.

.

جبهة الانقاذ والتقدم .. الحدّ الجاذب والحدود الطاردة

بتاريخ : 2017-04-18 الساعة : 12:14:42

اسم الكاتب : نورالدين الختروشي     التصنيف : مـن هــنــا و هــنــاك ...     عدد القراء : 137




قد لا نختلف على الحاجة التاريخية لديمقراطيتنا الوليدة والضرورة السياسية المباشرة لإعادة التوازن للمشهد الحزبي الذي تبدو فيه حركة النهضة الأكثر تنظما والأكبر حجما، بعد تفكك غريمها بالأمس وحليفها اليوم حزب نداء تونس .

تأسيسا وبناءً على هذه المقدمة بادرت عشرة أحزاب (لا يعرف منها الشارع سوى حزبي مرزوق والرياحي) ومجموعة من الشخصيات السياسية للإعلان يوم 2 أفريل بقصر المؤتمرات بالعاصمة عن تأسيس جبهة “الانقاذ والتقدم”.

ليس مهما ما جاء في الوثيقة التأسيسية أو في خطاب رموزها من محاميل ومضامين وأهداف فجلّها إن لم نقل كلها معروفه ومتداولة ولا جديد فيها يفصح عن تمايز عن السائد والمستهلك .

المهم والايجابي في المبادرة هو مبدأ التجميع في ذاته، ففي مشهد حزبي تغلب عليه فوضى التشتت والتشظي البائس يصبح مجرد النجاح في تجميع بعض “الشتات” حول الأدنى أو الاقصى المشترك عملا محمودا وحدّا جاذبا يحسب لمن بادر به بقطع النظر عن خلفيات المبادرة ومآلاتها.

مبدأ التجميع قد لا يكفي لإنجاز المطلوب منه إذا لم يتحول التجميع إلى توحيد القوى أو الأطراف الملتقية على المشترك السياسي. هنا قصة أخرى، فبين الرغبة في الالتقاء وتجميع الشتات والقدرة على توحيده على أرضية مشتركه صلبة مسافة الامتحان الذي لم يُسجل التونسيون نجاحا لهم يذكر طيلة تاريخهم السياسي الحديث، لعدة أسباب منها ما يتصل بالموضوعي وأغلبها يتصل بالذاتي .

ثلاثة شروط أساسية دونها تتحول مبادرة الالتقاء الجبهوي في المجال السياسي إلى كابوس التشظي وأحيانا التحارب بالمباح وغير المباح  ..

أولها تجاوز الذات ( الفردية أو الحزبية ) وذلك بالنقد الذاتي المدجج بالشجاعة في مواجهة الذات والوعي بالضرورة السياسية لتجاوزها لصالح المشترك.

الشرط الثاني الثقة الأخلاقية والسياسية المتبادلة بين أطراف التحالف وغالبا ما تكون نتيجة مسار تقارب وتعاون على المشترك يفتح على ممكن التحالف الجبهوي لمواجهة استحقاق جامع يعي أطراف التحالف عجزهم عن انجازه منفردين .

والشرط  الثالث الانسجام الذي ينعكس على صلابة أرضية الالتقاء بما هي رؤية مشتركة وبرنامج موحد واستراتيجية جامعة.

الفقير إلى ربه، كاتب هذه السطور لا يعرف للأطراف الموقعة على بيان جبهة الانقاذ والتقدم نصوصا في النقد الذاتي، ولا يعلم لهم سابقة في العمل المشترك ولا يدري أي معنى للانسجام بين محمد الكيلاني أحد رموز أقاصي اليسار وسليم الرياحي أحد بارونات الليبرالية السائبة، ربما فوضى المعاني في الحالة تتحايل على الاستحالة لتفرز بؤس الرغبة في انجاز العبث .

