.

.

جريدة الخبر الجزائرية تحاور راشد الغنوشي رئيس حزب حركة النهضة

بتاريخ : 2017-01-31 الساعة : 05:49:27

التصنيف : حوارت خارجية     عدد القراء : 344

يعود رئيس حركة ”النهضة” في تونس، الشيخ راشد الغنوشي، إلى زيارته الأخيرة للجزائر ولقائه بالرئيس بوتفليقة، ويتحدث بإسهاب عن مأزق الأزمة الراهنة في ليبيا، وعن جهود ومبادرة تونسية - جزائرية - مصرية لوضع إطار إقليمي لحل الأزمة، كما يتحدث في الحوار الذي خص به ”الخبر” عن تقييمه للمراجعات التي قامت بها حركة النهضة في أدبياتها السياسية في الفصل بين الحزب والدعوة، وعن استمرار أطراف تونسية في التشكيك في المسار الديمقراطي الجديد للحركة، ويشرح صعوبة طرح فكرة حوار مع المسلحين في تونس في الوقت الحالي بسبب عدم النضج الكافي لهكذا فكرة في تونس، ويسترجع بعض خصال الشيخ الراحل محفوظ نحناح، ويشرح بعض المفاهيم والتوصيفات السياسية الجديدة كالإسلام الغاضب والإسلام الديمقراطي.

بالعودة إلى زيارتك إلى الجزائر وبغض النظر عن التصريحات الرسمية، في أي إطار كانت هذه الزيارة، وهل فعلا كان الملف الليبي هو المحور الرئيس لها؟

 لم تكن هذه الزيارة الأولى للجزائر كما هو معلوم، الجغرافيا والتاريخ والمصالح تفرض علينا مزيدا من توثيق العلاقات على المستوى الرسمي والشعبي، هذه منطقة واحدة ولا يمكن أن يكون لها مستقبل دون أن يكون هناك توافق على مصير واحد والاعتماد والسلم والأمن المشترك، فعلا كان الملف الليبي هو المحور الرئيسي للمباحثات مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، واعتقد أن الأزمة الليبية في الوقت الحالي تمثل التحدي الأمني الأكبر للمنطقة، ليبيا بقدر ما تحمل آفاقا تنموية كبيرة للمنطقة، بقدر ما تحمل أخطارا كبيرة، إذا لم يتم إطفاء الحريق الليبي بشكل سريع فإن كل المنطقة معرضة للخطر.

هل شعرتم بأن دول الجوار لديها هاجس أن الأزمة في ليبيا، رغم كل الجهود التي بذلت في وقت سابق، تتجه إلى الانزلاق وليس إلى الحل؟

 قابلت، الشهر الماضي، المبعوث الأممي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، في روما الإيطالية، ووجدته يعيش حيرة كبيرة في معالجة هذا الملف، وأنا نصحته بجمع دول الجوار العربي لليبيا، الجزائر وتونس ومصر، باعتبارها الدول المعنية أكثر من غيرها بالوضع الليبي والمتضرر الأكبر من الأزمة، ويمكن أن تكون المستفيد الأكبر من استقرار الوضع في ليبيا، والمبادرة الجزائرية التونسية والمصرية يمكن أن تمثل إطارا للحل، وتحمل آفاقا له، باعتبار أن هذه الدول لم تتعاون من قبل لحل الأزمة، وكانت الجزائر تقوم بجهود منفردة وتونس بجهود منفردة ومصر أيضا، وهذه هي المرة الأولى التي تتعاون فيها الدول الثلاث، وتجتمع هذه الإرادات الثلاث على حل الأزمة والتصالح والوئام، خاصة وأن في الجزائر وتونس تجربة للتوافق الوطني والوئام المدني، لإطفاء الحرائق، واعتقد أن هذا النموذج يمكن أن يكون حلا للأزمة الليبية، وإطفاء الحريق الليبي وعودة الوئام المدني، ومن هنا يأتي الاستبشار بهذه المبادرة، وتأتي الحاجة إلى أن تتضاعف كل الجهود الرسمية والشعبية لحل الأزمة.

