.

.

بين المرأة والقرآن : علاقة حبّ يفسدها الغالون

بتاريخ : 2018-07-03 الساعة : 14:05:44

اسم الكاتب : الشيخ الهادي بريك     التصنيف : كتب و دراسات     عدد القراء : 244




 مقالات أُخرى للكاتب - الشيخ الهادي بريك
لترحل بن سدرين كما رحّلنا من قبلها الحبيب عاشور
تشريع الإرث بين الثبات والتغير في ضوء الأسرة الجديدة والدولة الجديدة
ترشيح اليهودي في ميزان الإسلام
يوسف الصديق : طعم جاهز وشهي على طبق إستئصالي
مسلمو ألمانيا : يا ملح البلد
خطاب رئيس الدولة بين العلم الشرعي والموقف الشرعي
عندما يكون العلم سلاحا ذا حدين
رمضان مدرسة تربوية جامعة
قراءة في الوثيقة السياسية لحماس
قصة موسى عليه السلام في مدين

المزيد من المقالات

سبب هذه الكلمات

طلبت إليّ أخت كريمة من سويسرا تعلّم القرآن أن أحرّر كلمات في علاقة المرأة الحائض بالقرآن الكريم إذ تجد من شغب الغالين الذي تجد . ألحّت في الطلب إذ أنها قرأت لي بحثا سابقا في الموضوع فلمّا بحثت عنه لم تجد له أثرا . والحقّ أني تألمت إذ فعلت مثلها فما عثرت على شيء كنت أظنه يكفيني و يوفّر عليّ وقتا أنفقه في عمل آخر. ولكنّ الله سبحانه سلّم إذ عثرت على ما هو خير من بحثي السابق مما أشير إليه في ذيل هذه الكلمات وهو كتاب نفيس في الموضوع بعنوان ( إعلام الخائض بجواز مسّ المصحف للجنب والحائض ) للشيخ أبي الفضل عمر بن مسعود الحدوشي من المغرب الأقصى. ولله الحمد والمنّة والفضل


منهج معالجة الموضوع

بالرّغم من أنّ الله سبحانه في كتابه العزيز علّمنا أن المنهاج في معالجة الأمور والأشياء لا يقلّ قدرا عن معالجة الأمر نفسه أو الشيء فإن العقل المسلم الخالف ـ إلا قليلا لا يغني من جوع ولا يسمن ـ تنكّب سبيل المنهاج غافلا أن المنهاج هو الذي يهب للشرعة لونها ويحدّد بوصلتها فإذا فسد المنهاج فسدت الشرعة بالضرورة ولك أن تتدبر سرّ قوله سبحانه ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ).{1}. الشرعة هي تفاصيل الدين والمنهاج هي كلياته وأصوله ومقاصده ومعاقده وقواعده حتى إنّ هذا الجعل الإلهي تلبّس بالإنسان فهو منه وليس هو له فحسب. وما كان منك أبلغ في التعبئة والتأثير. والأمر نفسه لمعلم الميزان صنوا للمنهاج إذ تزكّت القيمة نفسها بأن علّمنا سبحانه في سور منها الشورى والحديد أن القرآن الكريم وحده ـ أقول : وحده ـ لا يكفي مشروع هداية وقوامة فلا بدّ معه من الميزان ولذلك قال سبحانه ( الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان){2}. وقال في موضع آخر ( وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ){3}. وعلّل ذلك بأن الحياة لا تقوم ولا تستقيم عدا بهما معا عدلا وقسطا وقوامة إذ قال في العلّة ( ليقوم الناس بالقسط ){4}. فلا قيام للناس بالقسط ـ وأوّل القسط منهاجا فكريا قويما ـ إلا بالقرآن والميزان معا صنوين شقيقين. فما الميزان؟ هو الحكمة لمن يفقه القرآن بالقرآن نفسه إذ قال سبحانه (و أنزل الله عليك الكتاب والحكمة ){5}. وتكرّر هذا في مواضع كثيرة بما يعني أن الميزان ـ رمز العدل والقسط والقوامة ـ هو الحكمة نسبة إلى الحكم أو إلى الإحكام سيّان. أليس هذا القرآن الكريم نفسه يرشدنا إلى أن الحياة إنما تقوم وتستقيم بالمنهاج وعاء للشرعة وبالميزان صنوا للقرآن وبالحكمة شقيقا للمعرفة؟

 

من فقرات منهاج المعالجة

أوّلا : النظر في سيّد المصادر وأمّ الدين  أي القرآن الكريم

ثانيا : المعالجة اللسانية التي قدّمها القرآن الكريم نفسه

ثالثا : النظر في الحديث والسيرة النبوية وسيرة الصحابة والخلفاء وإجتهادات الفقهاء

رابعا : معالجة الموضوع بما يجمع بين تلك النظرات وبين مآلاتها الحاضرة

خامسا : خلاصات وحصائل

 

مع أمّ التشريع أصولا وجزئيات

 

من أكبر نكبات عقلنا الخالف إهمال النظر الأصولي والمقاصدي غفلة أو جهلا والقفز كما يفعل الأطفال إلى التفاصيل والفروع والجزئيات وهو مسلك مخالف للنظر الفكري الذي حدّده القرآن الكريم نفسه إذ هو الذي وضع لنا منهاجا أصوليا معرفيا حكيما قال فيه ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ).{6}. أي أن التشريع الأصولي يقوم على مصادر ثلاثة لا رابع لها إلا تفصيلا  أو تفريعا وهي : إتباع القرآن الكريم أوّلا كما ورد في رأس الترتيب ثم إتباع الرسول عليه الصلاة والسلام  أي إتباع سنته قولا وفعلا وإقرارا بحسب ما في ذلك من علوم ومعارف واسعة ودقيقة لا أرب لنا فيها الآن ولا يتسع لها هذا الحيّز. فإذا كان الوحي ( القرآن والسنة ) لا يستوعبان المسألة محلّ النظر عبارة أو بتفصيل وإفراد فإن المآل يؤول إلى المصدر الثالث الأخير وهو : الإجتهاد الذي سمّاه هنا : أولي الأمر منكم. ومهما تكن مؤسسة ولاة الأمر مختلفا فيها أو في رجحان علمها فإنها دون ريب ولا جدال مؤسسة بشرية تجتهد فتصيب وتخطئ ولذلك أخرها المنهاج الأصولي القرآني. وبذلك تحصّل لدينا بالقطع أن مصادر التشريع ثلاثية التركيب حصرا محصورا : القرآن أوّلا والسنة ثانيا والإجتهاد ثالثا ولذلك فرّع الناس الإجتهاد إلى إجماع وقياس وإستصلاح وإستحسان وإستصحاب وإستعراف ( نسبة إلى العرف) وذرائعية فتحا أو سدّا وغير ذلك مما ينضح به علم أصول الفقه. السنة نفسها أكدت هذا المنهاج الأصولي في حوادث كثيرة منها إقراره عليه الصلاة والسلام لبعض سفرائه إلى اليمن وغيرها أن يحكموا بين الناس بالقرآن الكريم أوّلا فإن لم يجدوا فبالسنة ثانيا فإن لم يجدوا يجتهد المسؤول رأيه ولا يألو كما قال معاذ إبن جبل وغيره عليهم الرضوان جميعا.{7}. تأخير منزلة السنة في إثر القرآن الكريم مشار إليه في القرآن الكريم نفسه مرات ومرات في مثل قوله سبحانه محددا دور النبوة ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ).{8}. ويا للأسف الشديد إذ يتنكّب العقل الخالف هذا لاجئا إلى السنة في كل عارضة أوّلا من دون علم راسخ ثابت بمحكمات القرآن  الكريم التي شدّد عليها. ومن يشدّ رحلة الرسوخ في العلم يعرف بعد مسير أن من أسرار النظم القرآني العظيم الذي أدهش العرب القحاح قيامه على الظاهر في الأعمّ الأغلب لا على النصّ حتى يكون واعبا للتطورات والتغيرات مغذيا لها بالشحنة العقلية القويمة. عدا أننا بلينا بغلمان ـ وكثير منهم شابت أذقانهم ـ يطلبون من القرآن الكريم أن يعلن عن موقفه في كل كبيرة وصغيرة وغابرة وحاضرة فإن لم يجدوا فرّوا إلى السنة عفوا من هدي أصولي مقاصدي موضوعي جامع من أمّ الهدى وأسّ الدين وجامع المعرفة أي القرآن الكريم بمثل ما يفرّ غيرهم من سكان الضفة الأخرى ـ الضفة العلمانية ـ إلى العقل عفوا من ذلك الهدى نفسه وهنا لك أن تقف يوما كاملا على قوله عليه الصلاة والسلام ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله : ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وإنتحال المبطلين).{9}.  ومن تلك النكبات التي نشأ عليها عقلنا الخالف كذلك النظر الجزئي الفرعي إهمالا للنظر الموضوعي الجامع ذلك أن القرآن الكريم لمن كان له تلميذا مريدا جاثيا على ركبته يتعلّم بتواضع وشغف لم يعالج قضية واحدة صغرت أو كبرت إلا وهيأ لها من مرافق المعالجة مشاهد فيه ومواقع تقلّ أو تكثر. إذ لم يعالج مسألة واحدة أبدا البتّة في موضع واحد ثم إنصرف عنها لا يلوي وكفاك بهذا حاجة إلى البيان الموضوعي الجامع بدل التفسير الموضعي المبسور. والسنة نفسها على المنوال ذاته تقريبا عدا أنه غلب عليها التبيين. بل إن الأمر في السنة أعسر إذ أن السنة لا يمكن حصر تخومها بدقة وإطمئنان بسبب ظنيتها ورودا ولذلك كان المعوّل عليه في إستنباط الأحكام بتفاضلها في نحت الحياة الإسلامية ومعالجة الجديدات هو القرآن الكريم أوّلا لأنه حاكم عليها وعلى كل مصدر من بعدها وليس هو محكوم أبدا البتّة ولأنه متبوع منها هي نفسها ومن غيرها فلا يكون تابعا لها ولا لغيرها فإما أن تلفى فيه النصّ الصريح فيغنيك وهذا أندر من الندرة وفي ذلك فلسفة وحكمة لطلبة العلم الجادين المثابرين. وأكرم بكتاب عزيز كريم شنّ هجوما واسعا على وقاحة التقليد وإتباع الآباء تحريرا للإنسان من وهدات إنهيار الشخصية فمن سلبت هويته أعفي من التكليف. فإن لم تلف في القرآن الكريم ذلك النصّ الصريح لندرته النادرة فإنك لاف ـ إن نذرت له حياتك ـ إشارات مبثوثة لا تحصى إن جمعتها متأنيا مقاوما في الحياة لا فارّا من تكاليفها إنقدح في ذهنك ما إنقدح من شآبيت العلم ودقائق الحكمة ولمعات المعرفة. أما الكسل عن النظر الموضوعي أو عن التدبّر المقاصدي لتبتسر نصّا من الوحي ليكون لك حجة على هذه المسألة أو لغيرها فهو سبيل الضالين فإن تصدروا مجالس العلم فهم مضلون

