.

.

الجزائر (ح1)

بتاريخ : 2017-12-30 الساعة : 02:32:45

اسم الكاتب : عبد الحميد العدّاسي     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 1527




 الجزائــــــــــر (ح1)



ليس أمرا هيّنا أن تترك بلدك وتفرّ بجلدِك!... ليس أمرا هيّنا أن تُهان في بلدك ويُسلَخ عنك جلدُك!... أمران أحلاهما مرٌّ!... والاختيار بينهما رهين الظروف والمعطيات والمصلحة!... ظروف واقعيّة عليك مفروضة!... معطيات ومصلحة منها ما رجح ومنها ما قلّ وزنها!... لستُ مَن اختار الظروف ولستُ مَن وفّر المُعطى، ولكنّي أظلّ بشكل من الأشكال مَن قدّر المصلحة ورجّحها أو ظنّ أنّ فيما اخترتُ تكمن المصلحة!... ولن يكون النّقاش أو الحوار مُتاحا دائما!... فالظروف التي لا تختارها، قد لا تمكّنك من مناقشة شيء أو محاورة أحد!...

 

كان الخروج إذن هو الخيار!... ولمّا بلغنا قرية ونزة الجزائريّة، المقابلة لقلعة سنان، رأى الإخوة الجزائريون المقيمون بها عدم وجاهة المبيت فيها!... أخذنا الحافلة باتّجاه الجزائر العاصمة!... كانت الرّحلة طويلة مضنية والأرض شاسعة شاسعة!... تسرّح النّظر في تونس فتراها صغيرة صغيرة، قد كبر فيها "أهلُها" وطغَوا حتّى أخرجوا منها بدون حقّ أهلها!... تستدعي النّوم فيمتنع مستعينا عليك بنوعيّة الكراسي وضيقها!... تسبح مع أحلام لا تأتي بالنّوم مع الأحلام!... لو عُمرتْ هذه الأرض الشّاسعة صلاحا!... لو أزيلت هذه الحدود التي تكاد تُكتمُ أنفاس المارّين بها تهريبا واختلاسًا!... لو صلح الحاكم وتجاوبت الرّعيّة!... لو اجتمعنا على الله تعالى نشهد له بالرّبوبيّة!... لو عمر الحبُّ قلوبَنا بدل البغض والكره والساديّة!... فلمّا بدأت تباشير الفجر تبرز، كانت حافلتنا بمحطّتها في العاصمة تتوقّف!...

 

لم يُسلمنا الإخوة للمجهول!... بل كان في انتظارنا بعضُ مَن عرفنا في السجن زمن مرورنا بالسّجن!... أليس من أصدق التعارف ذلك الذي يكون في السجن!... رحّبوا بنا طمأنونا على عائلتَينا!... اصطحبونا إلى منزل طاب بأهله، هناك في أحواز الجزائر بمنطقة تسمّى الشراقة!... نصحونا بقسط من الرّاحة!... وَعَدُونا برؤية مَن بهم تتمّ الرّاحة!... كان الإحساس بالغُبن استثنائيّا لمّا كان لقاؤنا بالأهل تحت قانون الزّيارة!...

 

أفقنا فإذا بين أعيننا أكبادنا!... الجزائريون الجدد!... الذين سبقونا قبل أسبوع!... لم يكونوا في سكن جماعي أو سكن خاصّ يمكّننا من الالتحاق بهم، بل كانت كلّ عائلة منهما عند عائلة!... عائلتي عند الأخ عزّالدّين إمام مسجد ذراع بني مسّوس، من خيرة من رأيت من الجزائريين، ثقّل الله موازين حسناته!... وعائلة رضا عند عائلة الأخ مراد رحمه الله تعالى ببني مسّوس، من أطيب من عرفت من الجزائريين وسّع الله مدخله!... المسافة بين البلدتين وبلدة الشراقة ليست كبيرة!... وقد علّمتنا الأيّام فيما بعد، الرّبط بينها مشيا على الأقدام!... كنّا نحن العُزّاب (أنا ورضا) نعيش مع العزّاب!... عزّابٌ إخوةٌ!.. فتحوا بيتهم لاستقبال أمثالنا!... يفعلون ذلك تكرّما وحسنات في الموازين لا يرجون جزاء ولا شكورا!... كان الأخ الأكبر عادل مُقعَدا، تُشعرنا قيمته السّامقة وقامتة الصغيرة؛ بقُعودنا وكثرة التصاقنا بالأرض!... رأينا في بيتهم ما يجمّل أيّامنا تلك ويرغّب في الحياة!... عايشنا الدفء والحبّ الذي بينهم!... شهدنا معنى الأخوّة والأدب والنّظام والانضباط والسمع والطاعة!... تعلّمنا من عادل المنطق وحسن استثمار الموازين ودقّة الموازنات!... وبالأيّام تعرّفنا على كافلي عائلتينا!... عزّالدّين شابّ كريم مستقيم إمام خطيب مفوّه!... استصعبتُ فرض أسلوبي في التعامل معه!... رضيت منه عمله الخيّر جزاه الله خيرا، فقد كفل زوجتي وأبنائي مدّة لا يستهان بها!... مراد رحمه الله تعالى، بشوش مرح طيّب منفتح سهل!... كفل عائلة أخي رضا وكنّا نستطيب الجلوس معه ونكثر من زيارته!... كما تعرّفنا على الأخ فضيل، ذلك الفاضل صديق الجميع!...

