.

.

رمضان مدرسة تربوية جامعة

بتاريخ : 2017-06-01 الساعة : 11:47:15

اسم الكاتب : الشيخ الهادي بريك     التصنيف : كتب و دراسات     عدد القراء : 1611




 مقالات أُخرى للكاتب - الشيخ الهادي بريك
رحل رجل ( الجرأة ) سليم بقة
بين المرأة والقرآن : علاقة حبّ يفسدها الغالون
لترحل بن سدرين كما رحّلنا من قبلها الحبيب عاشور
تشريع الإرث بين الثبات والتغير في ضوء الأسرة الجديدة والدولة الجديدة
ترشيح اليهودي في ميزان الإسلام
يوسف الصديق : طعم جاهز وشهي على طبق إستئصالي
مسلمو ألمانيا : يا ملح البلد
خطاب رئيس الدولة بين العلم الشرعي والموقف الشرعي
عندما يكون العلم سلاحا ذا حدين
قراءة في الوثيقة السياسية لحماس

المزيد من المقالات

رمضان مدرسة الإخلاص

رمضان مدرسة الإرادة

رمضان مدرسة الأمل

رمضان مدرسة اليسر والواقعية

رمضان مدرسة التكافل الإجتماعي

رمضان مدرسة الصف الواحد المرصوص

رمضان مدرسة فقه الأسباب

رمضان مدرسة فقه الحياة والإجتماع

رمضان مدرسة تجديد الفحص الفني

رمضان مدرسة حقوق الإنسان

رمضان مدرسة الإخلاص

أخرج الشيخان عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال : „ قال الله عز و جل : كل عمل إبن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به. والصيام جنة فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فيلقل : إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه”. وفي رواية البخاري : „ يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي”.

أي علاقة بين الصوم والإخلاص؟

حديث النيات المتفق عليه هو الفيصل في عبادة الإخلاص. (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ ما نوى). لمّا طلب منّا عبادته سبحانه أكّد على خلوصها إذ لا يخلو الإنسان من عبادة لله أو لغيره ولذلك ألزمنا بترديد هذه القيمة (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) بمعدل مرة واحدة تقريبا في كل ساعة تناسبا مع الصلوات الخمس وغيرها. عندما يردّد الإنسان العاقل بلسانه ذلك حاضر العقل مستغرقا في صلاته فإن تلك القيمة تنغرس يوما من بعد يوم في لبابه وبذا يتخلّص من نفسه أوّلا ليتمحض لله وحده سبحانه ثم يتخلّص من غيره في الإتجاه ذاته. زكّى ذلك بقوله في سورة مكية شدّدت على الإخلاص كثيرا ـ الزمرـ ( فاعبد الله مخلصا له الدين). وختم سورة الكهف بالإخلاص كذلك (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا). كما أخبرنا أن السورة التي تحمل إسم الإخلاص ـ ولم ترد كلمة الإخلاص فيها ـ لا موضوع لها سوى التعريف بالله الواحد الأحد الفرد الصمد سبحانه. كما أخبرنا نبيه عليه السلام أنها تعدل ثلث القرآن. لم؟ لأن الإنسان في الحياة بين حقوق ثلاثة : حق نفسه وحق ربه وحق الناس. هذه السورة تتعهد بحق ربه عليه إذا آمن بها وعمل فهي إذن ثلث الحياة وهل القرآن سوى كتاب حياة؟

ولمّا أراد أن يعلّمنا الإخلاص نقل إلينا دفاع المشركين عن أنفسهم ـ في سورة الزمر نفسها ـ إذ قالوا في حركة توحي بأنهم في حرج كبير ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى). في نبرتهم ضرب خفيف من ضروب التبرئ من الجمع بين إلهين إثنين : الله الذي يقرّون له بالخلق وآلهتهم التي يدّعون لها معه سبحانه تدبيرا. ذلك هو الخيط الدقيق بين الإيمان الخالص بالله سبحانه وبين الشرك الخالص حتى عندما يكون أصحابه يؤمنون بالله خالقا.

الإخلاص إخلاصان : إخلاص في العبادة أي في الإعتقاد بتعبيرنا نحن وهنا يتميز الإيمان القحّ عن الشرك. وإخلاص في العمل وهو درجات أدناها الرياء الذي لا يكاد يسلم منه أحد وأعلاها صرف العمل أو جزء منه إلى غير الله سبحانه إبتغاء خير أو دفع ضر أو شرّ.

إبراهيم عليه السلام إمام الإخلاص.

لمّا عرض علينا قصة إبراهيم عليه السلام مع الإيمان ناظرا في السماء وكواكبها علّمنا أنه لما إختار الله وحده سبحانه (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) عقّب على ذلك بأنه الإيمان الخالص الصافي قائلا ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). وفسّر عليه السلام الظلم هنا بأنه الشرك الأكبر داعيا الصحابة الذين سألوه إلى سورة لقمان الحكيم في قوله لإبنه (إن الشرك لظلم عظيم). ومفسّرا لهم أن القرآن يؤوّل بعضه بعضها فهو حب متراكب متناسق متناظم متناضد. كما أخبرنا عليه السلام أن إبراهيم لمّا كان في الطريق إلى النار التي قذف فيها من لدن قومه جاءه جبريل عليه السلام قائلا : هل لك من حاجة؟ فقال في مشهد من الإخلاص ربما لم ير الكون مثله : أما عندك فلا. رجل تربع على عرش الإخلاص ثقة وأملا ويقينا وتسليما ورجاء فما رجا أحدا عدا ربه وما خشي أحدا عدا ربه. لا غرو فهو (أمة) بإخلاصه.

الإخلاص مضاد حيوي فتّاك ضد الكآبة.

الإخلاص هو التسليم التام للمالك القوي القهار أملا وتوبة وعودة مهما بدت المسافات بعيدة أو إدلهمت الخطوب. الإخلاص هو إمتحان الإيمان ومحكّه الواقعي. الإيمان تصديق عقلي يسير على الإنسان بحول مولاه و مهمة الإنسان هي تغذيته بالإخلاص توكلا صحيحا مدعّما بالأسباب والعمل والحركة وليس تواكلا وأملا زائفا إذ الأمل عبادة العاملين والأماني سراب القاعدين. الإنسان في حالة إمتحان دائم لا ينقطع ما دام حيا فهو إذن معرّض بالضرورة إلى الإبتلاء (بالشر والخير فتنة ). ولذلك فإن الإخلاص بلغته ( أي زاده) ولحمة خيمته وسداها وإلا إخترمته الدنيا بشهواتها أو بمهلكاتها. الشيطان تعهّد منذ اليوم الأوّل في الجنة بألاّ يدع خصمه إبن آدم آمنا مطمئنا لا يقرّ له قرار حتى ينال منه ولو قليلا ولذا يظل يخوفه في الدنيا بالفقر والحاجة (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ) أي يفرض عليه حالة من الكآبة ثم يؤزه إلى إقتراف ما يرفعها عنه من مثل التنكيل والتشفي والإنتقام ولا عصمة لإبن آدم في تلك المعركة الأبدية السرمدية سوى بلزوم الإخلاص لله وحده سبحانه.

الإخلاص جبّار الأخطاء.

علّمنا عليه السلام أن الإخلاص هو المطلوب الأوّل وأخبرنا أن أعسر عبادة على الإنسان إنما هي الإعتصام بالإخلاص دوما إعتقادا وعملا. كما علّمنا أن الإخلاص جبّار لكل نقص ولكل خطإ إذ أخبرنا عن متصدق من بني إسرائيل أنفق ماله فوقع في يد زانية فسخر الناس منه فتصدق ثانية فوقع في يد موسر فزادهم ذلك هزوا وفي الثالثة إعتصم بالصدقة كذلك فوقع في يد سارق فكثر همزهم ولمزهم فبشره الله سبحانه في رؤياه أن صدقاته كلها قبلت منه بسبب إخلاصه. جبر له إخلاصه نقص تسديده. ولما أخبر عن جيش يغزو الكعبة قال بحضرة الأم عائشة عليها الرضوان أنه يخسف بأولهم وآخرهم فقالت له : كيف وفيهم سوقتهم ومن ليس منهم؟ قال : يبعثون يوم القيامة على نياتهم. حتى حاطب إبن أبي بلتعة الذي نزلت فيه سورة الممتحنة ما عفي عنه سوى لإخلاصه إذ هو بدري سابق يحبّ الله ورسوله ولكن شغبت عليه التي سمّاها عليه السلام ( الولد مبخلة مجبنة) جبلّة وفطرة. ومثله أبو أيوب الأنصاري الذي ربط نفسه بسارية المسجد فخلط عملا صالحا وآخر سيئا ما نجاه سوى إخلاصه فما كان كلاهما يريد كشف رسول الله عليه السلام لإعدائه ولكن الخطأ ضربة لازب على إبن آدم (كل إبن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون).

الصيام إخلاص أو لا يكون.

الصيام هو العبادة الوحيدة ـ لأنها عبادة تركية بعبارة الفقهاء ـ التي لا يشغب عليها الرياء لا من قريب ولا من بعيد إذ لا يدع عاقل حقه في الأكل والشرب واللذة طلبا لرضى هذا أو دفعا لسخط ذاك ولو فعل ذلك نفاقا فإنه سيأكل ويشرب في أول فرصة يختفي فيها الذي يخشاه. لا تتجلى قيمة الإخلاص سوى في عبادة الصيام التي إنتخبها سبحانه لتكون له هو وحده وليكون الجزاء عليها ثوابا خارج جدول الحساب. لم يكن ذلك سوى لأن الصيام عبادة تغرس الإخلاص والإخلاص هو المنشود الأول الذي بدونه تغدو الحياة كلها مكذبة منفقة يتقدم فيها أصحاب الوجهين ويتأخر فيها الصادقون.