 

الإستدلال بين الوعي وبين الجهل

الأمور في هذه الحياة بعلومها ومعارفها والأشياء نسبية فلا إطلاق إلا لأسّ العقيدة الستة إطلاقا عاما إبتدائيا فإن أخضعتها للتفصيل والتكييف أصبت هنا وأخفقت هناك ولذلك فازت طبقة المفوضين الأولى وقد بدر قطعا في خاطرهم ما يبدر منا نحن اليوم ولكن شغلهم هذا المقصد الأسنى ( من شغله الفرض عن النفل فهو معذور ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور). شغلهم الجهاد في الحياة طلبا للحياة في الأصل وليس طلبا للموت بخلاف ما يشغب به في هذا الزمان ممن يصورون الإسلام دعوة إلى الموت لا إلى الحياة. ومن الأمور النسبية التي يشغب بها الناس بعضهم على بعض مسألة الإستدلال إذ يتوهم أنه لا بدّ من دليل على كل شيء وهو مسار يفضي التعنت فيه إلى رهق لأن التشريع كما يقول الراسخون : تشريع قدري نخضع له خانعين وتشريع ديني نحن فيه أحرار مكرمون بالعقل ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ){10}. وتشريع جبلّي لا نؤمر به ولا ننهى عنه لأن أمره موكول للغريزة والفطرة وتشريع عاطفي يضفي على الحياة جمالا وزينة فلا يطلب دليل من عاقل على جمال إمرأة أو قبح منظر. من نظر في مستويات التشريع نظرات سننية سببية هدي إلى أولى علامات الذكاء وهي علامة التمييز بين الأشياء والأمور. من ذلك أن التشريع قرر بإجماع الناظرين أن الأصل في الأشياء الإباحة والحلية فلا يطالب المبيح بدليل لأن دليل الإباحة هو الأصل وصاغ هذا بعضهم بقوله ( ليس على النافي دليل ) أي أن من ينفي الحرمة ليس عليه الإتيان بدليل ولك أن تنظر في علم ومدونات القواعد الفقهية الأصولية لتلفى أن هذا الأصل هو الأصل الخامس والأخير من الأصول الفقهية الأصولية الحاكمة على أزيد من ثلاثين قاعدة ومائة. إذا سلكنا المنهج الإستدلالي بغشم وغرور زاعمين أنه لا بدّ من دليل على كل شيء فإن الرسالة إلينا وإلى الناس هي أن الحياة كلها في عداد التحريم عدا ما يلتقط منها الفقيه فتاتا مباحا يجود به على الناس وهذه لعمري مسيحية لا إسلامية. تأويل هذا أن الأمة لما إنحدرت في القرون الطويلة الأخيرة وإنحطت شعر عقلها الجمعي أو وعيها الباطن بتعبير آخر بما يشبه عقدة الذنب ـ ذنب التأخر ـ فكانت ردة الفعل هي الميلان إلى المنع والتحريم ثم تطور الأمر في زماننا إلى التكفير والتفسيق والتبديع وترجم ذلك سياسيا إلى التخوين وشاعت أحاديث طغى ضعفها على صحتها وسوء تأويلها على حسنه وغدت على ألسنة الخطباء والمنسوبين إلى الدين فزادت الطين بلة. ولمن شاء سلوك الإستدلال فهو منهج منضبط في التشريع الإسلامي نفسه إذ أن الأدلة بحسب هذا العلم الضابط لوحدة الأمة وضبط خلافاتها ( منطق الإسلام بتعبير العلامة إبن خلدون ) هي القرآن الكريم أوّلا وتفصيل ذلك محكماته أوّلا دون متشابهاته وهي أقّل من القليل وأندر من الندرة دعوة إلى النظر وطردا للكسل ووعبا للحياة ولكرّ جديديها. والسنة ثانيا وهي مبينة لا مشرّعة تشريعا مستقلا بله أن يكون تشريعها المزعوم كارّا على الأصل الذي كلفت هي بتبيينه وهو المطبّ الأفن الذي وقع فيه كثيرون جهلا بأسس المصدرية التشريعية الإسلامية  في تفاضلها وعلاقاتها. فإن عفا هذا وذاك عن أي مسألة فإن ذينك الأسّين وضعا للناظر لا للمنبهر بسلف أو خلف مسلكا إجتهاديا عنوانه : الحكمة والميزان

 

القرآن الكريم ومس المصحف للجنب والحائض

لم يتعرّض القرآن الكريم لهذه المسألة مطلقا لأنها قضية عملية فرعية جزئية ولا يترتب عليها إخلال لا بعلاقة الإنسان مع ربه ولا مع نفسه ولا مع الناس وتلك هي محاور القرآن الكريم العظمى التي بثها رحمه وما عدا ذلك تفاصيل عملية لا تعكّر حياة الإنسان إن إقترفها. فمن أدرك فلسفة القرآن فيما قدّم وكبّر وأخّر وصغّر فقد نحت عقله وفق منهاج تفكيري قويم ومن تنكّب ذلك فحسبه إهتمام الأطفال

 

آية الواقعة : نص سليم وعقل سقيم

لمّا لم يجد المغالون الذين حذّر منهم عليه الصلاة والسلام وطلب إلى العدول تقويم تفكيرهم آية في القرآن الكريم يشهرونها سيفا مسلطا على المرأة فتنحت بيديها جدارا سميكا بينها وبين نورها أي القرآن الكريم لجؤوا إلى آية الواقعة يحمّلونها ما لا تحتمل  وذلك هو معنى قوله عليه الصلاة والسلام ( ينفون عنه تحريف الغالين ). آية القرآن الوحيدة التي لويت أعناقها هي قوله سبحانه (وإنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسّه إلا المطهّرون تنزيل من رب العالمين ).{11}. وإلى حوار هادئ فيها

 

مخرجات اللسان العربي في هذه الآية

 اللسان العربي  هو المفتاح الأول لحسن فقه الكتاب العزيز وسنة محمد عليه الصلاة والسلام وليس ذلك تحليلا من أحد أو رأيا ولكن الكتاب نفسه دلّ على ذلك في مواقع كثيرة منها قوله سبحانه (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ){12}. ومعناها أن العقل ـ وهو الفهم والفقه ـ في علاقة طردية وثيقة ومشروطة مع عربية لسان القرآن الكريم إذ لو كان أعجميا لما أعرب عن مقصوده إعرابا يشبع حاجة الناس وخاصة زمن التنزيل أي زمن خوض المعركة الأولى مع المشركين ومن على شاكلتهم. ومن يدرس القرآن الكريم يلفى أنه إفتخر بلسانه العربي في أزيد من عشرة مواضع. ومع ذلك فإن ذلك الأمر الذي إقتضاه زمن التنزيل وحاله فإن الإسلام فوق الألسنة وفوق الأعراق وفوق العناصر  وفوق الألوان وفوق الزمان وفوق المكان ( للعالمين نذيرا ).{13}. ولكن جاء باللسان العربي لأنه الأقمن بالإعراب وإقامة الحجة فضلا عن رونقه الساحر ( وإن من البيان لسحرا ){14}. ولتحميل العرب في كل زمان وكل مكان مسؤولية إبلاغه الناس ( لأنذركم به ومن بلغ ).{15}. التدين متاح لكل إنسان ولكن التفقه الدقيق والرسوخ فيه لا بدّ له من لسان عربي قحّ سليق يقول فيعرب

 

المصحف ليس مكنونا

أوّل تلك المخرجات البيانية أن صفة الكنّة ـ وهي الصون والحفظ أن يوطأ ـ خلعت على الكتاب ( في كتاب مكنون ) فإذا كان الكتاب هو ( المصحف ) كما يريد أن يقنعنا المحرفون فإنه لا وجود لعاقل فوق الأرض يقرّ بأن المصحف شيء مكنون لا يوطأ إذ هو يحرق ويمزق ويهلك بالماء ويعتدى عليه كما رأينا مرات ومرات في الفضاء الإلكتروني وفي الحقيقة والواقع من دون أن تحميه صفة الكنّة. إنما الكنّة بما هي صون وحفظ صفة للكتاب الذي هو حقا مكنون لا يطؤه واطئ لا بخير ولا بشر ولا بزيادة ولا بنقصان وهو الكتاب الأصلي الذي عبّر عنه في بعض المرات باللوح المحفوظ ومرة بأم الكتاب وغير ذلك. ذلك هو القرآن الذي هو أعلى وأصون وأحفظ من أن يوطأ. أما المصحف فهو وعاء مادي يحوي القرآن الكريم وليس هو بمكنون عن السوء قطعا. إذا كان المصحف هو المكنون فلم يصل إليه الأعداء والسفهاء فيحرقونه ويمزقونه ويطؤونه سفاهة بنعالهم؟

 

