.

.

الإرهاب العائد والبوصلة المشبوهة

بتاريخ : 2017-01-08 الساعة : 04:52:01

اسم الكاتب : طه البعزاوي     التصنيف : الكلمة الحرّة     عدد القراء : 2473




 مقالات أُخرى للكاتب - طه البعزاوي
ما الذي ينقمه المستعربون من الجزيرة وقطر؟
النهضة والثورة وفاء أم خيانة؟
الديوانة التونسية والنهب المسلح بالسلطة
شركاء الأمس وربّما الغــد: ... في فمي ماء!
رجــال عرفتهم: (3) جمال البعزاوي (ابن عمّي رحمه الله)
رجال عرفتهم (2): القائد عبد الستار ونيس
رجال عــــرفتهم (1): الشيخ الهادي بريك
النصارى محتفلون والمسلمون مختلفون
بعض المظالم لا يمكن الصفح عنها!
العدالة الانتقالية والحطام البشري

المزيد من المقالات

فزّاعات كثيرة و"فزْعات" تحدث في وطننا  بشكل دوري تكاد تكون منظمة ومنسقة بدقة وعناية لتحقيق أهداف مخططة مسبقا ومدبّرة بليل لا يراد بها ـ في الغالب الأعم ـ وجه الله ولا مصلحة الوطن. لسنا هنا بصدد إحصائها ولا تقصيها جميعا أوالبحث في خلفياتها وأسبابها وإنما لنقف مع أحدثها ـ ولا أقول آخرها ـ وهي المتعلقة بالصخب المرتفع حول الحديث عن عودة المقاتلين فيما يسمى ببؤر التوتر  التي يقصد بها أساسا سوريا والعراق وليبيا واليمن. هذا الموضوع  "ولغ" فيه من هب ودبّ وغاص فيه  "بفركة وعود حطب" كما يقول المثل التونسي كناية عن الجهل إذا اجتمع مع الغطرسة وقلة الوعي والحكمة!

فرصة سانحة لأصوات "الحداثة" المغشوشة كي ترتفع "اقتلوهم! ... حرّقوهم ... انفوهم من الأرض ... أمنعوا عودتهم ... اسحبوا منهم الجنسية ... نقحوا الدستور وقصّوا ورقّعوا حتى تكون تونس لنا وحدنا ولا لغيرنا"!!
وقبل أن أتوغل في هذا المقال وأغوص في "حقل الألغام" سيجد  الخصوم فيما قلت آنفا ما يكفي لاتهامي بأنني متعاطف مع الإرهاب والإرهابيين، فما أيسر التهم المعلبة عندهم ولكني أزيدهم وألقي إليهم "عظاما" فأعترف بأنني متعاطف مع الإنسان في من يصفونهم "بالإرهابيين" حتى وإن كان بعضهم قد تشوّهت إنسانيته حقا، وسأظل أدافع عن الإنسان كإنسان وعن حقه في وطنه وفي سلامة جسده من التعذيب وفي حقه في المثول أمام قضاء مستقل يثبت التهمة عليه فيدينه بما يستحق، أو يبرئه، أو قد ينظر للأسباب والدوافع التي جعلته يسلك هذا المنهج المنحرف والطريق العدمي فيخفف عنه ويمنحه فرصة للمراجعة والتوبة!
وما دام كل من "يفزع" فيصرخ أو يقول كلاما يدّعي به حبّا ووصلا للوطن، فلنقل كلمتنا ونخض مع الخائضين والوطن بعد ذلك يقرّ لنا أو لهم، وهو يعرف جيّدا من بكى ممن تباكى!