الإخلاص ثمر طيب يذكّر به فلا يزكى به أحد ولا بضده يتهم.

الأصل أن الصيام يغذي الإخلاص فينا مرة من بعد مرة وينمي الصدق عاما من بعد عام فمن لم ينل من ذلك شيئا فهو الجوعان العطشان الذي لا يرد باب الريان. الإخلاص محله القلب لأنه لبّ التقوى فهو إذن وظيفة الإنسان مع نفسه ولا سبيل له على غيره بسوى التذكير والترغيب والدعوة بالتي هي أحسن وتواضع لا تألّي فيه ولا غرور. تلك صورة من صورة قهر الله سبحانه فوق عباده فهو الوحيد الذي يعلم ما تخفي الصدور من إخلاص أو نفاق فلا (تزكوا أنفسكم) ولا تتقحّموا الأبواب الموصدة المكنونة. حاجتنا إلى الإخلاص أكيدة ماسّة ولا حياة لعيشنا سوى به وأظن أن إنشاء محاضن للإخلاص ودورات موسمية تغذيه وتنميه أجدر بنا من إدعائه لأنفسنا ونزعه عن غيرنا.

رمضان مدرسة الإرادة صبرا وحلما

الحياة شوطان : شوط للصبر وشوط للشكر.

 

من ملك نفسه فصبر كلّما غضب أو أغضب ثم تواضع لمن صنع له معروفا فشكر فقد إستكمل دينه وخلقه وروى حياته بماء زلال. لا يكاد يمرّ على الإنسان زمن إلا وهو يقتضي منه صبرا أو شكرا. حقّق بعضهم في عبادتي الصبر والشكر فإكتشف أن الصبر على مرارته أيسر من الشكر. الأمر مفهوم إذ أن عبادة الترك ـ كالصوم ـ أيسر على ما فيها مما لا بد منه لكل عبادة من عبادة الفعل كالصلاة مثلا أو الصدقة. الصبر عبادة تركية والشكر عبادة عملية فعلية. عندما يدعى المرء إلى فعل شيء ينال منه الذي ينال أما عندما يدعى إلى الكفّ عن شيء مباح ـ كالطعام والشراب ـ فإنه يحتاج إلى جهد أكبر للنيل من ذلك. لذلك إختار سبحانه عبادة الصوم وهي تركية ليكون ثوابها خارج الجدول الحسابي المعروف (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) وإختار عبادة الصبر وهي تركية كذلك ليقول فيها (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) أي لتخرج هي أيضا من الجدول الحسابي.

الصبر عن الكلام.

أخبرنا سبحانه عن مريم عليها السلام إذ نذرت لربها صوما عن الكلام فلا تكلم إنسيّا إذ قالت ( إني نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا). بعض الناس يظن واهما أن الكفّ عن الكلام أمر متاح يسير. الكلام شهوة ككل شهوة بل هو شهوة عارمة في الإنسان ولذلك عدّ سبحانه الحابس للسانه فلا ينطق إلا بخير من خير العابدين. سوى أن أكثر الناس يطلق لسانه البتار في أعراض الناس أو لغوا فيما لا ينفع فإذا لزمه قول الحق بكت. وجاء في الأثر أن الإنسان بأصغريه : قلبه ولسانه.

معادلة مفهومة : الصوم نصف الصبر والصبر نصف الإيمان.

أي أن الصوم هو ربع الإيمان. إذ قال عليه السلام مرّة أن ( الطهور شطر الإيمان) وقال مرّة أخرى ( الصوم نصف الصبر). وأصل الحديث عند أبي ماجة عن أبي هريرة أنه قال عليه السلام ( لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم والصوم نصف الصبر). لا يعني ذلك سوى أن الصوم هو ربع الإيمان. فمن صام وتطهر طهارة بدنية حاز ثلاثة أرباع الإيمان.

الصوم نصف الصبر : معادلة مفهومة إذ أن أكثر شيء يعيق الإنسان أن يصبر إنما هو الطعام والشراب واللذة فمن صبر عنها فقد قطع أشواطا بعيدة في الصبر ويلفى نفسه بعد سنوات من الصيام مؤهلا للصبر على لأواء الحياة فيصبر على شظف العيش إن حلّ به وعلى رحلة طويلة إلى العلم أو إلى الجهاد أو إلى أي شيء يتطلب شدّ رحال.

الصوم مدرسة الإرادة.

لا تعدم اليوم أن تلفى مفكرين أكفاء في كل الحقول تقريبا ولكن عندما تحتاج إلى تنزيل بعض مما أنتجوا فإنك تعدم الحد الأدنى. لمّا كان الأصحاب في مكة قال بعضهم أنه لو أذن لهم في الجهاد لأذاقوا الأعداء ما به ينتصر الإسلام ولمّا هاجروا إلى المدينة وإنفتحت أمامهم أبواب الحرية وكتب عليهم الجهاد الذي هو مهلكة للنفس والمال ضنّ بعضهم بنفسه وماله فأنزل عليهم سبحانه قوله ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ). في كلّ واحد منا ما يملأ الأرض أفكارا وآمالا ولكن تحول الإرادة في أحيان كثيرة دون ذلك إذ عندما تتحقق الإرادة الدائبة الصبورة فإن المعوقات الأخرى تزول شيئا فشيئا ويبارك الله سبحانه عملا بدأ صغيرا. أما من تخونه الإرادة فلن يتقدم خطوة. وصدق القائل بأن الفرق بين الناجح والفاشل مسافة إرادة.

الصوم يمصّ الشحنة الجنسية.

ليس خافيا على أحد أن أكبر غريزة مادية ـ لا معنوية ـ إنما هي الغريزة الجنسية مصداقا لقوله سبحانه ( زين للناس حب الشهوات من النساء). نبي الإسلام يعلمنا أن تلك الغريزة مؤهلة للمصّ من لدن الصوم إذ قال فيما أخرجه الشيخان عن إبن مسعود وعن الأعمش ( يا معشر الشباب من إستطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء). وقريب من ذلك حديث آخر في الحقل نفسه يقول فيه عليه السلام ( إن الشيطان يجري من إبن آدم مجرى الدم من العروق فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش ) أي بالصوم. هناك علاقة حميمية بين الغريزة الجنسية وبين داعيات الشيطان الذي يريد من إبن آدم أن يصرفها في الحرام لا في الحلال.

الصوم يجفف منابع اللعاب.

هذه حقيقة علمية مفادها أن الإنسان يفرز من ثقبات صغيرة جدا في فيه لعابا كلما تلقى رائحة طعام سيما إذا كان يحبه أو كان جائعا ويستوي في ذلك البصير والأعمى فإذا عقد الإنسان قلبه على نية الصيام فإن تلك الثقبات الصغيرة جدا تتجفف تلقائيا فإما ألاّ تسيل لعابا يزين للإنسان الأكل والشرب بالكلية أو تسيل ما لا يثير له شهية كبيرة. هذا مجرب من حيث الشعور إذ لا تستوي شهية الصائم مهما كان جائعا مع شهية غيره.

الصوم يعلّم الحلم والعفو والصفح.

أخرج الشيخان عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني صائم “. ذلك يعني أن الصوم يحملنا على الحلم حملا ثم يكون لنا ذلك عادة وسجية فإذا كثر صيامنا كثر حلمنا.

الصوم مدرسة للصبر والإرادة والحلم والصفح والعفو ولا مناص للإنسان في الحياة من الصبر الذي لا بد منه لمخالطة الناس ( من يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ) ولا مناص له من الإرادة التي تشيد له جدارا نفسيا ذاتيا قويا يحتمل الصدمات والكدمات ومفاجآت الطريق ولا مناص له من الحلم على سفيه مهذار ومن حمله الصوم عاما من بعد عام على إبتلاع جرعات غيظ أمرّ من الحنظل فإن شخصيته لن تكون إلا متوازنة معتدلة إيجابية.

رمضان مدرسة الأمل

لو لم تكن من فضيلة في الإسلام سوى فضيلة الأمل الذي يبعث الحركة ويغذي الحياة لكفاه فخرا. وليس من عدوّ للإيمان عدا اليأس والقنوط. فما فاز فائز إلا بجرعة أمل تدغدغ مهجته وما كفر كافر سوى بنضوب ينبوع الأمل في فؤاده. رمضان مدرسة تعلّم الأمل حقا.

أخرج الشيخان عن أبي هريرة أنه قال عليه السلام :" من صام رمضان إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". كما أخرجا عنه أيضا قوله عليه السلام :" من قام رمضان إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

وأخرجا عنه كذلك قوله عليه السلام :" من قام ليلة القدر إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

رمضان أو إعلان العفو الرحماني العام.

