.

.

الجزائــــــــــــر (ح2)

بتاريخ : 2018-01-24 الساعة : 09:35:21

اسم الكاتب : عبد الحميد العدّاسي     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 672




 الجزائــــــــــــر (ح2)

 

لم أعد أذكر بالضبط متى سكنّا بيتنا الجديد الموجود على ساحل البحر!... كان يفصلنا عن ماء البحر مائة متر أو أقلّ!... كنّا لوحدنا، عائلتي وعائلة رضا، في الحيّ المهجور!... كان وجودنا هناك لا يخلو من خطر قد يسبّبه فضول الجيران المحيطين بتاجر القرية!... كنّا بقرية بحري زمّوري مكان اصطياف أهل الجهة هناك في ولاية بومرداس!... وهي امتداد لزمّوري التي نأت بنفسها عن البحر بعيدا فوق الرّابية!... كان زوّارنا قلّة ولكنّهم أعزّة!... جزائريون يتقدّمهم السعدي وتوانسة منهم محمّد ومحمّد وعبدالسلام ورضا والهادي!... أسعفنا الصيف أو مقدّماته فخفّف عنّا ضغط العيون وأسئلة النّاس!... غنمنا أوقاتا استجماميّة كما لو كنّا من أهل الثراء المصطافين!... كان أولادنا إخوة وما كانت لنا فيهم حصص ولا قسمة!... فهم أولادنا جميعا كما نحن آباؤهم وأمّهاتهم جميعا!... فالبيت بيتٌ واحدٌ!... والقِدْر قِدْرٌ واحدٌ!... والقَدْرُ كما يرانا النّاس قَدْرٌ واحدٌ!... وكأنّما القَدَرُ كما قدّر ربّي قَدَرٌ واحدٌ!... كنّا في نظر البعض مصطافين!... وكنّا نصنّف أنفسنا عند النّاس غرباء غير عاديين!... شعور أو إحساس خفّفت منه زيارات إخواننا الجزائريين!...

ضغطت الحرارة فخرجنا!... أغرت المياه الصافية المداعبة لرمال الواجهة، فسبحنا!... ولمّا غطستُ فاجأتني ذبحة بالجبين تضامن بها الجميع معي: ليتنا ما سبحنا!... راجعت الطبيب بمدينة بومرداس فإذا هو يحوقل ويوبّخ!... أمرّت بك نزلة؟!... بلى! وكانت عنيفة!... أراجعت الطبيب؟!... لا!. لم يكن ذلك ممكنا!... ما كان ينبغي لك ذلك! كان يجب أن تراجع الطبيب!... لقد أصابك الصّداع النّصفي (الشقيقة)!... لا حول ولا قوّة إلّا بالله! قدّر الله وما شاء فعل!... قفزت بي الذّاكرة إلى لرزط جنوب رمادة بالصحراء التونسيّة، هناك على الحدود الليبيّة!... فقد كنت بها في الفترة ما بين 5 ماي و5 جويلية 1980 م، بداية أيّامي في العمل!... كنت صغيرا وكانت الحالة العامّة بين البلدين غير مريحة!... كنت مع مجموعة غير متجانسة!... وكنت محتاجا لخدمات كلّ عنصر فيها!... غير أنّ هذا الوكيل أوّل يصرّ على لفّ رأسه والتمنّع من العمل!... لا أستطيع العمل ليلا ولا فجرا!... أساعدك خلال اليوم!... ولِمَ وعملُنا يتأكّد ليلا؟!... عندي الشقيقة!... أتمنعك هذه من العمل!... كنت أراه سلبيّا غير متعاون قد استغلّ صغر سنّي وعدم خبرتي، ففرض بطريقته خبرته!... فلمّا أصابتني الشقيقة، تمنّيت وجوده معي لأعتذر له عمّا ركبني منه يومها!... مؤلمة أخي الوكيل أوّل هذه الشقيقة!... مفسد للحياة هذا الصّداع النّصفي!... والبرء منه نعمة لا تدانيها نعمة!... فمعذرة أخي، واغفر لي جهلي!... ولو لم يكن لذلك البلد، المقصود بعد هذه المرحلة، إلّا تلك الحرارة التي أذهبت عنّي الشقيقة، لكان ذلك كافيا للهيام به ومدحه بلا انقطاع!...

