.

.

لترحل بن سدرين كما رحّلنا من قبلها الحبيب عاشور

بتاريخ : 2018-03-28 الساعة : 14:43:14

اسم الكاتب : الشيخ الهادي بريك     التصنيف : الكلمة الحرّة     عدد القراء : 1044




 مقالات أُخرى للكاتب - الشيخ الهادي بريك
بين المرأة والقرآن : علاقة حبّ يفسدها الغالون
تشريع الإرث بين الثبات والتغير في ضوء الأسرة الجديدة والدولة الجديدة
ترشيح اليهودي في ميزان الإسلام
يوسف الصديق : طعم جاهز وشهي على طبق إستئصالي
مسلمو ألمانيا : يا ملح البلد
خطاب رئيس الدولة بين العلم الشرعي والموقف الشرعي
عندما يكون العلم سلاحا ذا حدين
رمضان مدرسة تربوية جامعة
قراءة في الوثيقة السياسية لحماس
قصة موسى عليه السلام في مدين

المزيد من المقالات

نحن بحاجة إلى هيئة وطنية ـ وشريفة ـ للحقيقة والكرامة وليس إلى هيئة الحقيقة والكرامة ). أليس ذلك أدعى إلى رعاية مصلحة البلاد وهيبة الدولة ؟ هل تكون بن سدرين أشدّ علينا من أكبر زعيم نقابي عربي ومسلم وإفريقي أي الحبيب عاشور الذي فرضنا عليه ملازمة بيته من بعد خروجه من السجن؟ ألم نأت بتيّاس إسمه إسماعيل السحباني )؟ ألم ندع إلى إتحاد عمالي جديد هو الإتحاد الوطني أو إتحاد الشرفاء؟ ألم نجيش لذلك الإصلاح إعلاما نبّاحا بالليل والنهار نجح في شيطنة المرحوم الحبيب عاشور الذي لم تردعه محكمة أمن الدولة بعد الخميس الأسود الذي فرضه علينا ووضع أمننا القومي في مهب الريح؟ في تلك الأيام لم تكن هناك فضائيات ولا إعلام إلكتروني ولكن هناك عرّابون كثر لسان حالهم ومقالهم معا يحكي قالة عسكر بلقيس ملكة سبإ نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين). نحن قوى إعلامية ـ زحفنا على مساحات كانت ملكا للقوى الأمنية تذليلا للأرض في وجه سلطان الدولة ـ لا نفكر بل نهش بالأذناب ونبش بالأذيال وألسنتنا وأقلامنا و بلاطواتنا مسخرة لما تريده الدولةذلك هو منطق الدولة أبدا فما بالك إذا كانت دولة تابعة قرارها السيادي مختطف ومديونيتها بطاقة حمراء في وجهها إن فكرت في خرق السقوف المرسومة والدنوّ من التخوم الموسومةالذين عاشوا محنة إتحاد الشغل بقيادة المرحوم الحبيب بن عاشور من الخميس الأسود عام 1978 حتى مؤتمر 1989 يقولون اليوم ما أشبه الليلة بالبارحة وما بالعهد من قدمظل المرحوم محمد مزالي يعرّب لإتحاد عمّالي جديد ـ كما يفعل المحلّل للمحلّل له تياسة تأباها العجماوات ـ سماه الإتحاد الوطني ووسم أهله بالشرفاء وجيء بإسماعيل السحبانيثم ما لبث أن عاد الدرّ إلى معدنه إنما هي أيام دول.

 

من جديد نوضع بين مطرقة الأمن وسندان الحرية

أكذب الكذابين اليوم هم الذين يوهمون أنفسهم أن حاجتي الأمن والحرية ليستا وجهين لعملة قيمية واحدةهذه فرية الدولة العربية التابعة ـ دولة الهزيمة في وجه الإحتلال والفقر معا ـ إذ أن حاجة الأمن لا معنى لها بدون حاجة الحرية وأي أمن أنعم به إذا كنت موجأ الفؤاد مغمد القلم؟ وأي حرية أنعم بها إذا كنت أخاف على حياتي في كل صبح أو عشي؟ الأمن والحرية صنوان لا يفترقان سوى أننا إستسلمنا لأكذوبة الإختيار بينهمادولة المخلوع بن علي الذي قاد البلاد لربع قرن بشرعية أولوية الأمن على الحرية هل أورثت الناس خيرا؟ أجليمكن ألا تكون الحرية مطلقة وما هي بمطلقة أصلا فلسفيا ويمكن أن يكون الأمن نسبيانظرية الأمن في الدولة العربية هو الأمن من قطاع الطرق فحسب أما الأمن من قهر الدولة فلا حديث عنهلا بديل عن تلازم المسارين الأمن والحرية ولو بأقدار تتحملها البلادأما أن نوضع كل مرة أمام هذا السؤال الخاطئ إما تواصل لمسار ديمقراطي توافقي لا نأمن فيه على أنفسنا من عودة الإستبداد أو أن يكون مصيرنا دماء وأشلاء كما هو حال ليبيا وسوريا واليمن … هذا هو الأمر الذي يعرّض البلاد حقا إلى هزات وإضطرابات.

