.

.

تشريع الإرث بين الثبات والتغير في ضوء الأسرة الجديدة والدولة الجديدة

بتاريخ : 2018-03-28 الساعة : 14:13:53

اسم الكاتب : الشيخ الهادي بريك     التصنيف : كتب و دراسات     عدد القراء : 468




 مقالات أُخرى للكاتب - الشيخ الهادي بريك
بين المرأة والقرآن : علاقة حبّ يفسدها الغالون
لترحل بن سدرين كما رحّلنا من قبلها الحبيب عاشور
ترشيح اليهودي في ميزان الإسلام
يوسف الصديق : طعم جاهز وشهي على طبق إستئصالي
مسلمو ألمانيا : يا ملح البلد
خطاب رئيس الدولة بين العلم الشرعي والموقف الشرعي
عندما يكون العلم سلاحا ذا حدين
رمضان مدرسة تربوية جامعة
قراءة في الوثيقة السياسية لحماس
قصة موسى عليه السلام في مدين

المزيد من المقالات


مقدمات

 

أوّلا : هذا موضوع جدير بالدراسة العلمية الهادئة لأسباب منها أنه يتعلق بحدّ من الحدود الإلهية كما سيأتي وذلك بغرض ترسيخ الإيمان في الإسلام وتشريعاته في زمن ثائر هادر لا يستنكف أن يقدّس شيئا دون إختباره ووضعه فوق ميزان النقد وهو إتجاه يرحب به الإسلام بل يدعو إليه حتى لو كان البحث في الله سبحانه وجودا أصليا وليس إبداعا. ومن الأسباب كذلك أنه يتعلق بالأسرة والمرأة ولا زلت عند ظني العتيق أن المعركة اليوم ساخنة وباردة حول الإسلام الذي حمل الأثير العابر للقارات والفضاءات كلمته وأن أمّ تلك المعركة هي الأسرة والمرأة على وجه التحديد ( مؤتمر القاهرة  1994) ولن تضع تلك المعركة أوزارها حتى يكون الناس ـ في المركز خاصة وفي أكثر الأطراف عامة بتعبير سمير أمين ـ أميل إما إلى الخيار الإسلامي في الأسرة والمرأة وكذا قضايا الحقوق والحريات وإما إلى الخيار الغربي من دون أن تتوقف سنة التداول أو يتجمّد قانون الإزدواج. ومن الأسباب كذلك أن هذا الموضوع يثار بحدة في تونس وهي تجتاز الإمتحان الديمقراطي وحالها كحال من يسير على الألغام ولئن كانت هذه الإثارة من لدن لفيف من الإستئصاليين ليست جديدة وأنها حبلى بشر مستطير يهدد الديمقراطية قبل أن يهدّد الهوية ـ مع إيماني أن الهوية الإسلامية أعلى من أن تتهدّد ـ فإنها مناسبة للعود إلى جهازنا الفكري نجدّد ما يقبل منه التجديد من بعد إستيعاب واع له أن تهز الرياح العاتية قلاعه

 

ثانيا : هناك عاملان حديثان لا بد من تنزيلهما في إطارهما الصحيح إذ لا يعدم من المطالبين بالمساواة في الإرث نساء مسلمات طيبات الطوية عدا أن تقلّب الزمن وشح التعليم الديني المجمّد في تونس بأقدار كبيرة منذ عقود أناخ عليهن بكلكله. العامل الأوّل عنوانه : خروج المرأة إلى العمل  وقيام عدد غير يسير منهن فاقة على حاجات البيت. العامل الثاني عنوانه : حالة اللهث وراء الكسب المادي بأثر من إندياح العولمة التي إنتصرت بما يشبه الضربة القاضية يوم إستبدال منظمة التجارة الدولية في الفاتح من يناير ـ جانفي ـ 2005 بمنظمة ( القات ) القديمة. هذان عاملان يوفران الضغط اللازم لمراجعة التشريعات عفوا لا إثما

 

ثالثا : متغير ءاخر كبير عنوانه : الدولة الحديثة أو الدولة القطرية أو التابعة بتعبير منير شفيق. هناك منطقة وعي قاحلة فينا تشكلت في إثر نشوء الصحوة الإسلامية المعاصرة ( بدءا من عصر النهضة مع رموزه الأعلام من مثل رشيد رضا ومحمد عبده والأفغاني والكواكبي وغيرهم ) إذ أن أكثر المنتسبين إلى تلك الصحوة ـ عدا روادها الأعلام تقريبا ـ لم يتسلحوا بالشجاعة الأدبية الكافية حتى يتخطوا مرحلة الإنحطاط الواسعة في إثر ضمور فقهنا الإجتماعي العام ( السياسي والمالي والإداري إلخ...) من بعد صدمة عام الجماعة ( 40 هج) التي أكرهت فيها الأمة بقيادة السبط الحسن ـ عليه الرحمة والرضوان ـ على التخلي عن الإدارة الديمقراطية للدولة في عهد الخلافة الراشدة والقبول بالحكم العضوض . لذلك ظلت الرؤى حبيسة الإجتهاد في الزمن الذي أغلق فيه باب الإجتهاد. ولك أن تتصور إجتهادا يشتغل لصّا في زمن حكم عليه فيه بالصمت. ذلك هو معنى أن الحركة الإسلامية المعاصرة بلونها الحقيقي أي المتوازن هي المعنية ـ والمسؤولة معا ـ بتجديد الدين ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها دينها ).{1}.. نحن اليوم في مرحلة جديدة عنوانها : الدولة القطرية التابعة تنزلت منزلة الخلافة الراشدة الأولى إسما ورسما لا حقيقة وهو تنزل مفروض بقوة تحرسه وبقانون دولي. مؤدى ذلك : إشكاليات الطاعة والولاء وغيرها إذ أن الدولة القطرية تحكم بشيء من الإسلام وبشيء من غيره ومن هنا تبرز إشكالية قديمة حديثة عنوانها : الثورة أو الخروج بالتعبير القديم. الوجه الآخر لهذا المتغير الجديد هو أن الدولة القطرية ـ حتى وهي تابعة سياديا ـ تقوم على مرافق مجتمعية مهمّة فلا تترك للمجتمع الأهلي مساحات كافية من الحرية لترتيب أمره في قضايا محلية من مثل الأوقاف والمقابر والمساجد. تلك الدولة ـ حتى في العهد البورقيبي المعروف في تونس ـ لم تتنكر للدين بالكلية حفاظا على شرعيتها بل ظلت محكومة بتشريعات إسلامية بعضها مطمور في بطون الأسفار القانونية وبعضها يستخلصه المجتمع مقاومة وبعضه لا مناص للدولة من إقترافه. هذه الدولة الحديثة كيف تعالج في علاقتها بالدين أوّلا ثم في علاقتها بالمجتمع ثانيا حتى لا تكون عائقا في وجه التحديث الديني نفسه وهي تزعم أنها تقترفه وحتى لا تكون حائلا دون رغد العيش؟ هذه إشكالية هل حسمتها الثورة؟ السؤال صحيح والجواب لم يحن زمنه

 

السبب المباشر للموضوع

ليس أخطر على المرء من ركونه إلى الكسل العقلي متدثرا بقالتي الإجماع والثوابت. للإمام أحمد ـ الذي ضاعت مجاهداته السياسية بمثل ما ضاعت إجتهاداته الفكرية في زحمة الخلط بينه وبين الوهابية والسلفية المعاصرة المغشوشة ـ قالة معروفة عند طلبة العلم ينكر فيها بشدة على المتدثرين بدثار الإجماع إذ يقول : ومن أدراك أن الناس لم يختلفوا. وعندما يظل كل فريق منا متمترسا خلف ما يظنه عقيدة فإن الحوار ينهار ويؤذن لحركة الشارع أن تحسم في قضايا فكرية من الوزن الثقيل بل ربّما يؤول الأمر إلى أن يحسم فيها العسكر كما وقع في مصر العظمى بأزهرها. عندما يتمترس هذا خلف قالة الإجماع والثوابت ويتمترس ذاك خلف قالة التجديد نكون كأصحاب السفينة التي أخبر عنها عليه الصلاة والسلام إذ عمد بعضهم إلى إصلاحها بطريقتهم فلم يأخذ على أيديهم رفاقهم بإسم الحرية الشخصية فغرقت بهم وغرقوا جميعا.{2}. هذا التصوير البليغ نحتاجه اليوم في تونس التي تقطع مسيرتها الديمقراطية لبناء وطن سفينة يحمل الجميع وهم مختلفون إلى شطآن الأمن في حقول ملغمة 

 

 أسئلة كريمة من صديقة كريمة 

هذه مجموعة أسئلة متعلقة بالموضوع عثرت عليها وأستأذنت صاحبتها أن أتفاعل معها فأذنت مشكورة. أسوقها هنا  بتصرف صغير في بعض الصياغات

 

أوّلا : من الذي يقرّر القطعي والمتغير : النص أم الإجتهاد؟

ثانيا : هل بني نظام الإرث على مقومات من مثل وجوب الإنفاق على الرجل أم هي منزّلة بغض النظر عن واقعنا المعاصر؟ وهل يعاد النظر عند إنتفاء هذه المقومات؟

ثالثا : المواريث هل هي من مشمولات الدولة أم خيار شخصي؟

 

 وأسئلة أخرى عن الزكاة وعلاقتها بالإرث

 

 

القطعي والظني : من يقرّر فيه؟

 

مقدمات

 

أوّلا : هذه التسمية ( القطعي والظني ) وغيرها من التسميات حديثة. الإسلام لا يأبه كثيرا للأسماء لذلك لم يعرّف ولو مرة واحدة أهم شيء في رسالته أي الإيمان حدّا بل ظل دوما يبيّن آثاره ويحرّض على ثماره. ولا نعثر في القرآن كله وفي السنة كذلك على تسمية يمكن أن تنسب إلى ما سمّي من قبلنا ( القطعي والظني ) عدا على قوله سبحانه في أوّل سورة آل عمران ( الزهراء الثانية والتي نزلت جامعة بين الحوار مع نصارى نجران العربية المعروفة وبين التعقيب على عدوان أحد ) :“ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله. وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون : آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ".{ آل عمران 7}. أي أنه أرشدنا إلى أن القرآن الكريم كله ـ مؤلفا من 6236 آية في رواية حفص عن عاصم مثلا ـ لا يندّ عن كونه إما محكما أو متشابها. وأن الآيات المحكمة فيه ـ وهي على وجه الحصر والدقة جزء واحد من عشرين جزء أي 5 بالمائة منه فحسب ـ هي أمّه أي ثوابته وقطعياته وراسخاته التي لفرط صراحتها دلالة لسانية وتجهزها بكل أدوات النصية ـ وبعضها مفسر ـ لا تعني عند الجادين لا العابثين عدا دلالة واحدة أو معنى واحدا وهو معنى يسير في إتجاه محدد معيّن لا يحيد عنه وقد تنبجس من ذلك المعنى الواحد ذي الإتجاه الواحد بعض الدلالات الأخرى الجانبية سيما في الحقل التطبيقي بما لا يخرج عن تلك القطعيات المحكمات الثابتات الراسخات عن أحادية معناها وخصوصية دلالتها. الآيات المحكمات في الشريعة الإسلامية هي العمود الفقري في الجسم البشري أو هي بمنزلة المواضع المسؤولة على الحياة فيه من مثل القلب أو جمجمة المخ المنتج للفكرة. سميت حديثا قطعية لأنها تقطع مع أي ريب أو شك في أحادية المعنى أو صراحة الدليل. ومعلوم أن مناسبة ذلك كان متوافقا مع غرض السورة التي قدمت لموضوعها بذلك إذ أن الحوار مع وفد نصارى نجران يتطلب القطع مع بنوة عيسى عليه السلام أو ألوهيته أو صلبه من ناحية والقطع كذلك مع إلغاء الجهاد وسيلة لتحرير أهل المدينة بمسلميهم يومها ويهودهم وغيرهم من الغدر القرشي. أما الآيات المتشابهة ـ والتي تحتل من القرآن الكريم على وجه التحديد والحصر95 بالمائة ـ ليس كلاما على عواهنه ومن أراد التبيّن 

فالكتاب بين يديه ـ فمحلها الحوار العلمي الهادئ لغرضين إثنين : أوّلهما إثراء الحركة العلمية وتخصيب الحوار المعرفي بين الناس أن يأسن العقل فيكون تقليد مذموم. وثاني الغرضين هو إبتلاء الناس هل يخوضون الحياة وهم مختلفون حول تلك المتشابهات الكثيرة التي تتأبى عن الحصر في الدين وفي اللسان وفي الحياة بعيش مشترك قوامه السلم والأمن والإعتراف بالمختلف أم يرتكسون إلى النزعات البهيمية فيهم فيكون تناف وتلاغ وتقاص

 

ثانيا : لا نعثر في الحديث على مثل ذلك كثيرا لأن الحديث مهمته الأولى هي التبيين وليس التشريع ويمكن الإستئناس منه على وجود محكمات وظنيات في الدين من خلال بعض الأحاديث من مثل حديث الدارقطني الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام :“ إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها".{3}. ومن مثل قوله كذلك :“ الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو  عفو لكم". {4}.ومنها كذلك حديث جبريل المعروف والذي قطع فيه الكليات القطعية العظمى في الإعتقاد وبمثل ذلك في العبادة وبمثلهما في معاقد ثلاثة للحياة لا تستقيم بدونها ( الإسلام والصلاة والجهاد ) وأن خطام ذلك كله أن يتبدد هراقا اللسان وأن غيب الساعة لا قبل لأحد به ولو كان الملك الأعظم المقرب جبريل وأن أماراتها ـ ما ثبت منها وهو أقل من القليل ـ موضوعة للعلم وليس للعمل لعل الأغرار ينصرفون إلى العمل لما بعدها بدل الإنشداد إلى أشراطها جدالات عقيمة لا تبتعد عن جدالات الأروبيين قبل زهاء قرنين حول توفر المرأة عن روح أم لا.{5}. وبالخلاصة فإن ما توفر من الحديث حول المحكمات ـ القطعيات ـ يؤكد ما  رسخه القرآن أي الكليات العقدية والتعبدية والتشريعية والأخلاقية. فالفرائض بشقيها الفردي  والجماعي  ومثلها الحدود     والمحرمات قطعا جازما لا يطاله الإحتمال فيبطل به الإستدلال هي أمّ القطعيات الثابتات أي المحكمات بالتعبير القرآني آنف الذكر. وأن القرآن الكريم يضمن بذلك زعامة وكفالة  أن يختلف الناس حول صحة ذلك تبعا لإختلافهم في صحة هذا الحديث أو ذاك إذ أن الصحة ـ ثبوت الورود ـ مقدمة ـ وهي شرط كذلك ـ على الصراحة أي قطعية الدلالة فإن شغب على الأوّل بالإحتمال بطل الثاني أوتأخر إلى الظني

 

ثالثا : يعرف المحكم من المتشابه ـ أي القطعي من الظني ـ بالإستقراء وهو منهاج علمي يشمل الإستقراء الجزئي إعتمادا على الدليل الجزئي كما يشمل الإستقراء الكلي إعتمادا على الدليل الكلي وجمعا بين ذينك الضربين من الإستقراء يتألف للناظر إستقراء جامع ينحت من لحمته الكليات العظمى للشريعة وهو المنهاج الذي درج عليه الأصوليون والفقهاء والمقاصديون والمفسرون الذين توخوا التفسير الموضوعي . ومما يساعد على ذلك الإستقراء إشارات في القرآن الكريم لا يعدمها أي ناظر فمنها أن تكون فاصلة الآية مرتبة لعذاب بدني أو نفسي في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو تلحق غضبا أو لعنة أو يرد النهي فيها بلفظ الإجتناب وهو أعلى درجات النهي أو بالتحريم وهو دونه أو بصيغة التبشيع والتفظيع أو بلهجة المستنكر بشدة أو أن يشار إلى ذلك في الرحم أو فاصلة أنه حد من حدود الله سبحانه. فإذا كان القطعي متعلقا بالأمر وليس بالنهي فإن الصيغة تكون بعلامات منها إعتماد أقوى درجات الأمر وهو الأمر بلفظ الأمر لحما ودما وعصبا من مثل ( إن الله يأمركم ـ أو يأمر إلخ ..). ومن العلامات البارزات على القطع والإحكام إعتماد النص بمعناه الأصولي كما تقدم أي الذي يخرج من دائرة الظاهر بل كثيرا ما يتقمص القطعي الأعظم نصا محكما أو مفسرا أو محكما ومفسرا معا ويكاد ينحصر ذلك في النظم بما لا يحتمل عدا دلالة واحدة في اللسان العربي من مثل الأعداد ( مائة مثلا أو ثمانين أو أربعة أو غير ذلك مما  ورد ) أو من مثل الإسم العلم الذي لا ينصرف إلا إلى صاحبه ( شهر رمضان مثلا ) أو من مثل الدلالات على الأمكنة والأزمنة من مثل أن الحج لا يكون إلا إلى البيت الحرام في مكة المكرمة وأنه لا يكون إلا في زمان محدد معروف مبيّن. كلها إشارات لا تتطلب عدا الإهتمام والإستقراء وليست حكرا على شيخ أو فقيه أو غيرهما

 

  رابعا : من المواضع الكبرى المكثفة لبيان قطعيات الدين ثلاثة معروفة. الموضع الأول يكفل بيان الجذور العظمى الأولية لأكبر القطعيات المحكمات نهيا في الدين ومنها تتفرع كل المنهيات الأخرى سيما كبائرها وإليها تعود عود الغصن حياة وموتا إلى جذره الضارب في الأرض. هذا الموضع تضمنته سورة مكية ـ الأعراف ـ وهو قوله سبحانه :“ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون".{ الأعراف 33}. تلك هي الجذور العظمى الأولية للقطعيات المحكمات نهيا في الدين فهي أمهات الثابتات الراسخات وهي خمس كبرى. وقع تفصيلها في آيات كثيرة مبثوثة في القرآن الكريم الذي نظم بغير سابق عهد تحديا بلاغيا ومن أشهر تلك المواضع المفصلة لتلك الجذور الخمسة العظمى : موضع مبسوط في آخر سورة الأنعام {151 حتى 153}.وموضع مثله مبسوط في أول سورة الإســراء {من 22 حتى 39}. وكلتاهما مكيتان والموضعان لا يختلفان إلا في بعض الصياغات ويتضمن كل منهما زهاء عشر قطعيات محكمات لا يطالها  إجتهاد ولا تجديد فهي أم الكتاب وعماد الحياة وعقل الإنسان

 

