.

.

رجال عـــرفتهم (4) "لؤي" رجل لقيته مرة ولم أعرفه بعد!

بتاريخ : 2018-03-22 الساعة : 04:33:12

اسم الكاتب : طه البعزاوي     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 419




 مقالات أُخرى للكاتب - طه البعزاوي
رسالة إلى الشيخ الغنوشي بخصوص ترشحه المحتمل للرئاسة
الشباب التونسي المُغرّر به في سوريا والعراق، من له؟
الصبيانية السياسية في خطاب حزب النداء
رسالة مفتوحة إلى المكتب البلدي بالشراردة
البلديات المنتخبة وفرصة الانطلاق الجديدة
فتاوى الإنتخابات ومشايخ الدّجل!
أي عدالة وأي انتقال ديمقراطي دون حقيقة أو كرامة؟
"مقاومون" بلا إنسانية!
مُجَرِّمُون للتطبيع أم وُشاة للصهاينة؟
كلمات في العلاقة بحزب النهضة والدفاع عنه

المزيد من المقالات

 رغم أن الجزء الثاني من العنوان يناقض بدايته فقد رأيت أن أدرج قصة هذا الرجل في سلسلة "رجال عرفتهم" لما رأيت منه من موقف شهامة أثارني وأكد لي أن الدنيا مازال بها الخير وكذلك شعبنا، وقبل أن أروي قصته أروي قصة مشابهة بعض الشيء سمعتها من شيخ سوداني.


في برنامج حواري بالقناة السودانية بداية تسعينات القرن الماضي أجري حوار مع الشيخ المهندس الصافي جعفر، وهو أحد الرموز  الدعوية في السودان، إضافة إلى تخصصه العلمي في الهندسة فهو شيخ مختص في علم تزكية الأنفس.
سأله المذيع عن شيوخه ومن أثّر في تكوينه، فأجابه مُؤكّدا بأن أهم شيخ له في حياته رجل قابله مرة واحدة  لا يعرف اسمه ولا من أي جهة من السودان هو!

وقال الشيخ الصافي جعفر بأنه كان في رحلة حجّ بداية سبعينات القرن الماضي ومعه بعض من محارمه، عمّات وخالات وغيرهن، قال وكنت معهن الرجل الوحيد ومن عادة السودانيين أنهم يأخذون معهم كل ما يحتاجونه من زاد لرحلة الحج وزيادة، فكان يجرّ أكياسا ثقيلة في مطار الخرطوم ويعاني الزحام عند الجمارك وشرطة الجوازات والتفتيش، قال وبينما أنا كذلك إذ رأيت رجلا معنا في نفس الرحلة ليس معه شيء غير لحاف أو بطانية صغيرة تحط إبطه، قال مرّ بجانبي ثم نظر تجاهي وابتسم!
قال فلما وصلنا مطار جدّة تكرّر مشهد المعاناة أو أشدّ منه مع الشرطة السعودية والتفتيش فمرّ بجانبي نفس الشخص مبتسما ونظر لي وقال: "وكذلك الأمر هناك يا ولدي"! ... يقصد أن من تخفف من الدنيا مرّ يوم الحساب بسلام ويسر ومن تثقّل بها أثقلته أو أهلكته!
قال لم أر ذلك الشخص من قبل ولم أره بعدها، ولم أعرف من هو ولكن أثر فيّ وغيّر فهمي للحياة وللاستعداد للآخرة، واعتبرته أهم شيخ في حياتي!