في “الاتحاد قوة” لا أدري من قالها ولا أدري إن كان من قالها أستثنى “وحدة السلبي”،  فمجموع الضعف قد يفتح على ضعف مضاعف أو ضعف أكبر،  تبدو جبهة الانقاذ بما جمعته دون “مركز تجميع” أو قوة مركزية، فمن شروط تشكل “الجبهات” في المربع السياسي وجود “طرف كبير” تتجمع حوله وفي مداره أطراف صغرى، هذا في حين يبدو غياب مركز تجميع في حالة جبهة الانقاذ والتقدم مجرد تكديس لأطراف تتنازعها الحيرة ويتقاذفها التيه بين قزمية الحجم وانزلاقية الموقع وضبابية الهدف، لقد تساوى تقريبا حزب الوطني الحرّ والمشروع في الحجم والحيرة وتساوت بقية الأطراف القزمية في الحجم والتيه،  ولا ندري أي مستقبل لجبهة دون مركز مرجعي يحدد بوصلة الحركة ويلزم بها بقية الأطراف حين تعجز الديمقراطية أو التوافق في ترجيح خيار أو حسم قرار.. ننتظر خارقة الاستثناء في اختراق البديهة لتنجح جبهة الانقاذ في انقاذ نفسها من نفسها.

من حق خطباء قصر المؤتمرات يوم 2 أفريل أن يستمتعوا بحدة تصفيق القاعة وهم يؤكدون أنهم لن يتحالفوا مع النهضة ولا مع من تحالف معها أو ساندها فالسياسة تستعيد ألقها إذا عثرت على “عدو” وبشّرت بغبار حرب ممكنه.. والسياسة إذ تسري فيها عروق الحياة وتنشط في التحضير للحروب فإنها تموت عند اندلاع الحرب وتفقد المناورة مشروعيتها ويختفي معطف السياسي الأنيق ليتولى الجنرال قيادة جنده في محفل الدم.

يقفز دون رشاقة خطباء قصر المؤتمرات على حقيقة المربع السياسي الذي هو بداية ونهاية مربع الشراكة والتنافس بامتياز،  لا يعترف باستحالة تحوّل الشريك إلى منافس، أو تحوّل الخصم إلى حليف، إلا إذا تحوّل الفضاء السياسي إلى ساحة حرب قوامها التنافي ومعارك الوجود..

يبدو أن الخطاب السياسي في الحالة التونسية اليوم لم يطمئن للقبول بالمقدمة التي تركز على معنى الخصومة بدل التحارب، والتنافس بدل التنافي، وفي تأكيد رموز جبهة الانقاذ والتقدم على استحالة التحالف مع النهضة في الحاضر والمستقبل استبطان بائس لمنطق التنافي الذي يخرج المبادرة نفسها من المجال السياسي، كمجال تنافسي قاعدته الاعتراف بشرعية ومشروعية وجود المنافس كمشروع خصم مؤقت أو كمشروع حليف ممكن.

لن ألتفت إلى استدعاء الصراع على أساس الحداثة والتقدم في مقابل الأصالة والرجعية، فأغلب رموز الجبهة سبق أن استهلكوا هذا الخطاب أيام جبهة الانقاذ الأولى ثم دافعوا بالمتاح وغير المتاح عن التحالف مع النهضة في مراحل لاحقة،  بما يفقد خطابهم للمصداقية الأخلاقية قبل المشروعية السياسية، وسيكون من المضيعة للوقت والجهد تذكيرهم بأن الوصاية على قيم الحداثة من جنس الوصاية على قيم الأصالة تفتح دائما وتفصح أبدا على الأصولية الفكرية والاستئصال السياسي.

هل نعمق اليأس من قدرة نخبنا على التجدد والمبادرة في الاتجاه المطلوب وطنيا، إذا انحزنا إلى الخلاصة التي تقول أنه بقدر ما تضغط الحاجة التاريخية والضرورة السياسية في اتجاه هاجس إعادة تشكيل الخارطة السياسية على قاعدة التوازن السوي الذي يمنع الاستقطاب الحاد المنذر بممكن التحارب، بقدر ما تبدو استجابة الفاعلين والنخب السياسية في شكل مقايضة بائسة بين مطلوبها من حصة السلطة وقدرتها على تخريب المسار السياسي الذي أفرزه منجز الثورة في الاقصى والتشويش عليه وتعطيله في الأدنى.

جبهة الانقاذ والتقدم تحمل كل بذور التشظي والانشقاق ولن تستمر إلا بسحر ساحر أو معجزة نبي …

نتمنى أن نخطئ التأويل

مصدر الخبر : الرأي العام التونسية
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.