خامسا : هي ثلاث مساحات في التشريع إذن. مساحة عنوانها الإخبار نظما وسداها الإجمال وهي المساحة العقدية التي تنفرد بمعيار مزدوج لا مكان فيه لمنزلة وسطى وهو معيار الحق والباطل أو الكفر والإيمان. تلحق بتلك المساحة الأولى مساحة أخرى تماثلها في الإحكام والقطعية وهي مساحة العبادات الخمس المعروفة بسبب الحديث الصحيح فيها {6}. ولكنها مساحة تختلف عنها إذ هي إنشائية لا إخبارية وبذلك تحكم بمعيار نسبي عنوانه : الطاعة والمعصية. وتلحق بهما مساحة ثالثة هي مساحة الحدود والمحرمات معا  وهي مساحة بها ينغلق الفضاء المحكم القطعي الذي لا يقبل الإجتهاد والتجديد وبذلك يتحصل لدينا أن المساحة المغلقة بمحكماتها وقطعياتها هي المتضمنة للعقائد إخبارا وللعبادات إنشاء وللحدود والمحرمات تشريعا. المساحة الثانية هي مساحة وسطى مشتركة يعتلج فيها القطعي مع الظني فهي محكمة في أصولها وظنية في فروعها ـ أو بحسب التعليل والتعبد وهو مبحث نأتي إليه إن شاء الله ـ وهي مساحة الأسرة أو العائلة من حب وخطبة ونكاح وولد ورضاع وطلاق وميراث. هذه منطقة وسطى لأنها تشترك مع المنطقة الأولى في شيء وتشترك مع المنطقة الثالثة التي نعالجها بعد قليل في شيء آخر. منطقة فيها المحكم القطعي وفيها الظني المتشابه. المنطقة الثالثة والأخيرة هي المنطقة التشريعية العامة ومبناها مشترك بين الإنشاء الجديد وبين التقرير لتشريعات قديمة أو لأعراف صالحة. هي منطقة الكليات والمعاقد والمبادئ والمقاصد فتضن فيها النصوص من الوحي ضنا عجيبا عدا من الموجهات الأخلاقية. هي منطقة تتأبى عن التفصيل لأنها تتأثر بالتغيرات والتبدلات في الحياة التي جبلت على الحركة لا على السكون. التشريعات هنا بتعبيرنا المعاصر إجتماعية وإقتصادية ومالية وسياسية وإدارية ترتيبية قانونية ودستورية وعلاقات خارجية. تلك هي المساحات الكبرى في الشريعة. التمييز بينها مطلوب لطالب العلم إذ تتغير معاييرها من الحق والباطل والكفر والإيمان إلى المعصية والطاعة حينا أو إلى العدل والجور والمصلحة والمفسدة حينا آخر وذلك بحسب كل حقل وطبيعته التشريعية هل هو إخباري تعبدي أو هو إنشائي إبتدائي أو هو تقريري معلل مقصد يدور فيه الحكم مع علته وجودا وعدما وبذلك تضمن الشريعة ثباتها متجانسا مع مرونتها فلا تأسن حياة بإسم الدين ولا يتبدد ثابت بإسم التطور

 

سادسا : من الإستقراء تبيّن أن الشريعة مهتمة بالمنهيات أكثر من إهتمامها بالمأمورات. إستقراء ليس حكرا على أحد فلا تركن إلى الكسل متذرعا بما سمعت أو قرأت. من العلامات على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام :“ ما نهيتكم عنه فانتهوا ...“. {7}. وعلامات أخرى  جلبها الإستقراء منها أن الشريعة رتبت على مقترف الكبيرة عذابا في الدنيا إذا تعلق الأمر بحق الإنسان أو عذابا في الآخرة إذا تعلق الأمر بحق الله ولم ترتب توازيا مع ذلك عقوبة في الدنيا على تارك الفريضة. ومن الأمارات كذلك أن إقتراف الكبيرة عدوان لو أحجم المرء عنه ما لحقه ضر ولا شر ولكن تدفع إليه النزعات البهيمية في الإنسان. أما مضيّع الفريضة فقد يكون ذلك عن إنشغال أو كسل أو شح وهو أدنى ضرا  وشرا لأن المضيّع يضر نفسه في الأعم الأغلب ـ وبه الحكم دوما ـ ولا يضر غيره ولذا يكون الغضب على المعتدي أكثر منه على المقصّر. خلاصة هذا المبحث العلمي أي إهتمام الشريعة بالمنهيات أكثر من إهتمامها بالمأمورات ـ صيغة تفضيل لا إلغاء ـ أن أكثر المحكمات والقطعيات في الدين محلها المنهي عنه وكبيره بصفة خاصة عملا بوعده الأعظم :“ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ". { النساء 31}. وهو يذكر أكبر الكبائر أي العدوان  على الإنسان في ماله قوام حياته

 

سابعا : ما هي فلسفة التشريع في القطع والظن أو الإحكام والتشابه؟ هذا مبحث مهم  وحقه التقديم. معلوم أن الحق معياره مزودج متركب من مكونين هما : تلبية الفطرة البشرية والإنتظام في الفلك السنني العام للكون والخلق وإجتماع الناس. ذلك هو موطن الحق طرا مطلقا ودون منازع. فالحق ما جمع إليه ذينك والباطل ما عفا عنهما. حكمة التشريع في القطع والظن قوامها أن الأحكام التي جاءت راسخة ثابتة لا يطالها أي إجتهاد أو تجديد تكون دوما متعلقة بالنفس البشرية التي لا تتغير جبلتها ولا تتبدل فطرتها إذ أن الإنسان الأوّل ـ ومعه الأنبياء ـ مصنوع من الغريزة نفسها التي صنع بها كل واحد منا حبا وكرها وأملا وألما نفسا وبدنا وفردا وأهلا. فكلما تعلق الحكم بالفطرة المتأبية عن التغير كان قطعيا ثابتا محكما وكلما تعلق الحكم كذلك بسنة كونية أو قانون خلقي أو ناموس إجتماعي كان بمثل ذلك قطعيا ثابتا. وكلما تعلق الحكم بحقل متغير كالسياسة مثلا أو التبدلات المالية أو العلاقات الخارجية أو القوانين والأساليب الإدارية كان ظنيا قابلا للتغير والتبدل أي في تنزيلاته وتشكيلاته وتصويراته من دون أن ينال ذلك من الكليات والمقاصد التي أشير إليها آنفا

 

ثامنا : مبحث آخر لا بد من الإشارة إليه لتعلقه بقضية القطعية والظنية وهو مبحث التعليل والتعبد.  ذلك أن الأحكام منها ما هو متعبد غير معقول المعنى بالتعبير القديم ومنها ما هو معلل مقصد معقول المعنى. العلم بهذا فيصل فاصل في الكسب المعرفي للإنسان. الشريعة كلها ـ بما فيها العقيدة ـ معللة مقصدة معقولة المعنى سوى أن ذلك التعليل يقصر سلطانه في أحيان على الكليات ولا سلطان له على التفاصيل. ولذا إنتظم التعليل في تفاصيل العبادات مثلا ـ لا في أصولها وكلياتها ـ تحت سقف الطاعة بالغيب التي هي مقصد مقصود من الشارع الحكيم سبحانه. ما يهمنا من هذا الآن هو أن القطعي المحكم في الشريعة كلها معقول المعنى معلل مقصد في أصوله وكلياته ومعاقده التي منها تنبجس الحكمة إلا أن يكون تفصيلا عقديا أو تعبديا ـ ولا يتعداهما بحال ـ لا يضر المرء ألا يعلم الحكمة منه من مثل عدد ركعات الصلوات. فلا يحتج بأن هذا القطعي المحكم ـ عادة ما يكون في دائرة المعاملات العامة ـ جلي الحكمة وباهر العلة فهو إذن محل تجدد في أصله أما في فروعه وتنزيلاته فذاك هو المطلوب. هذه العلاقة بين مبحثي التعليل والإحكام إذن لا بد من ملاحظتها

 

تاسعا : كلمة أخرى ترتب مسألة الإحكام  والتشابه. قوامها أن القطعي المحكم في الشريعة يمكن أن يكثف إستقراء عصريا في مساحات ثلاث كبرى هي : حق الله وحق النفس وحق الإنسان. إذ أن كل حكم هو حق لله سبحانه ( العبادة والإستعانة ) هو محكم قطعي وأن كل حكم هو حق للنفس ( تزكية وتطهيرا بالصلاة والزكاة والصوم والحج بحسب القدرة والذكر طبعا ) هو محكم قطعي كذلك وتأويل ذلك أن الإنسان لا يملك نفسه على خلاف الرؤية الغربية بل إن نفسه مملوكة لباريها وفاطرها فهو يبعثها متى يشاء ويتوفاها متى يشاء فهو أولى من ينشئ لها من أساليب التزكية والتطهير في حدها الأدنى. وكل حكم هو حق للإنسان ـ كل إنسان بغض النظر عن دينه ولونه وعرقه وعنصره ولسانه ـ ( حق الحياة والعلم والعمل والقول وضمان حريته في نفسه وبدنه

 وماله وعرضه وما تتقوم به حياته ) هو محكم قطعي كذلك

 

عاشرا : مراجعات الصحابة. العبد الفقير من الذين يعتبرون أن الإتجاه العام سياسة ومالا وعلاقات داخلية وخارجية للخلافة الراشدة المهدية الأولى من أبي بكر حتى الحسن عليهم الرضوان جمعيا هو إتجاه إسلامي يعضد السيرة النبوية في النمذجة أو الإستئناس العالي . الحديث فيها ضعيف {8}. ولكن معناه مبثوث. والحقيقة أني لمست ذلك إستقراء بغض النظر عن الصحة والضعف. إنما أشدد على الإتجاه العام وليس التفاصيل وعلى قصر ذلك عليهم هم ولا يمتد لجيل بعدهم. المقصود هنا هو أن للصحابة مراجعات تبين لنا أنها تجديدات وتحسينات وتطويرات محبوسة إما في القطعي المعلل أن يحيد عن تحقيق مقصده الذي لأجله أنشئ ( تعليق الحكم بالقطع أيام الفاروق مثلا واحدا من أمثلة كثيرة تلبية لغياب المحل وليس كفرا بالحكم أو إنكارا له أو إستهتارا به أو لأن الزمن لم يعد يتسع له ) وإما في الظني وهذا كثير لا يحصى ( تثليث الآذان وإجتراح صلاة التراويح ومنابر ذات درجات رباعية وأكثر وضوال الإبل ومنع نكاح الكتابيات والتوسل بالعباس إستسقاء إلخ …). الخلاصة من هذا هي أنه ما روجع محكم قطعي إلا كان معللا مقصدا أوّلا خوفا ألا يفضي إلى أيلولته المقصودة وبذا تعزر أسطولنا الأصولي سيما بالفتوحات الفاروقية التي نشأت إجماعا هو  الأعلى قطعا بما نسميه اليوم فقه الواقع وكان يسمى قديما فقه المآل أو الأيلولة وبنيت لمراجعته قواعد منها : لا ينكر تغير الحكم ـ أو الفتوى ـ لتغير الموجبات وأصلها الزمان والمكان والحال والعرف عدا أن ذلك مشروط بإعتماد التعليل والمصلحية والتقصيد أوّلا وبإجماع مثله ـ وإن تعذر اليوم ـ ثانيا وأن يكون من أهله وفي محله ثالثا وألا يرتهن للتجاذبات السياسية أو غيرها. ولا مناص من القول أنه كلما حسمت الهوية الثقافية لأمة ما حسما عرفيا إجتماعيا لا علاقة له بالمدونات الدستورية كان أمر الموازنة بين المحكم والمتشابه أو بين النص والإجتهاد يسيرا آمنا والعكس صحيح

 

ثلاثة أرباع الدين موضوعة للإجتهاد والتجديد

 

بكلمة واحدة يعلمها طلبة العلم قوامها أن الدين عندما يعالج بميزان القطع والظن تكون النتيجة أن ربعا واحدا منه لا يطأه الإجتهاد ولا يلجه التجديد ـ عدا تجديد تعميق الفهم وتيسيره للحوار والدعوة وغير ذلك من التجديدات العلمية لا العملية ـ وهو الربع الموصوف بأنه : قطعي الورود وقطعي الدلالة معا وهو كما مرّ بنا تحديدا وليس كلاما على عواهنه لا يزيد عن جزء واحد من عشرين جزء أي 5 بالمائة. أما الأرباع الثلاثة الأخرى فهي موضوعة من الشارع الحكيم نفسه للإجتهاد والتجديد وهي : القطعي ورودا والظني دلالة والظني ورودا والقطعي دلالة والظني ورودا ودلالة معا. وتلك الأرباع الثلاثة هي المعنية بقولك أن الإجتهاد لا يكون إلا في محله. فتلك هي محله. معنى ذلك أن الدين موضوع للإجتهاد والتجديد في ثلاثة أرباع منه وأن ربعا واحدا محفوظ إذ ثبت وروده قطعا وثبتت دلالته قطعا كذلك

 

الخلاصة

 

بعيدا عن نزوع بعضنا إلى توسيع نفوذ ودائرة المحكمات حيطة أو خوفا على الدين  ونأيا عن نزوع بعضنا الآخر إلى التضييق من دائرة القطعيات ونفوذ الراسخات أيلولة إلى يسر التجديد فإن الشريعة بمنهاجها الأصولي المعروف ( منهاج تكفلت به علوم أربعة هي : التفسير الموضوعي لا الموضعي و أصول الفقه وأصول المقاصد وأصول مقامات التشريع أو المشرع ) لم تضن علينا بأدلة نعرف بها المحكم منها من المتشابه أو القطعي منها من الظني. لم يدون الأمر كما نريد نحن اليوم كسلا ليقال لنا : هذا محكم قطعي وهذا متشابه ظني. لا. ذلك خطاب المعلم الفاشل للتلميذ الغبي. خطاب الشريعة بنى منظومة سياقية من يستقرؤها يعلم بيسر  المحكم من المتشابة والظني من القطعي. فلم يكن ذلك بالنص ولم يكن ذلك بالإجتهاد كذلك. هو منهج جمع إشارات بها يميز المرء بيسر بين تلك المراتب. إن شئت قلت هو إجتهاد ولكنه الإجتهاد الذي لا يحتكره إمرئ مادام يستقرئ وينظر ولا أظن أن خلافا نشب في الغابر ولا في الحاضر حول القطعي والظني سوى أن القطعي نفسه درجات متفاوتة ومثله الظني. أنا مطمئن إذن إلى أن الشريعة نفسها هي التي حددت المحكم والمتشابه ولكن بطريقة عقلية إستقرائية لا تختلف حولها النتائج وليس الأجتهاد إلا جمعها وترتيبها بحسب الحقل أو بحسب العلوّ والأولوية

 

 

الشريعة والمال : بين التفصيل والإجمال

 

شريعة الإرث في الإسلام  جزء لا يتجزأ من شريعته في المال ولكم نخطئ عندما نعالج جزءا واحدا من هذه الشريعة المالية إذ ذاك هو الإبتسار والإجتزاء ولن تكون الصورة عدا مشوهة. فكان لزاما أن نطوّف بتعجّل على الشريعة المالية في الإسلام مذكرين بما أنف قوله في الجزء السابق المتعلق بالقعطي والظني وهو أن الشريعة المالية ـ بما هي شريعة إجتماعية ـ لم يزد الإسلام فيها على بيان الكليات العامة والمقاصد العظمى والمعاقد الكبرى والمبادئ المؤسسة داعيا الناس إلى تفصيل تلك الكليات بما يناسب حياتهم المبنية على التغير والتبدل ولو فصلها كما فعل في العقائد أو العبادات أو في جزء كبير من المساحة الوسطى أي الأسرة لأرهق الناس وأوقعهم في عنت. هذه الفكرة الأصولية فكرة مؤسسة في قراءة المنهاج التفكيري الإسلامي

 

أهم كليات الشريعة المالية

أوّلا : المال لله وحده يملكه كما يملك كل شيء والإنسان مستخلف فيه :“ وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه“.{ الحديد 7}. ومن هنا ترتبط الشريعة المالية بالشريعة العقدية التي هي جذر الدين ولذلك يثاب من أنفق شق تمرة مؤمنا بهذا ولا يثاب من أنفق ملء السموات والأرض وما بينهما ذهبا وفضة إذا مات لا يؤمن بهذا

 

ثانيا : الإنسان عقل يبدع ويد تعمّر وليس هو بطن خاوية فحسب كما يريد أن يقنعنا بذلك وائدو الإنسان بإسم ندرة الموارد الطبيعية أو كثرة النسل. هذه نظرية غربية لا صلة لها بهذه القيمة :“ وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين ". {الحجر20}. أي سورة الحجر

 

ثالثا : تقدير العمل وتكريم العامل بغض النظر عن نوع العمل كلما كان يحفظ كرامة الإنسان. رأى الصحابة الكرام يوما رجلا قوي البنية فقالوا : لو كان هذا في سبيل الله. فقال لهم عليه الصلاة والسلام : إن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله. {9}. كما غضب يوما على الصحابة أنهم لم يؤذنوه بموت إمرأة سوداء كانت تقمّ المسجد ثم ذهب إلى قبرها وصلى عليها {10}. أنظر تخريج الحديث أسفل هذا

 

رابعا : فرض الزكاة ـ زكاة المال عينا ونقدا عدا زكاة الفطر ـ ركنا من أركان الإسلام وسنتعرض بحوله سبحانه إلى قراءة فيها

 

خامسا : فرض المواريث ـ وقد سماها فرائض أي أقساما مقسومة وأنصبة محددة ـ ونتعرض لها لاحقا إن شاء الله كذلك

 

سادسا : فرض المهور نحلة دون أن يحدد له سقفا أعلى :“ وقد آتيتم إحداهن قنطارا...“. { النساء 20}. بل جعله ركنا من أركان النكاح حده الأدنى ألا يتواطأ الزوجان على كتمانه. وهو ضرب من ضروب تقسيم الثروة بين الناس أن تكون دولة بين الأغنياء مع إصابة حكم أخرى و تقريرا لإستقلال المرأة بمالها 

 

سابعا : تحليل كل أنواع البيع وكل ضروب التعاقد إلا ما تضمن أي صورة من صور أكل أموال الناس بالباطل :“ وأحل الله البيع وحرم الربا". {البقرة 275}.أو ما كان متضمنا لمحرم. والمحرم في الشريعة أقل من القليل إذ هو في المأكولات لا يتجاوز الميتة بكل أنواعها والدم المسفوح ولحم الخنزير ويلحق بها كل خبيث مستقذر تأباه الفطرة قبل أن يرد عليه التحريم الديني ولا يتجاوز في المشروبات الخمر وما في حكمها مسكرا مذهبا للعقل أو مستهجنا جبلة. ولو دعي أحدنا إلى عدّ المباحات لأفنى عمره وما بلغ

عشر معشارها. ومن أبرز صور أكل أموال الناس بالباطل التي عالجها التشريع : الإرتشاء (  البقرة 188 ) والإحتكار إذ قال عليه السلام : لا يحتكر إلا خاطئ. {11}. وقال كذلك : لا يبع حاضر لباد.{12}. كما له عشرات الأحاديث الصحيحة في سد الذريعة إلى ربا النسيئة مما نهى عن طرق ربا الفضل

 

ثامنا : تقرير الحرية الفردية في التملك دون حدود وتقرير حرية السوق ليرزق الله الناس بعضهم من بعض ما توفرت شروط التكافؤ بين الناس إنتاجا وإستهلاكا وتوزيعا ومدّا لقانون العرض والطلب أن يعمل عمله إذ لمّا دعي عليه الصلاة والسلام إلى التسعير أبى وقال :“ إن المسعّر هو الله". {13}.ولما جاء الفاروق وخشي أن تكون بعض شروط التكافؤ قد حيف عليها أمّر على السوق المركزي للمدينة ـ عاصمة الدولة ـ إمرأة إسمها الشفّاء

 

تاسعا : تأميم مصادر الثروة العظمى أن يحتكرها الموسرون ويحرم منها المستضعفون :“ الناس شركاء في ثلاث : الماء والكلأ والنار". {14}.وهو التشريع نفسه الذي إلتقطته حكمة الفاروق فراجع تخميس أرض العراق المفتوحة عنوة في أيامه أن يقطع ( بضم الياء ) المجاهدون أرضا هي أصل الإنتاج ويحرم منها بقية الناس أو الأجيال القابلة. وهو الأمر نفسه كذلك الذي إجتهد فيه الفقهاء في ما أسموه ركازا أي ما حوت الأرض في باطنها من ذهب وفضة ومعادن وسوائل