نعود لصاحبنا الذي لم أعرفه بعد،
كنت في قاعة الانتظار بمطار تونس قرطاج في البهو رقم خمسين المخصص لطائرة "أويرووينقز" المتجهة إلى مدينة كولونيا الألمانية، وقد أصاب المسافرين شيء من الإرهاق والملل بسبب تأخر الطائرة في الانطلاق عن موعدها، ولما بدأ ترتيب عملية الصعود طلب المسؤولون من المسافرين أن يتقدم أوّلا أصحاب المقاعد التي تبدأ من رقم خمسة عشرة فما فوق وأن يتأخر أصحاب المقاعد من واحد إلى خمسة عشرة. تقدم مني رجل أو شاب وسيم لعله في نهاية عقده الرابع ليستفسر عن الإجراء المطلوب  لأنه لم يفهم العملية التنظيمية المذكورة، توقعت أنه يفهم الألمانية أحسن فأجبته بها ولكن لاحظت أنه لم يفهمني، فشرحت له بالعربي بعد أن نظرت في بطاقة صعوده فوجدت رقم كرسيه (4 ف) قلت له عليك أن تنتظر معنا جلس جنبي وكان معي الأخ بشير الوسلاتي رفيقي في الرحلة وجاري في ألمانيا.
صاحبُنا ـ الذي لا أعرفه ـ  كما أسلفت شخص وسيم يبدو من ملامحه ومحفظته ونوعية لباسه أنه من أصحاب المراتب العلمية، (لعله طبيب أو مهندس) سألني عن اللغة الألمانية وعن إمكانية تعلّمها وهل هي لغة صعبة أم سهلة، ثم سألته عن مقرّ إقامته ـ وكنت ظننته مقيما في ألمانيا ـ فقال إنه مسافر لحضور مؤتمر علمي في أمستردام بهولندا وأن تذكرته من تونس إلى كولونيا بألمانيا ثم  يطير جنوبا إلى ميونخ ثم يطير مجددا شمالا إلى أمستردام! قلت له إن تذكرتك بهذا الشكل "بهذلة" زائدة عن اللزوم، فأمستردام قريبة من كولونيا ولا تحتاج أكثر من ساعتين في القطار! قال "هكذا قطعوا لي التذكرة"!
ثم سألني إن كنت مقيما في ألمانيا منذ مدة طويلة، والحقّ أنني تعمدت أن أختبر "هواه" فكان جوابي له أنني بها منذ بداية التسعينات من القرن الماضي وأنّي بقيت عشرين سنه لم أزر تونس بسبب الملاحقة السياسية. شهق الرجل وبدا عليه التأثر الشديد، قال وكيف تحملت؟ ... أكيد كانت قاسية؟ ... وكيف كنت تتواصل مع أهلك؟ ... أجبته باقتضاب وبما يسمح به الحال والمكان واللحظة عن تجربة التهجير القسري مستحضرا في نفسي الجماعة الذين "يزِنون النضال بالكيلو" رأيت الــرّجل "الرّجل" يغالب دموعه من تحت نظارته!... ثمّ اعترف لي بتأثره كي يرفع الحرج عن دموعه وعنّي! لكن حرجي منه لم يسعفني بأكثر من الربط على كتفيه وأخرجت من محفظتي هدية بسيطة من الشكلاطة قدمتها له.

ثم تركته في مقعده وانتحيت زاوية أراه منها ولا يراني، ... استمر في صراع مع دموعه! ... حدثتني نفسي بأن أحتفظ له بصورة أو مقطع فيدو يخلد هذا المشهد والموقف الشهم في ذاكرتي من رجل لم أعرفه، ولكني عدلت ولم أستسغ الفكرة فلم أشأ أن أصوره دون استئذان منه!

وبعد أن حلقت بنا الطائرة في الجو كتبت على ورقة اسمي وهاتفي وحسابي على الفايسبوك!
ثم تقدمت خجلا من مقعده وقدمت له الورقة وأخبرته أنني أتشرف بمعرفة أمثاله!
أبدى سعادة واستعدادا للتواصل وأخبرني بأن اسمه لؤي وهو من قفصة، رغم أن لهجته لا توحي بذلك كثيرا، ولعلها متأثرة بأماكن عمل فيها أودرس.

مثل هذا الرّجــــــــل يبعث الأمل في أن الإنسانية لم تمت وأن في بني شعبنا خير كثير،
وأنه إن وجد من تشوّهت فطرته فيشمت ممن تعرض لمحنة أوابتلاء أو تهجير أو حبس أو تعذيب، ومن يسخر من النضالات ويقول ساخرا "بقداش كيلو النضال" فإن تعاطف هذا الرجل مع الحالة وليس الشخص ـ لأنه لا يعرفني ـ يدرك أن الخير باق فينا!
وأن اكتشاف المعادن النفيسة لا يحتاج أكثر من شيء من القدرة على التواصل!


 حفظ الله السيد "لؤي" أينما حل، وحصل بعد ذلك تواصل بيننا أم لم يحصل!
درس استفدت منه وموقف قدّرته لصاحبه فدوّنته ... والـــــسلام!

طـه البعزاوي
22 مارس  2018


مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.