عود الضمير إلى أقرب مذكور

هذه قاعدة لسانية أصلية ولكن ككل قاعدة لها إستثناءاتها ومن أجمل ما قيل في مثل هذا أن الإستثناء يعزز القاعدة عند العقلاء ولا يكرّ عليها. القاعدة هي أن الضمير في الكلام يعود ـ أو يجب أن يعاد ـ على أقرب مذكور كما أن الأصل في الكلام الحقيقة وليس المجاز ولكن يعدل إلى هذا في مناسبات معروفة عند أهلها. في هذا السياق فإن قوله سبحانه ( لا يمسّه ) يعود ضميره (ـه) على أقرب مذكور وهو ( كتاب مكنون )وليس يعود الضمير هنا إلى قوله ( لقرآن كريم ). فإن عاد إلى أبعد مذكور هنا وهو ( القرآن الكريم ) فإن المعنى يختل ويكون القرآن المحكم متناقضا إذ كما مرّ بنا سالفا أن القرآن الذي هو في كتاب مكنون عند الله سبحانه هو الممنوع بصفة الكنّة أما المصحف الذي نعبر عنه نحن عرفيا بالكتاب أو بالقرآن ـ وهو تعبير مجازي وليس حقيقيا كما يأتي إن شاء الله ـ فهو غير ممنوع بصفة الكنّة وإلا لما تعرّض للحرق والتمزيق والعدوان. فالمكنون إذن هو الكتاب

 

هي لام النفي الإخبارية وليست لام النهي

سياق الجملة إخباري وليس إنشائيا لحكم. إذ أخبرنا بحال هذا القرآن الكريم أنه في كتاب مكنون ولشدة كنّته فإنه لا يطؤه أحد فهو محصّن محفوظ ولذلك جاء هنا باللام التي تنفي حدوث الشيء مطلقا ومن أصله وليست هي لام النهي التي تنهى أحدا أن يأتي شيئا. والفرق بين اللامين شاسع معلوم عند من يريد أن يدخل باب الفهم من بابه أي من اللسان العربي وليس من اللسان العرفي الذي نحن اليوم عليه. ومعلوم أن لام النفي أرسخ من لام النهي وأنها تلحق الأشياء والأمور. معنى ذلك أن الله إذا أخبرنا عن شيء بلام النفي فإن الأمر أخطر وأشق من شيء نهى عنه. لك أن تأخذ عن ذلك مثلا وهو ( لا إكراه في الدين ).{16}. إذ أن الإكراه في الحياة عامة وليس في الدين خصوصا ليس أمرا متروكا للناس فمنهم من يقترفه ومنهم من ينزجر عنه. لمّا أراد أن ينكّر فينا أمر الإكراه في دين قيامه الحرية فإنه أخبرنا إخبارا بلام النفي وليس بلام النهي أن الأمر أشق مما نتصور. ذلك هو لسان العرب الذي جاء به هذا الكتاب متحديا. مساق آية الواقعة التي نحن بصددها هو مساق إخباري وعندما ندلف إلى بيان المعنى الديني منها بعد قليل إن شاء الله يتبين لنا أن الإخبار هنا له مدلوله تيئيسا للمشركين وتثبيتا للمؤمنين أن  القرآن الذي يتلوه محمد عليه الصلاة والسلام عليهم هو من عند الله وليس من عند الشيطان الذي زعموا له ذلك. قوله ( لا يمسّه إلا المطهرون ) إذن يقصد به إخبارنا أنه لفرط كنّته حفظا وصونا فإن الشياطين التي زعموا لها التنزل به لا تمسّه وأن مسّه مقصور على المطهّرين. لو كان الأمر متعلقا بالمسّ الذي شنف به الغالون آذاننا حتى جعلوا هذه الآية مرسومة على بعض الطبعات للمصحف الشريف لورد بمعنى النهي لأننا نحن عندها معنيون بهذا النهي وليس الشياطين. وإذن لجاء النهي بلام النهي لأنه فعل يمكن أن يقترفه كل مسلم عصى وكلنا عصاة.أجل

 

فعل المضارع مرفوع هنا وليس هو منصوب

معنى ذلك أنه لو قيل في أي رواية أو قراءة ( لا يمسّه إلا المطهّرون ) بفتح لام الفعل المضارع أي حرف السين هنا ـ وهو جائز في اللسان العربي ـ لكان ذلك يسمى دخول لام النفي على فعل مضارع فتنصبه وليكون المعنى نهيا. أي لكان معنى الآية : أيها الناس لا تمسّوا هذا الكتاب أو القرآن إلا من بعد تطهّر. ولكن لا وجود لأي قراءة من أربع عشرة قراءة ولا لرواية من روايات كثيرة  تثبت فتح حرف السين في هذا الفعل المضارع إنما جاءت كلها بضمّها فكان لا بدّ للعربي الذي يحترم لسانه أن يفقه أن المعنى نفي وليس نهيا وأن السياق إخباري لا علاقة له بالتشريع لا من قريب ولا من بعيد

 

بين المسّ واللمس في ظلال لسان هجره أهله

المسّ من المسس أي أصله الجذري اللساني الأوّل على عادة العرب في تيسير النطق وهو التمكن من الشيء أو تمكن الشيء منك أو من أي موضع آخر. يعبّر عنه الفقهاء القدامى عادة بلفظ المسيس تقديما للأصل الجذري ويعنون به المسّ الجنسي الكامل بين الرجل والمرأة وذلك عندما يعالجون قضايا فقهية معلومة إقتضاء لعلاقة زوجية قائمة من نسبة ولد وإستحقاق إرث وغير ذلك. لا يمكن لي هنا أن أرصد كل مواقع المسّ في القرآن الكريم لأنها كثيرة ولكن من يتتبعها يلفى بيسر أنها تعني التمكن وليس مجرد الملامسة العابرة أو اللطيفة ومن ذلك قوله سبحانه ( مسّني الضرّ){17}. أو قوله (و ما مسّني السوء){18}. وغير ذلك بما يعني التمكن لأن الضرّ  لا يسمّى ضرّا حتى يمسّ صاحبه بتمكن منه ومثله السوء عفانا الله وإياكم جميعا من ذلك. مثل ذلك قوله ( كالذي يتخبطه الشيطان من المسّ){19}. فالشيطان عندما يتمكن من الإنسان ـ وهو عدوّه الأوحد ـ فإنه يمسّه مسّا يجعله يتخبّط فيفقد توازنه العقلي والنفسي وحتى البدني وليس هو ملامسة خفيفة أو لطيفة أو عابرة. وذلك كثير مبسوط في الكتاب العزيز الذي أبهر المشركين نظمه فما وجدوا غير وصفه بالحلاوة والطلاوة والإعذاق والإيراق وهم لا يضعون أوزار الحرب على صاحبه الذي يتلوه عليهم آناء الليل وأطراف النهار. وإنك لا شك لاف أن أحدا من المشركين لم يلغ في القرآن الكريم لفرط إندهاشهم إنما كان اللغو فيه هو عليه الصلاة والسلام فهو مجنون تارة وساحر تارة أخرى ويعلّمه شيطان أو غيره تارة ثالثة ولكنك لن تجد أثرا واحدا فيه لغو في القرآن الكريم نفسه. كيف وقد شدّ منهم الأعناق وهم أرباب الكلمة وربانها؟  المقصود هنا من قوله ( لا يمسّه ) أي أن الملائكة ـ وهم المقصودون بصفة الطهر وليس التطهّر كما سيأتي إن شاء الله ـ أقدرهم الله سبحانه على مسّ هذا القرآن الكريم وهو في أمّه ( أمّ الكتاب أو اللوح المحفوظ ) على نحو ينزلون منه هذا ويؤجلون ذاك بحسب ما يؤمرون. يحتاجون إلى قدرة على المسّ وليس على قدرة اللمس فحسب. لعلك سائلي : ولم نفى المسّ وهو التمكن عن الشياطين؟ نفى ذلك عنهم لأنهم يحاولون ذلك دوما سيما قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام كما صرّح الله على لسانهم في سورة الجن إذ كانوا يسترقون السمع ويلقون بما ظفروا إلى شياطين الإنس ومعه مائة كذبة كما ورد في حديثه عليه الصلاة والسلام وكما أكّد القرآن الكريم نفسه ( شياطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا).{20}. فكان لا بدّ إذن من نفي المسّ عن الشياطين لأنهم بالمسّ فحسب يستطيعون تزييفه وليس بما دونه. وأثبت في مقابل ذلك المسّ نفسه للملائكة لأنهم مكلفون بإنزاله ـ سيما أمين الوحي منهم عليهم السلام جميعا ـ من موضعه المحفوظ إلى قلب محمد عليه الصلاة والسلام. أمّا اللمس فهو أدنى من المسّ وأخف بكثير. أنظر قوله سبحانه عندما يتحدث عن العلاقة الجنسية بين الرجال والنساء إذ يستخدم كلمة اللمس وليس المسّ ( أو لامستم النساء){21}. أو قوله على لسان مريم البتول ( ولم يمسسني بشر ){22}. أو قوله في كفارة الظهار ( من قبل أن يتماسّــا).{23} كل ذلك يعني أن المسّ هو التمكن الجنسي وليس مجرد الملامسة لأن مريم البتول مثلا عليها السلام لمسها الناس ولامستهم ولكن لم يمسّها بشر مساسا جنسيا والمساس الجنسي هو مظنة الولد وليس اللمس أو الملامسة. وفي كفارة الظهار لا بدّ من التّماسّ أي المسّ الجنسي وليس معناه أنه يعود للقبلة أو للملاعبة وما دون الإيلاج قبل أن يكفّر عن ذنبه. لذلك نجد في هذا الكتاب العزيز المدهش المعجز نظما ومعنى تجانسا تاما وتطابقا كليا بين مفردات المسّ لأن القرآن الكريم يفسّر بعضه بعضا فلا يؤوّل المس في آية الواقعة تأويلا متحكّما متعسّفا وبقية مواضع المسّ تعني التمكن وليس مجرد اللمس. أجل. إمّا أن نفهم القرآن باللسان العربي وبالجمع بين مشاهده ومواقعه نظما ومعنى وإمّا فإنّا على مسافة شبر واحد من الذين ( جعلوا القرآن عضيــــــــن ){24}. والعياذ بالله. المسّ إذن هو التمكن وليس مجرد اللمس باليد أو بغيرها وهو مسّ في رحمه تقديما وتأخيرا يأتيه الملك بحسب ما أمر به وليس هو لمس من يد مسلم أو مسلمة. مسّ القرآن الكريم ـ أي المصحف ـ يعني أخذه بقوة أخذا ماديا باليد. وهل يحتاج الإنسان التالي لهذا؟ أبدا. هو يحتاج إلى لمس خفيف وليس إلى مسّ يعني التمكّن 