 

عاشرا : تأسيس الأوقاف والأحباس وهو عمل بدأ منذ عهده عليه الصلاة والسلام إذ أشار على أنصاري أراد التصدق بصدقة عارية بتحويلها إلى صدقة جارية وهي عبارة عن بستان مزدان وأسس لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام :“ إذا مات إبن آدم إنقطع عمله إلا من ثلاث : ولد صالح يدعو له وصدقة جارية وعلم بثه في الصدور". {15}.ولا ريب أنه لا إستقلال لأي مجتمع عن الدولة إستقلالا وظيفيا يتحرر به من بطشها إلا بسبيل الأوقاف والأحباس التي حفظت الأمة في العهدين الأموي والعباسي وما بعدهما عندما إستأثر السلطان بالصولجان وتركت الأمة تخوض معركتها المالية بلا سند. كما أنه من بركات الأوقاف ومقاصد الأحباس إعفاء الدولة من مرافق كبيرة وكثيرة وتحريرها لمعالجة قضايا الأمن والعلاقات الخارجية

 

  الحادي عشر : بناء تحالفات أهلية بغرض عضل القهر ومنع الحيف وهو الأمر الذي أشاد به عليه الصلاة والسلام في قوله :“ لقد شهدت مع بني عمومتي حلفا في دار إبن جدعان لو دعيت به في الإسلام لأجبت ". {16}.وهو حلف الفضول أو الطيبين. وسببه أن عقلاء قريش في الجاهلية ضجوا من عدوان بعض أقويائهم على بعض الأغراب بما لا يتفق مع النخوة العربية والشهامة القرشية

 

الثاني عشر : إعتبار الغلول ـ وهو الأخذ من المال العام بدون إذن أي خلسة وتزويرا ـ من أكبر الكبائر حتى إنه توجه بالمنع بصيغة التبشيع والتفظيع إليه هو عليه الصلاة والسلام وما كان هو ليفعل ذلك ولا ليدور بخلده ولكن ليكون النهي قاطعا جازما حارا :“ وما كان لنبي أن يغلّ ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة ". { آل عمران 161}.بل أخبر عليه الصلاة والسلام أن رجلا من أصحابه ـ فهو مسلم مؤمن مجاهد ـ غلّ شملة ـ قطعة قماش صغيرة ـ فلما فرح الأصحاب بموته شهيدا قال أنه في النار وأخبرهم أن سبب ذلك إنما هو تلك الشملة

 

الثالث عشر : منع المسؤول أن يقبل الهدية خشية أن تكون رشوة في الدين وذلك لما غضب غضبا شديدا على أحد عماله بعثه في طلب الزكاة فقال : هذا لكم وهذا أهدي إليّ. قال وهو في قمة الغضب : ليقعد أحكم في بيت أبيه أو أمه ولينظر هل يهدى إليــــــــه أم لا {17}.وأنظر التخريج أسفل هذا

 

الرابع عشر : وفي مقابل ذلك سنّ قانون التفريغ للمسؤولين وهو أمر تضمنته شريعة الزكاة ويأتي تفصيل ذلك لاحقا بإذنه سبحانه كما أن الصحابة الذين فقهوا حكم التشريع ـ وليس أحكامه فحسب كما هو حالنا اليوم ـ قضوا لأوّل خليفة ـ أبي بكر ـ براتب مالي يكفيه ويكفي من يعول في مقابل تفرغه لخدمة الناس بوسيلة الدولة. كما دعا إلى إغناء المسؤولين ـ ليس حتى لا يسرقوا من المال العام كما يفعل اليوم  بل ليتفرغوا لخدمة الناس ـ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : من ولي لنا عملا وليس له خادم فليتخذ له خادمـا {18}. كان الخادم في تلك الأيام في منزلة السيارة في زماننا أي حاجة ضرورية ولنا أن نقيس على ذلك ما يكون من ضروريات العصر 

 

الخامس عشر : تتحمل الدولة مسؤوليتها في ضمان الأمن للناس إذ لمّا ولي عثمان عليه الرضوان الأمر وكثرت الإبل الضالة حتى أصبحت تهدد أملاك الناس إتخذ في شأنها إجراء مخالفا لما كان عليه الأمر في عهده عليه الصلاة السلام فبنى لها مأوى تابعا للدولة ويقوم على أكلها وشربها ورعايتها وحفظها حتى إذا جاء صاحبها يطلبها إستخلص منه ما أنفقت الدولة على دابته. الدولة مسؤولة على أمن الناس حتى لو كانت إبلا ضالة تتلف بعض أملاكهم

 

السادس عشر : كما تتحمل الدولة مسؤوليتها في القيام على الضعفة والمساكين والأرامل والأيتام لقوله عليه السلام في مقام الإمامة السياسية ـ وكل ما ورد هنا هو من باب الإمامة السياسية وليس من باب البلاغ النبوي فحسب بله أن يكون من أبواب أخرى آخر من كتب فيها العلامة إبن عاشور في مقاصده ـ :“ من مات فترك مالا فلورثته ومن ترك عيالا أو ضياعا فإليّ وعلــيّ. {19}. أي إليّ أنا الدولة وعليّ أنا الدولة

 

السابع عشر : وللدولة كذلك أن تفرض عدا الزكاة ضرائب على الناس لمواجهة طارئات لو تركت لتعرض الناس إلى الجوع والخوف ومن ذلك أنه عليه السلام ـ وبمقام الإمامة السياسية كذلك وليس تحريضا أو حضا فحسب ـ جمع المسلمين كلهم أنصارا ومهاجرين في الأيام الأولى ـ بل ربما في اليوم الثاني ـ لوصول المدينة ولم ينفض الإجتماع الطارئ حتى ضمن لكل مهاجر من الرجال والنساء كفيلا من الأنصار يرجع به إلى بيته ويقسم له رزقا. لو لم يفعل ذلك وبإسم الدولة أو تركه لإحسان المحسنين لنام بعض المهاجرين فوق الأرصفة بتعبيرنا المعاصر

 

الثامن عشر : نظام التغطية الإجتماعية لعموم المواطنين وهو نظام إجترحه الفاروق دقة فقه منه وعمق تدبر في التشريع المالي ورسالة الإسلام الإجتماعية إذ فرض لكل مولود جديد منحة كما وضع الجزية عن اليهود العجزة وأمر لهم براتب من ميزانية الدولة بمثل العطاء الذي باشره الصديق على أساس المساواة بين المحتاجين فلما جاء الفاروق راجع التنزيل فحسب وليس المبدأ وذهب في إتجاه عدم المساواة في العطاء معتمدا على الآيات التي لا تسوّي بين مجاهدات الناس وسابقيتهم

 

التاسع عشر : حفظ الحقوق المالية للناس بوسائل الكتابة والإشهاد بمثل ما ورد في آخر البقرة { من 282 حتى 283}.وبمثل ما ورد في سورة المائدة {من 106 حتى 107}.حتى إنه أجاز شهادة الكافر :“ أو آخران من غيركم " حدبا على حفظ الحقوق المالية للناس فضلا عمّا أنزل من تشريعات مشددة ضد كل من يتعدى على الحقوق المالية للناس ( حد الحرابة {المائدة 33}. وحد السرقة {المائدة 38}. ) ولم تشن حربا من الله في القرآن الكريم عدا على آكل الربا وهو صورة من أبشع صور العدوان على الحقوق المالية للناس ولم تشن دولة في التاريخ البشري حربا وتدفع إليها أبناءها ليقضوا تحت الحراب عدا الدولة الإسلامية بقيادة الصديق في حرب اليمامة التي لم يرتد فيها الناس عن ركن الزكاة بل إرتدوا فيها عن الإعتراف بالسلطان السياسي لدولة الصديق وعربون ذلك عدم الولاء المالي للدولة التي كانت تجمع الزكاة في عهده عليه الصلاة والسلام فهي إذن ردة مالية أو ردة سياسية أما الردة العقدية السلمية التي لا تهين الإسلام ولا تدعو إلى ردتها فحكمها : لا إكراه في الدين {البقرة 256}. وقد ألّف فيها المرحوم العلامة طه جابر العلواني كتابا كاملا حمل هذا الإسم

 

العشرون : إعتبار أن العدل والقسط رسالة الإسلام ولا رسالة له عداها. „ إن الله يأمر بالعدل " {النحل 90}.و " قل أمر ربي بالقسط " { الأعراف 29}.وقوله في موضعين متشابهين " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله "{النساء 135}. و " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ".{المائدة 8}.  و " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ".{النساء 58}. وهي أمانة السياسة وقد ألّف فيها إبن تيمية كتابا كاملا. كما شدد على قيم العدل والقسط مع المخالفين حتى لو كانوا محاربين :“ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ".{البقرة 190}. وتمعّر وجهه عليه الصلاة والسلام لأصحاب الصفّة وهم فقراء مدقعون حثّ الناس بهم إحسانا وأقام لهم في المسجد مأوى فيه يبيتون. ولم يتردد عليه الصلاة والسلام أن يدفع لغطفان ثلث ميزانية الدولة كلها في مقابل فك الحلف العسكري الذي يحيط بالمدينة ويهدد حياة الناس ـ ومنهم يهود ونصارى ـ إحاطة السوار بالمعصم لولا أنه إستشار أهل الدار فأبوا

 

الواحد والعشرون : كما أقر بعض التشريعات الجزئية التي تشجع الناس على التوبة وعمارة الأرض فلا يكون الدين أو الوسواس عائقا دون ذلك ومن ذلك إلغاء المفعول الرجعي للمال المكتسب من حرام ـ إلا في حالات إستثنائية جدا ـ ولذلك وضع ربا العباس عمّه تحت قدميه في آخر أيامه فحسب ـ خطبة حجة الوداع ـ والرجل مسلم منذ الفتح على الأقل بإجماع ولم يطالبه بمفعول رجعي لما أكل من ربا. وقبل ذلك قال سبحانه مقررا قيمة التوبة التي تجبّ ما قبلها طرّا مطلقا :“ فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله "{ البقرة 275}. ومن ذلك كذلك أن المال لا يتعلق بذمتين ولو تعلق بذمتين ما أكل أحد منا لقمة حلالا زلالا إلا فلاحا يحرث أرضه بنفسه ويأكل منها بنفسه فلا يسأل سائل عن أصل المال ما إكتسبه بالحلال وكذا تحمّل الغرر اليسير لأنه لا بد من الغرر ولولا الغرر لما أبيحت الإجارة والصناعات كلها تقريبا ولا يسلم عمل من غرر أبدا

 

الثاني والعشرون : تقرير الفاروق ـ ذلك العقل الإستثنائي في فقه الدين والحياة ـ مبدأ أسميته قديما في بعض ما كتبت : أولوية العدل على الشريعة. قرر الإسلام أولوية الحرية على العقيدة وذلك لما وضع الإكراه عن الإنسان فلا يكره على دين أحد أبدا حتى لو كان المكره الله نفسه سبحانه وحاشاه أن يكره أحدا على دين بل أمر نبيه بتحرير الناس أوّلا فمن تحرر منهم يعرض عليه الإسلام فإن أسلم فبها ونعمت ومن أبى فالقانون واضح جلي :“ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ".{الكهف 29}. وقرر الفاروق في فتوحاته الفكرية ـ حد السرقة مثلا وأمثلة أخرى كثيرة ـ مبدأ عنوانه : أولوية العدل الإجتماعي والأمن السياسي على تطبيق الشريعة. وهكذا يتبين لنا أن الشريعة التي ندعو إلى تطبيقها جهلا وخلطا بينها وبين جوانب الدين الأخرى هي مؤخرة تسبقها الحرية أوّلا وتسبقها العدالة الإجتماعية ثانيا ويسبقها الأمن السياسي ثالثا

 

خلاصات ثلاث كبرى

 

أوّلا : لم ينحت التشريع الإسلامي نظاما ماليا أو إقتصاديا محددا بل إقتصر على ترسيخ مبادئ وقواعد ومقاصد كلية فمن فقه حكمتها ورسالتها من المجموعات البشرية نظمها ( فتح عين الفعل دون تضعيف) في نسق مالي أو نظام إقتصادي بحسب ما تيسر لهم من الزمن الدوّار. مقصدان من هذا الخيار : أوّلا مراعاة تغير الزمان وثانيا تكريم الإنسان بالإجتهاد والتجديد تحت سقف تلك المقاصد الكلية وهو الأمر نفسه في الحقل السياسي والإداري الترتيبي

 

ثانيا : المقصد الأسنى المراد تحققه من تفعيل تلك المبادئ الكلية العامة هو :“ كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ".{الحشر7} أي حتى لا يستأثر الأقوياء ـ بأي صيغة من صيغ القوة وصورها ـ بالثروة فيتداولونها بينهم وتظل فئات واسعة ترزح تحت محارق الحرمان إذ لم يترك ذلك لإحسان المحسنين فحسب بل جعله دينا مدينا ورتب على منتهكه عذابا في الدنيا ثم في الآخرة

 

ثالثا : من يستقرئ التشريع الإسلامي في الحقل الإجتماعي والمالي الإقتصادي يدرك بيسر أنه لا ينحاز إلى عنوان محدد كالرأسمالية مثلا أو الإشتراكية أو غيرهما ولكنه يهدف إلى تنزيل نظام هو إلى عناوين التكافلية والتضامنية أقرب. تكافل متبادل بين الدولة وبين المجتمع وتكافل بين أجهزة الدولة نفسها وتكافل بين فعاليات المجتمع نفسه وتكافل يتجاوز الحدود إنقاذا للإنسان أينما كان من براثن القهر قدر الإمكان. هو بكلمة  واحدة : نظام مركب مزدوج متعدد الأبعاد يتأبى عن التصنيف ويهتم بالمعالجات العملية تحت سقف تلك القواعد الكلية العامة

 

 

قراءة في تشريع الإرث

 

مقدمات أولية

أوّلا : خضع تشريع الإرث ـ كغيره من أكثر التشريعات العملية لا العقدية ـ إلى سنة التدرج إذ أن التوارث بين المسلمين في المرحلة المكية وما بعدها بقليل ـ ربما حتى واقعة الفصل في بدر العظمى ـ كان يجري على أساس الإيمان وليس على أساس القرابة ودليل ذلك قوله في آخر سورة الأنفال ـ سورة بدر تسمية صحابية تعكس الفقه ـ :“ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ".{ الأنفال 75}. الغرض من هذا التدرج الذي غشي كل شيء تقريبا هو توفير مرحلة إنتقالية يحكمها فقه إنتقالي تأمينا لحسن مغادرة المربعات الأولى وحسن ولوج المربعات الأخيرة إذ كان القطع مع الشرك يستلزم مزاولة القطع المالي قدر الإمكان لأن الوجه واحد لا يتجزأ وليس أخطر على الإنسان من الإنشطار وتلك هي فلسفة التوحيد. فلما تحرر المجتمع الإسلامي الأوّل بالهجرة إلى المدينة تنزلت التشريعات مشيّدة لهويته الجديدة. المقصود هنا هو أن ملاحظة ضغوطات المراحل الإنتقالية مهم جدا وفيه إرشاد إلى الحكمة بل فيه توجيه إلى أن ما تأباه المرحلة ـ إجتهادا من أهله وفي محله وليس هوى ولا عبثا ـ لا يسقط على الناس إسقاطا لا باسم الدين ولا بأي إسم آخر. وجدير بالذكر هنا أن الإجتهاد المعاصر لامس قضية غير بعيدة من هذا وهي إجازة التوارث بين ملتين ولكن في إتجاه واحد إذ يرث المسلم غير المسلم وذلك حملا للحديث النبوي الصحيح القاضي بمنع التوارث بين أهل دينين على مناسبة التدرج التي ذكرت في مقدمة هذه الفقرة حماية للعقيدة الجديدة وتوفيرا لحصانة إجتماعية ونفسية وعندما يزول ذلك فإن أدلة جزئية أخرى كثيرة تبيح للمسلم وراثة غير المسلم

 

ثانيا : طبيعة التشريع طبيعة إجمالية عامة على معنى أنه ينظم الحياة العامة للناس ولا يلتفت إلى الحالات الإستثنائية التي قد تطرأ هنا أو هناك إلا بقيم مراعاة الإضطرار والحاجة وليس هذا التمشي خاصا بالإسلام بل إن كل دستور أعلى حسبه أن يعالج المقاطع الكبرى والمعاقد العظمى ثم يحيل التفاصيل إما إلى مذكرات تفسيرية وهي السنة والسيرة في الشريعة الإسلامية وربما كذلك المعالجة السياسية والمالية العامة للخلافة الراشدة المهدية الأولى بسبب أنها أجلى تعبير لما أسماه المالكية وغيرهم عمل الصحابة وفيها نشأت أكبر الإجماعات. فإن لم تحتضن تلك المذكرات التفسيرية نفسها الحالات الخاصة الإستثنائية فإن الشريعة الإسلامية فتحت باب الإجتهاد واسعا رحبا ولم تشترط عدا شرطا واحدا أسمته : أن يكون الإجتهاد في محله أي في ثلاثة أرباع التشريع ( القطعي ورودا والظني دلالة ـ القطعي دلالة والظني ورودا ـ الظني ورودا ودلالة معا ) وليس محله مربعا واحدا إسمه القطعي ورودا ودلالة معا وأن يكون ذلك الإجتهاد من أهله. وأهله تميزهم الأمة بتقليب إجتهاداتهم قبولا أو رفضا كليا أو جزئيا ولا فائدة عمليا في ترصيف الشروط التي ملأت الأسفار بما قد يوحي بعضها أن في الإسلام فئة دينية تحتكر الإجتهاد إلا على سبيل تعليم طلبة العلم حتى يتسابقوا فيه . المقصود من هذا هو أن الحالات الإستثنائية الخاصة ولا يعدمها زمان ولا مكان تراعى مراعاة الضرورة والحاجة والطارئات فلا تخضع للقانون العام وهي حالات إستثنائية خاصة قد تصحب أمة أو شعبا ومجتمعا لعقود طويلات ـ أي مراحل إنتقالية ذات فقه إنتقالي ـ وقد تكون محبوسة على فرد ما أو أصحاب هيئة ما. أريد أن أقول هنا كلمة واحدة هي : الشريعة الإسلامية مصنع يشتغل فيه الناس بصورة منتظمة متناسقة وتأمينا لحياة المشتغلين فإن مهندسه شيّد له بوابات خروج للطوارئ وليست الحياة المشيّدة على الحركة معفاة من حصول الطارئات

 

