.

.

العناية المركّزة

بتاريخ : 2017-12-15 الساعة : 12:47:16

اسم الكاتب : عبد الحميد العدّاسي     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 1428




 العناية المركّزة



لم يكن تخمينُنا زمن السّجن بعيدا عن الواقع!... فقد اجتهد الجميع في تضييق الخناق وتعكير الأجواء علّ ذلك يُلجئ إلى القلق المفضي إلى التعبير عن القلق الموجب حتما للتأديب على القلق!... كانت علاقاتنا طيّبة جدّا بهذا التّاجر الخلوق بائع أدوات ووسائل تربية الدّواجن!... شرّابات وعلّافات بمختلف أنواعها، لا يكون العمل إلّا بها!.. غير أنّ ذلك لم يكن كافيا لثنيه عن التعبير بأدب جمّ عن حرجه الكبير من العلاقة المهنيّة القائمة معه!... باتوا يتردّدون كثيرا على المحلّ!... يتّبعونكما أينما نزلتما!... كدتّ أتعرّف عليكما من خلالهم!... فريق يسأل عنكما وفريق يراقب الفريق الذي يراقبكما!... سياسة جديدة من صاحب التغيير المبارك!... "يُذكي" التعاون بين الجميع بعدم ثقة الجميع في الجميع!... ماذا فعلتما، أحسن الله إليكما؟!... "فسدنا" كما ترانا، فراقبونا خشية استشراء فسادنا!... إن كان خُلقكما هذا؛ الفساد، فأنا "فاسد" مثلكما!... كان رجلا صادقا ووعد بأن يتعامل رغم المتاعب معنا!... ثمّ ما لبث أن أقنعهم ألّا خطر في أن يتعامل معنا!...

كنت أسكن على ضفّة البحر بـ(سْطَحْ جابر) في المنستير، مستأجرا عند محمّد طبقة!... ويوم طُرق الباب استغربتُ وجود عمّار عنده!... سلّمت عليه بحرارة، أدخلته!... كيف وصلتَ وكيف عرفتَ المكان!... أرشدني حبّي لك فوصلت!... كنت وعمّار نجلس قبالة بعضنا بفارق مائة وثمانين درجة!... اخترنا ألّا نتدابر فتعاونّا واحترمنا بعضنا البعض رغم اختلاف توجّهنا البيّن!... كانت المروءة تجمعنا!... وعندما غادر عمّار، لم يتردّد في الاتّصال بي مجدّدا عند عودتي إلى البلاد بعد اثنين وعشرين سنة من ذلك التّاريخ، قضّيتها في المنفى يهنّئني ويسلّم عليّ!... كان عمّار مختلفا عمّا مضى!... يكثر من الكلمات التي أكثر أنا من استعمالها: إن شاء الله... بإذن الله!... شعر بأثر المفاجأة عليّ!... قال: لست عمّارا الذي تعرف، فقد هداني الله ربّ العالمين!... ويوم زرت عمّار البدري ببيته، هناك قريبا من صفاقس، حمدتّ الله كثيرا لمَا صار إليه!... وبدا لي الحجابُ والسجّادة في بيته بسمت لم أر أجمل منه من قبل!... ويوم زارني أخَوان آخران يحدّثاني عن محاولة التعرّف على ما يقوم به الحبيب لسود، في محاولة لثنيه عمّا اعتزم، نصحت بالابتعاد عنه والنّأي عمّا اعتزم، غير أنّ الأحداث كانت أسرع ممّا نتخيّل، فوجد بعض المسرّحين منّا طريقهم إلى السجن من جديد، دون ذنب اقترفته أيديهم!... وقتها علمت بفاجعة هوّن عليّ منها أخي أحمد!... فقد رأى أنّ الوشاية التي ارتكبها أحد عناصر مجموعتنا ببعض إخوتنا لا تخرج عن كون ما بالطبع لا يتغيّر!... ما جعلني لا أرى في الدنيا نعمة أكبر من نعمة تثبيت القلب على الطّاعة!...