 

 بين المطّهرين والمتطهّرين بون شاسع لأهل اللسان العربي القحّ

ورد في آية الواقعة قوله ( المطهّرون ) وهي صيغة إسم مفعول من فعل طهّر الشيء أو الأمر. لك أن ترصد القرآن الكريم كله  لتلفى بيسر ولكن بعد صبر أنه كلما جاء فعل التطهير واقعا على صيغة إسم مفعول فإنه لا يعني عدا الملائكة ولا يعني غيرهم أبدا. فإذا كان الحديث عن الإنسان فإنه يرد بصيغة إسم الفاعل لأن الإنسان حرّ فإن شاء طهّر نفسه أو بدنه وثوبه وفناء بيته فهو متطهّر وإن شاء ظل قذرا. أما الملك ـ أي الملائكة ـ فإنها كائنات مكرهة لا تملك حرية لا في إتجاه الطاعة ولا في إتجاه المعصية ولذلك تحتاج إلى فعل تطهيري يقع عليها حتى تكون مؤهلة للقيام بالوظائف المعروفة وربما أعلاها أمانة الكتاب من ألواح موسى إلى كتاب محمد ومرورا بزبور داوود وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم عليهم الصلاة والسلام جميعا. وعندما ترصد ذلك وأنت لاف الفرق بين المتطهّر فاعلا من مثل قوله سبحانه ( حتى يطهرن فإذا تطهّرن){25} وغيره كثير وبين المطهّر مفعولا عليه أو به من مثل قوله هنا ( إلا المطهّرون ) فإنك واثق بإذنه سبحانه أن المطهّرين هنا هم الملائكة ولا علاقة للأمر بالإنسان سواء كان مجنبا أو حائضا أو نفساء أو حتى مؤمنا أو كافرا كما يأتي في تفصيل الأمر في السنة. ذلك مثل آخر من قاعدة أنف ذكرها هنا وهي أن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضا وإلا وقعنا في التناقض والتعارض وحاشا لكتاب الله المدهش المعجز أن يكون كذلك

 

بين المصحف وبين القرآن تمييز لا بد من الوعي به

 كثير من الكلمات في اللسان العربي تحتمل المعنى الشرعي وضعا إلهيا كما تحتمل المعنى العرفي وضعا بشريا يجري عليه التغير وتحتمل كذلك المعنى اللغوي العربي الذي نحته لها الصوت العربي. من يدرك ذلك لا يفتي في أمر حتى يقلّبه على تلك المعاني الإحتمالية الثلاث. ولأنّ شقوة المعنى العرفي علينا غلاّبة بحكم الإلف والعادة فإن الناس ـ عدا أرباب الصنعة ـ يتعجّلون المعنى العرفي السائد. فيما نحن بصدده فإن القرآن الكريم شيء عند التحقيق التاريخي والواقعي والوعاء الذي يعيه شيء آخر. معلوم أنه لم يكن هناك مصحف في الأرض للقرآن الكريم عدا في عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان عليه الرضوان إذ هو الذي إستأنف مشروع الصديق أبي بكر فجمع القرآن الكريم لأوّل مرة في دفّة واحدة ولذلك سمّي مصحف عثمان نسبة إليه. أمّا قبل ذلك فكانت كتبا متفرقة بعضها مكتمل وبعضها غير مكتمل على أوعية مختلفة في أيدي بعض الصحابة منها ما هو جلود ومنها ما هو غير ذلك. فلم يكن هناك إذن مصحف أو كتاب للقرآن الكريم لا في عهده عليه الصلاة والسلام ولا في عهد أبي بكر ولا عمر ولا حتى في العهد الأوّل لعثمان. ولا علاقة لهذا بقضية حفظ القرآن الكريم التي يثيرها اليوم عدد من السفهاء. القرآن الكريم إذن هو موجود قبل البعثة أصلا ولا علاقة لهذه كذلك بما سمّي بفتنة خلق القرآن في العهد العباسي. وهو موجود كذلك ومن باب أولى وأحرى بدءا من البعثة ولكنه ظل يتنزل على إمتداد زهاء ربع قرن كامل إلا قليلا وكان في تلك الأيام في الصدور وبعضه في الألواح والجلود وغيرها من أوعية الكتابة. القرآن الكريم إذن موجود حتى عندما لم يحتوه كتاب ولم يتسع له وعاء ولكن الأوعية هي التي تختلف من زمان لآخر فكانت جلودا وغيرها ثم أصبحت لأوّل مرة في عهد ذي النورين عليه الرضوان كتابا ولم يحمل حتى في تلك الأيام كلمة مصحف أو غير ذلك إذ لم يعرف على الصحابة إهتمامهم بالأسماء بمثل ما نوري نحن اليوم حولها معارك عاصفة. ذلك هو غرضي من الفرق الذي لا بدّ من الوعي به بين القرآن حقيقة معنوية لا يزيدها وعاؤها حقيقة ولا ينقص منها عدم ذلك شيئا وبين الوعاء الذي سمّي من  بعد ذلك وخاصة عندما نشطت عملية الكتابة والطبع والنشر مصحفا. القرآن الكريم هو ذلك السائل الفكري الروحي المعروف الذي به يصلح الله الأنفس والأرض والمصحف هو آخر وعاء يحضن القرآن الكريم بل إن آخر وعاء هو القرص المضغوط ومازالت التطورات العلمية تخبرنا عن أوعية أخرى بل إنه في هذه الأيام نفسها يتبيّن لك في المساجد مثلا وفي الحافلات وغيرها أن القرآن الكريم يقرأ ويستمع إليه من خلال تلك الأقراص ومصنوعات الأثير وليس من المصحف إلا قليلا. ذاك وعي بالفرق لا بدّ منه. من يلمس اليوم منا الهاتف النقّال ومختلف الأقراص المضغوطة ومن يعيش منا أو من أخلافنا فالله وحده أعلم بما يخلق سبحانه من أوعية جديدة فما حظه من هذا المنع المزعوم؟

 

مخرجات النظر الشرعي في الآية والسورة والموضوع كلّه

 

مكان السورة عنوان لموضوعها

على طالب العلم أن يعي أن العلماء إهتمّوا بتحديد ما هو مكّي ومدني من الآيات والسور بغرض تيسير موضوع السورة أو الآية للتالي والمستمع وإلاّ فأي معنى للعلم بذلك؟ أهو المكان فحسب؟ أبدا مطلقا. القرآن الكريم كلّه وحدة موضوعية جامعة وهي وحدة موضوعية جامعة مقسّمة إلى سور ( السورة نسبة إلى السور الذي يحمي ما فيه ويجعله متميزا عما عداه ضمن مساحة واحدة مشتركة ). ولكل سورة شخصيتها المعنوية كما قال أحد أكبر من نظر في القرآن الكريم نظرة عميقة جامعة أي سيد قطب في ظلاله الظليلة عليه رحمة الله سبحانه وهو ضرب من التفسير الموضوعي قلّ جدا وندر من توخاه ونحن اليوم بأشدّ الحاجة إليه بسبب إنشطار الرؤية فينا وإجتزاء الرسالة القرآنية الشاملة في نظرنا. بل إن عنوان السورة نفسه ـ أي إسمها بغض النظر عن كونه موقوفا من الله أو مجتهدا فيه من الصحابة والأرجح أنه هذا وذاك ـ ومكانها إن كانت مكية أو مدنية ـ بالمعيار الزمني ـ وكذا مفاتح أخرى لا أرب لنا فيها الآن .. كل ذلك وغيره يبث أضواء منيرة على موضوع السورة وغرضها الأسنى وأغراضها الجانبية وكل ذلك في بوتقة واحدة جميلة متناسقة سمّاه بعضهم في الحديث علم المناسبة أو المناسبات أو التناسب وليس هو مناسبات النزول كما يظن البعض ربّما. هناك سور لم تبرح الموضع العقدي بمختلف مظاهره سيما التي سميت من بعد ذلك من بعض القراء المتأخرين قصيرة وبعضها من المفصّل أو حتى المئين وأكثرها مكي وهناك سور أخرى تمحضت لقضايا الحياة العملية في مختلف شعبها وأكثرها مدني ولكن ليس هناك سورة واحدة برحت الموضوع العقدي بالكلية لأن العقيدة ـ الإيمان بالتعبير القرآني الجميل والأصيل ـ هي الجذر النابض الذي يمدّ بالحياة إن كان حيا أو بالموات إن كان ميتا

 