ذلك هو معنى أن مغفرة الذنب السابق كله رهين صيام رمضان فحسب بلا قيام أو قيامه فحسب بلا صيام لمن

رخّص له في الفطر بل بلا صيام ولا قيام عدا ليلة القدر فحسب لمن لم يقم ولم يصم لعجز طبعا. هل تصدق أنك تقوم سويعات قليلات في ليلة القدر أي في إحدى الليالي الوترية من الليالي العشر الأخيرة فيغفر ذنبك السابق كله بلا صيام ولا قيام؟ من صدّق ذلك ناله ومن إرتاب فيه نأى عنه مصداقا لوعده سبحانه ( أنا عند ظن عبدي بي). ذلك هو مصداق الآيات التي نرددها بمعدل مرة واحدة في كل ساعة على مدار الحياة تغرس فينا الإيمان به سبحانه والأمل في رحمته التي وسعت كل شيء (الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم). ما يجعلني حزينا أن الإسلام عنوان الرحمة والعفو في حين أن الإنسان هو عنوان اليأس والقنوط. مفارقة ليس أعجب منها.

ضراعة مستجابة تذكي الأمل

أخرج الترمذي وأحمد وإبن ماجة وإبن خزيمة عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :“ ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب : وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين”.

عندما لا يتحقق للإنسان ما يحبه في هذه الدنيا فإنه يلجأ بأكفّ الضراعة إلى ولي النعمة الأكبر عرفانا منه بضعفه وعجزه وإيمانا بقدرته سبحانه وتواضعا لعظمته وهي ذلة مطلوبة تعكس قيمة العبودية وليس كالدعاء الضارع منهلا يكرع منه الإنسان قوة تهدّ الجبال وتصنع المعجزات. وعندما يعلم الصائم أن دعاءه مستجاب

ولو بعد حين فإن ذلك يملؤه أملا في الحياة فكيف إذا جمع إليه مع الصيام عدلا أو كان مظلوما؟

رمضان وكيل قوي مأذون له في الدفاع.

 

أخرج الإمام أحمد والطبراني والحاكم عن إبن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة. يقول الصيام : أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه. ويقول القرآن : منعته النوم بالليل فشفعني فيه. قال : فيشفعان”.

الإنسان مدعو إلى المثول أمام المحكمة التعقيبية الأخيرة عن يمينه محامون موكلون بالدفاع عنه منهم رمضان والقرآن وعن شماله مغرقون موكلون بتوسيع إتهامه منهم الجلود والأيدي والأرجل والألسن. وعندما يعلم المرء أن رمضان وكيل مشفع مأذون له فإنه يستودعه ملف القضية بما فيه من إخلاص وتوبة وذكر وصلاة وصدقة وغير ذلك ومن إجتمعت له جبهة دفاع فيها الصيام وفيها القرآن لن يدخل النار بإذنه وحده سبحانه وذلك يبعث فيه أملا لا ينضب وليس للإنسان من قيمة سوى ما بصدره من أمل في الله وفي الإنسان معا فمن

نفذ رصيده من الأمل مات حتى لو كان أضخم جثة من البغل.

رمضان سوق الغفران الأوسع.

أخرج الحاكم عن كعب إبن جعرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :“ أحضروا المنبر” فحضرنا. فلما إرتقى درجة

قال : آمين. فلما إرتقى الدرجة الثانية قال : آمين. فلما إرتقى الدرجة الثالثة قال : آمين. فلما نزل قلنا : يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه. قال : إن جبريل عليه السلام عرض لي فقال : بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له فقلت : آمين. فلما رقيت الثانية قال : بعد من ذكرت عنده ولم يصل عليك. فقلت : آمين. فلما رقيت الثالثة قال : بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة فقلت : آمين”.

يتميز المعلم الناجح ـ ومثله المربي والمؤهل في كل حقل ـ ببثه الأمل في الصدور إذ أن الإنسان قارورة ملئ نصفها فجورا ونصفها الآخر تقوى. الفجور مبعثه اليأس. والتقوى مبعثها الأمل. فمن ذكى جانب الأمل في الناس نجح في مشروعه ولذلك تجد أكثر المصلحين والفاتحين نجاحا أكثرهم بعثا للأمل في صدور الناس حتى في أعسر ساعات المحنة بل فيها هي دون سواها. ( من أدرك رمضان فلم يغفر له بَعُدَ). كيف لا يبعد وقد زجّ به في بسط خضراء من أسواق الرحمة فما عاد منها بخف واحد من خفي حنين؟

بشارة يخفق لها الفؤاد ولكنها إمتحان.

أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري عليه الرضوان أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ ما من عبد يصوم يوما

في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا”.

نبدأ بالإمتحان لنقول أن الإنسان مبتلى في مسألة الوعد الرحماني وبشاراته وآماله فإن صدّق ذلك ناله وإن شكّ فيه جفاه. الفيلسوف الفرنسي روجي قارودي ـ عليه الرحمة ـ كتب كتابا كاملا سمّاه (وعود الإسلام). فقه الرجل رسالة الإيمان. هي رسالة عزّ ملتقطها في زمن كثر فيه المخوّفون من الرحمان سبحانه غير مراعين لوصية الإمام علي ( الفقيه كل الفقيه هو من لا يوئس الناس من رحمة الله ولا يؤمنهم من مكره). بشارة يخفق لها الفؤاد الحي الأمل. صوم يوم واحد ينأى بالإنسان سبعين عاما عن النار؟ فلسفة ذلك هو أن الإنسان لا يعمل في الدنيا حتى يمتلأ صدره أملا إذ الخائف لا يعمل وإن عمل فبتردد وإنقطاع. ألا يخاف الله إذن؟ لا. بل المعنى هو أنه يعمل ممتلئا أملا في رب لا يفرّ منه إلاّ إليه عند الخوف منه. وعندما تعمل بأمل مشوب بالخوف ممن تفرّ إليه منه فإن العقل يقول لك : رب غفور ومن تمام مغفرته أنه يؤمنك حتى وأنت فارّ منه فكيف إذا فررت إليه.

رمضان محطة سنوية لحمام ساخن دافئ.

أخرج الشيخان عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة

ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا إجتنبت الكبائر”.

لو نظرت في النظام التشريعي لألفيت عجبا إذ هي مرتبة على مقاس الإنسان يوميا وأسبوعيا وسنويا وعمريا. لا تدع الإنسان هائما على وجهه في الأرض إذ ترده إليها مرة كل خمس ساعات على مدار الحياة ثم مرة واحدة كل أسبوع (صلاة الجمعة) ثم مرة واحدة كل عام (رمضان) ثم مرة واحدة في الحياة (الحج). كأنها حمامات ساخنة دافئة لا تبرحك حتى تطهرك تطهيرا. لم أفهم شيئا واحدا : كيف يتسلل يأس أو قنوط إليك بعد كل ذلك؟

رمضان مدرسة اليسر والواقعية

مشكلتنا مع اليسر مشكلة نفاق.

كثير من الناس لا يسألون لأجل العلم بل لأجل الإثارة أو إمضاء الوقت و أكثر هؤلاء يسألون لأجل سماع

كلمة بعينها يريدونها وعادة ما تكون الكلمة في إتجاه المنع والحرمة فإذا خالفت السائد المعهود متجها نحو الإباحة المقيدة مثلا أو التكريه بدل التحريم أو الإستحباب بدل الإيجاب ثارت الثائرة وصنعت ملهاة جديدة تكون مادة سمر ليلا و(قتل وقت) نهارا. فإذا إتفق أن إتجه الجواب نحو الإيجاب القطعي أو التحريم القطعي فإنهم لا يلتزمون بذلك. ذلك هو معنى أن مشكلتنا مع اليسر مشكلة نفاق أي أننا نريد من المسؤول النطق بالتحريم والمنع بما يسترجع فينا ضربا من الطمأنينة الموهومة فحسب أما الإلتزام بذلك فهو قليل. كلمة قرأتها وسمعتها في الآن نفسه لأحد الفقهاء الكبار قبل عقود قوامها أن الخوف على العلماء لا ينبع من إنحنائهم في وجه الحاكم الجائر إلا قليلا إنما الخوف عليهم يتأتى من عدم تجهزهم بالشجاعة للنطق بما يرونه هم ـ حتى مع الإختلاف بينهم ـ بحضرة عامة الناس إما حفاظا على منازلهم بينهم أو خوفا من بطشهم المعنوي حطّا من القدر وإتهاما

بنقض الإجماع . لمّا قرأت ذلك إستعجبت ثم عشته واقعا.

فقهان لا مناص منهما لحسن فهم الإسلام.

فقه الإختلاف وفقه اليسر. الفقه الأول يأتي محله مع مدرسة جديدة من مدارس رمضان ويكفيك قوله سبحانه (إنما يخشى الله من عباده العلماء) تعقيبا على زهاء نصف صفحة من الكتاب العزيز بشأن قانون الإختلاف في ثمرات الأرض والجبال والدواب والناس. قمة الفقه هي الفقه بقانون التعدد فمن تنكبها فما له من العلم الإسلامي من حظ. أما فقه اليسر فهو موضوع هذه الحلقة (رمضان مدرسة اليسر).

مثال لليسر الذي لا نريده فنلتوي عليه.

أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال : أتى رجل النبي عليه الصلاة والسلام فقال : هلكت. قال : وما شأنك؟ قال: وقعت على إمرأتي في رمضان. قال : هل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال : لا. قال : هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال :لا. قال : هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ قال :لا. قال : إجلس. فأتى عليه الصلاة والسلام بعذق فيه تمر. فقال : تصدق به. قال : ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا. فضحك عليه الصلاة والسلام حتى بدت ثناياه وقال : أطعمه إياهم.