 ثالثا : بين المساواة والعدل علاقات وصل وفصل معا. كثيرة هي المفاهيم التي تختلف أبنيتها اللفظية ولا يمنع ذلك إنتماءها إلى حقل دلالي واحد. الإيمان والإسلام مثلا. ومع أن اللسان ـ كل لسان ـ يقوم بوظيفة التواصل أوّلا ـ فضلا عن كونه حمّال قيمة ـ فإنه سلاح ذو حدين إذ يستخدم ظاهره ـ أو مقصود تدثر بغير قميصه ـ ليكون معول تناف وتلاغ وتقاص. وعندما تتجفف منابع اللسان في أمة ما أو مجتمع ما من جهة أو تتسلط عليهم ضاغطات وافدة من جهة أخرى فإنها تكون حالقة. ذاك تقريبا هو ما أحاط بعلاقة المساواة والعدل. شدّد الإسلام على المساواة قيمة عليا في علاقة الناس بعضهم ببعض ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :“ الناس سواسية كأسنان المشط ".{20}. وكان يقول في قنوته أقرب إلى ربه :“ وأشهد أن الناس كلهم إخوة". وقرن ذلك بشهادة التوحيد في قنوته نفسه. وأقوى دليل على علوية قيمة التساوي بين الناس كلهم أجمعين هو ما ورد في أوّل سورة النساء ـ التي إحتكرت تشريع الإرث إحتكارا كليا بل تزينت به صدرا وعجزا ـ إذ أكد سبحانه أن مستويات المساواة بين الناس كلهم أجمعين في صعد ثلاثة : صعيد المصدرية الخلقية :“ الذي خلقكم من نفس واحدة " { النساء 1}.وتكرر هذا تأكدا في مواضع كثيرة مبثوثة. وصيعد الرسالة الإنسانية في حقل الحياة :“ وما خلقت الجن  والإنس إلا ليعبدون ".{الذاريات 56}. وصعيد المآل الأخير :“ إلى الله مرجعكم جميعا". تلك هي أسس المساواة العليا في الإسلام أن يستعلي أحد على أحد أو يستكبر. وأنّى له وكلنا من مصدر روحي إلهي واحد به نتكرم ونتقدس ونتأهل للعلم والعمارة وينتظمنا مشروع واحد هو العبودية له وحده تحررا من كل طاغوت ولو كان الهوى النفسي الداخلي ومرجعنا بالموت والبعث إليه هو وحده. ليس هناك أسس أخرى تفوق هذه الأسس تساويا بين الناس

 

 رابعا : جنح التشريع الإسلامي إلى رسم علاقة بين الرجل والمرأة في الأسرة والمجتمع والدولة قوامها الوصل والفصل معا بين قيمتي المساواة والعدل. أسّ ذلك فلسفيا هو أن الحياة موضوعة للعمل بصفة عامة والجزاء فيها محدود ولا بدّ للعمل تنافسا من أرضية قوامها الإشتراك وضرامها الإختلاف وخطامها التكامل. الإنسان المركب من الرجل والمرأة معا قوامه الإشتراك في المساواة التامة المطلقة مصدرية روحية إلهية ورسالة ومرجعية. أما ضرامها فهو الإختلاف بينهما ليس دونية لهذا أو إعلاء لذلك بل تفاضلا بينهما بعضهما على بعض تفاضلا وظيفيا لأجل التكافل على عمارة أرض وحياة مركبة متعددة الأبعاد تحتاج إلى الرحمة والحلم والعطف والرأفة بقدر ما تحتاج إلى القوة والحزم والعزم والمضاء وفي ذلك جاء التعليم جليا :“ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض "{ النساء 32}. و" بما فضل الله بعضهم على بعض ".{النساء 34}. وأسّ ذلك أن الحياة كلها كونا وخلقا وإجتماعا بشريا طبيعتها الحركة وتنشأ الحركة من الإزدواج لا من التماثل الصنمي الصارم. أما مآل إعتلاج إشتراك عنوانه الأعظم المساواة التامة في الأصل الآصل بضرام عنوانه الإختلاف الوظيفي إزدواجا وتنوعا لا دونية أو إستعلاء فليس هو ـ فلسفة عقلية لم يخترعها الإسلام بل أخبر عنها وكشف ـ سوى التكامل. من فقه هذا الدرس الفلسفي الأوّل في الحياة هو المعني بالعلم بل هو العالم الذي ظفر بأبجدية المعرفة تفسيرا لقوله سبحانه محتكرا العلم في فقه قانون الإختلاف :“ إنما يخشى الله من عباده العلماء ".{ فاطر 28}. أي العلماء سياقا بقانون الإختلاف

 

أسس التشريع الإرثي ومقاصده

أوّلا : تفعيل المقصد التشريعي العام في الحقل الإجتماعي والإقتصادي أي تفتيت الثروة أن تكون دولة بين الأغنياء وحقل الإرث مناسب لذلك التفعيل مثله مثل الزكاة والمهور وتخميس الثروة الحكومية العامة وتحصين الأمة بالأوقاف والأحباس

 

ثانيا : ترسيخ الإستقلال المالي والإقتصادي للمرأة زوجا أن تطالها الجاهليات العربية القديمة التي كانت فيها بضاعة تورث هي بذاتها نفسا وجسدا ومن باب أولى وأحرى أن الموروث في نفسه لا حظ له في الأسرة والمجتمع عدا حظ الدابة المحظورة. مواضع ترسيخ ذلك الإستقلال مبثوثة بكثرة في القرآن والسنة منها أن أطول آية في القرآن تسوّي بين الرجل  والمرأة ـ أي آية الأحزاب المدنية ـ تضمنت قوله " والمتصدقين والمتصدقات ".{ الأحزاب 35}. أنّى للمرأة أن تتصدق إن لم تكن مستقلة إستقلالا ماليا عن زوجها وبنيها في أسرتها؟ بل أنّى لها أن توصي بثلث تركتها " من بعد وصية يوصين بها أو دين ".{النساء12}. ونفذ هذا النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام إذ أرشد زوجه ميمونة بنت الحاري عليها الرضوان  يوما وقد أهدت أحدهم شيئا أنها لو أهدته أخوالها ـ وهم من رحمها ـ  لكان لها أجران. لم ينكر عليها تصرفها في مالها دون مجرد إعلامه بل علمها ـ وعلمنا ـ أن إصابة الأجرين أولى عدا الإستثناءات التي لا يعفى منها زمان ولا مكان.{21}. أنظر تخريجه في أسفل هذا

 

ثالثا : التمكين العملي بالمال لقيمة الأسرة ومؤسسة العائلة وذلك بتشريع مالي يرتبط فيه بعضهم ببعض بسبب المصاهرة وليس بسبب النسب وهو مصف عال من الإسلام الذي إهتبل المناسبة هنا لتفعيل إحدى أعظم مقاصده أي التعارف. وعندما يجمع الإسلام بين شعوب وقبائل ـ وبعض الأسرة مختلفة الدين ـ في بوتقة أسرة تتكافل تكافلا ماليا ملزما بل هو حد إلهي فإنه يعلن أن رسالته بناء السلم الإجتماعي في الأرض كلها. لا يمكن لنا اليوم تقدير مؤسسة الأسرة إلا عندما ننظر في التجربة الغربية ـ الألمانية مثلا ـ وهي توشك على الإنهيار الإجتماعي والقيمي لا بسبب قلة ذات اليد فهم من أغنى أغنياء البسيطة ولكن بسبب التهوين من قيمة العائلة والزج بالمرأة في أتون معركة إقتصادية غير متكافئة وليس إكراها إذ الإكراه له حكمه ولكن ولاء لفلسفة غربية طردت الله من الحياة بتعبير أحد أكبر فلاسفة الغرب الراحل المرحوم روجي قارودي. التبادل المالي تحت سقف تشريع ملزم يشدّ الأسرة بعضها إلى بعض إذ أن الجبلة البشرية مغروزة على حب من أحسن إليها والقاعدة هنا هي : وإنه لحب الخير لشديد.{العاديات 8}. جعل الإسلام الأسرة بتشريع الإرث والمهور وغيرهما شركة قيمية تصنع الإنسان الجديد بإذن الله ولئن كانت تلك الشركة العائلية ليست ذات طابع نفعي مادي خالص فإنها ترتبط بالرباط المالي إلى جانب الرباط الروحي أي المودة  والرحمة واللباس

والتساكن. هي شركة قيمية شبيهة من الناحية المالية بالجمعية الإنسانية ذات النفع العام ولئن كانت هذه معفاة من الضريبة في ألمانيا مثلا فإنه أدعى إلى أن تكون الأسرة في أمتنا الإسلامية معفاة من الضريبة الحكومية والمجتمعية وهو إعفاء عنوانه إستجماع الأسباب المادية والروحية تيسيرا للزواج وتأليفا لأركان الأسرة وتحريرا لعمادها الأكبر ـ أي المرأة ـ من تحمل أعباء مالية تشغب على وظيفتها الروحية والفكرية إلا في حالات الإكراه والإستثناء فهذه لها حكم الطارئات والضرورات

 

رابعا : شد الصف الإسلامي الداخلي بدءا بتحصين لبنته المؤسسة الأولى أي الأسرة ومعلوم أن بناء صف إسلامي داخلي واحد مرصوص من أعظم مقاصد الإسلام ولذلك حمل هذا المقصد الأسنى سورة مدنية كاملة هي سورة الصف. ذلك أن النظام الإجتماعي الإسلامي قوامه الوحدة الإنسانية الكبرى فإن تعذرت هذه بسبب إرادة الكفر المرادة " فمنكم كافر ومنكم مؤمن " {التغابن 2}.أو بسبب طغيان الغلواء في الإنسان فإن الحد الأدنى هو بناء ذلك الصف الواحد المرصوص في مستوى الأمة الإسلامية والعمل بعد ذلك لأجل إرساء قواعد السلم في الأرض. الإسلام دين عملي ولذلك عمد إلى إرساء المؤسسة الأولى التي تغذي المجتمع أي الأسرة مشيّدا إياها على قواعد التراضي والتشاور المرسخة في سورة البقرة. ولا سبيل لشد صف واحد مرصوص إجتماعيا إلا بتفعيل ذلك في الأسرة أوّلا إذ هي المضغة المسؤولة على المجتمع الذي يقوم بقيامها وينهار بإنهيارها. الصف الإسلامي الواحد المرصوص نفسه ليس إلا وسيلة لمقصد أعلى وأعظم عنوانه : التعاون على الخير والبرّ والتكافل على التضامن والتراحم

 

خامسا : توسيع دائرة الإرتباط العائلي لخدمة غرضين : أوّلهما توسيع دائرة التكافل في العائلة الرحمية الكبرى شدّا للصف الإجتماعي للأمة وثانيهما هو تحرير الإنسان من سجون الحاجة والفاقة وذلك من خلال نظام الوصية التي ظل يؤكدها في إثر كل فريضة من فرائض الإرث ولم يتخلف الأمر لا في حالة النساء ولا في حالة الرجال ولا في حالة الكلالات. مقدار الوصية كبير إذ هو الثلث بتعيين نبوي صحيح لا يجوز تجاوزه إذ هو القائل لخاله سعد إبن أبي وقاص عليه الرضوان وهو يستشيره أن يوصي بماله كله أو نصفه أو ثلثه  : والثلث كثير{22}. وهي قاعدة حسابية رياضية تتعدى هذا الحقل. وبذلك تتكافل الوصية مع الفريضة لأجل لمّ شمل العائلة الرحمية الإجتماعية الموسعة تكافلا روحيا وماليا معا

 

سادسا : تيسير الحياة للجيل الجديد وذلك بتمييزه عن الجيل الأبوي بفرائض مرتفعة وهو تمييز إيجابي محمود يلبي داعيات الحياة ولذلك كانت أنصبة الجيل الجديد من البنين والبنات تصل إلى حدود الثلثن والنصف والثلث وغير ذلك على إختلاف في التفاصيل بطبيعة الحال بينما تتراوح أنصبة الجيل الأبوي القديم المرشح للرحيل عن الحياة بين السدس والثمن وغيرهما. وبذلك تجمع الشريعة بين مقتضيات التطور الذي يعالجه الجيل الجديد وضمان الحد الأدنى للجيل الأبوي المؤسس

 

سابعا: الجمع بين الثبات  والمرونة معا في هذا التشريع وذلك من خلال فرض الفرائض وهي الأنصبة المنصوص عليها نصا محكما مفسرا وهو أعلى درجات القطع المحكم لسانا وتشريعا وإحالة ما عفت عنه الفرائض ـ وهي حالات كثيرة ـ إلى التعصيب ووظيفته العود على حالات خاصة تخترم بعض العائلات بالودّ والإغاثة المالية معا وهو ضرب من ضروب توسيع دائرة العائلة المضيقة والموسعة إذ في حالات أخرى إختلف فيها الفقهاء تمتد ما عفت عنه التعصيبات أو لم تجد لها محلات إلى تخوم العائلة الموسعة وهو ما عرف بتوريث الأرحام في مباسط الفقه. هي درجات ثلاث تتكافل على شدّ الصف الإجتماعي الكبير بشدّ الصف الأدنى الأول : الفرائض والعصبات وما عفا عنهما

 

 ثامنا : توفير ضوابط شرعية صحيحة تحول دون سوء إستخدام الحق الإرثي ومن ذلك الضابط النبوي الصحيح أن القاتل لا يرث {23}. وهو ما عبرت عنه القواعد الأصولية بأن من إستعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه وهو ضرب من ضروب سد الذريعة إلى التوظيف السيء للحق. والشريعة معروفة بهذا إذ قيس على ذلك  وعلى أدلة جزئية أخرى أن من يطلق زوجه في مرض الموت بنية حرمانها من نصيبها في الإرث لا يمضى طلاقه ومعلوم أن الذرائعية مفتاح إجتهادي غزير وخصب سوى أن أكثر جوانب تراثنا الفقهي إستخدم تلك الذرائعية في السد فحسب دون الفتح  وأن ذلك السد بولغ فيه كثيرا حتى جار على

كثير من المباحات

 

تاسعا : دفع المسلمين إلى ولوج منطقة الحساب بمعناه الرياضي العلمي وقد تم ذلك فعلا بطريق الخوارزمي صاحب كتاب : الجبر والمقابلة الذي كان له الفضل الأكبر في حل المشكلات الإرثية العويصة وكان ذلك في العهد العباسي ـ المأمون ـ الذي بزغت فيه نجوم العلوم وإنداحت المعارف الكونية بما لم يسبق في تاريخ المسلمين ولم يلحق وكان ذلك مهد إنتقال أروبا من عصر الظلمات إلى عصر النهضة الصناعية. وليست الدعوة إلى علم الحساب في القرآن الكريم نفسه غريبة وفي ظني أن تشريع الإرث في هذا الكتاب المعجز جاءت تحمل إعجازين إثنين متلازمين: الإعجاز البياني الذي به صيغ ذلك التشريع في زهاء صفحتين فحسب بقياسنا المعاصر من المصحف الشريف من جملة أزيد من ستمائة صفحة. الإعجاز الآخر هو أن يتضمن ذلك التشريع الأصول فحسب بما حمل المسلمين على تحليلها ضمن سياقاتها وتطلب منهم ذلك ولوج علم الحساب من بابه الكبير. وعلم الحساب اليوم هو أبو التحضر المدني والتقدم العلمي

 

 

إختبار لدعوى عدم المساواة أو التمييز على أساس جنسي

 

لم يسوّ الإسلام بين بعض أصناف الوارثين في أنصبتهم ولم يكن ذلك على أساس جنسي كما سيأتي ولكن المستقرئ للحالة المالية بأسرها ـ داخل الأسرة وخارجها معا ـ يلتقط بيسر أن التشريع الإسلامي إلتزم العدل بين الناس كلهم فرادى ومؤسسات على أساس المساواة المصدرية الروحية الرحمانية الأولى التي تعرضنا إليها في كلام سابق. تلك مساواة كانت لازمة لأنها تتعلق بالآدمية أما عندما يتعلق الأمر بالوظائف فإن المساواة فيها يستحيل غبنا وجورا وقهرا إذ أن المساواة بين مختلفين هو عين الظلم. إنما يكون بلسم العدل ـ أو القسط بالتعبير الأدق والأحرى ـ هو الأولى

 

أوّلا : تنصيف الأنصبة ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) مقصور على علاقة الإخوة بعضهم ببعض ونص التشريع صريح إذ يقول : يوصيكم الله في أولادكم. أما في العلاقات الأخرى ـ الزوجية والأبوة ـ فإن هذا التنصيف لا مكان له. وهي قاعدة تكررت مرتين في البداية ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) ثم في النهاية ( وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ). فهي إذن صريحة في دلالتها ـ أي التنصيف ـ وصريحة في حقل عملها أي الأخوة فحسب

 

ثانيا : السؤال هو لم؟ الجواب يسير ولكنه يتطلب إستقراء وليس نظرا أعور. إقتضت الحالة التنصيف حدبا على تحقيق العدل هنا في هذا المشهد الإرثي وحدبا على تحقيق المساواة في المشهد الأسري برمته وفي المشهد الإجتماعي كله. الأخت التي تأخذ نصف نصيب أخيها فحسب ليست مكلفة بإنفاق فلس واحد ومهما كان ثراؤها بالغا عنان السماء إلا تطوعا منها وذلك من أول أيام الخطبة حتى الإنفصال عن زوجها ـ إن تزوجت ـ سواء بالطلاق أو بالموت. في حين أن أخاها يتحمل مسؤولية تأسيس بيت زوجية فيه الخطبة والهدية والمهر ـ والذي لا حد له ولو كان قنطارا بالتعبير القرآني وهو حق محقوق يبطل عقد الزواج بدونه تواطؤا على تغييبه ـ ثم يتحمل مسؤولية الإنفاق على البيت بما فيه ومن فيه حتى إنه لا يجوز في حقه الزواج إلا أن يكون مستطيعا للباءة وأنه لا يجوز له التعدد إلا بشرط القدرة على العول والعدل ولا تتحمل أخته التي تزوجت حتى خدمة نفسها بله خدمة بيتها أو زوجها أو ولدها وكان ذلك عرفا معروفا في عهده عليه الصلاة والسلام ولذلك طالبت فاطمة الزهراء عليه الرضوان بخادم فأرشدها أبوها عليه الصلاة والسلام ـ بمقام الأبوة وبمقام الإرشاد إلى معالي الخلق الطيب ـ إلى ذكر الله بدل ذلك. كانت الزوجة في تلك الأيام يجلب لها الخادم وهي عملة معروفة لا نكير عليها. صحيح أن الأعراف هي التي تحدد ذلك ولكن لو إشترطت زوجة اليوم ذلك حتى خارج العرف فليس لأحد ـ ولو كان القاضي نفسه ـ أن يكرهها على خدمة بيتها واجبا إسلاميا إن تخلت عنه فهي آثمة. والعلاقة تحت جناح :“ ولا تنسوا الفضل بينكم ".{ البقرة 237}.  حتى الإرضاع ـ رغم أن بعضهم قصره على حالة الطلاق ـ ليس من واجبها دينا مدينا أو واجبا إسلاميا إن تخلت عنه أثمت إلا بأجر وكانت عادة الإسترضاع لأسباب بيئية أخرى في عهده عليه الصلاة والسلام سارية وذكرها القرآن الكريم نفسه. الأخت إذن في علاقة مع أخيها لها حق الإستقلال الإقتصادي عن زوجها إستقلالا كاملا وليست ملزمة بأي شيء إلا تطوعا منها إن شاءت ولذلك يكون من الحيف الباهظ أن يكون نصيبها من تركة الوالدين مثل تركة أخيها الذي سينفق جزء كبيرا من ذلك النصيب في تأسيس البيت والإنفاق وإستخلاص المهر الذي تحدد هي في الأصل والعادة مقداره ثم تستخلصه بالتراضي. وعند الطلاق تفرض لها الشريعة متعة تكفيها وتؤويها وهي المستأمنة ـ فضلا آخر من أفضال الشريعة عليها ـ على الذرية حتى بلوغهم سن الرشد. صحيح أن تنزيل تلك التشريعات التي وردت صريحة في القرآن ولكنها مجملة تتعرض إجتهادا إلى تضييق أحيانا وإلى توسيع أحيانا أخرى ولكن الإجتهاد فيها ـ تقديرا وليس من حيث المبدإ ـ وراد في كل آن وأوان. فإن وهبنا أن هذه الأخت لم تتزوج فهي تأخذ نصيبها من التركة وهو يكفيها لأعالة نفسها فضلا  عما تكون قد أخذته وصية دون الثلث سيما إذا أجاز الورثة ذلك بسبب عنوسة أو بسبب قصور بدني أو غيره 