سورة الواقعة مكية كلها وموضوعها عقدي كله

لا خلاف في ذلك وإسم السورة نفسه يشي بذلك فهي تحمل إسما من أسماء يوم القيامة. والقضية التي يتمحض لها هذا السياق الذي ورد فيه ذكر القرآن والكتاب هي إثبات مصدرية القرآن الكريم ردّا على إدعاءات المشركين وغيرهم من الذين يشيعون أن محمدا عليه الصلاة والسلام يتلو كتبا من تأليف الشيطان وكان ذلك مناسبا بل ذكاء في مناخ عربي خرافي أسطوري للشيطان فيه حضور إلهامي ونفسي متين وما أيسر أن يتهم الشيطان حتى في أيامنا هذه. أيام العلم والمعرفة والرحلة إلى الكواكب المجاورة. السياق هو قوله ( فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسّه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين ).{26}. كانت المعركة في تلك الأيام ضارية بين المسلمين وبين المشركين في مكة حول مصدرية القرآن الكريم وكانت نتيجة المعركة ذات دلالة مهمة على بقية الناس المتفرجين. فإذا إنجلت المعركة وتبيّن أن القرآن الكريم هو وحي من الله يوحى ـ ولم يكن الله سبحانه في المخيال العربي حتى مع السجود للأصنام مجهولا ـ فإن الحجة قامت على الناس وأصبحت المعركة بين الله نفسه سبحانه مباشرة وبين الناس فمن آمن فقد آمن بذلك المعلوم المعروف ومن كفر فقد كفر بمعلوم أقرّ له بالخلق والتدبير وغير ذلك. أمّا إذا تبيّن أن القرآن من نسيج شيطاني أو من أي مصدرية أخرى غير الله سبحانه فإن ما نسميه نحن ( الشاهد الدولي ) لن ينخرط في دين أثبت أهل السليقة والقحاحة أنفسهم وهو بلسانهم أنه مهتزّ مخضود. لذلك كانت المعركة حامية وطيسها حقا وكان التعبؤ لها من لدن الوحي تعبؤا كبيرا إذ هي ذات نتيجة خطيرة وكبيرة في أي إتجاه. ألا ترى معي أن الوحي لم يقسم بقسم سمّاه هو نفسه قسما عظيما عدا في هذا الموضع؟ ( فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ). لم يرد هذا عدا هنا. المقسم به إذن عظيم والمقسم عليه هو مصدرية القرآن الكريم إذ جاء ذلك في آخر السياق في قوله ( تنزيل من رب العالمين). وكان يمكن أن تكون الصياغة في هذا المبنى ( فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه تنزيل من رب العالمين ). وبين المقسم به والمقسم عليه بيان لإسم المقسم عليه وهو قرآن كريم وبيان لموقعه الأعلى ( في كتاب مكنون ) وبيان لعدم سلطان الشيطان عليه ( لا يمسّه إلا المطهّرون ). وكان ذلك ردّا على مواقع كثيرة منها ما ورد في آخر سورة الشعراء في قوله سبحانه ( وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ).{27}. المهمّ هنا هو أن القرآن حتى وهو سور وسياقات متداخلة متكررة تبدئ وتعيد في كل مرة إنما هو نسق موضوعي واحد جامع لا ينفصل هذا عن ذاك ومن ذلك ما أحصاه بعضهم في العصر الحديث فيما سمّي الإعجاز العددي في القرآن الكريم ومنه نافع في مثل قولهم أن كلمة ( قل ) في القرآن الكريم وردت بمثل ما ورد من قولهم ( قالوا ـ أو سيقولون ـ أو غير ذلك ) أي ردّا على مقولاتهم كلها وبكل صيغها. لذا جاء العدد واحدا وهو ما يربو عن الثلاثمائة بثلث المائة تقريبا. أي أن هناك إنسجام عجيب في الموضوعات وترتيبها وطريقة معالجتها ولكن بثّها في كتاب يجاوز المائة السادسة من الصفحات بحسب مطابعنا المعاصرة قد يحجز المتعجّل غير المتدبّر عن النظر الموضوعي المقاصدي الجامع فيظن أن في النظم تقطّعا أو عدم إنسجام. خلاصة هذه الفقرة هي إذن أن السورة مكية والآية مكية وذلك بإجماع لا ريب فيه وأن مما عالجته السورة سيما في هذا السياق الذي نحن بصدده هو مصدرية القرآن الكريم ردّا على مواضع أخرى كثيرة زعم فيها المشركون وغيرهم أن المصدرية شيطانية أو بشرية وأن القضية عقدية بإمتياز شديد وأن النصر فيها لا بدّ منه للمؤمنين يومها وللناس كلهم أجمعين في كل زمان وكل مكان حتى تقام الحجة من الله على عباده وبعد ذلك فمن شاء فليؤمن وعن بيّنة ومن شاء فليكفر وعن بيّنة. السياق إذن  لا علاقة له بالعمل بل بالعقيدة ولا علاقة له بما تمحّل به بعضهم في الحديث بصفة خاصة كما سيأتي معنا من حرمة أو كراهة مسّ المصحف الشريف للجنب أو للحائض. السياق هو سياق إدارة معركة ضارية طاحنة في موضوع المصدرية القرآنية مع المشركين وغيرهم ومنهم معاصرون يزحمون معنا الأرض اليوم ويثيرون هذا وما بالعهد من قدم كما قالت العرب بحق. في مكّة يومها لا وجود لقرآن مكتوب ولو على جلد أو غير ذلك لأن الخوف يطارد الناس كلهم وإنما ما نزل منه وهو قليل محفوظ في الصدور ويتلوه النبي عليه الصلاة والسلام عليهم وهم يعالجون الوضع بالتثبيت والصبر على المحنة القاسية . ولم يكن يدر في خلد الصحابة في تلك الأيام أن يأتي عليهم يوم يجمع فيه هذا القرآن في كتاب وقد مات كثير منهم بالمئات والقرآن ما تمّ نزوله ولا تمّ حفظه أو جمعه في كتاب واحد. أنّى إذن لهذ الحشر المتعسّف المتحكّم الذي يلوي عنق هذا السياق وهذه الآية ليحول دون المرأة ودون ربها؟

ألا ترى أن القسم بشيء عال في السماء ( بمواقع النجوم ) وأن المقسم عليه هو كذلك في السماء وقد عبّر عن ذلك في سورة أخرى بقوله ( فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة ).{28}. كيف يذكره الإنسان وهو في الأرض والمذكور في صحف مكرمة مرفوعة مطهّرة بأيدي سفرة كرام بررة؟

وهل يقتصر الذكر على وجود وعاء للقرآن الكريم سمّه مصحفا أو لوحا فلا عبرة بالأسماء وغدا كما أنف ذكره  أقراصا مضغوطة؟

هل تجد قسما واحدا حتى غير مغلظ مثل هذا القسم الأعظم  في القرآن الكريم كله ( مواقع النجوم ) متعلقا بعمل؟ أبدا. معنى ذلك أن هذا المقسم عليه بهذا القسم الأشد غلاظة في القرآن الكريم كله وقد حوى مئات الأقسام ليس هو عمل يتعلق بالمسّ من لدن حائض في أيام لم تتنزل فيها أحكام الحيض أصلا بل هو عقيدة تكافح لترسيخ المصدرية الإلهية للقرآن الكريم

 

خلاصة أوّلية مهمّة في نحت صورة المسألة محل النظر

ليس عندي أي ريب في أن هذه الآية الوحيدة في القرآن الكريم كله  من سورة الواقعة ـ والتي يلتجئ إليها من لم يسعفهم التفكير القويم في تكريه أو تحريم مسّ المصحف من لدن الحائض والجنب ومن في حكمهما ـ لا شأن لها أبدا البتّة بهذا الأمر إنما هو محض التحكّم وتمام التعسّف. من عالج الآية معالجة لسانية قحّة ( ومنهم الدكتور صالح السامرائي اللغوي العراقي الشهير ) فنّد أيلولة هذه الآية إلى هذا المعنى تفنيدا. ومن عالج الآية معالجة شرعية بحتة إنتهى إلى النتيجة ذاتها. فأين المفرّ يا ترى؟

 

مواضع أخرى من القرآن للإستئناس

 

أسوق مواضع أخرى من القرآن الكريم للإستئناس بهذه الخلاصة الأوّلية فحسب فلا هي تقرّر إثبات جواز ولا تنفيه لأن القرآن  ضرب عنه الذكر صفحا إذ لا يقع في دائرة إهتمامه بالكلية عدا أن النظر في تلك المواضع يثير شهية التدبّر والتأمّل

 

قربان الصلاة للجنب العابر

قال تعالى ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا).{29}. شذّ بعضهم إذ قال : لا تقربوا مواضع الصلاة أي المساجد أي مواضع السجود وليس كما نفهم نحن اليوم كلمة مساجد أي الأبنية وما في حكمها. وهم يريدون تحريم دخول المساجد على الحيّض والنفساوات والجنب ومن في حكمهم. معنى الآية يتبيّن عندما نعيد صياغتها إفتراضيا لتكون ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب ) ثم إستثنى من القربان في حالة الجنابة عابر السبيل. ترى لم؟ طبعا لأن عابر السبيل لا يجد في العادة ماء يغتسل به فلا مناص له من قربان الصلاة أي بالطهارة الترابية كما يقول الفقهاء. أليس هذا الحكم الفقهي محل توافق؟ بلى والله. السؤال الخطير هو : هل إن الطهارة الترابية ( التيمم ) تزيل أثر الجنابة أو أثر الحدث الأصغر بالتعبير الفقهي؟ أبدا والله. هو عملية رمزية علتها الطاعة بالغيب أو الإيمان بالغيب. هل نصدق من يدعي أن التيمم يزيل تلك الآثار؟ البتّة. النتيجة هي أن الجنابة ـ وهي عمل إرادي في العادة ـ لا تحول دون إقامة الصلاة ـ وهي ذكر ـ وتعالج بالتيمّم لمن لا يجد ماء أو في حكم من لا يجد ماء كعابر السبيل في العادة مثلا.  إذا كان الإسلام بتشريعه العقدي والعملي مبناه العلم والمعرفة والمنطق فإن الجنابة اللإإرادية ـ أي الحيض والنفاس ـ أولى بألاّ تكون عائقا دون الذكر إلا أن يكون ذلك الذكر لنا فيه نص صحيح صريح لا يحتمل أي ريب يمنع نوعا من الذكر كالصلاة مثلا. وما عدا ذلك فإن قراءة القرآن هي الذكر وهو الذكر  كما ورد إسمه كذلك في آيات كثيرات لا يحال دونها ودون جنابة لا إرادية قياسا على أن الصلاة لا يحال دونها ودون جنابة إرادية وذلك بالتيمّم

 

الذكر الكثير عبادة المقربين

قال تعالى ( وأذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ){30}. وذلك في إشارة إلى أهل البيت ـ وهنّ هنا نساء النبي عليهن الرضوان حتى لو شذت الشيعة أو أكثرهم شذوذا تخرج به ربات البيوت من أن يكنّ من أهل تلك البيوت وهو عجب عجاب يعكس التعصب المذهبي الأعمى ـ أي أن الأمهات عليهن الرضوان مأمورات بذكر ما يتلى من آيات الله والحكمة في بيوتهن. أليس ذكر الله القرآن الكريم؟ ألم يتأكد ذلك بقوله ( من آيات الله)؟ أليس الذكر حركة بالقلب وباللسان؟ ألسن يحضن كما تحيض النساء؟ لم لم يرد عليهن الإستثناء إن كنّ في حالة حيض أو نفاس أو حتى على غير طهارة من حدث أصغر؟ أليس : لا يتأخر البيان عن وقت الحاجة كما قرّر ذلك الأصوليون؟ ومن هذا كثير في القرآن والحديث لا يحصى فما ورد عليه إستثناء أبدا.