وفي هذا الإطار تأتي مساهمتي باعتبار العلاقات التي نتوفر عليها مع الإخوة في ليبيا، على كل المستويات، سواء على مستوى الإسلاميين أو على مستوى النظام القديم. ما قبل البارحة (يقصد الثلاثاء) جمع لقاء بين أحمد أويحيى والشيخ علي الصلابي في هذا الإطار للبحث عن تسوية ليبية، وتعهد الشيخ الصلابي بأن يقوم ويضع كل جهوده للترويج لهذه المبادرة، وإقناع كافة الأطراف الليبية بمسعى الوئام المدني.

هل نفهم أن هناك مبادرة تتبلور بين الجزائر وتونس ومصر، وهل هناك في الأفق قمة بين الرؤساء الثلاثة بوتفليقة والسيسي والسبسي؟

 هناك اجتماع بين وزراء الخارجية الثلاثة، الجزائر وتونس ومصر، متوقع أن يكون في تونس قريبا، ليمهد، إذا سارت الأمور كما هو مأمول ومنتظر، للتتويج بقمة تعقد في الجزائر بين الرؤساء الثلاثة.

لكن الجزائر وتونس متوافقتان على أكثر من مستوى بشأن الأزمة الليبية، هل تعتقد أن مصر وارتباطاتها المعروفة، تقبل بهذه المبادرة؟

 أعتبر أن مصر من مصلحتها إطفاء الحريق الليبي، وهي متضررة من الأزمة الليبية، عدد من رعاياها ذبحوا في ليبيا، وعدد كبير من اليد العاملة المصرية، ما يقارب المليون، غادروا ليبيا وعادوا إلى مصر، ولا أعتقد أن لمصر أو لأي طرف آخر مصلحة في أن تستمر الأزمة في ليبيا، عدا من يريد أن يبيع السلاح، وأعتقد أن مصلحة دول الجوار العربي لليبيا في إنهاء الأزمة وعودة الاستقرار وليس العكس.

لكن مصر في ظل ظروف وملابسات نظامها السياسي لديها مشكلة مع أطراف ليبية، أقصد الإسلاميين؟

 أعتقد أن كافة الأطراف بدأت تقبل بحقائق الأمور، صحيح أن مصر لديها مشكلة مع الإسلاميين، ولا تريد لطرف إسلامي أن يكون طرفا في حل الأزمة الليبية، ولكن نحسب أن الجزائر نجحت في إقناع المصريين بأن أي معادلة حل في ليبيا لا ينبغي أن تقصي أحدا، والمسألة أن التجاذبات السياسية بين النظام والإسلاميين في مصر تبقى في مصر، لكل بلد منطقه وظروفه.

هل كان هذا طلبك من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عندما التقيته مؤخرا، أي الضغط على مصر للقبول بالواقع الليبي كما هو وبأطرافه بمختلف توجهاتهم؟

 اعتبر الجزائر تمارس هذا الدور بما تتمتع له من ثقل وعلاقات مفتوحة مع كافة الأطراف، وبما تملكه من تجربة في علاقتها مع الإسلاميين، الجزائر تحررت ولم يكن ذلك سهلا بعد أزمة التسعينيات الدامية، من التمييز بين إسلامي وإسلامي، هذه الصعوبة مازالت موجودة في مصر. عدم التمييز بين من هم داخل خريطة العمل السياسي السلمي وبين غيرهم، لكن الجزائر تجاوزت هذه المرحلة.

عندما جاء السيسي إلى الجزائر ليقنع بإدراج الإسلاميين (يقصد الإخوان) في قائمة الإرهاب، أجيب أن هؤلاء خدموا معنا في الدولة، وتصدوا معنا للإرهاب، فكيف ندرجهم في قائمة الإرهاب؟ ولديهم ضحايا، أكثر من 500 من القيادات الإسلامية كانت ضحية للإرهاب، أحسب أن التجربة الجزائرية تمثل ثقلا وعنصر إقناع قويا، لعدم وضع كل الإسلاميين في كيس واحد ويكتب عليه إرهاب.

هذا كان طلبكم من الرئيس بوتفليقة، بالمقابل ما الذي طلبه الأخير في هذا السياق؟

 أن أبذل ما أستطيع من المساعي بهذا الشأن، خاصة بعلاقاتي مع الإسلاميين في ليبيا، حتى يقوموا بدور إيجابي لدعم مبادرات حل الأزمة الليبية وتقديم التنازلات الممكنة.