 

ثالثا : من يقرأ آيات الفرائض لا بد أن يلاحظ بيسر أمورا عجيبة منها

 

ـــ أن التشريع تفرغ في البداية لتأسيس حق المرأة ـ أي الأخت ـ ولم يذكر أخاها بالمرة. المفهوم من ذلك هو مواجهة الحالة العربية الجاهلية التي مردت على غمط حق المرأة ـ بسبب أنوثتها فحسب إذ هي لا تحمل السلاح ولا تجبي المال ـ فكان لا بد أن يكون هذا التأسيس صريحا جليا واضحا لا لبس فيه :“فإن كن نساء فوق إثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصــــف".{ النساء 11}. وهي دمغة صاعقة في وجه الجاهلية العربية القديمة ولنا منها اليوم في أدغال العمق الإسلامي ما لنا

 

ــ أن التشريع الذي إهتم بالفرائض فحسب نصا وترك العصبات للإجتهاد جعل نصيب الأخ ـ أخو المرأة التي أسس نصيبها فريضة صريحة ـ تعصيبا لا فرضا. وهي ملاحظة مهمة جدا كأنها رد على الجاهلية العربية الغابرة والحاضرة التي تورث الفحل لفحولته وتحرم الأنثى لأنوثتها. ومعلوم أن أصحاب الفروض مقدمين في التركة على العصبات

 

ـــ أن التشريع أعلى من أنصبة المرأة فهي صاحبة الثلثين فرضا عند التعدد وعدم وجود الأخ وهي صاحبة النصف فإذا كانت أما فهي صاحبة الثلث إذا إنعدم الولد الوارث وحتى في حالات الكلالة ـ من لا ولد ولا والد لأن فروع المرء وأصوله أولى به ـ فإن المرأة أختا ترث النصف أو تشترك مع أخواتها في الثلثين. والأمر نفسه في العلاقة الزوجية فهي ترث الربع عند إنعدام الولد الوارث. هي أنصبة مرتفعة إذن تتراوح بين النصف إنفرادا وبين السدس مما يؤكد أن التمييز هنا لم يكن على أساس جنسي ولا على أي أساس آخر عدا حدبا على تحقيق العدل هنا تغطية للمشهد الأسري وحدبا على تحقيق المساواة في المشهد الإجتماعي كله

 

ــ أحصى الكتّاب الذين رصدوا هذا الأمر ـ  ويشار إلى بعضهم في آخر هذه القالة ـ إحصائيات دقيقة منها أن المرأة لا تتعرض لما أسماه الذين لا يعلمون تمييزا ضدها بسبب الجنس إلا في حالات أربع فحسب وأن أكثر الحالات الأخرى تتساوى فيها المرأة مع الرجل أو يكون نصيبها أكثر منه. هي إذن معركة مفتعلة إما بسبب الجهل أو لغرس شجرة تخفي غابة أخرى الله وحده يعلم مصير والج تلك الغابة

 

ـــ كما لم يفت التشريع أن ينص في كل مرة على أن الوصية والدين معا مقدمان على توزيع التركة وفي ذلك إشارة بليغة إلى أن تحرير الهالك من مستحقات مالية أو مادية أو عينية لغيره أولى حتى أنه عليه الصلاة والسلام لم يصل على رجل مات مدينا وأمرهم بالصلاة عليه بيانا لعلوية حقوق الإنسان التي لا يتحرر منها حتى الميت إلا من بعد إستيفائها من تركته.{24}. كما أشار إلى أن تلك الوصية أو الدين ـ الدين في حالات خاصة إستثنائية ـ لو كان أحدهما أو كلاهما يضر بالورثة فرضا أو تعصيبا فإنه لا يمضى وهو حدب آخر على حقوق الناس. ذلك أن ما نخوض فيه نحن اليوم ستنتصب له محكمة تعقيبية أخرى تخبر الناس فيما كانوا فيه يختلفون

 

 ــ وحماية تشريعية ملزمة لحقوق أصحاب الفرائض خاصة توخت الشريعة مبدأ الحجب الذي يستبعد الأجنحة ـ أي الأخوة ـ عند وجود الولد ( ذكرا أو أنثى ). كما تستبعد به الأصول البعيدة والفروع البعيدة أن يشاركوا الأداني في أنصبتهم. هو نظام منسجم معلل مقصد مؤسس يشتغل بطريقة عجيبة تثير الإستقراء حقا

 

رابعا : هل يتغير التشريع الإرثي ولو جزئيا بسبب خروج المرأة للعمل؟

 

هذا سؤال مشروع أسّه هو أن المرأة اليوم ـ ولو بنسبة محدودة في العالم الإسلامي ـ تقوم إما كليا أو جزئيا ببعض أسباب القوامة المذكورة في الآية والمعللة بعلتين هما : التفاضل المتبادل بين الزوجين وإنفاق الرجل للمال. والأصل أن القوّام على البيت ـ بغض النظر عن جنسه ـ يرث النصيب الأكبر لأنه يتحمّل غرما لا بد أن يقابله غنم كما جاء في القاعدة المنطقية العقلية التي دبج بها الفقهاء أصولهم أي الغرم بالغنم. هذه قضية ـ أو شبهة ـ لا بد لها من حوار

 

ـــ الكلمة الأولى هي أن هذا الوضع ـ خروج المرأة للعمل إعالة للعائلة ـ إستثنائي من جهتين : هو إستثنائي بسبب ندرته قياسا للخارطة العامة في البلاد الإسلامية وليس من شأن التشريع ـ كما أشير إلى ذلك آنفا ـ أن يخص الحالات الإستثنائية الخاصة بقانون إلا من باب التشريع للإضطرار والحاجة والطارئات وهذه تبحث وتعالج ولكن لا تعمّم نتائجها. وهو إستثنائي من جانب أن من أبرز مقاصد التشريع الإرثي ـ كما مرّ بنا ـ بناء مؤسسة الأسرة التي تتقاسم فيها الأدورا والوظائف بحسب البنيات النفسية والبدنية ـ وكل ميسّر لما خلق له كما ورد في الحديث{25}. ـ فإذا تساوت الأنصبة عزف عن النكاح أو إضطربت الأحوال الشخصية كما أسميناها نحن اليوم والنتيجة هي توقف النسل وهو الأمر الذي لا يريده الله سبحانه ولذلك فهو قاض به غريزة وفطرة وجبلة ولو أمر به أمرا شرعيا ربما تجاوزت حالات العصيان حالات الطاعة فتتوقف الحياة. ولا يعني ذلك عدم خروج المرأة للعمل بأجر إضطرارا أو شبه إضطرار أو تلبية لحاجات العصر المكتظة ولكن لا يمكن قلب نظام تشريعي مالي ـ وما للمال من قيمة عليا في التشريع الإسلامي ـ مراعاة لحالات إستثنائية في الجانبين آنفي الذكر

 

ـــ الكلمة الثانية هي أن الزوج هو المكلف شرعا ـ بل حتى عرفا لم يتغير في البشرية كلها تقريبا منذ الآدمية الأولى لإرتباطه بالجبلة ـ بالإنفاق على البيت من ألفه إلى يائه كما يقولون. وبذلك يكون عمل المرأة خارج البيت إما تطوعا أو إضطرارا. فإن كان تطوعا فلا يتغير به تشريع راسخ ثابت وإن كان إضطرارا فهو إستثنائي طارئ ورغم ذلك يمكن تلافي أي نقص أو ما يظن أنه حيف بسبب الظروف وليس بسبب التشريع بآلية الوصية التي ظل القرآن الكريم يؤكدها في كل مرّة جنبا إلى جنب مع الدين وكأنها لازمة من لوازم التشريع الإرثي أو كأن المعرض عنها ـ سيما في الحالات الخاصة مثل هذه أو في حالات المال الكثير ـ معرض عن سداد دينه أيضا

 

شبهة التقدم في العلم

هناك من يثير أن من أسباب مراجعة التشريع الإرثي في إتجاه المساواة ـ وهي متحققة قطعا مقطوعا نظرا في العائدات المالية للحالة الأسرية الضيقة أو الحالة المجتمعية الموسعة ـ حالة التعلم التي عليها المرأة وقيامها على وظائف سياسية وفكرية ومجتمعية عدا الوظيفة العائلية. هذه مجرد شبهة لأن التشريع الإرثي لم يقم أبدا على مثل هذه الإعتبارات كما مرّ بنا بل قام على المساواة الآدمية الأولى وعلى تماثل الرسالة مع إختلاف في بعض مظاهرها. فإذا أثيرت مسألة قوامتها على الأسرة فهي مسألة يمكن معالجتها كما مرّ بنا آنفا أما المسألة العلمية أو الفكرية فلا إعتبار لها أصلا لأن المال مرتبط بالنفس جبلة وليس بالمستوى العلمي

 

 

الدولة والحق الخاص : أي مسؤولية؟

 

قضية المواريث تنتمي بالتعبير المعاصر إلى الحق الخاص شأنها شأن الزواج والطلاق والرضاع. هذا يحيل إلى علاقة المجتمع بالدولة وهي علاقة إعتراها التوتر بسرعة في تاريخنا وهو محل النذارة التي لم نعيها حق الوعي وإعتبرناها نبوة فحسب :“ لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة أولها الحكم وآخرها الصلاة". {26}. ونذارات أخرى صحيحة في هذا الصدد. تقوم الدولة على الحق العام دون ريب بل تلك هي وظيفتها الأساسية. السؤال هو : هل تحمي الدولة بالتشريع الثابت أو بالإجراءات العابرة ـ التعزير بالتعبير القديم ـ الحق الخاص عندما يتعرض لإنتهاك؟  الزكاة مثلا ـ وسيأتي التفصيل فيها ـ ليست حقا خاصا ولذلك ورد فيها التصريح جليا في القرآن الكريم :“ خذ من أموالهم صدقة ".{التوبة 103}. والأمر أصالة للنبي وبمقامه السياسي وليس بمقامه النبوي فحسب وتعدية لكل دولة تقوم مقامه السياسي وعلى ذلك درجت الخلافة الراشدة من بعده إذ لم تتردد ـ كما مرّ بنا ـ في إعلان الحرب والزج برجالها في معركة ليموتوا دفاعا عن الحقوق التي عيّنها الله نفسه " للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وإبن السبيل ".{التوبة 60}. وللإجتهاد المعاصر ـ من أهله وفي محله أبدا ـ نظرات في تخوم التشريع الإرثي ـ كما سيأتي ـ وليس في حدوده الموقوفة توقيفا توافقا مع المقصد الأسنى العام : كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم. {الحشر 7}.ونفي التداول بين الأغنياء للمال يعني توفير أسباب توزيع الثروة بين الناس كلهم قدر الإمكان على أساس عنوانه : الرجل وحاجته والرجل وبلاؤه. وفي كل الأحوال لا بد من ضمان الدولة لحقوق المستضعفين ولذلك كان عنوان الكليات الإسلامية في المال ـ كما مرّ بنا آنفا ـ أدنى إلى التكافلية التضامنية التراحمية

 

تحليل مقتضب للنظام الزكوي

أوّلا : يشترك التشريع الزكوي مع أنظمة أخرى ـ فرائض الإرث والمهور والأوقاف وغيرها ـ في تأليف نظام مالي يتجه نحو العدل  والقسط وكلما عضل ذلك الإتجاه توترت بعض الأوعية الدموية في الجسم الإسلامي فكانت معارضات وثورات وإصلاحات

 

ثانيا : فوّت للدولة وحدها في إدارة التشريع الزكوي جباية وتوزيعا إبتغاء تحقيق بعض المقاصد منها : رفع الوعي العام للناس إلى المستوى الحضاري المدني الذي يجعل الناس يعيشون وهم مختلفون في توجهات كثيرة تحت سقف واحد يحميهم ويجمع كلمتهم. ليس في الإسلام ما يشير إلى بناء دولة ـ دعك من الأسماء ـ ولكن وردت القواعد والمبادئ  والمقاصد كلها تترى متجهة نحو إجتماع الناس وهو ما جعل الصحابة يتركون نبيهم مسجى عليه الصلاة والسلام بعدما عهدوا به لعلي عليه الرضوان تجهيزا وتيمموا فورا ودون تردد قبلة سقيفة بني ساعدة لإختيار إمام سياسي جديد ولم تغرب شمس ذلك اليوم حتى كان لهم رئيس دولة جديد. هذا الوعي الحضاري المدني إجتماعا سياسيا هو الذي قصده الإسلام من خلال تفويته للدولة وحدها بقضية مالية كبيرة وخطيرة ـ وتبدو في الظاهر شخصية فردية ـ وهي الزكاة. قال الغزالي : الدين أس والسلطان حارس فما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع

 

ثالثا : إهتم الإسلام بمصارف الزكاة أكثر من إهتمامه بأنصبتها إذ أبى إلا أن يضمّن القرآن الكريم ـ وهو وحده الصحيح حركة حركة  ـ مصارفها فلا يعهد بها حتى لنبي وما ذاك سوى حدبا منه مرة أخرى على الحقوق المالية للناس. أما أنصبتها فقد جاءت بها السنة وبعضها مختلف فيه وبعضها مرشح للتغير أصلا وليس هذا أربنا الآن

 

رابعا : حدد لها ثمانية مصارف تحديدا وتعيينا. وأسس لها ـ وهو أمر للدولة ـ جهازا يتمحض لها جباية وتوزيعا تحت إشراف الدولة نفسها وهو جهاز : العاملين عليها. هو مسلك التفريغ الذي توخاه الإسلام الذي يؤمن بالتطوع ولكن لا يعول عليه في كل حقل وآن وأوان. تأسيس جهاز حكومي قارّ تحت مسؤولية الدولة التي هي نفسها تحت مسؤولية المجتمع الذي إنتخبها يعني إستجماع أسباب الحدب مرة أخرى على حقوق الفقراء والمساكين وغيرهم. أسس التشريع الإسلام وزارة المالية في كتابه العزيز وعهد إليها بجمع الزكاة وتوزيعها على أهلها بحسب تعليماته هو. وكما تضمن الدولة لطاقمها الحكومي معيشتهم تفرغا لخدمة الناس يضمن الإسلام ـ بالدولة ـ لموظفي وعملة وزارة المالية ـ العاملين عليها ـ معيشتهم 

 

خامسا : تقدم موقع الفقراء والمساكين لأن حاجة البطن الخاوية أولى من كل حاجة وإن كان الطعام لسانا وتشريعا يمتد نفوذه ليشمل كل الحاجات والضرورات والمرافق التي تقوم بها حياة الإنسان المكرم.

 

سادسا : رسالة الإسلام رسالة عالمية إصلاحية ولذلك تقدمت منزلة ( المؤلفة قلوبهم ) في سلم المصارف. هؤلاء من الذين كفروا ولكن رحمة الإسلام تدغدغ الجبلة الإنسانية بما هو أدنى إليها ـ بالمال المحفور حبه في نخاع الفطرة ـ وبذلك تتكافل تلك الغريزة التي ألفت من يلبيها مع صورة إسلامية ناضرة لهذا الدين ليقع ذلك الكافر في حبائل رحمة هذا الدين. الإسلام يسعى إلى تكثير الناس المؤمنين بهذا الدين ويمنّ على المؤمنين أوّلا بالتكثير ( واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ).{ الأعراف 86 }. الكثرة معيار من معاييرالقوة. تلك هي فلسفة هذا الدين : يضحي بالمال مرات ومرات لأجل كرامة الإنسان إذ يضحى بثلث ميزانية المدينة ـ كما مرّ بنا ـ لحماية حق أهل المدينة بحريتهم وحقوقهم ومنهم يهود ونصارى ويضحى هنا بالمال لتحرير الإنسان من براثن العبودية لغير الله سبحانه وليشيّد أمة مسلمة مترامية الأطراف ومن أدراك أن هذا المؤلف قلبه لن يكون إماما وقائدا بحياته يحيى خلق كثيروبموته يموت خلق كثير؟

 

سابعا : ولم يغب عن التشريع الزكوي أن يحرر الإنسان من سجون الدين الذي هو ذل بالليل وهمّ بالنهار وحسبك أن المدين لم يصل عليه عليه الصلاة والسلام صلاة الجنازة وحرم نفسه من دعاء نبي مستجاب الدعوة بل إدخر دعوته لأمته يوم القيامة. وهو سهم الغارمين. الدولة الغارمة للصناديق الدولية هل تحرر نفسها من مال الزكاة؟  لذلك تبدل حرف الجر من قوله :“ لــ " وهو يتحدث عن الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم .. إلى قوله :“ في " وهو يتحدث عن " الرقاب و الغارمين ". لأن المال يعطى للأصناف الأربعة الأوّل ولكنه يعطى في حالة الغارم إما للدائن نفسه أو بأي صورة تضمن تحرر الغارم من سجن الديون التي أنقضت ظهره وهو من جنس قوله :“ فارزقوهم منها " و " فارزقوهم فيها ". إشارات لطيفة توجه العامل إلى حسن التنزيل

 

ثامنا : حتى عابر السبيل الذي إنقطعت به السبل وهو في قومه أغناهم وأيسرهم لا يحرم من بركة النظام الزكوي ولكم أبدع الفقهاء الأوّل ـ بعضهم ممن فتح الله عليه بفتحه ـ إذ فهموا أن رسالة الزكاة آدمية إنسانية بشرية مقصدها تلبية الحاجة ولذلك أفتوا بها لغير المسلم فإذا كان هذا مواطنا فلا مزية للدولة عليه وهي المسؤولة عن جباية الزكاة وتوزيعها. بل المقصود غيرالمسلم غير المواطن في حالات تقدر بقدرها وليس المحارب بأي صورة على كل حال من هؤلاء. لذلك جاء الخطاب ـ وفي القرآن كله تقريبا عدا إستثناءات قليلة محصاة إحصاء ـ عاما مطلقا لا يكره فيه مؤمن ـ فردا ولا دولة ـ على فعل الخير للبشرية جمعاء قاطبة. عابر السبيل في حالة ذلة والإسلام لا يرضى الذلة لإنسان أبدا. الإسلام الذي لا يهمه الماضي فلا يؤاخذ صاحب جريرة مهما عظمت بجريرة الماضي ( وله ما سلف ) هو نفسه الإسلام الذي لا يهمه يسار هذا العابر الواحل في بلده أو موطنه. حكم عجيبة شغلتنا عنها الأحكام والإسلام حكم وأحكام لا يستوي حتى يكون متوازنا بينهما

 