 

مع النساء الذاكرات عودا على بدء

لا أظن أن عاقلا يقول أن ما أنف ذكره أعلاه يخص أمهات المؤمنين فلا قيد عليهن أما بقية النساء فلا يذكرن الله تلاوة وغيرها إلا وهن على طهارة. من يقول ذلك عليه أن يواجه السورة نفسها أي الأحزاب وفيها ورد قوله سبحانه ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات  والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعدّ الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ).{31}. هذا مدح للنساء بصفة عامة أنهن من الذاكرات الله كثيرا. وهل يعلم المرء ذكرا لله سبحانه أولى من القرآن الكريم تلاوة وتدبرا وتعلّما وتعليما؟ أليس هو الذكر كما سمّى نفسه في مرات كثيرات؟ ألا يعلم كل طالب علم أن الشيء الوحيد في العبادة الذي لم يرد إلا وصيغة الإكثار منه تلازمه هو الذكر؟ ذلك أن الذكر بمختلف صنوفه وهي كثيرة هو حياة القلب بل هو للقلب بمثل النفس للرئتين فلا حياة لهما إلا به ولا حياة للقلب إلا بالذكر ولذلك إما أن يكون كثيرا كالنفس وإلا فصاحبه شبه ميت. لنهب جدلا أن هذه العبادة المتلازمة دوما وفي كل الأحوال مع الكثرة توقفت عنها المرأة التي تحيض مرة كل شهر بمقدار يقترب من ربعه أي سبعة أيام عن كل شهر قمري تقريبا فإذا نفست إنقطعت عن الذكر شهرا وثلث الشهر على الأقل مرة كل عامين أو كل ثلاثة أو أربعة أو خمسة. إذا أحصينا إنحباس المرأة بسبب الحيض والنفاس عن القرآن الذي هو الذكر فسنقف على نتيجة مرّة وقاسية وهي أن المرأة تحبس من لدن هؤلاء عن كتاب ربها بما لا يقلّ عن ثلث حياتها والثلث الباقي هو لقضاء مآربها إن كانت ربة بيت أو حاضنة لولد أو كانت عاملة تكدّ لتحصيل لقمة العيش. الثلث الأخير معلوم أين يذهب منا جمعيا. إنه ثلث النوم يا أحبابي. أجل. ثلث للنوم راحة وهي عبادة. وثلث لمآرب الدنيا. والثلث الأخير يذكر فيه الفحل الله ربه تلاوة لكتابه لأنه فحل يختلف في أعضائه التناسلية عن الأنثى في حين أن المرأة لأنها أنثى تحرم من بناء تلك العلاقة مع كتاب ربها. ألا ما ألعن الجهل وأقسى الحماقة؟ ألا ما أتعس الحياة عندما يتولاها أراذلنا؟ غاضب؟ أجل. وفي قمّة الغضب. وكيف لا أغضب وقد إستغضبت؟ وكيف لا أغضب والرسالة هي : الله لا شأن له لا بعدل ولا بقسط بل هو الذي أنشأ مجتمعا ذكوريا للفحل فيه نصيب من الإرث أكبر ومن الذكر أكبر ومن كل شيء أكبر وللأنثى التي كانت قبل الإسلام توأد حية نصيب من لا نصيب له. تلك هي الرسالة التي يبثها بعضهم بحسن نية ويتلقفها أعداء الإسلام ليشيدوا عليها نظريات تطحننا؟

 

يجوز للكافر ولا يجوز للمرأة المسلمة

عندما ينشطر العقل ويصبح عقلا مبتسرا منزوع الدسم الموضوعي الجامع تكون مصيبة. تلك هي حال العقل الحاضر إلا قليلا ممن رحم ربي سبحانه. من أمثلة ذلك أن سليمان عليه السلام وعليه أنزل كتاب من السماء فوجّه منه جزءا إلى بلقيس ملكة سبإ وفي كتابه ( بسم الله الرحمان  الرحيم ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ).{32}. ألم يكن يعلم أن بلقيس تسجد للشمس كما يسجد قومها وقد أتاه منها الهدهد بنبإ يقين؟ ألم يكن يعلم أن بسم الله الرحمان الرحيم آية من كتابه بل هي من أجل الآيات من كتابنا نحن وكتاب الله واحد للأنبياء ورسالته في الجذر العقدي؟ ألم يكن يعلم أن بلقيس المشركة ستمسّ الكتاب بيديها وهي ( نجسة ) وربما لمسه غيرها ممن هو أشد ( نجاسة)؟ هل أن مثل هذه الأحكام تتغير : فهي حلال في دين من قبلنا ومحرمة علينا؟ لا قطعا. لم؟ لأن الأمر هنا عقدي لا عملي وهو عقدي لأن فيه إستهانة بكتاب الله وذكر الله وتعريضه للنجاسة. هؤلاء الذين يتعجّلون لحرمان المرأة من العلاقة مع ربها وكتاب ربها ألا يتدبرون ما في هذا  الكتاب لعلهم يستأنسون بما فيه من إشارات؟

 

تقسم بالله الأعظم ولا تلمس كتابه بيدها؟

ليس أحرج على المرء من أن يضع نفسه في مواضع سعة يضيقها على نفسه فيضطر من بعد ذلك إلى التّمحّل إشباعا لغروره وإرضاء لكبريائه ولو لزم الإستقراء الموضوعي المقاصدي الجامع منذ البداية لكان خيرا له. من الأمثلة على ذلك أن المرأة قد تجد نفسها في حال ملاعنة بسبب إتهام بالفاحشة كما سيرد في سورة النور فتقسم بالله العظيم تعالى أربعة أقسام متتالية تبرئة لنفسها ومثلها يفعل الرجل. قال تعالى في ذلك ( أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ).{33}. أن يتجاسر المرء على أن يقسم بإسم الله الأعظم سبحانه أربعة أقسام متتالية وقد يكون فيها صادقا أو كاذبا أعظم عند الله تعالى من أن يلمس بيده وهو جنب ذكرا كان أم أنثى كتاب الله سبحانه يبتغي منه الهدى. ولا أجد إثما على المتصدرين للفتوى بغير علم أشد إثما من الحيلولة دون المرأة ودون كتاب ربها في كل حال. أيهما أعظم : القسم بإسمه الأعظم سبحانه أم لمس كتابه؟ يباح لها هذا ويحال دونها ودون ذاك؟

فإذا دعاها القاضي في أيامنا هذه لتقسم بالله العظيم على المصحف الشريف ـ وهي بدعة حسنة زيادة في الإستيثاق والإستئناس والإطمئنان وتعظيما لهذا الكتاب ـ في قضية عرض أو دماء أو حقوق الإنسان أو خيانة وطن هل تعتذر عن ذلك لأنها حائض أو نفساء أو يذهب الجنب لرفع جنابته أوّلا؟  لم التّمحّل الذي ظاهره تقديس الكتاب وباطنه التعسير والتحكّم والتعسّف والكذب على الله ورسوله عليه الصلاة والسلام؟ أليس يشهد على حقوق الإنسان ( غيرنا ) من غير المؤمنين أصلا كما ورد في سورة النساء ( أو آخران من غيركم)؟{34}. لم لا نلجأ إلى القياس العقلي لنعالج الأمور معالجات تنسجم مع مقاصد الإسلام العظيم ولا تسلط حروجا جديدة على أمة جاء الدين الجديد ليرفع عنها الآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل بسبب من تلكؤاتهم؟

 