يتربع الحديث بإخراج الشيخين ورواية أبي هريرة على عرش الحديث الصحيح طرا فلا سبيل لنا عليه تضعيفا . عندنا حيلة أخرى هي أن ذلك كان خاصا به هو عليه السلام كأنه جاء بدين له ودين آخر للناس. أو هو خاص بهذا الرجل. وعندما تجود الدنيا برجل مثله؟ ذلك هو معنى قولي : أن مشكلتنا مع اليسر مشكلة نفاق بل مشكلة إلتواء لا تبعد كثيرا عن إلتواءات بني إسرائيل قديما. نحن نريد اليسر في المحكمات سيما فرائض العصر من مثل وحدة الصف رغم التنوع والمقاومة والجهاد بالمال لإنفاذ المشاريع التكافلية الكبرى. نريد اليسر حيث لا يسر بل تشدد ليقام الدين بالجماعة. ثم نريد التعسير حيث هناك يسر. حاله عليه السلام مع هذا

الرجل ليس هو مثالا فحسب بل هي حالة فكرية.

أمثلة يسر أخرى.

1 ـ أخرج الشيخان عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو

يومين إلا أن يكون رجلا كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم”.

2 ـ أخرج الترمذي عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا “. ليس ذلك سوى تيسيرا على الناس أن ينهكوا قبل رمضان فلا يتمّوه.

3 ـ أخرج الشيخان عن الأم العظيمة الكريمة عائشة أنها قالت : كان عليه الصلاة والسلام يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم”.

4 ـ أخرج الشيخان عن الأم العظيمة الكريمة عائشة أنها قالت : كان عليه الصلاة والسلام يقبل بعض أزواجه وهو صائم ثم ضحكت”. ولهما كذلك عنها (ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه). ذلك لتعليمنا اليسر إذ لا تنقض جنابة صوما ولا تقبيل ولا حتى مباشرة ولكن ليس كما فهمتها العالمانيات أي المباشرة الجنسية. والتقبيل مقيّد بملك الإرب.

5 ـ أخرج الشيخان عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه”. عندما يعمد بعض الفقهاء إلى القول بالقضاء على الناسي فلا يحمل كلامهم على الإيجاب بمعناه الفقهي الأصولي إنما تحبيبا في الخير.

6 ـ أخرج البخاري عن إبن عباس أنه عليه الصلاة والسلام إحتجم وهو محرم وإحتجم وهو صائم”. وأخرج أصحاب السنن وإبن حبان والدارقطني والحاكم عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :“ من ذرعه القيئ وهو صائم فلا قضاء عليه و من إستقاء فليقض”. وأخرج أبو داود عن أنس أنه قال : كان عليه الصلاة والسلام يكتحل وهو صائم.

أخذ الإمام البخاري بأصل في الصيام عنوانه (الفطر مما دخل وليس مما خرج). وليس النهي عن الحجامة سوى لتجنب الإنهاك فهي علته ولا يثبت أي حكم شرعي إلا حيث علته.

7 ـ أخرج الشيخان عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ تسحروا فإن في السحور بركة”. كما أخرجا عن سهل إبن سعد أنه عليه الصلاة والسلام قال :“ لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر “.

أسّ اليسر في الإسلام والصيام.

أخرج أحمد والبزار والطبراني وإبن خزيمة وإبن حبان عن إبن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ إن الله تبارك وتعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته”.

رمضان مدرسة التكافل الإجتماعي

أخرج الطبراني والحاكم والبيهقي عن إبن عباس أنه كان معتكفا في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام فأتاه رجل فسلم عليه وجلس فقال له إبن عباس : يا فلان : إني أراك مكتئبا حزينا؟ قال : نعم يا إبن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. لفلان علي حق ولاء وحرمة صاحب هذا القبر ما أقدر عليه. قال إبن عباس : أفلا أكلمه فيك. قال : إن أحببت. قال : فانتعل إبن عباس ثم خرج من المسجد. فقال له الرجل : أنسيت ما كنت فيه؟ قال : لا. قال : ولكني سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب فدمعت عيناه وهو يقول : من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها خيرا له من إعتكاف عشر سنين ومن إعتكف يوما إبتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار

ثلاث خنادق أبعد مما بين الخافقين.

لا إيمان بلا تحاض على طعام المحتاج.

ألا تجد عجبا وأنت تقرأ أن الإيمان تلازم منذ اليوم الأول مع حق المحتاجين؟ ألا تجد عجبا في قوله والناس في مكة وفي وضع حصار(أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدعّ اليتيم ولا يحض على طعام المسكين)؟.لم يكتف منا بالإحسان والتصدق بل طلب منا التعاون والتكافل على ذلك تحاضضا كما في قوله(ولا تحاضون على طعام المسكين) أو( ولا تحضون) بقراءة أخرى. الإيمان حق النفس وحق الله معا والطعام حق المحتاج ولا يقبل واضع الدين سبحانه تمييزا بين الحقوق حتى وأنتم في حالة مطاردة ونفي وتشريد وقهر. ثم إنحرف الدين فينا بمرور الأيام لنعتقد أن المتصدق بفضل ماله قد أتى بالمطلوب. والمطلوب هو التحاضض أي تأسيس

المبادرات التي تسعى لجلب حق الفقير من الغني.

ليهنك الفقه أبا عبس يا حبر الإنسانية.

أليس التدين الأكبر اليوم فينا هو تخليص رمضان للصيام والقيام والصلاة والذكر والتلاوة ولزوم البيت كفّا للشر فحسب؟ أنحن أعلم أم هو عليه السلام وحبر الأمة؟ أنظر كيف إجتمعت كل أسباب العلوية والفوقية والتقديم فما وزنت شيئا في مقابل محاولة قضاء حاجة مكروب. الرجل هو حبر الأمة والزمان هو رمضان بل عشره الأواخر وقد تكون تلك الليلة التي خرج فيها حبر الأمة ليلة القدر فهو يتحراها هناك والمكان هو مسجده عليه السلام والصلاة فيه بألف صلاة. كل ذلك لم يكن ليساوي شيئا في فقه إبن عباس ـ ترجمان القرآن ـ لمّا ألفى إلى جانبه في المسجد رجلا صاحب حاجة. ألا يعلّمك ذلك المنزلة المقدسة التي آوى إليها سبحانه الإنسان. الحزن يخترمني عندما أذكر أن الدين فينا منحرف بشكل رهيب نقدم حق النفس في العبادة على حق الإنسان في الكرامة.

عندما نقدم حقوق الإنسان على الإعتكاف نجدد إيماننا.

حبر الأمة معتكف في أفضل زمان وفي أفضل مكان وهو في أفضل عبادة أي الإعتكاف وهو أفضل الأمة فهو

حبرها بشهادته عليه السلام. يأبى عليه فقهه أن يظل معتكفا والرجل إلى جانبه له حاجة تؤرقه. هو لا يعرف الرجل وليس له به قرابة عدا قرابة الإنسانية والإسلام. لكم نحن بحاجة إلى هذا الفقه الإسلامي الأصيل حتى نعلم أن العدالة الإجتماعية في الإسلام ركن من أركانه التي بدونها ينهدم وأن حقوق الإنسان ركن من أركانه التي بدونها ينخرم.

هل تعجز أن يصوم الناس شهرا وتصوم شهرين؟

 

أخرج الترمذي عن زيد الجهني أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء”.

دين يقدم حق الإنسان على حق النفس؟ دين يمنحك فرصة لأن تصوم شهرا واحدا فإذا فطرت فيه صائما واحدا كل يوم يسجل في كتابك أنك صمت شهرين فإن فطرت فيه صائمين يكتب لك أنك صمت ثلاثة شهور وهكذا يكتب لك في كتابك الذي تحاسب على أساسه يوم القيامة من صيام بقدر تفطيرك للصائمين. هل هذا معقول؟ هل تصدق هذا أم تقول في نفسك هذه مبالغات لا أصدقها. كيف تعجز أن تصوم في كل رمضان شهرين على الأقل. كيف يكتب الله لذلك الصائم الفقير أجر صيامه ويكتب لك أنت أجر تفطيره كأنك أنت الذي صمت؟ إنه الرحمان صاحب المصرف الذي يثيب بغير حساب. ألا ما أشقانا عندما نسوّي بين مصرف الرحمان ومصرف الإنسان. هذا يرهقك ويفرض عليك فوائد ربوية تجعلك له عبدا ذليلا لسنوات طويلات وذاك يرزقك المال فإذا أنفقت منه ما عفا عن حاجتك فحسب أثابك به بسبعمائة ضعف في الحد الأدنى.

زكاة الفطر تكافل إجتماعي مطلوب.

أخرج مسلم ومالك والنسائي عن إبن عمر أنه عليه الصلاة والسلام فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حر أو عبد أو رجل أو إمرأة صغير أو كبير صاعا من تمر أو صاعا من شعير. كما أخرج أبو داود وإبن ماجة والحاكم على شرط البخاري عن إبن عباس أنه عليه الصلاة والسلام فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقة.