على ذكر تجربة الوئام المدني والمصالحة في الجزائر، الجزائر استعادت المقاتلين من الجبال وأرسلت كبار قيادات جهاز المخابرات والجيش للتفاوض معهم، هل تعتبر أن تونس مؤهلة في الوقت الحالي لاستنساخ نفس التجربة في التعامل مع المسلحين المغرر بهم، والراغبين في العودة إلى أحضان المجتمع؟

 أتمنى أن لا تصاب تونس بما أصيبت به الجزائر، الجزائر وصلت إلى هذه المرحلة بعد بحر من الدماء، وصلت إلى قناعة أنه لابد من التضحيات، حتى وإن كانت ثقيلة لأجل عودة السلم والوئام المدني، وقبلت بعودة أناس كانوا يقاتلون الجيش والأمن إلى أحضان المجتمع، وقبلت منهم الحوار، وذهبت إليهم إلى الجبال لتجلس معهم وتفتح طريق العودة إلى السلم، وعودتهم إلى بيوتهم، والحياة المدنية، ولم يكن ذلك يسيرا، ودفعت الجزائر ثمنا كبيرا، ولا أعتبر أن تونس تحتاج إلى أن تدفع ثمنا مشابها حتى تصل إلى هذه القناعة، قناعة أن تفتح باب السلم والعودة إلى الرشد أمام من يريد ذلك، وأن نشجع من يريد العودة إلى الرشد وعزل الفئة الباغية والأكثر تشددا، والتي ترفض رفضا مطلقا التعايش مع الآخرين، في تونس حتى الآن هذه اللغة مازالت لأن الدماء التونسية مازالت خضراء من سيّاحنا وحرسنا وجنودنا وشبابنا، والكرامة التونسية مازالت جريحة في بلد لم يتعود على العنف، هؤلاء يمثلون تحديا للشعور والكرامة الوطنية والحس العام، ولكن في النهاية بعد تطبيق القانون على الجميع لا بد من التفكير، وبعد أن تخضب شوكة هؤلاء وييأسوا من مغالبة الدولة وتنكسر شوكتهم، قد يفتح مجال التوبة أمام من عنده إرادة، لكن الآن الرأي العام غير مهيأ لهذه المرحلة التي وصلتها الجزائر بعد تضحيات كبيرة واحتاجت إلى شجاعة من نوع شجاعة الرئيس بوتفليقة، الذي يعرف ماذا يعني القتال والاقتتال الداخلي، وحمل على نفسه وحمل على شعبه وقال ”بركات من الدماء.

بعض التقارير تحدثت عن طلبك من مسؤولين سعوديين وساطة تقوم بها السعودية، إصلاح ذات البين بين النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، هل يمكن توضيح ذلك؟

 

 حدث هذا فعلا خلال لقاءاتي مع مسؤولين سعوديين، وخلال لقائي بالأمير محمد ولي العهد السعودي، فقد طلبت هذا منه، أي الوساطة لإطفاء الحريق، لما تتمتع به السعودية من ثقل روحي، ومصر قلب المنطقة العربية، وإذا أصيب هذا القلب أصيبت المنطقة كلها بالعطب، هناك اختلال في التوازن، يكفي أنه مثلا في أزمة سوريا عندما تجتمع الأطراف الدولية لحل الأزمة، لا يوجد بينها طرف عربي، معنى ذلك أن العالم العربي على الهامش، والسبب الرئيسي هو وضع مصر، ولذلك معالجة الوضع المصري والحالة المصرية ستساعد في معالجة أوضاع العلم العربي، ولذلك رغبت في أن تقوم السعودية بدور في إصلاح ذات البين في مصر، انطلاقا من استبعاد منطق الإقصاء، واعتبار أنه لا سلم ولا استقرار في مصر، إلا باحترام كامل المكونات الأساسية لهذا الشعب الكبير واحترام مكانة الجيش، لأنه لا سياسة في مصر بعيدا عن الجيش، واحترام المكون الإسلامي والمكون الإخواني، باعتباره مكونا عريقا لا يمكن استبعاده إلى جانب المكونات الأخرى.