ما علاقة التونسيين بالصراعات المسلحة خارج الوطن؟
يجدر التنويه بأن التونسيين قد عُرفوا منذ القديم بهبّتهم لنصرة القضايا العادلة فحتى زمن الإستخراب الفرنسي لتونس هبّت جموع غفيرة من التونسيين للدفاع عن فلسطين والأقصى في حرب 48 وبعدها حرب 67  وقبل ذلك بقرون في جند صلاح الدين ومنهم من قضى نحبه  على أسوار الأقصى شهيدا ومنهم من استقر هناك ومنهم من عاد.  ولم ينقطع المدد التونسي عن القضايا العادلة، فقد سافر عدد من الشباب التونسي لمساندة الأفغان ضدّ "السوفيات" الغزاة قبل أن يصل المشهد الأفغاني إلى ما وصل إليه بعد ذلك، وسافر آخرون لمساندة العراق ضد الاحتلال الأمريكي أيام صدّام وبعده ولم يكن أغلبهم حينها يحمل فكرا إرهابيا، حتى وصلنا أخيرا إلى الشهيد محمد الزواري الذي اغتالته المخابرات الصهيونية في صفاقس يوم 15 ديسمبر 2016 لأنه ناصر القضية الفلسطينية العادلة بعلمه واختراعاته، وقد تحوّل موضوع استشهاده هو الآخر إلى سوق للمزايدات "العكاظية"ّ!
ما علاقة النخبة التونسية بالسلاح؟
وأما السلاح في الثقافة التونسية فهو الممنوع المرغوب ذلك أن كثيرا من أصحاب الفكر اليساري  والعروبي وكذلك الإسلامي حاولوا أن يكونوا من أصحاب الشوكة وأن يغيّروا  بالسلاح وهذا موجود وموثق في الأدبيات الخاصة بتلك التيارات كما في أرشيف المحاكم أو بعض كتب التاريخ ـ حتى وإن كان مشوها أو محرّفا ـ وكل أولئك حين عشقوا السلاح أو حملوه بقصد التغيير كانت صفتهم عند النظام القائم "إرهابيين" سواء كانوا من جماعة "ثوّار ثوّار بالشعب المسلح انكمل المشوار" أو من جماعة "ما يمحي العار إلا الدم خلّي الرشاش يتكلم" أو من جماعة " جهاد جهاد نصر أو استشهاد"!
كما أن نظام "الإستقلال" بشقيه البورقيبي والنوفمبري قد منع المواطنين من حقّ امتلاك السلاح أو حتى بنادق الصيد ولم يرخص إلا لعدد قليل من الموالين له لذلك نشطت التجارة الممنوعة في السلاح وهي تتوازى وتتقاطع أحيانا مع الإرهاب خاصة بعد انخرام المنظومة الأمنية.
   
 
ما علاقة الإرهابيين بالمهاجرين غير الشرعيين؟
خلط متعمد وتعميم خبيث ومقصود ذاك الذي يُسوّي بين حَمَلة الفكر الإرهابي وعموم المهاجرين "غير الشرعيين"، فجموع غفيرة من تونس وغيرها من البلدان قد تدفقت على أوروبا فيما يعرف بقوارب الموت، وأن يوجد من بين هذه الجموع من هو فارّ من الملاحقة في بلده بسبب حمله لفكر متطرف أو إرهابي لا يعني أن غالبية هؤلاء المهاجرين كذلك بل العكس هو الصحيح، فأغلبهم شباب شعر باليأس في بلده وحلم بالرفاه و"جنة" أوروبا فغامر في المجهول وألقي بنفسه في البحر  رغم ما تحمله تلك المغامرة من مخاطر وما هو معلوم من أنباء الألوف التي ابتعلتها البحار!
وأن يكون  "أنيس العمري" ـ منفّذ  عملية برلين الإرهابية التي أودت بأرواح عدد من الأبرياء وأضرت بصورة المهاجرين المسلمين والمغاربة والتونسيين على وجه الخصوص ـ من بين هؤلاء لا يعني أن يكونوا كلهم كذلك لأن الانحراف هو الإستثناء الذي يثبت الأصل وهو كون الغالبية مسالمون وباحثون عن عيش كريم، مع الاعتقاد بأن الهجرة السرية لا تحقق كرامة الإنسان وتعرضه للتهلكة ولا ينصح بها عاقل.