كنت أقول عن عالم الكتاكيت أنّه أرحب من عالم البشر وأكثر دعة وهدوءً منه!... انصرفت العناية إليها وبها!... تدرّجنا في التعرّف عليها وعلى عالمها!... مخلوقات شديدة الحساسيّة للون الأحمر!... يستفزّها اللون كما لو كان يذكّرها بتجربة لها مريرة في مقرّات الدّاخليّة!... استفزاز شنيع يجعل المصاب منها، البارزة منه نقطة دم واحدة بحاجة إلى العزل!... عزل رحمة وعناية لا عزل انتقام وتنكيل ووحشيّة!... عزل ينجيه من هجوم إخوته عليه!... هجوم يخرجون به أمعاءه دون استشعار خطورة ما يفعلون!... كان ممّا يلفت في الكتاكيت عند بلوغ أشدّهم جولة يوميّة يقومون بها!... طواف بديع ملفت!... وكان استقبال الدّاخل بيتهم استقبالا مهيبا... محرّض على التسبيح، أنّى يتصرّفون هذا التصرّف!... ترى نفسك إذا كنت ذلك الزّائر محورا تتّجه صوبه كلّ أنظار الكتاكيت!... دون ذلك؛ فالكتاكيت لا تحسن إلّا الأكل والشرب!... وخدمة الكتاكيت لا تدعو إلى المنّ عليها، فهي التي على من يخدمها تمنّ!... خمس وأربعون إلى ستّين يوما هي المدّة اللازمة حسب النّوع للجني!... ويوم نهرني ابن الدهاليز: ألم يكفك ما تتقاضى حتّى تفكّر في قلب الحكم!... لم يكن يعلم يومها ولا كنت أنا أعلم أنّ الرّاتب الوظيفي هو أقلّ الرواتب في بلادنا!... فتربيّة الدواجن تغني وما تُفقِر إلّا استثناءً!... استثناء تفرضه الأمراض المعديّة التي قد تصيب البيت فتأتي عليه فلا تترك إلّا بعضا من تكلفته!... وقد شاء الله تعالى وقدّر لنا هذا وهذا!... ويوم آذتنا المصائب ورأينا نهاية التجربة واستيأسنا!... جدّد فينا الأخ الكبير الحاج عيسى الثقة بالله، فكانت إعادة الانطلاق خير من المنطلق وكان الرّبح الوفير المساعد على الاستمرار!...

عرّفنا ميدان تربيّة الدّواجن على أناس طيّبين، لعلّ من أبرزهم وأقربهم أولاد موسى بالمنستير (الحاج الحبيب ونجيب أخوه)!... عرّفنا على سلوك النّاس!... أموال تُدفع يوم الافتتاح!... يُزاد فيها!... حتّى إذا جاء التاجر ثانيّة جاءك بمبالغ منقوصة!... يقول بلسانه أو بلسان حاله: قبلت منه الزّيادة فلِمَ لا تقبل منه النّقصان!... أين الثقة وأين التعامل الأخوي!... وهذا الصكّ أو الصكوك - إن شئت - تضمن مالك!... تعلّمنا أنّ ذلك لا يُجدي وأنّ الصكوك لا تضمن المال، وهي همّ بالليل وذلّ بالنّهار، وأنت تتكفّف صاحبها وهو يُشهِدُ عليك، ألّم ير في الورى مثلك ومثل إشفاقك وحرصك على الدّنيا!... يا لطيف!... إنّها دنيا يا أخي!... تعلّمنا من تربيّة الدواجن عدم الرّغبة والاكتفاء بالقليل، فقد كبرت خسارتنا يوم كثرت بيوت التربيّة عندنا!... تعلّمنا أنّ الإرشاد الفلاحي قد يحيد عن الجادّة فينقلب مخبرا للدّاخليّة يستجدي المعلومة من عمّالنا!... علمنا أنّ أبناء الدّهاليز يتدثّرون بدثار الإرشاد الفلاحي للاسترشاد عنّا... يقتلوننا ويقتلون جانبا من الفلاحة بقتلنا!... ثمّ علمنا ممّا يدور حولنا أنّا لازلنا نحرّض شهيّة عناصر الدّاخليّة!... فقد كان السؤال عنّي كثيرا يوم ألقي القبض في ديسمبر 1990 على قائمات النّهضة!... وما كان يُجدي نفي المعرفة!... فحضوري في الأعراس أو في غيرها من المناسبات مسجّل!... وسجلّ أعدالي يمنع وجودي في دنيا النّكرات!... عناية جعلتني أفكّر بجدّية في العناية بنفسي والاعتناء أكثر بعائلتي!... وإنّ من العناية التحوّل عن المواضع التي تكثر فيها العناية!... أليس النّاس يغتمّون إلى درجة الهلع لوجود حبيبهم في العناية المركّزة!...



... يتبع بإذن الله تعالى...



عبدالحميد العدّاسي، 07 ديسمبر 2017

 

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.