بعد أكثر من عشرين سنة من عدم اللقاء سألتها إن كانت مؤتمرة فردّت بابتسامتها العادية "أنا مهمتي خدمة المؤتمرين" وحدثتني عن بعض من قصتها وحالها ثم استمر التواصل!
وحين نشرتُ مرة صورة لي مع أبنائي صارحتني بأن الصورة قد حرّكت فيها ما اعتقدت أنه مات إلى الأبد وهو الحنين إلى كلمة "ماما"!
هي الآن مبتلاة بمرض خبيث وهي صابرة ومحتسبة وتسألنا الدعاء لها بالصحة والعافية!
فأي تعويض يمكن أن يعوض (السّيْدة) عن إفشال مشروع زواجها قسرا بسبب الإستبداد وعن حرمانها من أن تكون أمّا؟؟


(زبيدة) طالبة مشهورة في الجامعة أكثر من طالب حاول التقرب منها ونوى أن يتقدم إليها خاطبا ولكنها ـ بعد ترحال ـ اختارت شخصا بعينه أحبته وأحبها واتفقا على الزواج خاصة أنهما من نفس المدينة وأنه من عائلة ميسورة ولكنه كان "مشاغبا" جدا وكان الطلب في إثره شديدا وأقرب الأهداف التي يمكن أن توصلهم إليه هي "خطيبته" التي يعرفونها جيدا ويعرفون علاقتها به،  اقتادوها للتحقيق مرارا ومارسوا عليها التعذيب والهرسلة  كي تدلهم عليه!
تقول نكّلوا بعائلتها وماتت أمها كمدا عليها وهي ماتزال في مقتبل العمر، لم يخفّ التنكيل بها إلا بعد أن قُبض على خطيبها ونال ألوانا من العذاب وقضى في السجن قرابة العقدين من الزمان!
لم تنقطع الهرسلة والمضايقة بسبب أو بغيره واستمرت ملاحقتها لأنها تغطي رأسها أو لأنها كانت على علاقة ب(فلان) المتهم بالعنف وقيادة التحركات الطلابية والمسيرات الجماهيرية!
اضطرت للخلاص مما هي فيه على الزواج من رجل إقامته خارج الوطن، لم تكن تعرفه وفارق السن بينهما كبير وقد سبق أن تزوّج وله أولاد!
يخرج (فلان) من السجن بعد سنين عددا ويبحث فلا يجد لها أثرا، ثم يتزوج وتساهم المنتديات الإجتماعية مجددا في التعارف الأخوي معه ومع زوجته ( وما في القلوب لا يعلمه إلا الله)!
فهل يمكن تعويض (زبيدة) بمال الدنيا عن أمها ومعاناتها وآلامها وإفشال زواجها من الشخص الذي أحبته؟

(جليلة ج) نجمة من نجوم النشاط الطلابي والاتجاه الإسلامي في عموم الجامعة تمنى كثيرون أن يربطوا معها علاقة ومشروع زواج ولكنها اختارت شخصا بعينه اضطره الاستبداد للفرار خارج الوطن، ولم توفق في اللحاق به وبعد أن تقدم بها السن تزوجت من رجل مطلق وله أبناء أنجبت منه أبناء ثم طلقت.
قابلتها صيف 2012 فوجدتها إنسانة أخرى، فقط شكلها لم يتغير كثيرا ولكن بدا عليها النسيان وبدت تخفي تعاسة وألما ربّما لا يراهما إلا من عرفها سابقا عن قرب! هي الآن ناشطة في المجال العام وهي لذلك أهل!
أعتقد أنها لا تطلب تعويضا ولكن لا يمكن تعويضها بغير زوال الاستبداد حقيقة وزوال مخلفاته وأيتامه وقيام دولة الحق والعدل!

كوثـر: رسالة تدخل تونس قادمة من السودان عبر ألمانيا يشتم "النظام" رائحتها فيقبض على الرسالة في مهدها بالبريد ويعلم أن "لكوثر" مشروع زواج مع مرسل الرسالة الطالب الفـارّ من "العدالة" والمتّهم "بالعنف وقيادة الشغب". أرادوا جلبها للتحقيق أو الاعتقال ولكن الله سلمها بحكمة من أمها، فقرّرت بسرعة أن تغادر الوطن دون إعلام أهلها مستعملة  جوازها الذي استخرجته لتوها بعد لأي،  وقبل أن يوضع اسمها في أجهزة الحدود، وبعد رحلة عجيبة وغريبة وصلت المغرب.