وليس في أي أمر ذي علاقة بالقرآن الكريم أي إستثناء على حائض

أجل والله لمن هو جادّ مثابر يستوثق بنفسه من الشريعة وليس يصغي بسمعه بليدا إلى كل من هبّ ودبّ يأخذ عنه دينه. راجعوا إن شئتم كل أوامر الله سبحانه بالتلاوة والقراءة وبمثلها كل أوامره عليه الصلاة والسلام في الأمر نفسه. من أوامر القرآن الكريم ـ وهي كثيرة ـ قوله ( أتل ما أوحي إليك من كتاب ربك ){35}. وقوله ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ).{36}. ألم تر أن أمر التلاوة وحده ورد بصيغة المضارع ليفيد الإستمرار والدوام لأنه ذكر يأتيه المرء في كل حال؟ أليس يعني ذلك أنه موضوع لكل حال؟ لم لم يرد عليه أي إستثناء في القرآن الكريم كله؟ أليس الإستثناء يرد عند وجوبه في القرآن الكريم نفسه؟ ألم يستثن الله سبحانه الجنب من الصلاة إلا أن يتطهّر؟ ألم يستثن الله سبحانه أكل الميتة وما في حكمها ولحم الخنزير وغيره من اللحوم؟ هناك إستثناءات إذن عندما يأتي وجوبها. إغفال الإستثناء هنا ـ أي في شأن التلاوة ـ لا يعني سوى أنه لا إستثناء. وفي السنة ما لا يكاد يحصى ومنها على سبيل الذكر وليس الحصر قوله عليه الصلاة والسلام ( الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ).{37}. وهو متفق عليه. يباح للذي يتعتع فيه فلا يحسن قراءته ويقترف فيه ما قد لا يحصى من الأخطاء اللغوية بله أخطاء النطق والأداء ولا يباح لأمرأة لأنها حائض؟ أليس هذا عقوبة من الله على أنوثتها؟ ليس عندي ريب في أن هذا الأمر من تراكمات ما وفد علينا في غفلة منا من الإسرائيليات. أقرأ عن وضع المرأة في المسيحية واليهودية لتعلم الحطة التي هي عليها وعليها قيست المسلمات. أي دين هذا الذي يحرم المرأة عقابا لها على أنها إختارت أن تكون أنثى من اللحوق مثلها مثل الرجال ـ الفحول ـ بالبررة الكرام أي الملائكة؟ ولك حديث آخر يقول فيه عليه الصلاة والسلام ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانه ريحها طيب وطعمها مرّ ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مرّ).{38}. لم لم يرد الإستثناء هنا ألاّ تقرأ الحائض القرآن؟ ألم يرد أوانه؟ كلاّ والله ورد أوانه في عشرات الأحاديث بله الآيات ولكن لم يرد لأنه ليس له معنى. أليست هذه هي النتيجة الخبيثة التي إنتهى إليها المانعون بغير علم أي التسوية بين المنافق وبين المرأة؟ بل هي تفضيل للمنافق على المرأة. ذاك يقرأ القرآن ولا مانع منه حتى لو كان ريحه خبيث وطعمه أخبث مثل الحنظلة أما هذه فهي عقابا لها على جنسها الذي إختارته هي بمحض إرادتها ممنوعة من أن تلحق حتى بصف النفاق. هو التّمحّل ليس إلاّ. وهذا الحديث آنف الذكر كذلك متفق عليه. وأحاديث أخرى كثيرة لا تكاد تحصى يرجع إليها الذي يريد التثبت ومنها أن ( خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه ){39}. وهو عند البخاري عن عثمان عليه الرضوان. أيّ إثم على المنسوبين إلى الدين وهم يحولون ببضاعة مزجاة بين المرأة وبين أن تكون من هذه الطبقة الخيّرة والفئة النيّرة : طبقة الخيرية بتعلّم القرآن أوّلا وبتعليمه الناس ثانيا؟ وحديث الحسد المعروف وهو متفق عليه كذلك.{40}. أي عذر لهم بين يدي ربهم وهم يحرمون المرأة من أن تكون من الذين يقومون بالقرآن ـ كما جاء في متن الحديث ـ آناء الليل وأطراف النهار؟ يقوم به الرجل أما المرأة فلأنها أنثى لا بدّ لها من عقوبة الأنثوية فلا حق لها أن تقوم بكتاب ربها آناء الليل وأطراف النهار. كما قلت سابقا : هذا يوحي إليّ أن الأمر مندسّ إلينا من الإسرائيليات

 

أم السّعد تكذّب المانعين

من هي أمّ السّعد؟ هي إمرأة مصرية إسكندرية توفيت عام 2004 ميلادية وظلت تعلّم الرجال ـ أجل. الرجال والله ـ على إمتداد نصف قرن كامل علم التلاوة لحما ودما وبالصوت والصورة وليس عن بعد وتخرّج على يديها أوائل القراء في العالم العربي والإسلامي كله وليس في مصر وحدها. ولك أن تسأل عنها أي محرك من محركات البحث المعاصرة ما دمت لا تجد وقتا للعلم ومعرفة سيرة أمثال هؤلاء العظام. أمّ السّعد إمرأة تامة الأنثوية وهي متزوجة ولها بيت وفيها من الجبلاّت ما فينا وما في النساء. هل يجادل في هذا؟ في تلك الأيام كان الأزهر العظيم في مصر له صولاته وجولاته وكان لشيوخه الأفاضل كلمتهم إحقاقا للحق وإبطالا للباطل في السياسة وفي الدين سواء بسواء. ما صدر عن عالم أبدا في الأرض كلها ما به يفتي أو حتى يستهجن عمل هذه المرأة المقرئة العظيمة التي كانت تعلّم الرجال ـ أي نعم الرجال ـ على أربع عشرة قراءة وفي كل قراءة تقريبا روايتان. ولكن إبتلينا بغلمان جرآء على الدين جاءوا ببدعة أن صوت المرأة عورة وما هي بعورة والله ولكن العورة هي عورة عقولهم البلهاء . سؤال آخر : اليوم عندما تترشح إمرأة لمسابقة قرآنية نظامية أو أهلية وتكون في تلك المدة في حالة حيض أو نفاس. هل عليها أن تتقدم لتستعرض حفظها أو أداءها أم عليها شرعا أن تتأخر وتفوتها الفرصة وترسب عاما كاملا بسبب قالات المرضى؟ بل ماذا لو كانت تلك المرأة في لجنة التحكيم أصلا؟ بل ما شأن المعلمات والأستاذات في المدارس والمعاهد والمحاضن والكليات والجامعات والمساجد؟ عليهن إعتزال العمل أسبوعا واحدا كل شهر لأن الشرع يحرم عليهن التعامل مع القرآن الكريم. أي خطل وأي جهل وأي مرض؟

 

مع السنة والسيرة والصحب الكرام

 

مقدمة أصولية لا بدّ منها

رأينا فيما سبق أن الله سبحانه لم يدع الناس في المسلك الأصولي الكفيل بحسن الفهم ودقة الإستنباط رعاعا لا خطام لهم بل أرشدهم إلى أن المنهج الأصولي يقوم على عماد ثلاثي عنوانه : النظر في  القرآن الكريم أوّلا ثم السنة بمختلف منازلها ومراتبها التي يعلمها أهلها ثانيا ثم إعمال العقل والرأي إجماعا أو قياسا أو نشدانا لمصحلة معتبرة أو غير ذلك مما أنف ولكن التفصيل فيه ليس له هنا مجال. هذا معلوم. إنما أردت أمرا آخر ليس له إنبثاث واسع حتى في كتب الأصول نفسها ـ لأسباب لا أرب لنا فيها الآن ـ وهو أن المنهج الأصولي الأوفق والذي كان الصحب الكرام عليهم الرضوان يأخذون به سوى أن التدوين الذي جاء بعدهم لم يعطه حقه من التدوين هو أن ما صحّت نسبته إليه عليه الصلاة والسلام لا بدّ فيه من كلمتين : الكلمة الأولى هي أن فعله عليه الصلاة والسلام لا يفيد عدا الإباحة والمشروعية والجواز على حد تعبير الأصوليين ولا ينبجس عن ذلك وجوب أو تحريم إذا كان الحديث عن ترك وليس عن فعل إلا بقرينة قوية صارفة إليه وهذا مبسوط في كتب الأصول كما يعلم طلبته والأمثلة عليه كثيرة لمن أراد مزيد تعلّم. الكلمة الثانية وهي الأخطر في موضوعنا هي أن ما ثبتت نسبته إليه عليه الصلاة والسلام أقسام يهمّنا منها الآن أن ما جاء مؤكدا للقرآن الكريم إنما هو تأكيد لا بدّ منه عضدا للقرآن الكريم. أما ما جاء على غير ذلك فهو تبيين مفصل في كتب الأصول فهو إما على صورة تقييد لمطلق أو تخصيص لعموم أو تفصيل لمجمل. هناك قضية أخرى ربما نتعرض إليها لاحقا لأهمّيتها وهو إستقلال السنة بالتشريع وهل هو إستقلال ـ لمن يقول به ـ تام أم وظيفي ولأيّ وظيفة. الذي يهمّنا الآن هو أن ما صحّت نسبته إليه عليه الصلاة والسلام على وجه الأمر أو الإيجاب ولم يرد في القرآن الكريم ولو ظاهرا بله أن يكون نصا منصوصا ـ بل قل حتى إشارة إقتضائية بعيدة ـ فإنه يحمل وفق المنهج الأصولي الأرجح على أنه مستحب ومن أمثلة ذلك قوله ( غسل الجمعة واجب على كل محتلم ){41}. فلا يفهم منه الوجوب  الفقهي الذي يعاقب تاركه ولكن يفهم منه الإستحباب دون الإيجاب. وما صحّت نسبته إليه عليه الصلاة و السلام على وجه النهي أو التحريم ولم يرد في القرآن الكريم ذلك ولو ظاهرا أو مقتضى فلا يفهم منه التحريم بالمعنى الديني أي ما يعاقب فاعله ومن أمثلة ذلك نهيه عن الصلاة بعد العصر أو أكل لحوم الحمر الأهلية أو لحوم ذوات الأنياب من السباع أو ذوات المخالب من الطير إذ أن البحث الفقهي ظل مترددا في مثل هذه وهي بالعشرات أمثالا بين منازل كثيرة منها التكريه ومنها معالجة حالة محددة ومنها التنبيه إلى الآثار السيئة في حالة الإدمان ومنها إختلاف المقام التشريعي له عليه الصلاة والسلام  أو غير ذلك مما هو مبسوط هناك. ولذلك نهى عليه الصلاة والسلام عن صبغ الشعر ثم عن تسويده ـ أي بالسواد ـ ولكن بعض الصحابة منهم أبي ـ أقرأ الأمة بتعبير نبي الأمة عليه الصلاة والسلام ـ صبغوا لعلمهم أن الأمر مرتبط بذريعة تسدّ أو تفتح بحسب الحاجة. ربما يكون مثل هذا الكلام عسير الهضم على بعض الناس ولكن لا بدّ مما ليس منه بدّ لأن تقرير الأمور يحتاج إلى توطئات ومقدمات

 