 ويجدر أن يُوجّه الشباب ويساعد على البحث عن العيش الكريم في وطنه حيث ثبت أن ذلك ممكنا  لمن أراد وشمّر بجدّ وتخلى عن التقاعس والخمول والتواكل على  الدولة وطلب الوظائف العمومية، فإنه ينبغي أن لا يوضع كل المهاجرين هجرة سرية في سلة واحدة ويعاملون على أنهم إرهابيون بالقوة أو بالفعل، وذلك للأسف ما سوّق له خبثاء في الغرب وردده ببغاواتهم في بلادنا.

هل هناك خطر إرهابيّ في تونس؟
من حيث المبدأ لم يخل زمان ولا مكان من وجود  مجموعات كبيرة كانت أو صغيرة تتبنّى فكرا مخالفا ورافضا للفكر السائد وللمنظومة القائمة. وتختلف درجات التطرف والغلو في تبني الفكر المخالف مهما كانت مرجعيته وكذلك حدة العمل على تنفيذه وإحلاله محل الفكر السائد. وقد وجدت في التاريخ كثير من الجماعات التى وصفت بأنها جماعات "إرهابية" سواء في عالمنا العربي والإسلامي أو في غيره من بقاع الدنيا وسواءا كانت مرجعية الفكر "الإرهابي" دينية أو معادية للدين.
هذا فضلا عن إرهاب الدول العظمي التي تبيد الإنسانية بالأزرار دون أن تدفع فاتورة إرهابها!

وأما في واقعنا المعاصر  فإن "الإرهاب"  وصناعته وممارسته والحديث عنه قد أصبح بضاعة رائجة فيها يتنافس المتنافسون كل حسب مجاله وحسب الإختصاصات آنفة الذكر وما يتفرع عنها من مشاهدين وإعلاميين وسياسيين ومحللين وخبراء وأمنيين وجنود وقضاء.

وأما إذا تحدثنا عن واقعنا في تونس فإن "الإرهاب" تحوّل بقدرة قادر من "فزّاعة" ـ  استعملها فريق للنيل من فريق أخر قصد محاصرته واجتثاثه ـ إلى واقع ماثل وخطر حقيقي يزهق أرواح الأبرياء من المواطنين والأمنيين والجنود. ومهما قيل ويقال عن "إرهاب" غير "أصيل" أو إرهاب مصنوع  في الكواليس، تحركه أصابع خبيثة من المكاتب الوثيرة، فإنه كذلك لا يمكن إنكار وجود "إرهاب أصيل" يعبر أصحابه عن أنفسهم ويبثون مقاطع الفيديو يتوعدون فيه بني وطنهم بالذبح والنحر انطلاقا من فكرهم الضال واعتقاداتهم الخاطئة التي سنعود لبعض أسبابها في موضع آخر.

من هم "الفزعون" من "الإرهاب" العائد؟
الذين تتعالى أصواتهم اليوم للتحذير من الخطر الذي قد يشكله المقاتلون العائدون من الأماكن التي فيها قتال اختلط فيه الحق بالباطل  وتداخلت فيه القضايا العادلة بالظالمة، هم أولئك المتحصنون في الإعلام المعادي للثورة وتحرر الشعوب من جلاديها، وهم المتحصنون في بعض الجمعيات ذات الولاءات الغربية، والمندسون في بعض الأحزاب المجهرية وهم بعض من يمارس الوصاية الفكرية باسم التحليل السياسي والخبرة في الإرهاب والجماعات المسلحة، وأغلبهم "كروموزوماته" حمراء، حفتريّ الولاء، سيسيّ العشق، أسديّ الهوى، نهيان الجيب،  دحلاني القبض، مقاوم وممانع على منهج بوتين وملالي إيران!
يخرجون علينا كل مرّة "بفزعة" معوّلين على نسياننا وربط حلقات "فزعاتهم" بعضها ببعض حتى يكتمل المشهد وتنكشف الغايات!