هاجت "الإستعلامات" وماجت ونطحت في كل مكان مثل الثيران الجريحة، تعرضت عائلتها للإهانة والضرب ولم يسلم حتى والدها المسن الذي قاوم الاستعمار.
واعتقل شقيق "خطيبها" بعد أن كان قضى نصيبه من السجن، عُذب أنواعا من عذاب مهلك "التغطيس في البانو  وقلع الأظافر والمثقب الكهرابائي" ثلاث أسابيعا كاملة وهو في أشد العذاب بتهمة تهريب "كوثر" ـ التي لا يعرفها ولم يسبق له أن سمع اسمها ـ إلى شقيقه الفارّ في الخارج!


من المغرب تتحول للسودان وهناك يكون الزواج بعيدا عن الأهل ودون علمهم، كانت في أيامها الأولى تتظاهر أمام زوجها في النهار بالتماسك وحين يضنيها الليل يحسّ بدموعها الحرّى تكاد تخرق الوسادة! فيزداد شعورا بالألم والعجز حتى عن مواساتها وتصبيرها!
ثمّ تتحول رفقة زوجها لألمانيا ويستقر بهما المقام هناك وفي شهر أوت 2004 يعود زوجها للبيت فيلاحظ أنها تحبس دمعها، ولمّا سألها عن السبب انهال الدمع غزيرا ففهم أنه خبر وفاة والدها رحمه الله! (......) لم تستطع السفر للوطن ولا حضور الجنازة ولا توديع جثمان ولا إلقاء نظرة أخيرة ولا تقبّل عزاء مع والدتها وأخواتها وإخوتها! وقد علمتْ أن والدها غادر الحياة وهو يهذي باسمها واسم أبنائها الذين لم يرهم قط!!
فهل يعوضها مال الدنيا عن ذلك كله!

(الحاجّة فاطمة) تعرض ابناها للسجن والملاحقة زمن المخلوع الأول، وتعمّقت محنتها مع بداية عهد المخلوع الثاني، حيث عمت الملاحقة جلّ أبنائها وشمل التضييق والهرسلة كل عائلتها.
ولدان سجينان تعرضا للتعذيب وولدان ملاحقان في حالة اختفاء أوّلا، ثم تهجير قسري لعقدين من الزمان بعد ذلك!

قبل أن يفرّ خارج البلاد عاد من اختفائه بالعاصمة ليودع أمه وأبيه ويرتب أمور فراره، لم يكن خلال تلك الأيام ينام في بيتهم خوفا من زوار الليل الذين يبحثون عنه وعن أخيه الآخر أكثر، ولكنه كان يعود للبيت قبل الفجر ويقترب من البيت الذي تحيط به أشجار الزيتون من كل جانب بحذر شديد، وذات مرة لاحظ أن الضوء مشتعل في البيت قبل حلول الفجر، توقع أن يكون زُوّار اللّيل غير المُرحّب بهم قد جاؤوا "للزيارة"!
فدار حول البيت من بعيد واقترب بحذر فلم يلحظ شيء غير عادي، توقع أن يكون والده قد قام لصلاة الفجر الذي لم يحن بعد، فنظر من الشباك فإذا بالوالد مازال في فراشه، دخل بحذر من الباب الجانبي فوجد أمّه بالمطبخ تعد الطعام و"تنوح"!
"ماذا تفعلين يا أمي الآن"؟ ... أحضر القفة لأخيك فاليوم موعدها، تنهّدت ثم دعت على "بن عليّ" دعوة مازالت ترنّ في أذنه حتى اليوم بعد ربع قرن من الزمان، قالت: "يخلي دارو ويتّم اصغارو ويعشش الحمام في أوكارو"! ( وترجمتها: "اللهم خرّب بيته ويتّم أطفاله واجعل داره مسكنا للحمام")! ... ومازال يذكر إلى اليوم أن أمه طبخت حينها مرق بالدجاج الرومي (دندون)!
فأي عدالة في الأرض تعوض أمّا عن حرمانها من أبنائها الأربعة، ثم حرمانها من أحفادها بعد ذلك ومحاصرة العائلة طيلة حكم الرئيس المخلوع؟؟

هذه مجرّد عينات بسيطة أردت قصدا أن أخصها للنساء  وهي عينات عشتها بنفسي أو عرفتها عن قرب وأما ما سمعنا وقرأنا فأشياء أغرب من الخيال تجعل الإنسان لا يصدّق بأن الإنسان يمكن أن يصبح على هذه الدرجة من "الذئبية" ضدّ أخيه الإنسان!
ولكن ذلك حصل! ... وما أرقى ممارسة الذئاب التي لم تخالف طبعها وما فطرها الله عليه من ممارسة "ذئاب" بني آدم الذين فاقت خستهم خسة الوحوش!!

وما أكثر "هاديات" بلدي و"كريماته" و"سيْداته" و"زبيداته"   و"جليلاته" و"كوثراته" وأمهاته!!

يمكن أن نتجاوز ولكن لا يمكن أن ننسى!!


طــه البعزاوي
17 نوفمبر 2016



مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.