كيف يسعد الإنسان وإلى جانبه جاره ورحمه ومن يرى ويعلم أنه في حالة فاقة وحاجة؟ هل نزعت الرحمة من القلوب؟ الزكاة حق وليست منّة ولا إحسانا. يقال اليوم في بيئات كثيرة للمزكى له : تعال لتأخذ الزكاة. لا يا سيدي. الزكاة حقه وأنت هو المكلف بتمكينه منها عن يد. نُشعر المحتاج أننا أصحاب اليد العليا وأن الزكاة منّة وفضل. ذلك هو المنّ الذي يسخطه ويغضبه سبحانه. ألا ترى أنه في آيات الإنفاق في البقرة ظل يؤكد مطولا

على نبذ المنّ بما لم يفعله مع الحضّ على التصدق؟ ذلك يعني أنه يحفظ للإنسان كرامته.

ألا نتكافل لردم الهوة بين دين عظيم وتدين أعرج؟

غير المسلمين لو ألفوا من يحدثهم عن هذا الدين من حيث يسره و حفظه لحقوق الإنسان وجعله التكافل الإجتماعي فريضة لهبوا إليه. إنما يصدهم الجهل به عندما يظل شغل الدعاة هو ملبس المرأة وذقن الرجل وسرواله وجزئيات أخرى حظها في الدين صغير. هذا الدين إنما فاز وإنداح لما خاطب الفطرة أي عالج حاجة الإنسان إلى القوة الروحية التي تؤمّن له الطريق وإلى العدالة الإجتماعية التي تؤمّن له كرامته وإلى الحرية التي تؤمّن له عزته. وعندما نتنكب هذا لنقلب السلّم فنخاطب الإنسان من عورته وأسفله فإن الإنسان لن يقبل على ديننا. أليس عارا أن يتلازم الإيمان مع التكافل في ديننا ثم ننتهي إلى فقر وأثرة؟

رمضان مدرسة الصف الواحد المرصوص

أصول الإسلام خمسة:

العلم الذي لا يكون بدونه إيمان ولنا فيه أول كلمة ربطت السماء بالأرض وهي كلمة (إقرأ) كما لنا فيه سورة حملت رمز العلم والمعرفة أي (القلم). والصف الواحد المرصوص حتى وهو متنوع مذهبيا وفكريا ولنا فيه سورة إسمها (الصف) إذ لا قيام لأمة إلا بصف واحد مرصوص. وكرامة الإنسان التي ترجمتها سورة (الشورى) أن يعقد الأمر أو يبتّ فيه من فرد أو فئة وهو مغيّب. والقوة ولنا فيها سورة (الحديد) وأمر بإعدادها. والإصلاح إئتمارا بالمعروف وتناهيا عن المنكر وإصلاحا لذات البين ولنا فيها سورة (العصر).

ما نصوم في زمن واحد إلاّ لنتدرب على الصف الواحد المرصوص.

فقه الدين كلمات ثلاث : الإجتماع واليسر والإختلاف. لو كان المقصود هو العبادة فحسب لما دعينا إلى صلاة الجمعة المفروضة علينا في ظهر كل يوم جمعة ولما دعينا إلى صيام واحد في زمن واحد ونحن متفرقون شعوبا وقبائل وأمكنة. كان يمكن لكل واحد منا أن يصوم شهرا متتابعا ولا حرج عليه أن يكون ذلك في رمضان أو شعبان. وكان يمكن أن ندعى إلى حج البيت الحرام مرة في العمر كلّ عندما يتيسر له ذلك سواء في ذي الحجة أو في صفر. بل إن تفريق الحج على الزمان أدنى إلى تجنب الزحام المفضي إلى الموت.

رمضان مدرسة تجمع شملنا ولا تفرقه بإسم الدين.

أخرج الشيخان عن أنس أنه قال : كنا نسافر معه عليه الصلاة والسلام فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم”.

ورد في حديث آخر صحيح أنه عليه السلام قال ( ذهب المفطرون اليوم بالأجر). أي أن الدين مبناه اليسر ليأتيه كل منا بما يناسبه وفق ضوابط عامة فيظل المجتمع النبوي فيه الصائم الذي يقدر على مواجهة الجوع والعطش في أيام حرب وسفر وفيه المفطر الذي لا يقدر على ذلك ولا يعتّب أحد على أحد بل يشهد عليه السلام للمفطرين بذهابهم بالأجر لأنهم ما صاموا ولكنهم خدموا الصائمين. أرأيت كيف أن الأخذ باليسر أعظم أجرا. ألا ما أشقانا عندما نعامل بعضنا بعضا قضاة يوزعون سنوات السجن أو أعوان حرس يبحثون عن التهمة. العبرة بالصف الواحد وليس بالصيام والإفطار.

نصوم جميعا ونفطر جميعا ونعيّد جميعا لرص صف واحد.

أخرج الشيخان عن إبن الخطاب أنه قال : هذان يومان نهى عليه الصلاة والسلام عن صيامهما : يوم فطركم من صيامكم واليوم الآخر الذي تأكلون فيه من نسككم.

قال الفقهاء أن الصوم في العيدين محرم وهو كلام صائب لأجل الصف الواحد المرصوص. الإسلام يشرع لنا في عباداتنا نمطا في الحياة يوحي بالوحدة فيشعر كل واحد أن الدين ليس له وحده وأن الناس يشاركونه فرحته وصومه ومن ذا يتألف الصف الواحد المرصوص.

فتنة الهلال والرؤية وأثرها في هدم الصف الواحد.

أخرج أبو داود وإبن ماجة عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون “. كما أخرج الشيخان عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين”. كما أخرجا عن إبن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدورا له”.

عندما أقرأ مثل هذه التوجيهات النبوية أذكر كيف كنت طائشا في أول تجربة تدين لي عندما كنت شابا يافعا. كنّا نقوم بإيراء زوبعة في فنجان بمناسبة هلول شهر رمضان المعظم ومثله شهر شوال. كنّا نعتقد أن الدين جاء لكل واحد منا لوحده. كنّا نعتقد أن الناس على ضلالة بسبب أنهم لم يعتمدوا الرؤية سبيلا إلى معرفة دخول الشهر أو رحيله. كنّا نقفز إلى الدين من النوافذ لنأخذ بحديث في الرؤية وندع أصلا في الكتاب العزيز وهو ينشئ لنا سورة كاملة إسمها سورة الصف. لا بد أن يكون سبب قوله عليه السلام (صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون) هو صرف الناس عن الجدال العقيم في شأن الرؤية إلى الفريضة المحكمة أي وحدة الصف. مبعث حزني هو أن تتجدد في الشباب المتدين اليوم الزوابع نفسها. إنقسام بسبب فرع ديني صغير بما يؤول إلى خرم الصف وهو فريضة.

العلم أبواب ثلاثة.

فإما رؤية بالعين المجردة أو بسبيل المكبرات البصرية أو إكمال لشعبان ثلاثين يوما في صورة حدوث غمام يحجب إمكانية الرؤية وهو ما يسمى بالأصول إستصحابا للقديم حتى يظهر الدليل على خلافه أو تقدير حسابي علمي فلكي. الحديث النبوي نفسه أشار إلى الأبواب الثلاثة ولكن فشا فينا فقه يستبعد الحساب الفلكي ويقرّ الرؤية فحسب. لم؟ الذين عاشوا في العقود المنصرمة يعرفون أن في الأمر تجاذبات سياسية دينية بين مراكز التأثير أي الرياض والقاهرة ثم إلتحقت بهما قم الإيرانية. الصحابة أنفسهم لم يكونوا يصومون في يوم واحد ولا يعيّدون في يوم واحد بسبب تباعد المسافات وإنعدام وسائل إعلامية وعدم تمكنهم كلهم من تبيّن الأمر. في ألمانيا تحديد علمي دقيق لميلاد الأهلة في كل شهر قمري ضمن يومية قمرية يواظبون على إخراجها منذ عقود إلى جانب اليوميات الشمسية. هؤلاء عملوا بقوله سبحانه (ولتعلموا عدد السنين والحساب). لم؟ لنعبده في رمضان والحج بحسب معطيات الحساب القمري.

فريضة الصف الواحد مقدمة على إختلاف التقديرات الحسابية.

ما يهمني أن يكون صفنا واحدا موحدا مرصوصا ونحن متنوعون في كل شيء تقريبا. ذلك هو التحدي وذلك هو الإمتحان. ما جاء رمضان ليجعل منا أمما فهؤلاء على حق لأنهم صاموا يوم الإثنين والآخرون على باطل لأنهم صاموا يوما قبله أو يوما بعده. إنما جاء رمضان ليوحد صفنا على إختلافنا. فمن لم يع الدرس فلا عليه أن يصوم أو يفطر.

رمضان مدرسة فقه الأسباب

أخرج الشيخان عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ تسحروا فإن في السحور بركة”.

ما هي بركة السحور؟

بركة السحور بركتان : بركة مادية يستعين بها المتسحر على صومه إذ يأكل ويشرب في تلك الآونة ما يتيسر له من فضل ربه ليقاوم بذلك ساعات طويلات من الجوع والعطش وخاصة لمن يتعرض لحرارة الشمس أو العمل المرهق أو يكون الصائم ملازما للظل ولكن طول ساعات الصيام ـ سيما لمن لم يروض جسمه على ذلك ـ تنال منه يوما من بعد يوم فلا يجد سوى أكلة السحر بركة يتقوى بها على ذلك. تلك هي بركة السحور المادية.