ـ إنهم يتعمّدون التورية وستر الإرهاب الحقيقي ويُحرّفون عمدا إبرة البوصلة التي تؤشر للإرهاب إلى من لا علاقة له بالإرهاب كما يفعل محلل القناة الوطنية " العبقري الفذّ" المُسمّى رافع الطبيب الذي ليس له من اسمه نصيب، حيث يعمد في كل مناسبة تلميحا وتصريحا إلى الكذب المفضوح واتهام النهضة بأنها مسؤولة عن الإرهاب، كما لا يُفوّت مناسبة إلا ويشيد فيها بالإنقلابي حفتر وبالدكتاتور المجرم بشّار وأصبحت جل مداخلات اسطوانات مشروخة مثله مثل كثير من "المحللين"!

ـ إنهم هم أنفسهم الذين زعموا أن الثورة لهم وليست للنهضويين المهجرين أو المحاصرين!
ـ إنهم هم الذين رفعوا أصواتهم بالنعيق قبل أن تحط طائرة المخلوع الهارب مطالبين بأن لا حقوق سياسية للإسلاميين في وطنهم  كما ورد في مداخلة "بوغلاب" على قناة الجزيرة حينها قبل أن تصبح قناة عدوّة "لنخبتنا"!
ـ إنهم هم الذين جيشوا "الجيوش" الإعلامية  والمواقع المشبوهة  بهدف أعلنوه صراحة "إعادة الغنوشي ومن معه إلى منفاهم وإعادة الآخرين إلى سجونهم"!
ـ إنهم هم الذين طالبوا الجنرال رشيد عمار باستلام السلطة لمنع وصول الإسلاميين إليها، كما اعترف عمّار بنفسه، وهم الذين صرخوا وهتفوا "يا رشيد يا عمّار وينو وعدك للأحرار"!
ـ إنهم هم الذين اتصلوا برجل الظل "وحاكم" الدولة العميقة كمال اللطيف ليتدخل ويمنع نتيجة الانتخابات، كما جاء في تصريح لليساري محمد الكيلاني!
ـ إنهم هم الذين أرهقوا البلاد بعشرات الآلاف من الإضرابات والمطالب المجحفة فقط بهدف إفشال تجربة "الترويكا" وإغراق المركب بمنطق إيديولوجي عدمي "عليّ وعلى أعدائي"!
ـ إنهم هم الذين أبرزوا "رؤوسا" فلما "أينعت واستوت" قطفوها ورموا بها أبرياء لتحقيق أهداف مشينة!
ـ إنّهم هم الذين أعدوا للعنف الملوتوف والسيوف والهراوات ونفذوا اعتداءاتهم كما حصل في تطاوين وبطحاء محمد على بالعاصمة  ثم رموا بذلك المتظاهرين السلميين الذين لم يكن لهم من جريرة إلا الدفاع المشروع عن النفس، ثم صوّرا دفاعهم إرهابا وحرّكوا "ماكيناتهم" المندسّة في "مفاصل الوطن" للتنكيل بكلّ من يؤمن بتحقيق مسار ثوري لا يروق لهم!
 