 

حزب النداء خان العهد الوطني

الحياة توافقات أو لا تكونتلك فقرة فلسفية لا جدال فيهاهي متوافقة لأن المصالح بين الناس تلتقي وتفترق والأرض الذي منها يعيشون وعليها يبيتون واحدة وليس هناك غيرهافكرة التوافق التونسية ـ وهي ليست تونسية بل فلسفية ـ كانت ولا تزال هي سفينة النجاة لأوضاع مهددة بالعاصفة من كل مكانالذين يسخرون من الفكرة لم يدخلوا القيم السياسية بعد ومثلهم الذين يجرّمون القائمين عليها وعندما يجدّ حوار حول شيء ما فإن الفطن الكيّس ـ لا العابث اللاهي ـ يميّز بدقة بين أصل الشيء وتنزيلهمن أبرز تطبيقات التوافق في تونس هو إتجاه كتلة النهضة في البرلمان نحو المصالحة السياسية والإدارية ـ أي لا للعزل السياسي ـ في مقابل إتجاه الدولة ـ والدولة العميقة بكل مكوناتها ـ نحو تيسير سبل العدالة الإنتقالية إذ نبذت قيم الإنتقام فكرة ومسلكا كما نبذت المحاكمات والمحاسبات والمصالحات الجارحة وغيرهاذلك هو المضمون السياسي للتوافق وفيها غنم للدولة العميقة غرمه عدالة إنتقالية تمكّن الضحايا من حق الحياة وليس من التعويضات ومازال كثير منهم لم ينعم بحق الحياةفي ذلك التوافق غنم للضحايا وممثليهم الإجتماعيين والسياسيين غرمه طيّ صفحة الماضيلم تتردد النهضة في إبتلاع الغرم ـ كنت عضوا في مجلس الشورى أيام الحوار في هذه القضية وكانت جلسات فرعية جانبية مطولة وحامية ـ ولمّا جاء دور الدولة العميقة لأداء الغرم الذي عليها أي تيسير سبل العدالة الإنتقالية تأخرت ممثلة بحزب النداء وكتلته البرلمانيةتلك هي الخيانة الوطنية الموصوفةالخيانات سلوك بشري قديم والذي يقع في شَرَكِ الخيانة ليس خبّا أو مخدوعا ولكنها السياسةأضرب مثلا يتأخر عنه بعض الناس لأن بعضهم لا يفهمه أو يشغب عليهالنبي الأكرم محمد عليه الصلاة والسلام هل كان واثقا من وفاء بني النضير وبني قريظة وهو يخطّ معهم بيمينه دستورا سياسيا توافقيا يكفل الحريات الفردية ويعترف بالتنوع ويحمل الجميع على القيام على الأمن القومي؟ لالم يكن واثقا في أي إتجاه ولكن الوضع السياسي الجديد يملي عليه ذلك بل لا يملي عليه عدا ذلكولمّا حدثت الخيانة النضيرية أولا والخيانة القرظية ثانيا هل ندب حظه أو تفاجأ أو إرتبك أو قيل له ألم نقل لك؟ الذين يعدّون فقرات التشبيه إلى الحقيقة يصدقون أن المرأة الجميلة هي قمر حقاالتمثيل يقوم على المجاز وليس على الحقيقة ولذلك إمتلأ به كتاب عنوانه التحدي البلاغيلا أضفي بهذا عصمة على أحد ولا خيانة ولكني أعلم أن التاريخ ما وضع لنا إلا للإعتبارفلا هذا نبي ولا هؤلاء صحابة ولا أولئك إسرائيليون أو خونةدعونا موضوعيين منصفين أهل عدل أي مع القيمة والفعل لا مع الفاعل.

 

سؤال اللحظة هو كيف نحفظ السفينة بتوافقاتها

الذين يهتبلون الفرصة لنقض التوافق يجهلون السياسة بالكليةحتى في ألمانيا الديمقراطية لا مناص من التوافقالتوافق الألماني قام قبل أسابيع على نوع من الذلة الإعتبارية في جانب المستشارة وذلك بسبب تصدعات في بعض الأحزاب وتضاريس جديدة ولذلك رضخت لضرب جديد من السياسةبن سدرين مقاومة لا تحتاج لأحد يزكيها في هذا المضمار ولكن قيادتها لهيئة الحقيقة والكرامة ـ وليس لملف العدالة الإنتقالية برمته ـ لها ما لها فيها وعليها ما عليها فيهالا يمكن أن تعفى المرأة من نزغ ولو يسير من الفردية ولا يمكن أن تعفى كذلك من تقديم ملفات وتأخير أخرى إنتقامات فرديةالمشكلة العظمى هي أن السيدة بن سدرين اليوم هي المرحوم الحبيب عاشور في قيادة إتحاد الشغلأي أن التضحية بها هو مطلب الدولة أي الدولة العميقة وذلك عندما قدمت ملفات عدالة حامية ساخنة يمكن أن تؤثر على نتائج إنتخابات محلية بعد أسابيع والأهم من ذلك إنتخابات 2019