هل تعتقد أن هذه الوساطة يمكن أن تنجح في الظروف الحالية في مصر؟

 لا يبدو أن الأمور قد نضجت بعد للأسف، أحيانا تسأل الناس كم تحتاجون من وقت لحل الأزمة، وهذا ما قلته للأطراف في ليبيا، قلت لبعض الليبيين كم دفعتم من ثمن لأجل ما تطمحون إليه من أهداف، أحدهم قال لي دفعنا 10 آلاف ليبي، قلت دفعتم 10 آلاف ولم تصلوا إلى تحقيق أهدافكم، كم تحتاجون إذن وكم أنتم مستعدون لدفعه؟

يجب أن يقتنع الليبيون بأن ليبيا لكل الليبيين، إسلاميين وديمقراطيين وقذافيين وغيرهم، كما مصر أيضا هي مصر للجميع، للأسف المتحاربون لا يضعون رقما أو كلفة معينة للحرب، وهكذا يستمر الحريق في مصر وليبيا وفي اليمن وسوريا التي توجد في نهاية النفق، بعد تدخل قوى عظمى كروسيا، التي أصبحت هي التي تضع الدستور لسوريا، وهناك صحف روسية تحدثت عن مقترح لإقامة كونفدرالية بين روسيا وسوريا، أين العرب إذن؟ وكأن سوريا قطعة من عالم آخر أو دولة من دول القوقاز.

في تصريحاتك الأخيرة انتقلت من مصطلح الإسلام السياسي، وطرحت مفهوم الإسلام الغاضب كتوصيف لـ”داعش”، ما المقصود بالإسلام الغاضب؟

 الإسلام الغاضب هو تعبير مأخوذ من علم الاجتماع، هناك عالم اجتماع تونسي معروف هو عبد الباقي الهرماسي، كتب عن الإسلام الاحتجاجي في تونس، مثل الإسلام الاقتصادي والإسلام الصوفي، لا يحمل دلالات أكبر من هذا، كلمة الإسلام الغاضب جاءت في سياق حديث قلت فيه إن السنّة في العراق في حالة غضب وتعمّق لديها الشعور بالهامشية والإقصاء، ولذلك ولدت ”داعش” في العراق من هذا الغضب، حيث هناك بحيرة وبركان من الغضب من التهميش والإقصاء، ولذلك من أراد أن يقضي على ”داعش” عليه أن يقضي على ينبوع الغضب في السنّة العراقية والسنّة السورية، ويعطى للناس حقهم، وهي عملية تفسيرية وليست عملية تبرير.

بعد المؤتمر الأخير لحركة النهضة والمراجعات السياسية، بدأت تؤسس لمفهوم الإسلام الديمقراطي، كيف يمكن فهم هذه المفاهيم الجديدة؟

 بالنسبة للإسلام الديمقراطي هو وصف للتمييز والتمايز عن السلام السياسي، المقصود بالإسلام السياسي هو الرؤية الشمولية للإسلام في مواجهة رؤى شمولية علمانية، والشمولية هي حالة غير ديمقراطية، كانت بلادنا تحكم بشمولية الحزب الحاكم، والحزب الواحد يحتوي تحت أجنحته الدولة والمجتمع والسياسة والاقتصاد والفن والأدب والرياضة، ولذلك كرد فعل ولدت شموليات أخرى، شمولية إسلامية وشمولية يسارية، وكان مشروعنا يضم سابقا كل المشروع الإسلامي بكل أجنحته وبكل فروعه، من العمل الدعوي والعمل السياسي والعمل الخيري، وهذه مرحلة كانت رد فعل على شمولية الدكتاتوريات والنظام، واعتبر أن هذا انتهى مع الثورة، وولدت مرحلة جديدة، والثورة جاءت بالديمقراطية بما لا يجعل هناك حاجة إلى هذه الشمولية.