ـ إنهم هم الذين عمدوا وبسابقية إضمار وترصد إلى  استفزاز المواطنين والشباب المتدين بالنيل من دين البلاد وثقافة أهلها  وعاداتها وتقاليدها من خلال أعمال توصف بأنها "فنّية" من قبيل فلم "برسي بوليس" وفلم "لا ربّي لا سيدي" ورسوم "العبدلّية" المسيئة، حتى إذا عبّر أحد عن رفضه أو امتعاضة من أفعالهم صنّفوه عدوّا للثقافة والفنّ والإبداع.
 ذلك الثلاثي الذي أرادوه هابطا ومعاديا للذّوق العام أو لا يكون، ثم جعلوه عندهم مقدّسا كالبقرة عند الهندوس!!
ـ إنهم هم الذين تعمدوا الكذب والدّجل واختلاق الإشاعات والأراجيف بما لا يمكن حصره في مقال أو "لائحة ادعاء" كهذه!!
لأنهم صناع الإرهاب ومستثمروه والمتاجرون به، والأشد خطرا من الإرهابيين أنفسهم، فالإرهابي قد يهلك في مواجهة أو يفجر نفسه ولكن هؤلاء يسببون الإرهاب ويفرخونه وينتجونه وكلما هلك واحد عوّضوه بعشر أو  يزيد!
من هم الإرهابيون العائدون؟
المقصود بالإرهابيين العائدين ـ عند الرافضين لعودتهم والمحذّرين منها ـ الشباب التونسي المقاتل في بؤر التوتر، الذي ولد جله في "نظام بن عليّ" ودرس وفق سياسة تجفيف منابع التدين، وتعلّم بالمناهج التي رسمتها "النخبة الحداثية" البورقيبية واليسارية، والتي لم تفلح رغم ذلك في منعه من الوقوع في أحضان الإرهاب وجعله صاحب النسبة الأعلى في الإقبال على ذلك المنهج العدمي مقارنة ببقية الدول العربية والإسلامية ومتفوّقا في ذلك حتى على السعوديين! ورغم ذلك لم نر "النخبة الحداثية" تسأل عن مكمن الخلل!
  الإرهابيون المتوقع عودتهم هم الشباب التونسي الذي التحق بالقتال ضدّ نظام بشار الأسد وحلفائه في أي جبهة من الجبهات سواء كانوا مع جبهة النصرة التي تمثل القاعدة في سوريا أو مع "داعش" أو غيرهما من الفصائل المعارضة، وبدرجة ثانية الذين التحقوا بالعراق لدفع الإحتلال الأمريكي في البداية ثم التحقوا بالبغدادي وبايعوا خلافته المزعومة!

 كل أولائك على درجة سواء وكلهم "إرهابيون" حتى الأطفال الذين لم يبلغوا سن الرشد القانوني أو الذين غُرّر بهم حين كانوا أطفالا قبل أن تُسدّ أمامهم أبواب الرجعة أو قبل أن يتعرضوا لغسيل أدمغة وإعادة برمجة!
وكذلك الذين فرّوا من إرهاب التعذيب ليسقطوا في أحضان إرهاب أتعس وأفسد للحرث والنسل!
عدد كبير من الإرهابيين المتوقع عودتهم هم أولئك  الذين نُكّل بهم أشد التنكيل أيام الهارب "بن عليّ" لأن الواحد منهم أطال لحية أو لبس قميصا أو صلّى الفجر في مسجد!

 وهم أولئك الذين تربوا في "دهاليز" المواقع الإلكترونية والفضائيات الأجنبية حين أخليت الساحة عمدا وقهرا من أصحاب الفكر الإسلامي الذي اقتنع أن التغيير بالقوة لا يكون من نتائجه وثماره إلا فساد أشد مما يراد تغييره!
هم بلا شك مختلفو المشارب تدفعهم أسباب مختلفة، وجدوا أنفسهم في مثلث ملعون يخدمون غايات ـ يعتقدون أنها أهدافهم ومخططاتهم ـ أغلبها سُطّر بعناية وجُمّعت أخلاطه في مخابر المخابرات الدولية ولم  يكن أغلبهم في حقيقة الأمر  إلا "كمبرس" في فلم حربي!

ولكن ما لا يذكره الرافضون لعودة المقاتلين من الخارج، هو وجود مقاتلين تونسيين من أصحاب الفكر اليساري والعروبي والشيعي يقاتلون في صفوف المناصرين لبقاء بشار الأسد على "عرش" سوريا! وهؤلاء لا حديث عنهم وهم عندهم أبطال رغم أن القانون التونسي يجرم هؤلاء وأولئك!!


من أرسل الشباب التونسي ليقاتل خارج بلده؟
يمكن التوسع جدا في الجواب على هذا السؤال لأن الأسباب متشعبة وعديدة، وأن تحمّل مسؤولية  ذلك لشخص معين أو  حزبا ما هو من باب التسطيح و"الديماغوجيا" المؤدلجة التي لا تفيد بعلم ولا تقدم حلاّ،  ولا يقبلها منطق. فالتشخيص الخاطئ للعلل يكون من نتائجه اقتراح علاجات قد تزيد المريض اعتلالا ولا تعالجه كأن يقال "إن جميع مرضى الأيدز في بلد ما أصيبوا بذلك الداء لأن أحدا فتح الشبابيك وهم نيام" وأما من حقن الناس بحقن ملوّثة بفيروس فقد المناعة، ومن نقل دماءا ملوثة، ومن شجع على "المشاعية" الجنسية دون ثقافة صحية فهؤلاء لا يذكرهم أحد!

