.

.

في الشأن التونسي: سدّ الشغور البرلماني

بتاريخ : 2017-10-17 الساعة : 02:24:27

اسم الكاتب : د. محمد الطاهر الميساوي     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 713




تابعت على صفحات التواصل الاجتماعي الجدلَ الشديد حول انتخاب عضو برلماني جديد لتمثيل الجالية التونسية في ألمانيا خلفًا للنائب السابق الذي عُيِّن في وظيفة دبلوماسية. وأدركتُ مدى الشعور بالإحباط لدى الكثيرين، خاصة بسبب ما قيل من أن حافظ السبسي نجل الرئيس الباجي قائد السبسي قد يُرشح لهذا المقعد البرلماني. وقد عبر الكثيرون عن استغرابهم لاحتمال هذا الترشيح، خاصة مع سكوت بعص الأحزاب المشاركة في الحكم التوافقي في البلاد، وعدم بروز مرشح يتمتع بتأييد واضح من أي من الأحزاب ذات الوزن المقدر في البرلمان وذات الحضور الواضح في الجالية التونسية في ألمانيا من خلال المنتسبين إليها وأنصارها والمتعاطفين معها، إذا استثنينا طبعا السبسي الإبن الذي ربما يحظى بدعم شق معين من حزب نداء تونس.

وقد أعربَ غيرُ قليل من المعلقين عن اعتراضهم على ترشيح هذا الأخير، وذلك لجملة من المسوغات والأسباب: أهمُّها وأولاها بالاعتبار في نظري ليس كونه من نداء تونس أو من غيره، ولا كونُه من أنصار الثورة أو مناوئيها، ولا كونُ هذه الخطوة تمهيدًا وإعدادًا للتوريث على مستوى الحزب وعلى مستوة الدولة! فهذه في نظري اعتباراتٌ لم يعد لها من شأن كبير بعد التحولات الواضحة  التي حصلت في الساحة السياسية، وانفتاحها في ظل التجربة الديمقراطية على كل ألوان الطيف السياسي في تونس والسعي لتجنب أسلوب الإقصاء ولغته (على الرغم من تكلس بعض الأطراف في قوقعة الإقصاء وعدم قدرتهم على التفاعل مع التطورات السياسية والإيديولوجية التي جرت في البلاد!) وإنما الاعتبارُ الأكبر الذي يجدر بالجميع ألا يختلفوا عليه مهما كانت انتماءاتهم الحزبية ومنازعهم الإيديولوجية هو أن جَلْبَ شخصٍ من داخل البلاد - مهما كانت مكانته وبقطع النظر عن هويته الحزبية والإيديولوجية - هو في حد ذاته احتقارٌ للمسار الديموقراطي واستهتارٌ بفكرة التمثيل؛ إذ إن التمثيل الحقيقي ينبغى أن يكون إفرازًا من بيئة الذين سينتخبون وسيجري تمثيلُهم بناء على ذلك الانتخاب.

وبعبارة أخرى، المرشَّح لتمثيل الجالية التونسية في البرلمان لا بدَّ من أن تتوفر فيه جملة من الشروط أولُها وأهمها أن يكون ممنْ يعيش بين ظهراني تلك الجالية أو على الأقل قد سبق له أن عاش بين ظهرانيها مدة معقولة من الزمن، وذلك لكي يكون على بينة من أحوالها وأوضاعها، وقادرًا على إدراك مشكلاتها وهمومها، ومستعدًّا للتفاعل معها وتمثيلها تمثيلاًً حقيقيًّا يتجاوب مع تطلعاتها ويخدم مصالحها. هذا ما يقتضيه المنطق السليم للتمثيل الذي يكون النائب البرلماني بمقتضاه ناطقًا باسم من يمثلهم ومعبرًا عن همومهم، خاصة وأن في الجالية التونسية في ألمانيا وفي غيرها من البلدان الأوروبية أجيالاً جديدة نشأت في بوتقة ثقافات مختلفة وتربت تربية مختلفة بل يعبر الكثيرون منها عن أنفسهم بلغات مختلفة. ومَنْ لا يتوفر فيه الشرطُ الذي ذكرناه وأكدناه قبل قليل ليس جديرًا بأي حال من الأحوال بأن يرشح نفسه ولا أن يرشحه غيره لتمثيل مثل هذه القاعدة الانتخابية للبرلمان التونسي، ومن يفكر بغير هذا المنطق ودون أخذ في الاعتبار لما ذكرناه، فإنه في الحقيقة ليس إلا محتقرًا لتلك الجالية ولغيرها من الجاليات التونسية في المهجر، متعدّيًا على كرامتها، مستهينًا بقدرها، فضلاً عن ضربه لمفهوم التمثيل وقيمة الديمقراطية.

ولذلك فعلى أبناء الجالية التونسية في ألمانيا خاصة وفي غيرها من البلدان عامة أن يحزموا أمرهم ويتصدوا لمحاولات العبث بقيم الديموقراطية والاستهتار بحقوق الناخبين، والسعي للتوافق على شخص كفء ذي مصداقية ممن يعيش بينهم ليكون مرشحَهم لملء الشغور البرلماني، امرأة كان أو رجلا، فتلك هي السبيل لأن نزكي في النفوس الثقة في مفاهيم وقيم ما زالت لم ترسخ بعد في ثقافتنا السايسية والاجتماعية.

 

 

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.