السياسة مثلا في ظل الدكتاتورية كانت ممنوعة، فمن أراد أن يشتغل بالسياسية فعليه أن يتخفى تحت مظلة النقابة أو مظلة الفن أو العمل الحقوقي أو الخيري، بينما في الديمقراطية فهذه الأنشطة تتمايز، وكل نشاط يعمل تحت لافتة خاصة به، من أراد أن يعمل السياسة يؤسس حزبا، ومن أرد أن يعمل صحافة يفتح صحيفة، ومن أراد أن يعمل نشاطا حقوقيا فهو متاح له، ولم يعد هناك ما يدعو إلى تخفي نشاط تحت آخر، نحن نقصد بالإسلام الديمقراطي أن نتفرغ للعمل السياسي من أجل الوصول للدولة سبيلا لإصلاح أوضاع المجتمع التعليمية والثقافية والصحية والاجتماعية والاقتصادية.

نريد بالإسلام الديمقراطي التمايز عن العنف، لأن الإسلام السياسي مصطلح أطلقه مستشرقون على العاملين في الحقل الإسلامي ووصفهم بالمتعصبين والعنيفين، والإسلام السياسي يحتوي في داخله كل أنواع الاستراتيجيات التي تعلن عنها لخدمة الإسلام، ومن ذلك استراتيجية العنف، وأيضا نرى أن الإسلام الديمقراطي أن نكون جزءا من هذا العالم ونخاطبه بمفاهيمه ولغته وأدواته التي يؤمن بها، نحن نريد أن نعطي رسالة للعالم أن الإسلام فيه حرية وديمقراطية ومدنية وحقق الإنسان، نريد أن ندخل إلى العقل الحديث من خلال نفس القنوات التي يفهمها ونرسل من خلالها أن هناك ديمقراطية إسلامية، مثلما هناك ديمقراطية مسيحية مثلا، فلماذا لا ندخل من هذه البــــوابات للعقل الحديث؟

بعد المراجعات التي قمتم بها في حركة النهضة، بحيث تم الفصل بين الدعوي والسياسي، مازالت بعض الأطراف تشكك في نوايا حركة النهضة، كيف يمكن تفسير هذه الشكوك؟

 كن متأكدا أن هذه الأطرف لن تتوقف عن التشكيك مادامت حركة النهضة قوية، وتمثل منافسا في العمل السياسي، يوم أن تخرج حركة النهضة من العمل السياسي باعتبارها منافسا لهم، ستتوقف هذه الحملة.

بهذا المنطق هم يريدون للنهضة أن تكون في السجون والمنافي أو الجبال مثلا؟

 نعم، هم يتمنون ذلك، وكانوا سيكونون سعداء لو كنا في الجبال، كانوا سيكونون سعداء أفضل من أن تكون تتحدث اليوم عن الإسلام الديمقراطي، يغيضهم هذا جدا لأنه يعصر استراتيجيتهم في استئصالنا وتبرير إقصائنا، هؤلاء استئصاليون، ولذلك هم منافسون يعتمدون على شيطنة حركة النهضة. هم منزعجون أيضا من دور سياسي وإقليمي أقوم به لصالح تونس أو لصالح حل الأزمة في ليبيا، من خلال حديثهم عن دبلوماسية موازية، اعتبر أن ذلك ضم سياقات التنافس السياسي، هناك استحقاقات انتخابية في الأفق، انتخابات محلية وبلدية، وهناك تنافس حزبي حتى وإن تجاوز الحدود المعقولة من الاتهامات.

هل تشعر أن هناك تقديرا في الغرب لدوركم ودور وإسهامات حركة النهضة في نجاح تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس؟

 أنا حضرت منتدى دافوس للمرة الثالثة، وأنا من الإسلاميين القلائل الذين يحضرون هذا المنتدى الذي يجمع قادة الاقتصاد والفكر والسياسة، ورأيت مدى التقدير الذي تحظى به التجربة التونسية وحركة النهضة لدى المجتمع الغربي وكل الأطراف التي تراقب هذه التجربة.

بعد سنة من إقرار المراجعات السياسية والفصل بين الدعوي والسياسي في حركة النهضة، هل تشعر أن هناك تفهما للنخبة التونسية لهذه المراجعات؟

