.

.

منزل حشاد

بتاريخ : 2017-03-03 الساعة : 15:22:54

اسم الكاتب : فتحي عابد     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 196




 

بسم الله الرحمان الرحيم

 

 

يتساءل محمود درويش في إحدى قصائده: "أأرض البشر لكلّ البشر؟". وصار على لسان الملايين في مختلف الدول العربيّة، حيث تستأثر فئة أو مناطق دون أخرى بعائدات البلاد والحصّة الكبرى من توزيع الثروة والموازنات العموميّة.

 ومنزل حشاد من معتمدية هبيرة ولاية المهدية {تونس}، مسقط رأسي. إحدى هاته المناطق التي حظيت باستمرار بتجاهل الحاجيات الأساسيّة والتنموية لها مما أدّى إلى موجات هجريّة بين المدن بمعدّلات مرتفعة ناهزت 50% خلال الأربع عقود الأخيرة نحو صفاقس، العاصمة والشريط الساحليّ. تحسب على الساحل ولكنها سحلت إلى الأسفل، مثلها مثل المناطق الداخلية الأخرى المحرومة، بل ترتيبها من حيث التنمية مرتبتين قبل الأخيرة على مستوى الجمهورية التونسية.

وكثير ممن بقي في عهد المخلوع انخرط في لعبة التجمع القذرة ألا وهي الوشاية... فمنزل حشاد تعد من أكثر المناطق الصغيرة والمتوسطة التي فيها هذا النوع من الخلق الذميم...

كانت تسمى قبل الثمانينات {نومرو عشرة} أي رقم عشرة.. وأتذكر وأنا صغير، أن نورالدين حشاد زارها، وغير لها الإسم إلى منزل حشاد تخليدا لوالده الذي كان له تاريخ نضال مع الجهة.

السياسة التونسية لم تنصف منزل حشاد، رغم المساحات الشاسعة التي تتصف بها، وخصبة أراضيها وغابات الزيتون واللوز التي فيها، حيث كان من المقرر أن يكون فيها معهد ثانوي، ثم اختيرت هبيرة لأنها حسب رأي أصحاب القرار سيكون الموت السياسي لهبيرة لموقعها الجغرافي لو وضع المعهد في منزل حشاد، ثم منعت من إرساء معتمدية فيها ووضعت في هبيرة لنفس الغرض..

أسس بها في منتصف الثمانينات مجلس قروي، ولم يكن فيه سوى المخبرين وتابعي الشعبة، والذين استفادوا منه هم وعائلاتهم فقط، ثم افتتح فيه مستوصف في نفس الفترة.. ووقعت المصادقة من طرف مجلس النواب في 29 نوفمبر 1989 على مثال التهيئة لقرية منزل حشاد تحت عدد 1810، ولكنه بقي في طي النسيان. لو يقع نهب لخيرات البلاد، كما صرح "خوان بابلو بوهو سلافسكي"، لكان نصيب معتمدية هبيرة من المال العام الجزء مائتان وستة وأربعون من إجمالي 38.99 مليون دولار، قيمة ماسرق من الخزينة العامة خلال الخمسين سنة الفارطة..

منزل حشاد هي المنطقة الوحيدة مقارنة مع المناطق المجاورة التي فيها أعلى معدل سكاني متعلم، حيث نسبة الأمية لا تفوق 13% حسب إحصائيات بعض المراكز المختصة..

{نومرو عشر} كما تعودت على تسميتها، كان لها تاريخ كذلك في النضال ضد المستعمر الفرنسي، وكان لها قائدان للثوار في الجهة، الأول: حسن بن أحمد الليحيو، شهر "حسن بن حمد"، والثاني: محمد البوني شهر "اللّبيني"، وكان هذا الأخير يقوم بالتنسيق مع "الفلاّقة". {الفلاقة هي مجموعة من المناضلين بدأت في الجنوب التونسي ثم امتدت بسرعة حتى وصلت منطقتنا وانخرط فيها كثير من أهالينا. هي صعبة المراس، شديدة ضد المستعمر، بارعة ومعروفة في قطع الإمداد عليه، والسطو على مخازنه وتفجيرها}، وكان بعض ميسوري الحال من شيوخ المنطقة خط المدد بالمال حين يستدعي ذلك، يزوره بين الفينة والأخرى صالح الورداني للتنسيق مع الجهة، وهو عضو في الحزب الدستوري القديم... حوله بورقيبة إلى إسم الحزب الدستوري الجديد، بعدما سيطر عليه وانتزعه من أيدي الزيتونيين والأحرار طواعية قبل الإستقلال بقليل..

بعد أن شارك بورقيبة بشخص "بشير زرق عيونه" عميل الإستعمار، في اغتيال فرحات حشاد الزعيم النقابي المناضل، والمساهم في تأسيس عدة صحف وطنية قبيل الإستقلال، خوفا منه لكثرة شعبيته في أوساط العمال والفلاحين والشباب، وتمسكه بالهوية العربية الإسلامية للبلاد، قبل محاولة الإغتيال الفاشلة لأحمد بن صالح في سويسرا بأربع سنوات.

ظهر بعض التذمر في أوساط المناضلين في جهتنا على لسان محمد البوني، الذي كان باتصال دائم مع النقابيين، أراد "زرق عيونه" الذي يعرف أحوال الجهة أكثر من غيره أن يتخلص من هذا الأخير، خاصة بعدما عرف أنه ترك البلدة وصعد إلى الجبل مع حسن بن أحمد الليحيو وجماعته، إثر مقابلته لـ"الدغباجي"، في جهة صفاقس بعد واقعة "المغذية". وكان الإيعاز فرنسي وقتها بتصفية كل من له صلة بصاحب "العركة المرة" كما يحلو لصاحبنا تسميته. فأرسل زرق عيونه للبوني أحد رجاله وثقاته، وهو أعور العين..

حل هذا المتواطئ بمنزل صاحبنا فعرفه وعرف ما ورائه، فأرسل في طلب بلقاسم بن سالم وأخوه إبراهيم حيث يتواجدا عادة تحت "السدرة" {السدر نبات ذو أشواك كثيرة وحادة منتج للنبق}، أزيل وأنا صغير، أو في الغار الكائن قرب سكناهما، تحول فيما بعد كمربض للخيل، وكنت من حين لآخر أزوره حتى منتصف الثمانينات كمرجع تاريخي بالنسبة لي، ومحطة مهمة في حياتي، وكنقطة انطلاق لنضال سيأتي من بعده…

بقي ثلاثتهم مع "الضيف" في سمر دون تحسيسه بشيء، ثم تظاهر هو بالنوم فتظاهروا هم أيضا بالنوم، وكان البوني جانبه ملتحفا بالبرنس ينظر إليه من فتحة فيه، وقبل الفجر أراد "الأعور" أن يغتال محمد، لكن انقض عليه هذا الأخير وأرداه قتيلا ثم دفنوه بجانب المنزل…

يبقى الحنين لمنزل حشاد حنين صغر صامت، لكني أحمل بداخلي أحاديث صغر لا صمت لها..!

فتحي عابد

فتحي العابد

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.