 

لم يكن عادل رئيس إخوته فحسب، بل كان المخطّط لكلّ ما يحدث في كلّ ما يتعلّق بنا!... ويوم أشعره الأخ عزّالدّين بضرورة التفكير في البديل عنه، يتكفّل بعائلتي، لم يعلمني إلّا عندما وجد البديل!... أخ كريم خافض الجناح لا تسمع منه إلّا كلمة [لا بأس]!... يقولها بطريقته المحبّذة المكسوّة بالابتسامة الدّائمة [إي مَعْلِيش]!... الأخ سعدي، هناك بعمارات حيدرة، وزوجته الكريمة الطيّبة فتيحة أخت سيدي علي من تلك العائلة الأصيلة!... أخبرني عادل بتحوّل الكفالة وانتقال عائلتي!... أخذني للزّيارة!... طرقت الباب!... فُتِح الباب!... تسمّرت بالباب!... فقد كانت التي تستقبلني مسلّمة مرحّبة، فتيحة زوجة السعدي!... وهو عرف جعله سلوك عزّالدّين معي من قبل غير مقبول!... ففي بيته لا تتحوّل من مكان إلى مكان إلّا بعد اتّخاذ الإجراءات اللازمة!... دخلت فإذا أبواب القلوب مشرعة وإذا الإحساس بالغربة ميّت فاقد الحراك!... للّه درّكم ما أنبلكم!... لم تكن زيارتي زيارة بل كانت إيذانا بالإقامة!... ويوم وجد رضا بعض الضّيق وحدّثني عمّا يعاني عند زيارة عائلته التي نُقلت إلى بيت تونسي مقيم في الجزائر!... فقد صرّح الكافل الجديد لرضا أنّ زوجته حفظها الله لا تقابل!... نهرته غيابيّا وكيف أنت زوجات النّاس تقابل!... يريد منه الإقلال من الزيارة!... أغضبني موقفه!... أحرجني وضع أخي رضا!... حدّثت السعدي بذلك!... قال لِمَ لا يأتي معنا هنا!... تمنّعت ورضا، غير أنّه أصرّ!... كان البيت صغيرا وكان به غرفة للنّوم وغرفة لأطفالهما وغرفة استقبال ومطبخ وحمّام، كلّها بالأحجام الصغيرة!... كان القلب واسعا فأشار إلى الجدران أن تباعدي!... اتّسع البيت بشكل استثنائي، فكان به ثلاث عائلات!... واحدة في غرفة النّوم، السعدي وزوجته الكريمة وولداهما!... واحدة في غرفة الأولاد، أنا وزوجتي وأبنائي الثلاثة!... واحدة في غرفة الجلوس، رضا وزوجته وولداهما!... كانت أولويّة الوجود وعدد أفراد العائلة ما فرض تلكم القسمة!...

 

السّعة ليست فضاءً وجُدُرا!... السعة رحابةُ صدر وسلامةُ قلب وقناعةُ نفس!...

 

كانت الفترة الأولى صعبة بعض الشيء، وأصعب ما فيها عدم اللقاء بعائلتينا!... لم يكن من السهل رغم كرم الإخوة - بارك الله فيهم - استسهال الزيارة والمبيت حيث تبيت العائلة!... كنّا نملأ يومنا، وسبحان الله ما أطول يومنا بالطواف في المدينة!... عرفنا أغلب المساجد وأغلب المقاهي وأغلب الشوارع!... كان مع الضيق نكتة!... ندخل أحد المقهى!... يسأل رضا أهناك قهوة؟!... لا!... أهناك شاي؟!... لا!... أهناك "قازوز" (مشروب غازي)؟!... لا!... أهمس لرضا إسأله إن كان لديهم فحم!... ترتفع قهقهاتنا في دنيا لا تُقبَل فيها الابتسامة!... تدخل متجرا تسأل عن الملبوس كذا!... أيّ لون (واش لاكولور)؟!... تسمّي اللون!... غير موجود (ماكاش)!... أيّ حجم (واش لاتاي)؟!... تختار الحجم!... غير موجود (ماكاش)!... نغادر المكان مُحوقلين مسترجعين ضاحكين!... نسلم أنفسنا إلى أرجلنا تفعل بنا ما تريد تحملنا حيثما تريد!...

أتقنّا باقتدار التسكّع دون أن نضلّ!... كنّا كلّما استدعتنا النّفس إلى النّظر في أحوال النّاس، أولئك الذين لم تمكّنهم ظروفهم من إتقان التسكّع مثلنا، لوجود بيوت تؤويهم!... كنّا كلّما فعلت ذلك نضرب على أياديها، نلزمها حدودها، نقنعها بجملة تَعَزّينا بها طويلا حتّى باتت شعارا!... نحن لا نريد أكل أجورنا الآن، والرّجوع إلى الله تعالى بأيادي صفرا!...

 

كان رضا ظلّي وكنت أنا ظلّه!... وكنّا رغم الغيوم يرى كلّ واحد منّا ظلّه!... ويوم شاء الله تعالى وأذن بمغادرة مقرّ الكرم والإيثار، بيت أخينا السعدي، كنّا نسكن في بيت واحد لا يفارق فيه الظلّ ظلّه!...



... يتبع بإذن الله تعالى...



عبدالحميد العدّاسي، 14 ديسمبر 2017

 

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.