خمسة محطّات سكن خلال سبعة أشهر بالإضافة إلى كثرة الطواف بالمدينة دالّة ربّما على حالة عدم الاستقرار!... فبعد زمّوري بحري سنحت فرصة السكن في بينام، وهي من أحواز الجزائر العاصمة، على الطريق البحريّة جهة الشهداء - باب الوادي!... يسندها جبل لو ركبته وصلت أو أنت أشرفت على بني مسّوس والشراقة وبوزرّيعة والأبيار!... الأبيار حيث أطلنا المرابطة بمسجدها!... قريبا منها مسجد شوفالي أين كان يخطب محمّد السعيد رحمه الله تعالى!... والخطباء في الجزائر يطوفون على المساجد حسب رزنامة تعدّها الرّابطة الموجّهة من الشيخ الحكيم سحنون رحمه الله!... كانت محطّة بينام أفضل المحطّات من حيث الاستقرار والقرب من العاصمة ومن التجمّع البشري، ومن حيث "الاستقلاليّة"!... كان الأخ محمّد الطرابلسي قد اقترب منّا أكثر في ذلك البيت وكانت علاقته بأطفالنا أمتن!... علّمهم أن يتعاملوا إخوة!... علّمهم عند حصول مشاكل بينهم أن يرفعوا شكاواهم إليه عند الزّيارة!... تركنا له المجال واسعا!... كنت معه ذات يوم لمّا قصصت عليه الحرج الذي وضعنا فيه معاذ بموقف وقفه مع محمّد، ابن أخينا السعدي لمّا كنّا نسكن ببيته حفظهم الله!... استمع محمّد فعلّق: لا أنت ولا أمّه تعرفان التربيّة!... أنتما بعيدان عن تربية الأطفال!... كان يومها ببيتنا الجديد في بينام، وكانت جلسات استماعه لأولادنا ساخنة!... اشتكى وائل (خمس سنوات) ابن رضا، معاذا ابني (أربع سنوات)!... بدأ محمّد في دروسه التوجيهيّة التربويّة، فالرّجل أستاذ تربيّة إسلاميّة!... انتهى بعد السماع، إلى الحكم بأنّ معاذا هو الظالم!... طلب منه أن يعتذر من وائل أخيه!... أبى!... أراد أن يليّن الموقف فطلب منهما أن يتعانقا ويتبادلا القبلات!... تقدّم وائل فعانق وقبّل!... وأمّا معاذ، فأبى مبديا بعض السماحة في ترك نفسه يُقَبَّل!... صرخ محمّد: قبّل أخاك!... لا!... أغرب عند وجهي!... لا!... كنت أجلس إلى طاولة أئِدُ الضحكة تلو الضحكة!... ناداني محمّد مستنصرا: قل له شيئا!... أنا أخي لا أحسن التربية ولا حتّى أمّه تحسن ذلك، أجبت!... ثمّ ما لبثت أن تدخّلت: معاذ، اذهب هناك واجلس!... فعل ذلك بإتقان!... لم أطالبه بالتقبيل خوفا من الإخفاق!... لم يزد محمّد على القول: عمري ما شفت حاجة "كيما هكّا"!... يعني ما رأيت في حياتي حالة مشابهة لهذه الحالة!... ضحكنا سويّا!... ثمّ ما لبث وائل ومعاذ وجميع أبنائنا - وهم شباب وشابات ورجال ونساء - أن باتوا من أحسن المتحابّين على وجه الأرض!... 

 

لم نكن بالجزائر قتلةَ وقتٍ فحسب، بل كنّا نعيش ما يجري في تونس ونتابع ما يجري في الجزائر!... بل لقد كانت لنا اتّصالات بالمدنيين من الحركة الإسلاميّة التونسيّة والجزاريّة!... وبدأنا نهتمّ بالسياسة، سيّما وقد فوجئنا أنّ الكثير من أهلها لا يتقنون فنّها، ولا حتّى فنّ الممكن كما تُعرّف السياسة!...

 

... يتبع بإذن الله تعالى...

 

عبدالحميد العدّاسي، 15 ديسمبر 2017        

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 


الاسم : نبيل 2007

16-02-2018 03:56:49

التعليق:

شكرا جزيلا على هذه الشهادة التاريخية. الاسلوب السردي شيق. لما أرى ما يحصل الأن من مؤامرات جهنمية تحاك من الداخل و الخارج ضد مشروع الاسلام السياسي (الذي وصل للسلطة عن طريق صندوق الاقتراع)، أحمد الله كثيرا اللطيف الخبير على فشل عملية 08-11-1987.

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.