لا يمكن نفي وجود أشخاص أو مجموعات عملت لإخراج الشباب وإقناعه بأهمية "الجهاد" في سوريا وغيرها لنصرة المستضعفين ومقاتلة الظالمين وهذه المجموعات  في حد ذاتها مختلفة المشارب والأهداف فبعضا يعمل وفق أجندة مخابرات محلية أو إقليمية أودولية، وبعضها اتخذ الأمر تجارة ومصدرا من مصادر جمع الأموال.
 
كما أن كثيرا من الشباب ولعلهم الغالبية قد ضيّق عليهم ومنعوا من النشاط السلمي والمدني وتمت السخرية منهم وتشويههم والكذب عليهم ثم سلطت عليه عصيّ البوليس والملاحقات الأمنية التي لا تلتزم مبادئ حقوق الإنسان  وقاعدة كل متهم بريئ حتى تثبت إدانته ففروا وكان الإرهاب لهم محضنا وملجأ.

فكثير ممن يحمل اليوم صفة "إرهابي" كانت خطوته الأولى في هذا الداء فرارا من الملاحقة لأنه اتهم بتهمة قد تكون بسيطة جدا ولكن خاف على نفسه من التعذيب والإهانة ففر في طريق ذات اتجاه واحدة للأسف!

وقد عمد خصوم النهضة منذ البداية إلى الوقيعة بين الشباب "السلفي" والنهضة فأفقدوا ذلك الشباب الثقة في النهضة ونجحوا في منع النهضة من "ترويضهم" وتحويلهم إلى قوة تساهم في بناء الوطن ولا تهدمه على رؤوس مواطنيه! كما نجحوا في بث العداوة بين الفريقين واعتقدوا أن أهدافهم تحققت، وهي فعلا تحققت ولكن إلى حين!
ورغم أن النهضة وحكومة الترويكا هي التي كانت تقود المواجهة ضد حَمَلةِ الفكر التكفيري إلا أن ذلك لم يشفع لها، وبقي من يتحدث عن أن المسألة مجرد تقاسم أدوار، وأن النهضة هي التي أرسلتهم للقتال خارج الوطن.

ورغم أن هذه الادعاءات كلها تعوزها المصداقية والأدلة ومع ذلك لا يتورع هؤلاء "الساسة" عن الكذب المطلق فنرى مثلا السيد حمة الهمامي ـ صاحب موقف الضدّ دائما ـ يقول صراحة في أحد البرامج الإذاعية بأن الغنوشي هو الذي أرسل الشباب السلفي للقتال خارج الوطن واصفا موقف الغنوشي "بالترهدين السياسي" في حين أن أي عاقل ونزيه يعرف أن النهضة والغنوشي لا علاقة لهما بالإرهاب ولا بمن قاتل في تونس أو خارجها وأن عين "الترهدين السياسي" هو الكذب واحتقار ذكاء الناس وإلقاء الاتهامات دون بينة أو دليل!

وإذا كان الأمر كما زعموا من علاقة بين النهضة والمقاتلين التونسيين مع داعش وغيرها فلماذا رأينا مقاطع فيديو ينشرها هؤلاء المقاتلون وفيها توعد واضح بالذبح للغنوشي والعريض وغيرهم من النهضويين ولم نر من يتوعد بقيّة الساسة "المناهضين" للإرهاب والمناصرين "للمقاومة" بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيمياوية؟
وعليه فإن الذين يتهمون النهضة والغنوشي دون أدّلة تُشكّل مادة ينظر فيها القضاء، أولى أن يُعرَضوا هم على القضاء بتهم الثلب والتضليل.
كما أن رفضهم لعودة المقاتلين فيه ما فيه من نقاط الاستفهام حول تلك المواقف التي قد تكشفها عودة المقاتلين والتحقيق معهم!