تاسعا : أما المصرف الأخير أي ( في سبيل الله ) فهو أكثر سهم تميز بالعموم والإطلاق ولئن ألفيت أن الحديث الماضي كله تقريبا عن الجهاد في سبيل الله فذلك لأن الفقيه ـ مهما علا كعبه ـ لن يكون عدا أسير مكانه وزمانه ولذلك لا ينكر تغير الحكم الظني أو الفتوى بتغير الموجبات ولا ينقض إجتهاد بمثله ولذلك كذلك خالف صاحبا أبي حنيفة أبا حنيفة في ثلثي المذهب وكان ذلك بسبب تغير الزمان وليس بسبب تغير البرهان. جاء هذا المصرف ليغطي الحاجات التي تقدرها الدولة المسؤولة على هذا المجتمع ومن ذلك مثلا : الصرف على البحث العلمي الذي به تتقدم الأمم وإنكاح الناس تحريرا لهم من الوحدة والضغط الغريزي وبناء المدارس والمعاهد والكليات والجامعات والتحصين العسكري والأمن الغذائي والقيام على كل المرافق التي تضمن للإنسان حرمته وتعيد له كرامته. كل ذلك في سبيل الله وكل ذلك وغيره مما تنبجس به العصور يكون مصرفا مستقلا. عندنا دون ريب خلل كبير في حسن فهم قيمة ( في سبيل الله ). في سبيل الله تعني : كل عمل من مؤمن فردا أو دولة يتجه نحو تحقيق المطالب التي أمر بها الله نفسه. بماذا أمر الله؟ أمر بالقسط والعدل والتعارف والتحرير والتعليم ووحدة الصف وفرض الشورى وإقامة الميزان فكرا ومسلكا معا وتيسر أسباب الأسرة والمرحمة والحكم بالحق بين الناس والإصلاح بين المتخاصمين والقوة المدنية والعكسرية معا. تلك هي أكبر مطالب الله منا. وتلك هي أولى المصارف بسهم عظيم كبير واسع : في سبيل الله. الجهاد اليوم وهو ذروة سنام الإسلام جهادان : جهاد مقاومة ( فلسطين مثلا ) وجهاد طلب وفتح تحريرا للناس. الجهاد الأوّل مطلوب منا دعمه من هذا المصرف نفسه. والجهاد الثاني مطلوب منا كذلك إنشاؤه من المصرف نفسه. ولا ريب في أن الجهاد الثاني اليوم هو بالكلمة أي بالإعلام الإلكتروني والفضائي وتأهيل أهلهما ومن الكلمة كذلك بث الفنون والكتابة والترجمة. الوصول إلى الناس أجمعين اليوم رهين كلمة صحيحة ورهين مال فحسب. التشريع الفكري ضمن لنا الكلمة الصحيحة والتشريع الزكوي ضمن لنا المال

 

عاشرا : كلمة أخرى تحليلا لمصرف الرقاب وقد تصدر التحول التركيبي من قوله :“ لــلفقراء .. „ إلى قوله :“ وفي الرقاب..“. المقصود هنا هو تحرير الرقيق ونتبين بيسر أن تشريع الزكاة متشوف بقوة إلى المنزع التحريري للإنسان ذلك أن الله حررنا أوّلا ثم عرض علينا الدين وخيّرنا كذلك فيه. العملية ليست معكوسة كما نراها نحن اليوم أي أن الله شرع ما به نتحرر سواء من السجون الحقيقية ـ الرق ـ أو من سجون الغفلة والإعراض والتقليد والإتباع الأعمى فإذا تحرر الإنسان عرض عليه الدين وهو عرض إختياري لا إلزامي " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر“. أمر لم يأخذ حظه في تراثنا الفقهي إلا قليلا وهو أن صرف بعض الزكاة ـ نصيب من الأنصبة الثمانية ـ يمكن تقديرا وإجتهادا إستصلاحيا أن ينفق في تحرير أسرى غير المسلمين في حالات سياسية معينة من مثل تحرير أسرى حليف سياسي غير مسلم. أما تحرير أسرى المسلمين فله سهم : في سبيل الله فهو يسعه وزيادة

 

 خلاصات في التشريع الزكوي

أوّلا : النظام الزكوي وقف إسلامي ـ كما سيأتي بعد قليل بإذنه سبحانه ـ أوقف الله سبحانه بنفسه مصارفه من جهة وأوقف الجهة التي تديره جباية وتوزيعا وتقديرا ـ إذ فيه جوانب مهمة تحتاج التقدير وتحتمل الإستصلاح ـ وهي الدولة من جهة أخرى. وبذلك وقع التفويت فيه لها وأمّمته الشريعة نفسها أن يظل إحسانا يمنّ به هذا أو يجرح به كرامة فقير أو محتاج أو يظل رقيقا مرهونا لتبرع هذا الغني أو يكون معسرا مشرئب العنق لذاك الموسر. عندما تتولى الدولة ذلك تضيق مجالات المنّ والأذى التي ظل الوحي يدندن عليها في سياق آيات الإنفاق في آخر البقرة حتى ليخيل إليك أنه ينهى عنهما بأكثر مما يأمر بالإنفاق وما ذلك سوى حفظا لكرامة الإنسان. ومعلوم أن الدولة عندما تتولى هذا الأمر تكون في موقع أدنى إلى معرفة الفقير والمسكين وغيرهما من أصحاب المصارف إذ  لا يتسنى لكل مسلم يؤتي زكاته أن يلمّ بذلك والواقع يخبرنا أنه حسبه معرفة أولئك من دائرة الجوار أو الرحم أو الزمالات والصحبات

 

ثانيا : التشريع الزكوي يمكن أن يزود خزينة الدولة بثروات عظيمة ممتدة سيما أنها تتجدد مع كل حول قمري ولا يعدم الناس في العادة تربية المواشي والأنعام أو القيام على الأرض أو التجارة سيما أن أرجح فقه في الزكاة هو قول الأحناف الذين أخذوا بظاهر النص القرآني لتكون الزكاة مما أخرجت الأرض وهو الذي رجحه الإمام القرضاوي في سفره : فقه الزكاة. أما قصر ذلك على المدخر المقتات فهو إجتهاد قد يكون بحاجة إلى مراجعة سيما عند تبدل بعض الظروف الإقتصادية وليس هذا محل الإنبساط فيه. وعندما تجبي الدولة ثروات هائلة طائلة فإن ذلك يساعدها على إغناء أصحاب المصارف والإجتهاد لتأسيس مشروعات تحت سقف : في سبيل الله الذي رأينا أنه أوسع مصرف لا يحده شيء. وليس عبثا أن يجعل التشريع الإسلامي الزكاة وقفا ـ كما سنرى كذلك بعد قليل بإذنه سبحانه ـ دينيا على المسلم ووقفا ماليا على الدولة إدارة. لا أفهم ذلك سوى في إطار مساهمة التشريع في مقاومة الفقر الذي يؤسر قرارنا السيادي اليوم وتجتاح أرضنا البترولية بسببه وبسبب المديونية الثقيلة الباهظة التي تجعل كل مواطن عربي تقريبا ـ أو مسلم ـ مدينا طول حياته للمصارف الدولية الجشعة 

 

ثالثا : يمكن إجمال المقاصد العامة العظمى لتشريع الزكاة في المنزع التحريري للإنسان تحريرا كاملا شاملا سواء من الكفر بسهم المؤلفة قلوبهم أو من الرق بكل صوره الغابرة والحاضرة بسهم الرقاب أو من الدين بسهم الغارمين أو من شتى صنوف القهر الأخرى من مثل الجهل والأمية وإنعدام الحوار الذي يمكّن للكفر وصنوف أخرى لا تحصى وكل ذلك بأوسع سهم فيه أي في سبيل الله. المنزع الثاني لمقاصد الزكاة هو المنزع التأسيسي كما مرّ بنا أي تأسيس مصرف خاص للعاملين عليها وهي مسؤولية مباشرة للدولة. المنزع الثالث لتك المقاصد هو المنزع الإجتماعي إذ أن سهم العاملين عليها يمكّن جيشا لجبا من العاملين بهذه المؤسسة ـ وزارة المالية بالتعبير المعاصر ـ من ضمان لقمة العيش لتكون مؤسسة الزكاة مؤسسة مستقلة إستقلالا وظيفيا عن المجتمع وعن الدولة نفسها وفي ذلك دون ريب حد من البطالة. المنزع الرابع لتلك المقاصد هو المنزع العلمي المعرفي الذي يجعل ذلك الجيش اللجب العامل في تلك المؤسسة فقيها ـ وليس مجرد عالم ـ بقضية الزكاة إذ هو الذي يباشر الجباية والتوزيع معا بل إنه يجتهد ـ بسبب معارفه العلمية المعاصرة ـ في سدّ أبواب عفو كثيرة تركها سهم في سبيل الله مثلا ـ وغيره ـ منطقة إجتهاد. المنزع الخامس لتلك المقاصد هو المنزع الدعوي الحواري وذلك من خلال سهم المؤلفة قلوبهم. ومنزع سادس لتلك المقاصد هو المنزع التكافلي وهو من أقوى أهداف هذه المؤسسة إذ تزول أشباح الحروب الأهلية بسبب التفاوت الجهوي والفئوي والطبقي. هي إذن مؤسسة متكاملة لا تقوم على الجباية فحسب بل تعمل على تحضّر المجتمع من أبواب كثيرة

 

بعض وجوه الإجتهاد في تشريع الإرث

كلمة إبتدائية

من يستقرئ التشريع في كل وجوهه ناظما بينها بخيط واحد لا يفوته أن يرصد شيئا عجيبا عنوانه أن طبيعة التشريع الإسلامي تقوم دوما ودون أي تخلف على بيان حدود الموضوع المعالج فتحكمه وتصونه ثم تترك على تخومه وجنباته بعضا من فروعه ظاهرة بالمعنى الأصولي إسالة للعاب المجتهدين ودفعا للمجددين إلى تخصيب الحوار وإثراء البحث. لم يندّ عن ذلك حتى أخطر موضوع تمحض له الكتاب العزيز وهو موضوع الإيمان أو العقيدة بالتعبير المستحدث إذ تضمنت الأركان الستة فروعا كثيرة أوردها الشارع ظاهرة ولئن سلك الأصحاب فيها مسلك التفويض ـ له أسبابه ولا أرب لنا فيها الآن ـ فإن العصر العباسي تمحض لها سيما تحت وطأة الغزو الفكري اليوناني في البداية ثم ما لبثت أن ولدت منها مدارس كلامية وأصول فقهية ومذاهب. ولم يشغب ذلك على الأركان الستة ولا على الدين بل عدّ ذلك ثروة علمية معرفية فكرية هي اليوم رصيد عند الذين يعبرون الزمان والمكان تمحضا لتحديات عصرهم. الأمر نفسه في كل شيء في هذا التشريع. تشريع الإرث نفسه لا يندّ عن ذلك إذ أنه تمحض لإحاطة الفروض الستة المعروفة ( الثلثان والنصف والثلث والربع والثمن والسدس ) بأمور منها أنها حدّ كما سيأتي وغير ذلك وترك بعضا من فروعها على التخوم محلّ إجتهاد حتى إن الأصحاب إجتهدوا في ميراث الجدة ليكون السدس بل إن في هذا العلم ما يعرف بالمسألة العمرية أو الحمارية أو المشتركة على خلاف في التسميات ولم يمنع ذلك صاحب التشريع محمد عليه الصلاة والسلام أن يعلن على الملإ : أفرضكم زيد. وظلت الإجتهادات على التخوم والفروع ـ وليس في الفروض وأصحابها أو على القواعد المكينة من مثل تضعيف نصيب الذكر قياسا مع أخته وليس مع غيرها ـ والمطلع على هذا العلم يدرك ذلك بيسر. تلك هي طبيعة التشريع

 

الوصية بين الإختيار والوجوب

ربما تكون هذه أبرز وجوه الإجتهاد في هذا الموضوع وهي خارجة عنه من ناحية أنها تتقدمه تنفيذا لوصية الهالك ومن ناحية أخرى نلفاها محل إجتهاد في بعض الجوانب. الوصية الإختيارية أمرها محسوم ما لم تتجاوز الثلث أن يجار على الفروض وما لم تكن لوارث إلا بإذن الورثة إلا في حالات إستثنائية يمكن أن تمضى فيها حتى بدون موافقتهم وهذا تخم من التخوم التي يقع فيها إحتكاك بين حق الدولة في حماية الناس ـ ممثلة بالقاضي ـ وبين الحق الشخصي إذ أن المواريث حق شخصي وليس حقا عاما. كما أن الدولة تتدخل عندما تتجاوز الوصية الثلث سيما مع عدم رضى الوارثين ولا يؤبه لكلام الهالك إذ أنه لا بد هنا من سلطة عليا تعضل الظلم. ولا ريب في أن القاتل لا يرث ولكن من يمنعه من ذلك بسلطان القوة؟ أليست هي الدولة؟ بل إن الدولة هي التي تحقق في ذلك القتل إذ ربما يكون عرضا لا علاقة له بالإرث. والقاضي الممثل للدولة هو الذي يقرر مشروعية الطلاق في مرض الموت هل هو بقصد حرمان الزوجة أم لا. تدخل الدولة إذن لحماية الحقوق ورعاية تطبيق الشريعة والفصل في المنازعات أمر بدهي

 

الوصية الواجبة

في هذا الموضوع ما يشبه الإشكال الحقيقي. ذلك أن التشريع لم يشر إلى نصيب الولد الذي توفي أبوه في حياة جده ولذلك سار كثير من الفقهاء في القديم والحديث على أنه لا يرث نصيب أبيه عند موت جده بل يستأثر عمومته بالثروة ويحجب هو. السؤال الذي لم أعثر عليه هو : لم لم يثر التشريع هذ الأمر؟ والذين إستدركوا بدعوة الوصية الواجبة ـ أي من لدن الجد ـ حتى لا يحرم ذلك الولد ـ ذكرا وأنثى وفردا وجمعا ـ هل يستدركون على عفو تشريعي أو فراغ قانوني أم أن ذلك الفراغ متروك من الشريعة قصدا كما تركت فراغات أخرى كثيرة ولكن أشهرها في المعاملات الإجتماعية والسياسية والإدارية وليس في مربع معروف بأنه قطعي الورود والدلالة فهو إذن مربع مغلق؟ لذلك راح بعضهم ـ سيما من المعاصرين  وأخص بالذكر منهم الدكتور صلاح سلطان فرج الله كربه إذ هو في سجون السفاح السيسي ـ متجها نحو وجوب الوصية الواجبة بل إن هذا الفقيه الكبير توسع في ذلك  في حين أن بعضهم الآخر راح في الإتجاه المعاكس أي إنفاذ ظاهر القرآن والنتيجة هي حرمان ولد من توفي أبوه في حياة جده. منهم من أطر ذلك في إطار الوصية الإختيارية فيما دون الثلث طبعا ولكن ماذا لو لم يوص بها الجد أو فوجئ بالموت فلم يفعل؟ هناك دولتان مسلمتان ـ هما تونس ومصر ـ عملتا قانونا بالوصية الواجبة. الله أعلم بالبقية إذ لست مطلعا على كل القوانين الإسلامية. الذي يعنيني هنا ـ وقبل كل شيء ـ هو أن مبحث الوصية الواجبة محل إجتهاد وهي من صلب فقه التشريع الإرثي. أعني الواجبة وليس الإختيارية وذلك يعني أن تقوم الدولة بتقنينها كما فعلت تونس ومصر وما كان مقننا تفرضه الدولة بالسلطان أحب من أحب وكره من كره. ولكن يظل السؤال معلقا في ذهني : أي فلسفة أو حكمة يرتكن إليها هذا العفو؟

على أن الوصية الواجبة على رأي المتوسعين فيها لا تتجه نحو توريث من توفي أبوه في حياة جده فحسب ولكن يمكن أن تشمل أي حالة أخرى توصف بأنها إستثنائية أو خاصة سواء لدواع نفسية أو بدنية أو مدنية ـ عدم الزواج مثلا ـ أو الأثقال المالية أو غير ذلك مما لا يحصى لأن الأيام وحدها به حبلى. كأن الشريعة ـ بل هي كذلك ـ فصلت في الفروض تفصيلا فلا إجتهاد فيها ولا في أصحابها ثم بيّن ذلك المكلف بتبيين الذكر ـ أي محمد عليه الصلاة والسلام ـ منهج التعصيب بقوله : فما عفا فلأولى رجل ذكــر.{27}. والتعصيب نفسه شبيه جدا في وضوح تشريعه بالفرائض. ولكن قد يعفو المال الموروث بعد ذينك عن خير كثير فمن صاحبه؟ هنا إختلف الفقهاء بين توريث الرحم أو إعتبار ذلك ضربا من ضروب التعصيب يعود على بعض من سبق أن ورثوا وخاصة بين الزوجين ومنهم من إجتهد ليكون ذلك من نصيب الدولة أي بيت المال بالتعبير القديم. الذي يعنيني هنا مرة أخرى هو أن الدولة لها نصيب إما في الإجتهاد بطريق قضاتها أو بطريق وراثة من ولا وراث له ـ وهذا محسوم ـ أو من عفت ثروته بعد إشباع أصحاب الفروض والعصبات

 

والذي يظهر لي أن للوصية في تشريع الإرث مقاصد أعظم ربما لم ينتبه إليها كثير من الناس وسواء كانت إختيارية في الحدود المعروفة أو كانت واجبة سواء في إتجاه توريث الولد الذي مات أبوه في حياة جده أو توسعا في ذلك. كأني أرى أن الوصية نظام يعضد نظام الإرث وعلى الفقهاء وأهل الذكر من كل تخصص علمي ومعرفي أن يوليها شأنها إذ أن المقصد العام كما مرّ بنا هو تفتيت الثروة " حتى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم " وكل إجتهاد ضمن الضوابط في هذا الإتجاه ـ وخاصة في قضية الوصية ـ هو إجتهاد معروف

 

التوارث بين أهل دينين

هذه قضية أخرى تتعلق بالإجتهاد في تشريع الإرث أي على تخومه كما مرّ بنا. ذلك أنه صح أنه عليه الصلاة والسلام منع التوارث بين أهل ملتين.{28}. ولما جاء إبن تيمية وتلميذه إبن القيم وتبعهما من بعد ذلك ـ وربما من قبلهما مما لم أعثر عليه أو لم ينقل إلينا ـ إجتهد في هذا الأمر على أساس علته وقال أن الكافر المقصود ـ كما قال ذلك هو بنفسه في أكثر من أطلقت عليهم صفة الكفر في القرآن الكريم وخاصة بصيغة الفعل ( الذين كفروا ) وليس ( الكافرين ) أي بصيغة الإسلام هم المحاربون ـ هو المحارب عملا بغلبة الورود في تلك الأيام وهذا كثير في التعبيرات القرآنية والتركيبات النبوية. وبذلك جعل المنع دائرا مع علته وهي بناء الجدر اللازمة مع الكفر سواء كانت نفسية أو مالية. وتبعه في ذلك فقهاء معاصرون على أن يكون الضابط هو أن يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم إلا في حالات إستثنائية خاصة هي من جنس نكاح الكتابيات وغير ذلك. الذي  يعنيني هنا مرة أخرى وفاء للمحور الذي نحن بصدده هو أن الدولة يمكن أن تضمّن ذلك قانونها وتعمل به وهو باب يفتح أبعادا مهمة ليس أوّلها المال وليس آخرها توسيع دائرة الوارثين. الذي يهمني هنا مرة أخرى هو أن باب الإجتهاد في تخوم فقه الإرث وفروعه متاح

 