لا أحد يضمن أن تكون التضحية بها ليس فيها إعدام للعدالة الإنتقالية بأسرهاصحيح أن العدالة الإنتقالية لا يمكن إختزالها في هيئة الحقيقة والكرامة وصحيح أن هذه هيئة دستورية ولكن الأصح من ذلك هو أن مرحلة بلادنا اليوم هي :مرحلة حرب ساخنة بين الدولة العميقة وبين دولة الثورة التي تسعى لتشييد أسوار تحول دون عودة الإستبدادوبذلك لا يقرأ أي شيء عفوا من دلالته السياسيةضجت البلاد من النعرات الفردية بين رئيس الدولة والدكتور المنصف المرزوقي من جانب وبين رئيس البرلمان والسيدة بن سدرين من جانب آخر وأمثلة أخرى كثيرة

 

أعين النخبة على 2019 فكانت بن سدرين كبش فداء

البلاد أمام إستحقاقين إنتخابيين كبيرين وليس أحدهما بأهم من الآخر فالمحليات أول تجربة ولا بد لكل طرف سياسي من نصيبه منها إرساء لحكم محلي وجهوي يكون له رصيدا وإنتخابات العام القادم وهي رئاسية وبرلمانية معا أسالت لعاب القوم سيما أن أعلى منصب أي رئاسة الدولة قد يشغر لأي سبب وأن الحديث عن التعديل الدستوري في إتجاه النظام الرئاسي أحادي الرأس حديث نافق ومثله مناصب أخرى كرئاسة البرلمان والحكومةوفي مقابل ذلك هناك عوائق محرجةالنهضة المترشحة في كل الدوائر المحلية والنهضة التي طبعت وجودها الفكري والثقافي مع التونسيين بل زايدت على نخبة فرنسا في قضية التحديث والتمدن والتحضر والنهضة التي ظل رئيسها قرين رئيس الدولة من قمة باريس حتى اليوم ومن العوائق كذلك هذه السيدة ـ بن سدرين ـ التي تنثر علينا من الخزانة الوثائقية التونسية ما يخجل ويحزن ويخفض من أوزان ثقيلة سيما أن ذلك لا يبتعد عن حمّى إنتخابية وحملات دعائيةهذا الذي يقدم ملفه اليوم إلى القضاء أنه كان مورطافي جرائم النظام السابق أو الذي قبله أي مستقبل له ـ سواء كان شخصا أو حزبا ـ في إمتحان 2019.

 

مشهد الحكيم مع الأحمق هل يعالج بالحلم أم بالعلم

أهل الأرض كلهم في سفينة واحدة ومثلهم أهل تونس التي لم تفقد الأمل في ثورتهاحمقى كثيرون في الدولة العميقة وفي المعارضة وفي الحكم كذلك لا يرعون في البلاد إلاّ ولا ذمة في سبيل ترسيخ مقاعدهم ومنافعهم وأهل حكمة في تلك المواقع كذلك الدولة العميقة والمعارضة والحكم يبذلون حلما من أرصدتهم عسى أن تترسخ أقدام البلاد على طريق الحرية والديمقراطيةذلك هو المشهد الأكثر ورودا في الحياةالذين لا يتلظون بالنار لا يرون مخرجا عدا العلم أي الفكرة المجردة هذا حق و ذاك ظلم وهلمّ جرّاوالذين يصارعون سكرات الموت في كل يوم مرات ومرات يحاولون تطعيم العلم بالحلم لعل الحمقى يستطيعون إبتلاع الحقيقة بنكهة الحلملو كان الأمر يقضى بالقوة أو بالعلم فحسب لقضي الأمر ولكن المشهد أعقد والبلاد على شفا جرف هار حقا وليس خيالاإكراه بن سدرين على مآل المرحوم الحبيب عاشور إثم سياسي بالغ وهو يمهد الطريق لتنازلات أخرى بل هو رسالة إلى الإستحقاقين الإنتخابيين المقبلين وتدجين للهيئة وللملف بأسره بمثل ما فعل بالإتحاد من لدن بورقيبة والمخلوع بن عليالحالقة هي عندما يضع الحمقى ـ وهم اليوم في أعلى السدة ـ أمن البلاد حيال تدخلات خارجية هي على الأعتاب مقايضة لذلك الإكراهيمكن أن تقول أن الشارع معالجة من المعالجات.
 
لست مطمئنا

 

الهادي بريك ـ المانيا

28 مارس 2018

مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.