وبركة معنوية روحية يستعين بها المتسحر على يومه وحياته إذ أن أفضل زمن في اليوم والليلة هو زمن السحر الذي قال فيه سبحانه مرتين ( وبالأسحار هم يستغفرون ) و ( المستغفرين بالأسحار). من يقوم لسحوره يصيب ولو ركعتين يناجي فيهما ربه سبحانه طويلا ويسجد طويلا ويندم على ما بدر منه ويبكي ويتضرع ويتذلل لمولاه سبحانه وذلك هو المطلوب من العبد لربه إذ أن مخ الإسلام هو قوله عليه السلام ( اللهم أحيني مسكينا وتوفني مسكينا وأحشرني مع زمرة المساكين ). المسكنة المعنوية الروحية في محراب الضراعة حتى لو كان المسكين من أغنى الأغنياء وأيسر الموسرين. المتسحر إذن يصيب بركة العبادة في زمن العبادة. أي دليل يجعلك تقصر البركة على البركة الروحية فحسب؟ ألا تؤمن ببركة الرزق والمال إذ يأكل الصائم قليلا وقت السحر ثم يتقوى بإذن الله بذلك لساعات طويلات. أليست تلك بركة؟

عنوان النجاح في الحياة هو فقه الأسباب.

ليس هناك شك في أن تأخر المسلمين منذ قرون وعقود إنما مرجعه في جزء كبير إلى تركهم الأسباب والتوكل الإسلامي الصحيح. فما هي الأسباب؟ الأسباب جمع سبب والسبب هو الشيء الذي لا بد منه لنشوء شيء آخر. دخول شهر رمضان مثلا سبب للصيام ودخول الفجر سبب للصلاة. بنى ربك سبحانه الكون والخلق وإجتماع الناس على قاعدة السببية فلا يتكون شيء أبدا طرا مطلقا ـ حتى لو كان معجزة كما سنرى بعد قليل بحوله سبحانه ـ إلا بسبب. من فقه ذلك نجح في الدنيا وفاز حتى لو كان كافرا ومن تنكب ذلك فشل وأخفق حتى لو كان مؤمنا ( كلاّ نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا).

أمثلة لفقه الأسباب من القرآن الكريم.

1ـ مريم البتول عليها السلام هو الذي كتب عليها سبحانه حملا ووجعا ومخاضا بدون ذكر مسّها ورغم ذلك لم ييسر لها أمر الولادة إلا من بعد ما أمرها بالأخذ بالأسباب والسبب الذي أخذت به هو أن تهز النخلة إليها هزا ليسقط عليها الرطب الجنيّ. ألا تسأل نفسك : أليس من الأنسب ألاّ يأمرها بذلك وهي لا ناقة لها ولا جمل في الحمل؟ لا. إنما كان ذلك منه سبحانه ليعلمنا نحن اليوم أن السبب لا بد منه حتى في المعجرة. فما بالك في ما تكسب اليد البشرية.

2 ـ موسى عليه السلام لما أنجاه من فرعون وأمره بأن يشق البحر قال له إضرب بعصاك البحر وهو قادر سبحانه على أن يشق له البحر. فلم أمره بضرب البحر بعصاه؟ وهل يظن عاقل أن ضربة موسى بعصاه البحر هي التي شقت البحر؟ أبدا. هي معجزة ولكن أمر بذلك لنعلم نحن اليوم أنه لا بد من السبب حتى في المعجزة.

3 ـ ذو القرنين هو فقيه الأسباب إذ حكى لنا عنه سبحانه في رحلته من غرب الأرض إلى شرقها ثم إلى ما بين السدين وهو يتبع السبب (ثم أتبع سببا). أي ينشئ الأسباب ويتبعها ولا يذهب مغرّبا أو مشرّقا هائما على وجهه بدون سبب معدود. ومازال كثير من المسلمين اليوم يصدقون كذبات الشياطين ـ شياطين الإنس لا الجن ـ عندما يقولون لهم كنا نصلي في الحرم المكي أو المدني وما بينهم وبينه آلاف الأميال. أي علاقة بين الإيمان كما عرفناه وبين هذه الخزعبلات التي يخاف اليوم أكثر المؤمنين على أنفسهم إن لم يصدقوها.

السحور سبب.

السحور في رمضان سبب مادي تأهلا على الصيام وتلك هي وظيفته المادية فضلا عمّا أنف ذكره من كونه فرصة ذهبية عظيمة لأن يقترب العبد من ربه في تلك اللحظات الغالية.

ذلك يعني أن رمضان مدرسة نتعلم فيها فقه الأسباب. ألم يتقدم الغربيون اليوم وهم غير مؤمنين بإتخاذهم الأسباب العلمية للتصنيع والقوة ووحدة الصف والتنوع المعترف به وقوة التفكير الذي به تسخّرت لهم الأرض بإذن ربها سبحانه. قطعا ودون ريب. ولمّا قعد المسلمون عن طلب السبب تواكلا ما أمطرت السماء عليهم ذهبا ولا فضة لأنهم مسلمون وما أينعت الأرض من تحت أقدامهم رخاء لأنهم مؤمنون.

الإنسان سبب وقدر.

لما سأل الصحابة النبي الأكرم عليه السلام عن الأدوية التي يتداوون هل تدفع من قدر الله من شيء قال لهم ( هي من قدر الله). وعوا ذلك وفقهوه فأنطلقوا في الأرض يعملون ويكسبون ويكدون ويجتهدون فملؤوها في غضون سنوات أو عقود بالخير والعدل والحرية. كانوا قوما عمليين . يسمعون فيفقهون فيعلمون. تلقى ذلك رجال منهم عبد القادر الجيلاني الذي يؤسس بعضنا من الطرق الصوفية فرقا بإسمه ومنهم إبن القيم ومنهم قبل ذلك الفاروق عمر ومنهم الشاعر الهندي محمد إقبال. هؤلاء وغيرهم عرفوا بقالات في القضاء والقدر يكفّرون بها اليوم وربما كفّروا بها بالأمس. هؤلاء جميعا وغيرهم قالوا : حارب قدر الله بقدر أحب إلى الله منه. بعضهم قال : إدفع قدرا بقدر. وبعضهم قال: نفرّ من قدر إلى قدر. الإنسان في الإسلام سبب وقدر فاعل إيجابي وليس هو مفعول به فيما يحاسب عليه إلا ما كان قضاء مقضيا في الكون مما لا يسأل عنه من مثل جنسه ولونه ولسانه وزمانه ومكانه وأمه وأبيه. الإنسان سبب يهدي به الله سبحانه من يشاء ويضل به سبحانه من يشاء. وهو قدر من أقدار الرحمان سبحانه. عندما تستوعب ذلك التصور فإنك تسعى في الأرض فاعلا إيجابيا وعندما يقف بك إيمانك في منتصف الطريق فإنك ستجد نفسك تكثر من قولك في كل شأن هذا قضاء وقدر. قال العلماء : القضاء والقدر يحتج له وليس به. كن سببا في هذه الدنيا وكن فيها قدرا من أقدار الرحمان سبحانه يستعملك ليهدي بك من يشاء ويستخدمك ليعلّم بك من يشاء. تعال إلى منظومة القدر وكن عضوا فيها وليس غريبا عنها تتقيها لأنها لن تتقيك

رمضان مدرسة فقه الحياة والإجتماع

من فَقه الحياة فَقه الدين.

ما هو فقه الحياة والإجتماع؟ فقه الحياة هو مجموع العلوم والمعارف مكتسبة وموروثة مما يهيئ الإنسان ليعيش مع أخيه الإنسان في أمن وسلام وتعاون. الإسلام بكل تشريعاته يعلمنا كيف نحيا مع الناس في مختلف بيئاتهم وأحوالهم. الحياة تجربة وفرصة فإما عرف الإنسان أبوابها وقوانينها فعاش بطمأنينة مع نفسه ومع الناس وإما جهل ذلك أو تنكبه فهو معرض إلى العنت والحرج والمشقة. كمن يدخل حزبا أو منظمة أو مغازة أو أي حمى يشترك فيه الناس معك في المرافق. بل كمن إنخرط في الطريق بسيارته.

رمضان مدرسة لفقه الأدب.

أخرج أبو داود عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام جاء إلى سعد إبن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل ثم قال عليه الصلاة والسلام : „ أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة”.

ذلك يعني أن الإنسان يشكر من أسدى إليه خدمة إذ قال عليه السلام ( من لم يشكر الناس لم يشكر الله). فينا نحن العرب جلافة وغلظة وقسوة وتأبّ عن شكر الناس بخلاف الأروبيين. نحن ثقلاء وبخلاء في البدء بالتحية أو حتى ردها أحيانا. أما إذا تعلق الأمر بشكر الناس فلا تكون الألسنة سوى أثقل من جبال راسيات. فينا كبر. هذا مظهر من مظاهر فقه الحياة والإجتماع الذي نتعلمه من رمضان.

رمضان مدرسة الثقافة الصحية.

أخرج الترمذي عن عامر الضبي أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور”.

أكدت اليوم الأبحاث الطبية أن البطن الذي ظلت فارغة لساعات طويلات لا يناسبها عند الإفطار سوى سائلا وخير سائل هو الماء الذي قال فيه سبحانه (وجعلنا من الماء كل شيء حيّ) ومثله اللبن وكلاهما ـ مع العسل وخمر الآخرة ـ ممدوح في القرآن الكريم في سياق واحد. أو يكون الإفطار على تمر وهو كذلك ممدوح في الكتاب وهو الذي إختاره سبحانه لمريم العذراء البتول وهو تضع عيسى عليه السلام.