تقسيم التركة في حياة الهالك

هذا عرف تونسي ـ ربما يكون في غير تونس كذلك ـ. ربما يكون عرفا ولكن حدوثه واسع فيما رأيت. وهو أن يعمد من يظن أنه على شفا الموت إلى توزيع التركة على الوارثين بقصد تجفيف منابع الخصومة بينهم أو تفرغهم منذ الآن إلى إستثمار نصيبه في التجارة أو غير ذلك. المشكلة هنا هي ماذا لو سبق الموت إلى بعض الورثة قبل مورثهم؟ وقد حدث هذا بالفعل. وماذا لو تمت القسمة قبل موت المورث بسنوات طويلات وكان موت بعض الورثة في آخر تلك السنوات الطويلات وقد سبق أن أخذ الورثة أنصبتهم وتصرفوا فيها بيعا وإستثمارا وغير ذلك؟ هذا حدث كذلك بالفعل. هل تعاد القسمة؟ وماذا لو أبى ذلك الذين تصرفوا في أنصبتهم تصرفات واسعة كالبيع مثلا وكانت تلك التركات واسعة كذلك؟ ترجيحا بين مصلحة ـ هي مظنونة في الحقيقة ـ حسم الخلاف بين الوارثين وهم أرحام راحمة أن يفسد ودّهم وبين مفسدة ظلم بسبب إجحاف في حق الورثة الذين ورثوا أباهم مثلا على أساس أن الموت سيسبق إليه. الراجح هو أن المفسدة التي هي واردة في أمر ـ هو أمر الموت ـ لا يتحكم فيه أحد مفسدة عظيمة وعندها تضيع مصلحة تجفيف منابع الخصومة نفسها. كثيرون اليوم يلجؤون إلى هذا ولا يجدون نكيرا. الذي يعنيني هنا مرة أخرى هو أن الدولة يمكن لها أن تمنع ذلك بالقانون لأن مفسدته أرجح من مصلحته ـ إن وجدت أصلا ـ بكثير. وعلى كل حال فإن الدولة هي التي تحسم الخلاف عند حدوث خصومات من لدن الوارثين على تركة مات صاحبها ولم توزع في حياته. هذه المفسدة إذن تحسمها الدولة بقوة السلطان وتظل المفسدة الدينية الأخرى قائمة ويعسر جدا تداركها. لا أجد حرجا أن أقول أن توزيع التركة في حياة الهالك عمل باطل حتى لو كان في فراش الموت ومن أدراك أن وارثا غائبا عنك قد هلك فعلا قبل ذلك بساعة واحدة؟ وهي مسألة شبيهة جدا بتقسيم الإرث في حالات حوادث الطرق. بل إن الطاقم الطبي له هو كذلك كلمته في قضية الإرث إذ هو من يؤكد حياة الجنين في بطن أمه ليتبين إرثه أو عدم إرثه  

 

الإقتصاد في تجهيز الميت

إقتصر تشريع الإرث على أمرين يقدمان على تقسيم التركة وهما : الوصية والدين. ولم يذكر تجهيز الميت وربما كان ذلك بسبب ما عرف بغلبة الورود أي أن تجهيز الميت في تلك الأيام لا يكلف إلا شيئا يسيرا سواء تعلق ذلك بالتغسيل أو التكفين أو حفر القبر أو غير ذلك. اليوم طرحت قضايا جديدة في ذلك التجهيز الذي لا تنتهي أشغاله حتى يوارى الميت التراب تكريما له. ولكن الإجماع منعقد على أن تجهيز الميت يخصم من تركته إلا أن يتطوع متطوع بذلك فلا حرج فيه بل هو عمل صالح إذا أتى من غير الوارثين وفّر لهم مالا. في مثل هذه الأحوال التي تضطرب فيها العلاقة ولو نسبيا أو جزئيا بين الدولة والمجتمع فإنه لا مناص من اللجوء إلى الأوقاف والأحباس التي بها وحدها تقريبا يستغني المجتمع عن الدولة وعن إحسان المحسنين أو منّ المانّين وأذى أصحاب الأذى. نكبتنا في تونس كبيرة بعضل نظام الأوقاف. في بعض الأحيان يعمد إلى إجتثاث مقبرة بأسرها فيها مئات الموتى بإسم مصلحة عمومية وليس العيب في هذا الأجراء من حيث المبدإ عندما يكون تقديره صحيحا ولكن عندما نستمرئ ذلك فإننا نحط من قدر الإنسان المكرم الذي ما إختار الله له منذ أول قتيل ـ قصة إبني آدم ـ أن يكون محفوظ الكرامة بالتغسيل والتكفين والقبر إلا ليعلمنا ما قاله عليه الصلاة والسلام :“ كسر عظم الميت ككسر عظم الحي".{29}. هنا أيضا نكون في إحتكاك وظيفي بين الدولة وبين المجتمع. ما ينبغي أن نصل إلى مرحلة يكون فيها شراء الأرض التي فيها يقبر الميت مخصوما من تركته لأن ذلك يعضل حق الوارثين. المعالجة إذن لا بد فيها من نظر وإجتهاد يضمن كل تلك المقاصد : حفظ كرامة الميت من جانب وحفظ حقوق الوارثين من جانب آخر

 

 الأكل من أموال اليتامى

هذه قضية من القضايا التي إستنبتت في مرحلة تجفيف منابع التدين في تونس وخاصة في مرحلتها الكالحة أي عقد التسعينات والعقد الأول من الألفية الراهنة ( 1990 حتى 2010). ألفيت تقريبا في كل مأتم من مآتم الموت عشرات يسألون عن حكم الأكل من الوليمة إذ أن مصاريف الوليمة من تركة الهالك وهي مخصومة بطبيعة الحال من أنصبة الورثة وبعضهم أيتام وبذا يكون الأكل من الوليمة محرما لأن الله حرم أكل أموال اليتامى. لم تكن مثل هذه الأسئلة ذات رواج ونفوق في السبعينات والثمانينات وليست هذه الأسئلة دليل ورع أو تقوى إلا قليلا ولكنها العطالة الفكرية والبطالة الدينية عندما تستبد بأصحابها تفعل بهم ما تفعله البطالة الإجتماعية الحقيقية بأصحابها. الأرأيتيون الذين قرأنا عنهم سابقا لا ينتمون إلى مثل هذه البطالات والعطالات. صحيح أن السنة صريحة في أن الأولى بتجهيز تلك الولائم هم الجوار والأرحام الذين يتكافلون مع أهل الفقيد لإعداد الطعام والشراب والفرش للمعزين وبعضهم يأتي من فج عميق. صحيح أنه قال عليه الصلاة والسلام :“ إصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم".{30}. ولكن معالجة القضية يحتاج إلى بسطة أصولية قبل ذلك. قوام البسطة الأصولية هنا هو أن الحديث النبوي مهما صح سندا وتجلى دلالة لا يعني الوجوب بمعناه الفقهي أي تعرض تاركه عمدا للعقوبة ولا يعني التحريم بمعناه الفقهي أي تعرض فاعله عمدا بدون عذر للعقوبة ما لم يكن ذلك الحديث مؤكدا لواجب ورد في القرآن الكريم أو لمحرم ورد في القرآن الكريم. هذا هو المذهب الأصولي الذي كان عليه الصحابة ولي منه أمثلة كثيرة ليس هنا محل بسطها. إذا إعترض هنا معترض أني أوردت قبل قليل أحاديث نبوية صحيحة في شأن الإرث وهي ملزمة مثل عدم توريث القاتل وعدم تجاوز الإرث الثلث فإني أقول له أن تلك الإحاديث هي أحاديث تبيين إذ هي تخصص عاما أو تقيد مطلقا وليست أحاديث عامة من جنس الترغيب .الناظر في المنظومة الحديثية يلفى بيسر أن أغلبها بنسبة عالية جدا يدور حول الترغيب والترهيب وهو بيان من البيان قطعا ولكن البيان ـ أو التبيين بالمعنى القرآني الأحرى ـ يأخذ أدورا كثيرة منها : تفصيل المجمل وتخصيص العام وتقييد المطلق. أما التشريع الإبتدائي الإنشائي المستقل إستقلالا لا وظيفيا لخدمة تلك الأغراض بل إستقلالا تشريعا تاما فلا وجود له في السنة كلها حتى لو بدا لبعضهم مثل ذلك. ومن هنا فإن هذا الحديث الصحيح المتعلق بكفالة أهل الفقيد وإطعام معزيهم لا يزيد على الترغيب في الخير والحض على كمالات النفوس وغير ذلك مما إمتلأت به السنة إمتلاء عجيبا وتلك هي وظيفتها. ذلك يعني أنه لو قام أهل الفقيد أنفسهم بتجهيز تلك الولائم لبسطة في أجسامهم وأموالهم وأيديهم لما عابهم ذلك ولا عاب الجوار الذين جاؤوا هم كذلك فأكلوا وشربوا. بل لو لم يكن في وسعهم ذلك إلا بشيء من المشقة ـ مشقة لا تجور على حق الورثة إسرافا ـ وأحجم الجوار عن كفالتهم ومعزيهم ما أخذهم الله بذنب لأنه ليس ذنب بل هو فضل من أتاه أثيب خير ثواب ومن بخل عنه فلا شيء عليه. ذلك هو الفرق بين الواجب وبين السنة وهو أوّل ما يتعلم طالب العلم المبتدئ في علم أصول الفقه. وتظل هذه الولائم سنة محمودة لقوله عليه الصلاة والسلام : من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ..“{31}. والأمر نفسه بالنسبة للسنة السيئة. الضابط الأوحد هو عدم الجور على حقوق الورثة بالإسراف والحقيقة أن الورثة هم الذين يجهزون تلك الولائم إذ أنهم يأنسون بالمعزين ويفرحون بهم ومن لا يفرح بمن شد أزره في مصيبته؟ ولا أظن أن أولئك الورثة يسرفون في تجهيز تلك الولائم. وهو عرف محمود ما خلا من الإسراف بل إن من مستلزمات ذلك العرف هو أن المعزين يأتون إلى بيت الفقيد بأطعمة وأشربة وغير ذلك عدا ما ينفقه بعضهم سرا. هذا عرف محمود لا جناح فيه بل فيه مصالح وفوائد منها الإجتماع والتذكير بالموت والبلى وتأنيس أهل الفقيد وعلى هامشه تنشأ تعارفات وغير ذلك من المصالح. بقيت مسألة الأكل من أموال اليتامى. الله نفسه سبحانه وهو المشرع الذي علمنا الواقعية أخبرنا أن المحرم علينا هو الأكل من أموال اليتامى ظلما ولما أراد أن يشرح لنا معنى الظلم أرشدنا إلى أن الأكل من أموال اليتامى بالمعروف ـ في سورة النساء {6}ـ أمر لا حرج فيه للفقير الذي يقوم على مال اليتيم إنما الحرج هو أكل الغني لأنه ضرب من الظلم الباطن. الذين يرفعون إذن هذا السلاح جهلا عليهم أن يجمعوا بين النصوص لا أن يضربوا بعضها ببعض لأن الورع نفسه وإن كان مطلوبا لا يقوم به الدين ولا بد معه من العلم

 

خلاصات وحصائل

 

 

تشريع الإرث حد إلهي

كثيرا ما تنشأ فينا مفاهيم عرفية لا أساس لها في الدين ومنها أننا نطلق الحد على بعض العقوبات البدنية التي جاءت بها الشريعة من مثل حد السرقة أو الحرابة والحقيقة أن القرآن الكريم الذي علّمنا ـ مما علمنا ـ فنّ إستخدام الكلمة لم يسمّ تلك العقوبات حدودا إنما أطلق صفة الحدّ على أمور أخرى هي أكبر عند الله من تلك الجرائم بكثير ومما يؤكد ذلك أن الحديث النبوي نفسه ـ وهو في معرض بيان علاقة جوانب الشريعة بعضها ببعض أي حديث الدارقطني الذي مرّ بنا  ـ يلتقي مع القرآن الكريم في تلك التسمية. صحيح أنه لا مشاحة في المصطلح ولكن الأنسب لطالب العلم أن يتحرى الدقة تأثرا بالخطاب القرآني. المتتبع للخطاب القرآني يلفاه قاصرا صفة الحدّ على حقل الأسرة في الأعم الأغلب وإليك بيان ذلك

 

أوّلا : العدوان على حق المرأة في الإعتكاف حدّ إلهي 

جاء ذلك في سورة البقرة في معرض الحديث عن عبادة الإعتكاف إذ قال سبحانه :“ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها". { البقرة 187}.منع من مجرد القربان من ذلك الحدّ بعد نسبته إليه هو نفسه سبحانه تعظيما له. وجه الحدّ الإلهي المغلظ هنا له ثلاثة وجوه : وجه حرمة المسجد ووجه حرمة عبادة الإعتكاف ووجه حرمة المرأة وحقها في الإعتكاف إذ يبطل بالمباشرة

 

ثانيا : العدوان على حق المرأة في مهرها حد إلهي معظم

جاء ذلك في السورة نفسها أي البقرة في معرض الحديث عن الطلاق إذ قال سبحانه :“ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما إفتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ".{ البقرة 229}. تأكدت حرمة الحدود هنا بتكررها أربع مرات حتى ليخيل للتالي أو السامع أن المسألة خطيرة جدا فهي تدق الأسماع دقا. ولا يتردد في نسبتها في كل مرة إليه هو نفسه سبحانه. وجوه الحدود الإلهية هنا هي : حرمة أموال النساء ـ الأزواج هنا ـ سواء كانت مهورا أو غيرها أن تؤكل أو تنهب باطلا وخاصة في الطلاق. حرمة الإمساك بغير معروف أو التسريح بغير إحسان. حرمة عضل الزوجة أن تطلق نفسها بالإفتداء وفي هذه الحال للزوج حق إستعادة المهر أو بعضه. ولم يتردد مرة أخرى أن يصم بالظلم المعتدين على تلك الحدود في كل وجوهها

 

ثالثا : العدوان على حق المرأة في نكاح من تحب حدّ إلهي معظم

جاء ذلك في السورة نفسها أي البقرة وفي السياق نفسه أي الآية الموالية إذ قال سبحانه :“ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ".{ البقرة 230} وجه الحدّ الإلهي هنا هو عضل المرأة أن تعود إلى الزوج الذي طلقها مرتين طلاقا شرعيا لا بدعيا وليس عبثا معبوثا كالذي يفتون به اليوم قاضيا بإحتساب الطلقات الثلاث في مجلس واحد أو بكلمة واحدة طلاقا بائنا بينوتة كبرى ويستدل بعضهم بالفاروق عليه الرضوان جاهلين أن عمل الفاروق هنا هو بمقام الإمامة السياسية وليس بمقام الإفتاء الديني لأن السنة جاءت بخلاف ذلك ولذلك صوّب بعضهم الأمر ومنهم إبن تيمية وغيره كثيرون حفظا لمؤسسة الأسرة العظمى. عضل المرأة في هذه الحال عادة ما يتم بطريق الأقوياء والنافذين من أسرتها. وناكية النواكي ـ وقد عرفت ذلك لما كنت طفلا يافعا لا أعي مثل هذه الأمور ـ أن جزء من مجتمعاتنا الإسلامية ما زالت تعمل ـ أو كانت لعهد قريب ـ بنظرية التيّاس المستعار جهلا أنه ملعون :“ لعن الله المحلل والمحلل له". {32}.أو عضلها أن تتزوج زوجا آخر إذا طلقت طلاقا بائنا أي مرتين صحيحتين كما ورد. والحقيقة أنه لا يناسبنا اليوم عدا توخي طريق التيسير في هذا الباب حفظا لمؤسسة الأسرة التي يحاربها الغرب وعملاؤه فينا. ومن ذلك عدم إعتبار الحلف بالطلاق يمينا فهو ليس يمين لأن الحلف لا يكون إلا بالله أو بما يعظّم في الدين ومن ذلك كذلك إعتبار نية المطلق إذ أن الأعمال بالنيات ومن ذلك أيضا تنفيذ قوله عليه الصلاة والسلام :“ لا طلاق في إغلاق ".{33}. التيسير هنا أولى إذ أن كثيرا من المسلمين يجهلون مثل هذا

 

رابعا : العدوان على حق المرأة في الإرث حدّ إلهي معظم

جاء ذلك في سورة آل عمران إذ قال بعد أن فرغ من تقسيم الفرائض على أهلها :“ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك هو الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين".{النساء 13 و14}. هذا هو معنى أن تشريع الإرث حدّ إلهي معظم أحيط بهذا التعقيب المرهب. الذي يبدو لي أن وجه الحدّ الإلهي المغلظ هنا جاء على خلفية حرمان المرأة من نصيبها وهو تقليد عربي جاهلي شائع وليس غائبا على أحد أن مساحات مهمة من مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلى يوم الناس هذا مازالت تتعدى هذا الحدّ الإلهي المعظم سواء جهارا بهارا أو بسيف الحياء ولا أحد ينكر أنه في بعض الأرياف التونسية مثلا تشيع قالة قوامها أن فلانة لفرط عدم حيائها نافست إخوانها في الميراث والمبرر عندهم أن فلانة هذه متزوجة وربما يكون زوجها ميسورا وهي قالة شائعة ولا تلقى نكيرا وهذا هو سيف الحياء الإجتماعي الذي يكاد ينقلب إلى عرف في بعض الأماكن. دليلي على ذلك وقد ذكرته آنفا أن الله سبحانه وهو يشرع الإرث بدأ بالنساء ( فإن كن نساء فوق إثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ) ولم يذكر الإبن ـ مذكرا ـ من أصحاب الفروض مطلقا بل يرث تعصيبا وظل يؤكد حقهن في كل مناسبة ( فلأمه الثلث ) كما ظل يؤكد حقهن في قضاء ديونهن والوصية بما شئن من أموالهن بالضابط النبوي طبعا ( الثلث ) وظل ذلك يتكرر مرة من بعد مرة بما يعلن صراحا بواحا إستقلال المرأة إستقلالا ماليا كاملا وإلا كيف كانت مدينة وكيف توصي بمالها؟ لا ينفي ذلك عموم المعنى سيما في غمط حقوق الضعفة ولكنه يريد تأكيد حق الضعيف الذي كان في أحلك درجات الإستضعاف أي المرأة. في المواضع الأخرى للحدود الإلهية المذكورة في القرآن الكريم لم يذكر فيها الرسول عليه الصلاة والسلام إلا في هذا الموضع وذلك بسبب أن السنة جاءت ببيان ملزم في تشريع الإرث منه ألا تتعدى الوصية الثلث إلا بتوافق وأنه لا وصية لوارث إلا بتوافق كذلك وأن القاتل لا يرث ولذلك كانت طاعة السنة هنا ملزمة

 