كيف يكون التعامل مع العائدين عاقلا وواعيا وفي مصلحة الوطن؟
الأصل أن أي بلد له أبناء خارجه مطالبون للعدالة أو يقومون بأعمال يجرمها القانون أن يطالب بإعادتهم ليطبق عليهم القانون، لم نر بلدا يرفض عودة أبنائه مهما كان جرمهم، فمثلا الفقرة الأولى من المادة السادسة عشر للدستور الألماني  تمنع سحب الجنسية عن المواطنين الألمان وتمنع تسليمهم كذلك لبلد آخر.
وكذلك الدستور الحالي لتونس الذي يمنع منعا باتا سحب الجنسية عن المواطن التونسي وقد سبقه إلى ذلك دستور 1861 الذي يعد أول دستور عربي حديث.

تزامن الحديث عن عودة المقاتلين مع سقوط مدينة حلب كبرى المدن السورية مجددا في قبضة نظام بشار الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، والمعلوم أن المقاتلين التونسيين أغلبهم مع داعش وربما قلة منهم مع النصرة في حين أن حلب كانت تحت سيطرة المعارضة السورية الأخرى التي لا تضم في صفوفها تونسيين حسبما تفيد التقارير الإخبارية.
ثم إن "سوق الإرهاب" لم تكسد بعد وبؤره في ازدياد وليست في نقصان وعلى ذلك يعتقد أن الحديث عن عودة مقاتلين فيه كثير من المبالغة.
فلا يتوقع ممن خرج "للجهاد" أن يترك "الجهاد" ويعود لأن ذلك في فقههم فرار وتولّ يوم الزّحف وهو عندهم من الكبائر! ومنهجهم وتربيتهم هي الموت لا الإستسلام، بل من فقههم أن يقتل "الأخ أخاه" إن هو وقع في الأسر! وهم لا يفرقون بين الأسر عند الأنظمة التي يقاتلونها والنظام التونسي فكلها عندهم طواغيت كافرة وجب قتالها حتى آخر رمق!
فإذا قبل أحدهم بالعودة رغم كل ما ذكر آنفا، فلا يخلو الأمر من احتمالين،إما أن يكون قد بَانَ له خطأ منهجه، أو أنه كان في حكم المأسور فلما واتته الفرصة فرّ!
وكذلك من ينوي العودة للقتال في بلده فلن يعود من الأبواب والمسالك المعروفة وإنما سيحاول الدخول من "الشبابيك" متسربا من "المغاور" أو "متسورا" للجبال!
فالعقل أن يشجع كل من يريد العودة وأن يستقبل من أبواب الوطن ويسند أمر التعامل معه لأهله من أمن دون سلخ أو تعذيب، وقضاء دون أحكام مسبقة، وسجون تحترم كرامة الإنسان وتعمل على إعادة تأهيله ليعود عصنرا سويا في المجتمع.
لابدّ من تضافر الجهود الصادقة في مؤسسات الدولة وفي المجتمع المدني للإحاطة بكل من انحرف سواء بارتكاب جرائم الحق العام أو جرائم الإرهاب ومعلوم أن الجهود مهما حسنت وتميزت لا يمكن أن تنجح نجاحا تاما شاملا فيمكن للمجرم أن يعود للقتل وللإرهابي أن يعود للإرهاب ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جُلّه ولا قِلّه!

 ويجب أن ينزع تقرير أمر العائدين ـ على افتراض حصوله ـ  من أصحاب المزايدات السياسية "والفزعات" الإيديولوجية لأن أولئك يفرخون الإرهاب ولا يقاومونه، ولا يعنيهم من مصلحة الوطن إلا أن يكونوا في صدارته وأن يكون الأمر والنهي بأيديهم، وإن لم يكن ذلك فليكن الطوفان والدماء والأمر عندهم ســواء!

طــه البعزاوي
8 جانفي 2017


مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.