 

رمضان مدرسة الثقافة الإجتماعية.

أخرج الطبراني أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ من نزل بقوم فلا يصومن إلا بإذنهم”.

أخرج الشيخان وأحمد عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :“ لا تصم المرأة يوما واحدا وزوجها شاهد إلا بإذنه إلا رمضان”.

المقصود بالإذن هنا هو الإذن بالصيام خارج رمضان أداء وليس حتى قضاء وذلك للضيف والزوجة سواء بسواء. أرأيت كيف أن الدين لا يسير في خط واحد يمضي إلى الأمام لا يلوي على شيء كما نريد نحن أن نفهمه؟ أرأيت كيف أنه يراعي إعتبارات أخرى منها : حاجة المضيّف إلى إكرام ضيفه؟ إذ لا معنى لضيافة رجل صائم بل إن ذلك عادة ما يسبب للمضيّف حرجا في النهار فهو يأكل وضيفه صائم وفي الليل ربما يشقّ على نفسه مبالغة في إكرامه أو يشقّ على ضيفه أن رآه مقصرا في حقه. لا يحول الدين ـ إلاّ عندما يكون تدينا مزيفا ـ دون أداء حق النفس وحق الله في الصيام وحق الناس في إتاحة الفرصة لهم لقيادة حياتهم مع أنفسهم ومع ضيوفهم بما يرفع الحرج لا بما يرسخه. ذلك مثل باهر على أن رمضان ـ وعبادة الصيام بصفة عامة ـ يعلمنا فقه الحياة وفقه الإجتماع.

حال المرأة لا بد من إفراده بفقرة خاصة به.

من لا يفهم هذا الدين في جماعه ويسره وإختلافه (وهي أركانه العظمى) لن يفهم منه ومن تعليماته شيئا. كيف لا يسمح للمرأة أن تعبد ربها إلا بإذن زوجها؟ لو عالجت المسألة في إتجاه واحد سارعت إلى إتهام الإسلام بالحط من قيمة المرأة. ولكن عندما تتريث تلفى أن المنع خاص بكل صيام عدا صوم رمضان أداء لا قضاء من ناحية ومن ناحية أخرى تدرك أن الحكمة من ذلك هي عدم الشغب من لدن المرأة الصائمة على حق زوجها بإسم أداء حق نفسها أو حق ربها. من لم يدرك يسر الإسلام وواقعية تشريعه ومراعاته للإنسان فطرة لم يدرك شيئا منه. لا بد من العود دوما إلى كلياته لنفهم في ضوئها هي جزئياته وإلا ضللنا وأضللنا. أعرف أنك ستقول: تبّا لهذه الغريزة. ألا تثور إلاّ والزوجة صائمة؟ أين التدين والورع والصبر؟ أسئلة لها حق الثوران ولكن عليها واجب الفقه. المسألة خاصة بالزوجين إبتداء ولكن النهي منصبّ على المرأة التي تكثر من الصيام تنفلا إلى درجة حرمان زوجها منها وقد تكون هناك ظروف صحية أو إجتماعية أو مهنية تحول دون لقائهما إلاّ وهي صائمة. هو إذن عام معروف بين الزوجين وليس مرتبا بإدارة وشرطي وكاتب في الأسرة. حتى لو كانت صوامة فلها أن تصوم في غيبته ودون إذنه لأن الإذن معلل بثوران الغريزة. وليس هناك رجل مؤمن يمنع زوجه من الصيام في العادة عندما يكون هناك إعتدال في حضورهما وفي عبادتهما وفي مزاجهما العام. ولكن

من حق التشريع كأي قانون أن يتحسّب لمثل هذه المسائل أن يتهم الدين بأنه عسير لا واقعي.

رمضان مدرسة لفقه الدين وفهم رسالته.

أخرج إبن حبان عن إبن الخطاب قال : قلت يا رسول الله هلكت. قبلت وأنا صائم. فقال عليه الصلاة والسلام : „ أرأيت لو تمضمضت؟”.

الإسلام لا يعتمد التلقين في المنهاج التعليمي والتربوي بل يعتمد الجدل العقلي والحجاج المنطقي الذي به تطمئن القلوب وتؤمن العقول. في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز وفي مثلها من الحديث تلفى مثل ذلك. كان يمكن له هنا عليه السلام أن يقول له : لا شيء عليك. إنما أراد أن يعلمه فقه الحياة وفقه الدين وفي الآن نفسه يخبره بطريق القياس العقلي المنطقي ألاّ شيء عليه إذ قبّل زوجه وهو صائم. قاس عليه السلام القبلة على المضمضة التي يلجأ إليها الصائم إثراء لفمه. ما وجه القياس أو العلة المشتركة بلغة الأصوليين؟ هي العفو من الناقض. فلا القبلة إيلاج أو إمناء ولا المضمضة إيلاج لماء. ليس هناك سبيل أخصب من القياس لحسن فهم رسالة الإسلام وجعل تشريعه ينبوع ماء زلال بارد يضخ الحياة دوما بلا توقف. القياس في بعده العقلي المنطقي الواسع هو أبو الإستصلاح والإستحسان. القياس ملكة فقهية عجيبة توسع الأفق العلمي ليستوعب كل جديد وحديث

رمضان مدرسة تجديد الفحص الفني

الإنسان عربة روحية تقاس على العربة المادية.

الإنسان كائن مركب يحتاج إلى تجديد فحصه الفني ماديا ومعنويا بصفة دورية منتظمة شأنه شأن كل عربة حتى يقدر على مواصلة الطريق. الإنسان يجدد فحصه الفني مرات في اليوم أكلا وشربا وراحة وأحيانا يذهب إلى الطبيب ليجدد فحصه الفني حقيقة لا مجازا فيقيس له سوائله ونبضه وغير ذلك أن تداهمه الأمراض فجأة. أليست الروح في حاجة إلى مثل ذلك؟. لذلك جعل لنا سبحانه محطات دورية منتظمة موزعة في اليوم والليلة والأسبوع والسنة والعمر لنفحص أنفسنا ونجدد فحصنا الفني تأهلا لخوض غمار حياة جديدة.

القيام في رمضان تجديد للفحص الفني.

أخرج الطياليسي عن إبن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من المكثرين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين”.

عشر آيات تقيك الغفلة التي هي نافذة الشيطان يتسلل منها إليك مثل المعوذات الثلاث أي الإخلاص والفلق والناس. أفلا يكون لك ذلك محطة يومية وهي لا تستغرق سوى عشر دقائق على أقصى تقدير بسجود طويل؟ ومائة آية تكتب بها من المكثرين مثل ما بين سورتي الضحى والناس أي زهاء عشرين سورة من القصار ولا تستغرق سوى نصف ساعة أو ساعة على أقصى تقدير بضراعة باهلة طويلة خاشعة. أفلا يكون ذلك برنامجك الأسبوعي أو الشهري؟ ولك أن تكون من المقنطرين مرة واحدة في العام أو مرة كل خمس سنوات أو عشر أو مرة في العمر لتصلي ليلا فيما يباشر السحر بألف آية وهي بزهاء الجزءين الأخيرين يعني من سورة الملك حتى الناس.

القرآن شفيع ومفحص فني كذلك.

 

أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري أن أسيدا إبن حضير بينما هو في ليلة يقرأ القرآن الكريم في مربده إذ جالت فرسه فقرأ ثم جالت فقرأ ثم جالت أخرى أيضا. قال أسيد : فخشيت أن تطأ يحيى فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها. قال فغدوت إليه عليه الصلاة والسلام وذكرت له ذلك فقال : „ إقرإ إبن حضير”. قال : فقرأت ثم جالت أيضا. ثم قال عليه الصلاة والسلام : „ تلك الملائكة تستمع لك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم”.

حديث عن القرآن يأسر كل من يقرأه ( إن لله أهلين وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته). لله أهلون في مختلف شعب الإيمان التي أخبر عنها عليه السلام ( بضع وستون أو بضع وسبعون) ولكن أهل القرآن هم تاج أولئك جميعا وشامتهم ورصاع عرشهم. القرآن الكريم شفيع مثله مثل الصيام وهو كذلك مفحص فني يعيد به الإنسان تركيب قلبه على الإيمان. القرآن شفاء لما في الصدور. يكفي القرآن قوله (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

الإنفاق في رمضان فحص فني يؤهل النفس.

أخرج الشيخان عن إبن عباس قال : كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله عليه الصلاة والسلام حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.

الفحص الفني الذي يرتبه رمضان جامع فهو يعيد تأهيل النفس لتتخلص من شحها وتنطلق في معركة الجهاد بالمال في سبيل الله سبحانه. وهو فحص فني يصقل الروح بالقرآن قصته ومثله وهديه لتستقيم فلا تطغى ولا تتكبر. وهو فحص فني للبدن حتى يتروض على قيام الليل فيكسب من السحر الغالي ما لا يكسبه في أوقاته الأخرى كلها مجتمعة.

ذكر الله فحص فني كذلك.

أخرج أحمد والترمذي وإبن ماجة والحاكم واليبهقي عن أبي الدرداء أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالو: بلى. قال : ذكر الله”.