خامسا : العدوان على حق المرأة في المتعة الجنسية حدّ إلهي معظم

جاء ذلك في سورة المجادلة وبمناسبة ظهار صحابي زوجه أي ولاها ظهره فلم يجامعها :“ الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم ".{ المجادلة 2}. ثم قال :“ والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة ..“{ المجادلة3}. وفصل في الكفارات وبعد ذلك قال :“ وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم ".{ المجادلة 4}. الوجه الوحيد هنا لحدّ الله هو حرمان الزوجة من حقها الجنسي إذ أن ذلك ورد في موضع آخر ضربا من ضروب معالجة النشوز الذي أخبرنا القرآن الكريم نفسه أنه ـ أي النشوز ـ جريمة يأتيها الرجل والمرأة سواء بسواء سوى أن العقل المشدود إلى بعض المواضع التراثية السوداء لم يعد يحتفظ سوى بأن النشوز معصية أنثوية فحسب. ومع ذلك فإن المزاج العام اليوم لأغلب المسلمين ـ لو يتسلحوا بالشجاعة الفكرية ـ لا يقبلون إلا قليلا أن يعدّ التشريع حرمان المرأة من حقها الجنسي جريمة تترتب عليها كفارات مغلظة بل هي حدّ إلهي معظم. مثل هذه المواضيع محرمة في مزاجنا العام. أجل. أكرم بدين ـ إن كنت تفقهه وتعتز به وتفتخر ـ يعدّ حرمان المرأة من حقها الجنسي جريمة مكفّرة وهي حدّ إلهي منسوب إليه. نحن نستعظم ذلك ونستكثره على المرأة ولكن التشريع ليس من حقنا نحن بل من حقه هو وحده سبحانه. الغريب هنا هو أن فاصلة الآية نشزت عن بقية المواضع المتعلقة بالحدّ الإلهي كلها نشوز الآية السابقة في الفقرة الرابعة بقرن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام بطاعة الله سبحانه في قضية الإرث. نشوز هذا الموضع تمثل في التعقيب المحيّر لمن كان له قلب أو ألقى السمع  وهو شهيد :“ وللكافرين عذاب أليم ". الأصل أن هذا التعقيب أو هذه الفاصلة ـ وكل فاصلة لا بد أن تنير ثلث دلالة الآية على الأقل ـ يترتب على عمل كفري مخرج من الملة. لا نحتاج إلى تمحل بليد لنقول أن الكفر هنا وإن لا يمكن بحال حمله على الكفر المخرج من الملة فإن رسالة الآية وتعقيب فاصلتها قطعية وهي : العدوان على حق المرأة في المتعة الجنسية بدون سبب أو أن العود إلى ذلك مرة من بعد مرة إمعانا في العدوان أو أن عدم الإذعان لتلك الكفارات الواردة فيه .. كل ذلك ضرب من ضروب كفر النعمة وأن من يقع في حبائل هذه الفاصلة التعقيبية يوشك أن يحاط بغضب الله سبحانه

 

سادسا : العدوان على المرأة المطلقة حدّ إلهي معظم

جاء ذلك في سورة الطلاق إذ قال سبحانه :“ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة وإتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ..“.{ الطلاق1}. وجه الحدّ الإلهي هنا هو : تجاوز العدة سواء بالإنقاص منها تخلصا منها أو بالزيادة فيها تعليقا للمرأة وزاد النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام هنا ألا تطلق إمرأة في طهر حدث فيه وطء أو في محيض ولذلك إستخدم أمر الإحصاء الذي هو أدق من العدّ بل إنه توجه بالخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام أي بمقام الولاية السياسية لأن الطلاق في الإجتماع السياسي المتحضر للناس شأن قضائي تتولاه الدولة وما في ذلك من تعظيم لحق المرأة أن تقهر أو يخصم حقها ولو بيوم واحد من العدة. كما أن من وجوه الحدّ الإلهي هنا هو عدم إخراج المرأة من بيت منسوب إليها هي ( بيوتهن ) . وكان التعقيب رميا بالظلم لمنتهك ذلك الحق ولذلك أرشد إلى الإشهاد على الطلاق على شاكلة الإشهاد على المال حتى يكون ذلك أقوم للشهادة وأدنى ألا نرتاب وأقسط عند الله 

 

تلك هي مواضع الحدود الواردة في الكتاب الكريم عدا أن حدا وحيدا آخر ورد في شأن الأعراب الذين هم أجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ولكنها هنا حدود غير معينة بل إن المعنى يمكن أن يمتد ليكون جزء من معنى الحدّ الإلهي هو أن الأعراب لفرط جهالتهم وفقههم البدوي البليد ولفرط غلظتهم وتمردهم على التحضر والتمدن أدنى بذلك إلى الكفر والنفاق كما جاء في آية سورة التوبة وذلك ينسجم مع أن أكثر المنتهكين لحدود الله في قضية المرأة والأسرة بمثل ما ورد إرثا وطلاقا هم الأعراب

 

الحدّ الإلهي مقدم على المحرم

جاء ذلك في بيانه عليه الصلاة والسلام إذ قال في حديث الدارقطني :“ إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحدّ حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها ". تعلمنا من هنا أن الحدود الإلهية ـ وهي محصورة في الكتاب العزيز في حقل الأسرة والمرأة بالكلية ـ أولى بالإجتناب وبعدم التعدي من المحرمات الأخرى. هذا فقه نبوي نحن لم نرتفع إليه إذ مازال في المخيال الإسلامي العام وبنسبة مرتفعة أن الزنى مثلا أكبر جريمة من الزواج بزوج الأب والحقيقة أن الله نفسه يخبرنا ـ وليس غيره ـ أن الجريمة الثانية أكبر ولك أن تراجع بما عقب على كلتيهما.{ النساء22 والإسراء 32}. فقه الحدود في الشريعة لم يلق ما يناسبه ولذلك يظن بعض الناس أن تشريع الإرث أو الطلاق أو الظهار أدنى جريمة من شرب الخمر مثلا. توقفت ثقافتنا عند المحرمات أما الحدود فقد شغبنا عليها مرة عندما قذفنا بها العقوبات البدنية وهي منها براء وركلناها مرة أخرى عندما قدمنا عليها المحرمات

 

أوقاف ثلاثة مالية حق للمرأة

الوقف بمعني الموقوف أي الوحي الذي لا يتغير بالتعبير الأصولي. للمرأة أوقاف ثلاثة جاء بها التشريع : وقف المهر الذي لا ينعقد عقد نكاح تواطأ عليه بالكتمان والغمط ولا خلاف في ذلك في المدونة الفقهية بأسرها عدا أن الفقه المقلوب الذي نعمر به رؤوسنا يؤخر هذا الوقف القرآني المؤكد ويقدم الوليّ وسأكتب في هذا إن شاء الله في قالة قابلة. وقف الزكاة التي خرجت عن قانون التشريع الإرثي إذ لا يشتركان في العلة ولذلك سوّى الشارع الحكيم بين الرجل والمرأة في الزكاة إمتلاكا للمال وإستقلالا ومن ذا إنفاقا وتصدقا ( والمتصدقين والمتصدقات ) ووصية كما أنف ذكره وقضاء لدين فهي تزكي ويزكى لها إلا ممن وجبت عليه كفالتها ورزقها أن يكون تحيلا منه ولكنها تزكي على زوجها المعسر بلا حساب إن شاءت ولا تعضل أن تزكي على أي أحد إذ هي ليست مكلفة بالإنفاق على أحد. يمكن أن تكون المرأة في مؤسسة الزكاة من العاملات عليها أو مؤلفة قلب أو أسيرة بأي معنى أو غارمة. حتى زكاة الفطر لا تؤديها هي من مالها بل يؤديها عنها زوجها أو المكلف بالإنفاق عليها فإن لم يفعل فهو آثم إلا أن تتطوع هي تطوعا مأجورا. ووقف الإرث كما مرّ بنا ولذلك بدأ الشارع الحكيم سبحانه بتثبيت ذلك فصلا مفصلا إذ قال :“ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضـــــــا".{ النساء 7}. وليس بعد هذا البيان بيان في تقرير حق المرأة إلى جنب الرجل من حيث المبدإ والأصل في التركات

 

مناط التغيير هو تخلف المحل

يسأل بعضهم كيف علّق الفاروق بإجماع من الصحابة الكرام عليهم الرضوان بعض الأحكام القطعية مثل حد السرقة في عام الرمادة أو سهم المؤلفة قلوبهم أو غير ذلك من الفتوحات العقلية الفاروقية التي تحتاج إلى كلية معرفية متخصصة فيها يتخرج منها العلماء والفقهاء والحكماء في حين أن تشريع الإرث لم يتعرض لذلك على الرغم من تغير بعض وجوه الأسرة وخاصة خروج المرأة للعمل بأجر وقيامها في أحيان كثيرة على الإنفاق على البيت فهي إذن قوامة بالتعبير القرآني. السؤال صحيح ومشروع بل ذكي. ولكن يجب العلم بمناط ذلك التغيير الذي أقدم عليه الفاروق وهو ما يحسن بنا التعبير عنه بتخلف المحل أدنى إلى حسن الفقه إذ أن كل الذي حدث معه هو أن محل القطع تخلف في تلك الأيام بشبهة أن يكون السارق محتاجا في عام مجاعة تنفيذا لضابط نبوي صحيح ( إدرؤوا الحدود بالشبهات ) {34}. وما إنجر عليها من قاعدة أصولية هي أن يخطئ القاضي في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة. والمسألة نفسها مع المؤلفة قلوبهم. المحل هنا في الأسرة وفي قضية الإرث لم يتخلف بل هو موجود إذ أن الأصل هو أن الزوج مكلف بالإنفاق فهو إذن يرث ضعف ما ترث أخته فحسب وليس كل النساء غنما بغرم كما يقولون. فإذا تخلف هذا المحل في عشرة بالمائة من العائلات المسلمة اليوم فإن ذلك لا يغير الحقيقة ليس بسبب هوان النسبة فحسب وهي مقدرة ولكن الأهم من ذلك هو أن النظام الذي أراده سبحانه للأسرة لا يجب أن يختل وهو لا يختل أصلا بسبب الطبيعة والغريزة والجبلة وإلا إنقطع النسل وزج بالمرأة الأضعف بدنيا ـ لا نفسيا ـ على تحمل مشاق الإنفاق وظروف العيش قد تتغير ولا أحد يضمن ألا تكون أرزاقنا في قمم الجبال نجنيها بالدماء والأشلاء وليس من شأن التشريع أن يكون صالحا لزمن ما أو لطبيعة إمرأة ما فإذا ما تبدلت الظروف عصف به وإستبدل . ولكن هذه الحالات الإستثنائية التي تكون فيها المرأة قوامة بالتعبير القرآني بما أنفقت من مالها وبما فضلت بذلك على زوجها تعالج بقدرها دون أن تظل قانونا راسخا أو شريعة مشروعة

 

المرأة ضحية السلف والخلف وليست ضحية الإسلام

المرأة كائن إنساني كامل الكينونة الإنسانية في المصدرية الروحية الإلهية أن ترتد البشرية إلى الظلام الأروبي الذي ظل لسنوات وقبل عقود فحسب يناقش في مجالسه الدينية التيوقراطية إحتواء المرأة على روح أم لا وهي مثل ذلك في الرسالة أي العبادة والخلافة والعمارة وإقامة العدل وفي المرجعية والحساب فلا ينادى يوم  القيامة عن المرأة منسوبة إلى أبيها أو أخيها أو زوجها. وهي تختلف عن الرجل إختلافا وظيفيا في بعض التركيبات التي يعرفها أهل التخصص النفسي والطبي وهو إختلاف تفاضلي بينها وبينه فهو يفضلها بشيء وهي تفضله بشيء إنشاء لقانون الإزدواج الذي به تنشأ الحركة ويتجدد وإلا أسنت الحياة ومن ذا ينشأ قانون التكامل الذي به يحفظ الكون والخلق والإجتماع البشري. والمرأة كائن ضعيف بدنيا مقارنة مع الرجل ولذلك تستضعف ككل ضعيف وهو ما يفسر حرمان الجاهلية العربية الأولى لها من حقها في وجوه كثيرة من الحياة والعلة مادية فحولية وهي أنها لا تحمل السلاح ولا تسبي بل ربما تسبى إلا أن تحمى. وجاء الإسلام فأحدث ثورة فكرية بأتم معاني الثورة الفكرية الجامعة بين الهدوء والعمق والشمول والواقعية وتبعا لذلك نشأت أجيال نسوية تركت بصماتها في كل وجوه الحياة ومناحي المعرفة والعلم ناهيك أن أوّل مؤمن في الأرض كلها إمرأة هي خديجة بنت خويلد وأن أوّل شهيد على الأرض كلها إمرأة هي سمية من آل ياسر وأن أوّل حفيظ على آخر كلمات الله حتى يوم القيامة إمرأة هي حفصة بنت الفاروق ولم يثر ذلك حفيظة الصحابة ولا تسللت إليهم بلاداتنا الركيكة من مثل أنها تحيض وتنفس وكلام فارغ يتشدق به جهلى الفضائيات إلا قليلا. ولما نكبنا من لدن الأمويين في سقفنا السياسي الأوحد فخرّ علينا وديس على فريضة الشورى لم يكن من بد لذلك الزلزال السياسي الأكبر إلا أن تكون له إرتدادات أفقيه هنا وهناك وظلت تعمل تلك الإرتدادات منحطة إلى النموذج العربي الأول ومن أبرز وجوه تلك الردة هو الإنقلاب التدريجي ضد حقوق المرأة وبدأت آلة الإنحطاط تشتغل وورثنا في مدونتنا الفقهية عجائب وغرائب ولعل من يطلع على بعض منها ( الفقه على المذاهب الأربعة للمرحوم عبد الرحمان الجزيري مثلا ) يقف على شيء من ذلك. ومع نشوب مخالب الإنحطاط فينا وتبرج سد الذرائع الذي به حرمت أشياء وأشياء أحلها الله سبحانه وضمور الإجتهاد ورفع راية إغلاقه ونكبات أخرى ليس هنا محل عدها ولا إحصائها وقر في المخيال المسلم أن المرأة بسبب أنوثتها إنسان من الدرجة الثانية والحقيقة أن بعض مواضع تراثنا لم تقصر في ترسيخ هذه الصورة وخاصة عندما يقترف الخطأ الفكري رجال عظام من مثل الفقيه الكبير إبن القيم عليه الرحمة والرضوان الذي قال بعدم تساوي المرأة مع الرجل مستشهدا قوله سبحانه ( وليس الذكر كالأنثى ){ آل عمران 36}. أو مثل فقيه أخر هو شيخ المفسرين الإمام الطبري عليه الرحمة والرضوان إذ فسّر الهجر في آية النشوز بعقوبة هجر الدابة أي تكبيلها من رجليها. ولم تبخل علينا الأيام بعد تلك القرون المظلمة بعقود أشد منها ظلمة إذ غزينا من الوافد الغربي المتبرج ونحن في أحط درجات السلم الحضاري فنفذت فينا قالة إبن خلدون عليه الرحمة ( المغلوب مولع أبدا بتقليد غالبه) وأصبحت العالمانية المتطرفة بديلا عن الشريعة ونفذت إلى مواطن الحكم والتوجيه والتأثير ونحن اليوم في هذا المربع عدا أن صحوة إسلامية واسعة ناشئة تحاول إعادة الأمر إلى نصابه الأوّل ولكن الخصم أذكى منا ـ ولو خبثا إذ لا يعدم الخبيث ذكاء ـ إذ جلب علينا بتفكير سلفي مغشوش مزيف ـ ورجاله منّا لحما ودما ـ لتكون صورة الإسلام هي صورة الإرهاب والعنف والإكراه ورفض التمدن والتحضر والحقوق والحريات ثم يكون الإجهاز علينا يسيرا وبلا دماء. قبل قليل قرأت حكمة تقول : دفنونا ولم يعلموا أننا بذور. أجل. الإسلام وأمته إذا دفنت فهي بذرة تدفن ولك أن تتصور مآل بذرة تدفن في الأرض إذ تغيّب مدة ثم تينع وتزهر. الحمد لله الذي حفظ لنا الدين وتعهد هو بذلك دون جهد منا إنما جهدنا في جعل الدين حضارة شامخة ومدنية سامقة وحقوقا وحريات وعدلا وتعارفا وأمنا وسلما وإدارة عقلانية لقانون التدافع. المرأة إذن هي ضحية سلف سرعان ما إنقلب عليها من بعد الإطاحة بالخلافة الراشدة المهدية الأولى التي لم تتردد في تعيين الشفاء رئيسا لبلدية العاصمة الإسلامية أي المدينة المنورة ولم تتردد أن تستحفظ إمرأة على أول مصحف مكتوب في الأرض. والمرأة ضحية خلف غربي يزين لها السم الزعاف ليكون في عينها عسلا مصفى. أما الإسلام فإنه أكرم المرأة من حيث أنها إنسان أوّلا

 

والله أعلم

 

تخريج الحديث

 

الحديث عدد 1 : أخرجه أبوداوود عن أبي هريرة

الحديث عدد 2 : أخرجه البخاري عن النعمان إبن بشير

الحديث عدد 3 : أخرجه الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني

الحديث عدد 4 : أخرجه الدارقطني عن أبي الدرداء

الحديث عدد 5 : أخرجه مسلم عن عمر إبن الخطاب

الحديث عدد 6 : أخرجان الشيخان ـ متفق عليه ـ عن إبن عمر

الحديث عدد 7 : أخرجه الشيخان ـ متفق عليه ـ عن أبي هريرة

الحديث عدد 8 : أخرجه أبوداوود والترمذي عن أبي نجيح العرباض إبن سارية

الحديث عدد 9 : أخرجه الطبري

الحديث عدد 10 : أخرجه مسلم عن أبي هريرة

الحديث عدد 11 : أخرجه مسلم عن معمر إبن عبد الله

الحديث عدد 12 : أخرجه الشيخان ـ متفق عليه ـ عن إبن عباس

الحديث عدد 13 : أخرجه الترمذي

الحديث عدد 14 : أخرجه أحمد في مسنده

الحديث عدد 15 : أخرجه مسلم عن أبي هريرة

الحديث عدد 16 : أخرجه البيهقي عن طلحة إبن عبد الله

الحديث عدد 17 : أخرجه البخاري عن أبي حميد الساعدي

الحديث عدد 18 : أخرجه أبو داوود عن المستورد إبن شداد

الحديث عدد 19 : أخرجه الشيخان ـ متفق عليه ـ عن أبي هريرة

الحديث عدد 20 : شبه متفق على ضعفه ومنهم من يصمه بالوضع

الحديث عدد 21 : أخرجه البخاري عن ميمونة بنت الحارث

الحديث عدد 22 : أخرجه الشيخان ـ متفق عليه ـ عن سعد إبن أبي وقاص

الحديث عدد 23 : أخرجه الترمذي وإبن ماجة عن أبي هريرة

الحديث عدد 24 : أخرجه الترمذي

الحديث عدد 25 : أخرجه إبن ماجة عن أبي حميد الساعدي

الحديث عدد 26 : أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي

الحديث عدد 27 : أخرجه الشيخان ـ متفق عليه ـ عن إبن عباس

الحديث عدد 28 : أخرجه البخاري عن أسامة إبن زيد

الحديث عدد 29 : أخرجه الإمام أحمد عن عائشة

الحديث عدد 30 : أخرجه الترمذي

الحديث عدد 31 : أخرجه مسلم عن جرير

الحديث عدد 32 : أخرجه أبو داوود

الحديث عدد 33 : أخرجه إبن ماجة عن عائشة

الحديث عدد 34 : أخرجه إبن ماجة عن أبي هريرة

 

بعض المصادر والمراجع

 

ــ الإسلام عقيدة وشريعة للإمام شلتوت

ــ فتاوى معاصرة ( أربعة أجزاء ) للإمام القرضاوي

ــ حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة  للمرحوم الغزالي

ــ فتاوى المرحوم مصطفى الزرقاء

ــ الوصية الواجبة في القوانين العربية للدكتور صلاح سلطان فرج الله كربه

ــ الميراث والوصية بين الشريعة والقانون للدكتور صلاح سلطان فرج الله كربه

ــ إمتياز المرأة على الرجل في الميراث والنفقة للدكتور صلاح سلطان فرج الله كربه

ــ الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية للدكتور أحمد الريسوني

ــ مقاصد الشريعة المتعلقة بالمال للإمام القرضاوي

 

الهادي بريك ـ المانيا

brikhedi@yahoo.de

0049-15755590490

مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.