 هناك تطور في النخبة السياسية التونسية، صحيح أننا نسجل السلبيات، لكن نحن ننظر أيضا للجزء الملآن من الكأس، يحسب للنخبة التونسية أنها صنعت الاستثناء التونسي في الربيع العربي الذي غرق في بحر من الفتن وتحول إلى برك من الدماء حتى صار عهد مبارك الآن مثلا في مصر أملا بعيد المنال، بينما تونس تنعم بالحرية بفضل الله وبفضل نجاح النخبة التونسية في إدارة الحوار بينهم وحل المشكلات حول طاولة، لك أن تذهب إلى بعض الفنادق التونسية والمصحات الخاصة سترى مظاهر مقضة للمضاجع وموجعة، ترى عشرات الشباب الليبي المعطوب الذي جاء للعلاج كضحايا حرب، هؤلاء جناية النخبة الليبية التي فشلت في إدارة الحوار بينها، والذي دفع الثمن هو الشباب والشعب الليبي، لكن النخبة التونسية لم تدفع الشباب التونسي إلى الحرڤة، ونجحت تونس وحلت مشكلاتها بالحوار وتنازل البعض للبعض، والنهضة تعتز بأن تكون أكبر من تنازل، حتى سمانا بعض الإخوة بدل النهضة حركة التنازلات، ونحن قلنا كما يقول المثل التونسي، لم تسقط في بطن عدو، ليس مهما لأننا تنازلنا لتونس ولأبناء وطننا ولأحزاب تونسية، المهم أن تونس ربحت، خسرنا السلطة لفترة لكن ربحنا الوطن.

قدمتم في الحركة تنازلات كبيرة، هل كانت التجربة الجزائرية في المأساة والوئام جزءا من قراءتكم الاستباقية للحالة التونسية؟

 بالتأكيد استفدنا كثيرا من تجربة التوافق والوئام في الجزائر، لأن الانتقال في الجزائر من الدم إلى الوئام، لذلك يبقى انتقال الجزائر من الحرب إلى السلم نقلة كبيرة ودرسا لكل عاقل.

أنت تراقب المشهد السياسي في الجزائر، كيف يمكن تقييم دور الإسلاميين في الجزائر في العقود الأخيرة؟

 دور القوى الإسلامية في الجزائر كان إيجابيا، وهذه مناسبة لأترحم على الشيخ محفوظ نحناح، وهو رجل عظيم، والحقيقة أننا لم نقدّره حق قدره في وقته وظلم حتى من قبل الإسلاميين وأسيء الظن به، والحقيقة أن التجربة والتاريخ مدرسة لاستخلاص العبر، وديوان للعبر، التاريخ شهد للشيخ محفوظ ببعد النظر والدور الريادي الذي قام به مع إخوانه والقيادة السياسية الجزائرية والرئيس بوتفليقة، والدور الذي قام به دور مشهود في الإسهام الفاعل في إطفاء الحريق الجزائري وفي إنقاذ إخوانه في حركة مجتمع السلم من أن ينزلقوا ويقعوا في هذا المستنقع أو يقعوا في الحرب المجنونة، وأنقذ فريقا واسعا من الشباب الإسلامي من أن يتردى في هذا، وأنقذ وحفظ التيار الإسلامي من أن تجرفه رياح الفتنة، وأنا في كل لقاءاتي مع الرئيس بوتفليقة ووزير الخارجية وكل المسؤولين الجزائيين الذين قابلتهم، لا يكاد حديث معهم يخلو من ذكر الشيخ محفوظ نحناح والترحم عليه، وذكر خصاله وجهوده وإسهامه الكبير في حماية الجزائر.

هناك تجربة إعادة توحد للأحزاب الإسلامية في الجزائر، بِمَ تنصح الإسلاميين والبلد مقبل على استحقاقات سياسية واجتماعية؟

 هؤلاء مجربون وقد عركتهم التجارب، واليوم هم يتجهون إلى وحدة الصف ولمّ الشمل وهذا اتجاه جيد، لأن هذا يجعل مشاركتهم في خدمة الدولة والجزائر والسلم والتنمية، وتقديري أنهم يسيرون في وجهة صحيحة، بعد أن جربوا وتوصلوا إلى أن يديروا اختلافاتهم بطريقة حضارية، لأن الحضارة هي كيف يمكن أن نجمع بين وحدة الصف وحرية الرأي، وكنت كتبت في الثمانينات مقالة صغيرة نشرت في كتاب صغير عن واجب الاختلاف ووحدة الصف، وأعتقد أن التيار الإسلامي يتجه إلى الاتجاه الصحيح في الجزائر.

مصدر الخبر : الخبر الجزائرية
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.