لا بد من طرح هذا السؤال حتى نفهم الحديث. عجبا كيف يكون الذكر أفضل من الجهاد في سبيل الله وأفضل من الشهادة في سبيل الله وأفضل من النصر وأفضل من إنفاق الذهب والفضة؟ لا. هذا غير ممكن. إسأل فإن سألت فأنت على الصراط المستقيم وإن لم تسأل فإنك لم تأخذ الكتاب بقوة كما أمرت. ذكر الله الذي هو خير من الجهاد والنصر والشهادة والإنفاق ليس هو الذكر باللسان والقلب غافل. كلاّ. ذكر الله المقصود هو حضور القلب سواء ذكر اللسان أم صمت إذ الذكر كما قال المرحوم الغزالي فيه كلمة تغني عن كل كلام (الذكر حالة نفسية لا حالة عضوية). بل إن الذكر الصامت الذي هو تفكر وتدبر وتأمل خير من الذكر الناطق تسبيحا وتحميدا وتهليلا وتكبيرا وغير ذلك إلا إذا تلازم هذا مع حضور القلب. الذكر الذي هو أفضل عمل هو قلب حاضر يتفكر ويتدبر ويتأمل في الكون والتاريخ والحادث ومن ذا ينطق بالضرورة تسبيحا وحمدا.

الإعتكاف هو قمة الفحص الفني وأسمى مراحله.

أخرج الشيخان عن إبن عمر أنه عليه الصلاة والسلام كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان. كما أخرجا عن عائشة أنه عليه الصلاة والسلام كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ثم إعتكف أزواجه من بعده. كما أخرجا عنها أنها قالت : كان عليه الصلاة والسلام يجاور في العشر الأواخر من رمضان ويقول : „ تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان”. كما أخرجا عنها كذلك أنها قالت : إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا صلى الله عليه وسلم الليل كله وأيقظ أهله وجد وشد المئزر”. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام كان يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه إعتكف عشرين يوما.

الإعتكاف سنة نبوية لا تكون إلا في رمضان على الأرجح وخاصة في العشرين الباقية منه وبالأخص تحريا لليلة القدر في العشر الأواخر. الإعتكاف أعلى قمة الفحص الفني السنوي الذي تصقل به النفس فهو مدة طويلة وفي ليل بما يسمح بكل أنواع العبادة من صلاة وتلاوة وتضرع وندم ومحاسبة وتفكر وتدبر وتأمل. فمن بخل عن نفسه بذلك الفحص الفني ولو ليلة واحدة في تلك العشر الأواخر فقد يعرض عربته إلى عدم القدرة على مواصلة الطريق.

رمضان مدرسة حقوق الإنسان

أخرج أحمد عن عبيد مولاه عليه الصلاة والسلام أن إمرأتين صامتا وأن رجلا قال : يا رسول الله إن ههنا إمراتين قد صامتا وأنهما كادتا أن تموتا من العطش فأعرض عنه أو سكت. ثم عاد وأراه وقال : بالهاجرة. قال : يا نبي الله إنهما والله قد ماتتا أو كادتا أن تموتا. قال : أدعهما. قال : فجاءتا. قال : فجيئ بقدح أو عس فقال لإحداهما : قيئي. فقاءت قيحا ودما وصديدا ولحما حتى ملأت نصف القدح ثم قال للأخرى قيئي فقاءت من قيح ودم وصديد ولحم عبيط وغيره حتى ملأت القدح. ثم قال : إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا عما حرم الله عليهما. جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان من لحوم الناس.

شغلتنا الجزئيات عن الكليات والفرعيات عن الأصليات.

ينكر كثير منا أن يحتوي الخطاب الديني على مفردات حقوق الإنسان والمرأة والطفل وغير ذلك مما لا نظفر به في أكثر تراثنا. ثم ننقسم حيال ذلك قسمين : قسم يعمل بالمنهج القرآني فينظر ويتأمل ويدرس ويعالج الإسلام من مصدره الأمين بنفسه فهو بلسان عربي مبين ميسر وقسم يظل على تقليده السلف فالحق ما قالوا وليس ما قال الكتاب والباطل ما نصوا عليه وليس ما نص عليه الكتاب. يظن بعضنا أن ذلك خطاب غريب عن الإسلام أو ربما يتقرب به صاحبه إلى الخلف. فينا داء عضال ينخر منا العقول إسمه تقديم الجزئيات على الكليات والفرعيات على الأصليات بل أحيانا نحكّم الأدنى في الأعلى ومن ينقلب سلّمه الأصولي لن يظفر بحق ولا صواب. لا غبار أبدا على أن جماع الإسلام هو تحرير الإنسان أوّلا فإذا تحرر آمن. ولا غبش عندي أن الكفر بالطاغوت مقدم على الإيمان بالله. الطاغوت الذي يتخبط فيه كثير منا إسمه التقليد وليس الإتباع. لا يتطلب الأمر شيخا إنما يتطلب إقبالا على المصدر الأصلي للإسلام بشرط واحد لا بد منه هو أن تفسخ كل شيء وتنسخ فيك كل شيء لتكون في الوضع الذي به هدى الله سبحانه الصحابة إذ أخبروا عنه عليه السلام أنه كان يفرغهم ثم يملؤهم. لو ألفاهم ممتلئين ما ملأهم ولكنهم جاؤوا مخلصين ينشدون الحقيقة التي لفرط نقاوتها لا ترضى بالدخول على فؤاد لم يفرغ من الخبث بالكلية.

العدوان على حقوق الإنسان مفطر وناقض للصوم.

لنا فقهان : فقه الجارحة وهو المدون في بطون الكتب. وفقه القلب الذي زهد فيه الناس فلم يدونوا منه إلاّ قليلا منهم العلامة إبن القيم عليه الرحمة والرضوان. هما فقهان لا مناص لنا منهما ولكن العلم إستأثر بفقه الجارحة مما دعا الإمام الغزالي إلى تأسيس مشروع إحيائي عظيم خلف لنا منه كتابه الكبير (إحياء علوم الدين). مهمة فقه الجارحة هي كمهمة قانون الطرقات بالتمام والكمال أي يعنيه الواجب والحرام والعزيمة والرخصة والسبب والعلة والفساد والبطلان وغير ذلك. أما مهمة فقه القلب فهي كمهمة الطبيب الذي يرشدك إلى وسائل الوقاية إن عدته في الوقت المناسب أو إلى وسائل العلاج إن عدته مريضا. للفقيه أن يقول أن المفطرات هي ما دخل من القوت المعتاد من الجوف المعتاد وكلامه صحيح ولكن عندما يتأخر فقيه القلوب الذي يقول أن العدوان على حقوق الإنسان بصريح هذا الحديث المثبت أعلاه مفطر من المفطرات فإن الحياة الدينية تظل فينا حركات باهتة باردة ثم تؤول الشخصية فينا إلى الإنقسام والتشظي ومن هنا يتألف النفاق.

تصوير نبوي بديع يوحي بأن الفن فريضة لإبلاغ الإسلام.

هو العربي القح عليه السلام ثم شرفه ربه سبحانه بالوحي المعصوم فإجتمعت له الفضيلتان فتربع على عرش البشرية. كان يمكنه عليه السلام أن ينهاهما ـ أي المرأتين ـ عن أكل لحوم الناس وخاصة في حالة صوم. لم يفعل. كان يمكن له أن يؤنبهما بحضرة الناس. لم يفعل . كان يمكنه أن يصور الذي صور بحضرتهما هما فحسب. لم يفعل . كان يمكنه أن يصور ذلك التصوير الفني الكفيل بالإنتهاء عن الولوغ في حقوق الإنسان بحضرة الناس ويستبعدهما. لم يفعل. ماذا فعل إذن؟ حرص على إنجاح العرض الفني بكل أركانه مجتمعة : المرأتين والناس والقدح والقيئ ومنهما معا ثم شفع ذلك بتعليمه ولم يكن التعليم القولي منه إلا متأخرا عن التصوير الفني البديع. العبد الفقير إلى ربه تعالى ينقدح في ذهنه من هذا المشهد ومشاهد أخرى من سنته أنه عليه السلام يأمرنا أمر إشارة بمعالجة الدين والدعوة بالفن لأن الفن أغلب في التأثير في الناس. الفن يختصر كلاما كثيرا كان سيقوله القائل خطبا عصماء ومثلها أسفارا مسفرة. ثم تنتهي بنا الحالة المزرية إلى القول صراحا بواحا بأن الفن حرام. الفن كله. مفردة الفن نفسها مستهجنة وكلما أوغل المتدين في تدينه وظهرت عليه أماراته إستقبح الفن ليتحول إلى خشبة محشرجة غليظة لا تحسن سوى : إفعل ولا تفعل. من لم يدرك أن الدعوة فن يغزو القلوب قبل الجوارح وليست هي ثكنة عسكرية في حالة طوارئ قصوى .. لا أظن أنه أدرك من الإسلام شيئا.

تقديم حق النفس وتأخير حق الإنسان تدين كاذب وصيام مزيف.

أخرج الشيخان عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :“ من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”. كما أخرجا عنه كذلك أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني صائم “.

الصوم حق النفس في التزكية والتطهير (لعلكم تتقون). فمن ظن أنه بصومه يقدم حق نفسه في ذلك مؤخرا حق الإنسان في عرضه أن تلوكه الألسنة أو يلوث به الحياة صخبا وسبابا حتى وهو يدافع عن نفسه مظلوما فقد عصى الحديثين آنفي الذكر.

والله أعلم

الهادي بريك ـ تونس

رمضان 1437 ـ جوان 2016

 

 

 

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.