 أحاديث صحيحة تبيح قراءة الجنب ومسّ الحائض المصحف

 

حيضتك ليست في يدك

أخرج مسلم عن عائشة عليها الرضوان أنه أمرها ذات يوم عليه الصلاة والسلام بأن تناوله خمرة ـ وهي ما نسميه نحن اليوم سجّادا للصلاة ـ فقالت إني حائض فقال لها : حيضتك ليست في يدك.{42}. هذا يعني أن الحائض عندما تلمس شيئا لا تنجسه ولا ترجسه لانها هي أصلا ليست لا نجسا ولا رجسا. وتلك هي معلمة محمد عليه الصلاة والسلام يهتبل الأحداث ليعلّم الإنسان. هنا مثلا لم يقل لها كلاما آخر يكتفى به على الجواب بل علّمها وهو يعلّمنا نحن اليوم أن اليد التي تلمس الأشياء من إمرأة حائض لا شيء فيها. ليس هناك في تلك الأيام مصحف ولا أي وعاء يحفظ القرآن الكريم بل إن القرآن الكريم لم يكتمل نزوله في تلك الأيام. ولذلك فلا يتوهمن متوهم أن المصحف موجود وهو ينهى عنه الجنب أو الحائض. وأذكر دوما بقاعدة أصولية سابقة مفادها أنه ليس على النافي دليل أي ليس على نافي الحرمة دليل بل الدليل على من تجشم الصعاب فأراد التحريم أو التكريه. هل يزعم واهم أنه عليه الصلاة والسلام كلّما لامست يده يد زوجاته وهي حائض تطهّر أو تيمّم أو سألها إن كانت حائضا حتى يتحوط لنفسه؟ ألم يكن يؤاكلهن وهن حيّض بل قالت عائشة عليها الرضوان كان يباشر الحائض أي يصيب منها كل شيء ما عدا الإيلاج. الحيض إذن لا يمنع مباشرة المرأة للأشياء عدا الصلاة

 

ذكر الله في كل الأحيان

حديث جديد لمسلم كذلك عن عائشة عليها الرضوان أنه كان عليه الصلاة والسلام ( يذكر الله في كل أحيانه).{43}. والحديث من عائشة التي هي أعرف الناس مع بقية الأمهات بكل الأحوال النبوية وليس من شأنه التوهم أو البعد عنه. هل يمكن أن نتوهم أن ذكر الله الذي لا يدعه عليه الصلاة والسلام في كل أحيانه ليس منه القرآن الكريم. القرآن الكريم تلاوة من الصدر لأنه أمّي لا يقرأ ولأنه لا وجود لمصحف في تلك الأيام. عندما يقرأ وهو يأوي إلى فراشه آية الكرسي أو أواخر البقرة ـ كما ثبت في أحاديث أخرى ـ هل كان يفعل ذلك دوما إلا وهو على غير جنابة أو متوضئا؟. ( كل أحيانه ) لا تعني سوى أنه لا يبالي. ومن يستطيع أن يظلّ ساعات النهار كلها والليل وهو على وضوء أو على غير جنابة؟ هل هو ملك أم إنسان؟

 

المؤمن لا ينجس

هذا أقوى حديث في المسألة لأنه متفق عليه بين الشيخين أي البخاري ومسلم عن أبي هريرة وهو ( المؤمن لا ينجس).{44}. وهو مناسب لمجموعة من الأحداث منه أنه لقيه عليه الصلاة والسلام ذات مرة ـ أي لقي أباهريرة ـ فخنس منه هذا لأنه كان على جنابة فعرف منه ذلك فسأله فأخبره فقال (المؤمن لا ينجس). وما هو أهمّ من هذا هو أنه يعارض حديثا ضعيفا يحتج به بعضهم ونأتي إليه لاحقا وتولّى المحدث المعاصر الألباني عليه الرحمة بيان التعارض بين الحديثين مرجّحا الأقوى منهما طبعا أي حديث ( المؤمن لا ينجس). وهي آلية معروفة عند أرباب الصناعة أن العمل بالجمع إن أمكن فإن لم يمكن لجئ إلى الترجيح ومن أسباب الترجيح الأولى هي تقديم الأقوى صحة وليس هناك ما أقوى في سلم الحديث ـ أنظر مقدمة إبن الصلاح وغيره ـ من المتفق عليه مطلقا. فإذا كانت العلّة التي يستند إليها المحرمون هي النجاسبة فإن (المؤمن لا ينجس).نعم لا ينجس

 

لا يمنع على الحائض عدا الصلاة

أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة عليها الرضوان أنها لما طمثت أي حاضت في الحج بكت ألا تستكمل حجها أو مناسكها فقال لها عليه الصلاة والسلام ( إفعلي كل ما يفعله الحاج  غير ألا تطوفي بالبيت ولا تصلي).{45}. أذكر بقاعدة أصولية عظيمة راسخة عند الأصوليين عنوانها : البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة. ومعناها كما يدلّ عليها متنها هي أنه عليه الصلاة والسلام ـ والوحي بصفة عامة ـ عندما ينهى عن شيء ـ وخاصة في النهي دون الأمر لأولويته وهذا مبحث أصولي مهم ولكن لا يتسع له هذا الفضاء ـ فإنه لا يجزّئ المنهي عنه بل يسرده كاملا حتى يكون الناس على بيّنة من دينهم. هنا في حال عائشة عليها الرضوان جاء وقت البيان منه عليه الصلاة والسلام ـ وهو مكلف به بنص القرآن الكريم نفسه ـ فنهاها وهي حائض عن الطواف بالبيت وعن الصلاة فحسب. هل نسي عليه الصلاة والسلام أن ينهاها عن قراءة القرآن الكريم ولو من صدرها إذ لم يكن معها مصحف؟ هل جاملها ؟ هل خافها ؟ هل كتم شرع الله؟ لا وألف ألف لا. ألم يكن يخطر على باله أنها قد تقترف الذنب الأعظم أي تلاوة القرآن؟ أليست هي في موسم حج وفي أفضل مكان؟ من لا يقرأ القرآن الكريم في البيت الحرام في موسم الحج؟ حتى لو كان أمّيا وليس في صدره شيء منه فإنه يقرأ فاتحة الكتاب. هذه عائشة وليست أي مؤمن. وهي قد حرمت بسبب الحيض الطواف والصلاة ففيم تقضي وقتها؟ تصوّر أنت فيم؟ أليس في التعبد والتقرب إلى الله سبحانه بما بقي لها من بعد الطواف والصلاة أي الذكر ومنه التلاوة قطعا؟ بقي أمر آخر لا أرب لنا فيه الآن وسيرد في كراس عن الحج بإذنه سبحانه يتعلق بالطواف إذ أباحه إبن تيمية قديما وغيره كثير في القديم والحديث إذا كانت تأمن الحائض على نفسها ألا تلوّث البيت بالدم. ولكن دعنا مع الموضوع الحارب الآن

 

الحائض ومصليات العيد والذكر والتكبير

أخرج الشيخان ـ أي متفق عليه هو في أعلى درجات الحديث صحة ـ عن أم عطية الأنصارية المعروفة بعلمها لمن يتبع ثنايا الحديث بصفة عامة أنها قالت ( حتى تخرج الحيّض فيكن خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم ويرجون بركة ذلك اليوم وطهرته ).{46}. وثبت أنه دعا عليه الصلاة والسلام الحيّض والنفساوات إلى الخروج إلى مصليات العيد وعلّل ذلك بقوله ( يشهدن الخير). وأورد مسلم في صحيحه أن الحيّض ( يعتزلن الصلاة ). ولك أن تتدبر بنفسك أن الشيء الوحيد الذي يمنع على الحائض ـ رحمة بها وليس نقمة عليها كما يريد أعداء الإسلام تقريره بناء على أشياء منها حرص المجانين فينا على ترديد الضعيف والمكذوب والمرذول ـ هو الصلاة وليس سوى الصلاة. وليس مكان الصلاة كما أراد أن يضيق بذلك عليهن المضيقون. ولك أن تفهم بنفسك ما هو الدعاء والذكر والتكبير والخير الذي يشاركن به ـ أي الحيّض والنفساوات وغيرهن ـ الناس. أليس الدعاء قرآنا ومنه قرآن؟ ولك في آخر البقرة أطول دعاء في الكتاب العزيز كله؟ ومثله في آل عمران؟ ولو جمعت أدعية القرآن الكريم كلها ـ وهي المأثورة التي كان يقدّمها عليه الصلاة والسلام والصحابة ـ لألفيت سورة من المفصل كاملة. أليس كل ذلك قرآنا يتلى؟

 

من فقه الصحابة وآثارهم في المسألة

 

إبن عباس يقرأ وهو مجنب

أخرج ذلك البخاري في صحيحه بقوله ( ولم ير إبن عباس بالقراءة للجنب بأسا).{47}. إبن عباس هو ترجمان القرآن وحبر الأمة والبخاري هو صاحب أصح كتاب بعد القرآن الكريم. فأين تذهبون؟ بل أضاف إبن المنذر بقوله ( إن إبن عباس كان يقرأ ورده وهو مجنب). أجل

 

الفاروق يقرأ وهو على غير طهارة

أخرج إبن أبي شيبة في مصنفه المعروف عن سعيد عن قتادة أن عمر خرج من الخلاء فقرأ آية من كتاب الله فقيل له : أتقرأ وقد أحدثت؟ قال : أفيقرأ ذلك مسيلمة؟.{48}. يقصد مسيلمة الكذاب مدعي النبوة

 

عائشة ترقي وهي عارك

الأم العظيمة عائشة عليها الرضوان وهي الأعلم بسنته فيما قد يغيب عن غيرها بسبب الملازمة كانت ترقي أسماء أختها وهي عارك أي حائض.{49}. أخرج هذا أحمد في مسنده كما أخرجه بعض أهل السنن والدارمي عن أبي مليكة. بم يرقي الراقي؟ أليس بالقرآن والحديث؟ ومن أعلم منها بذاك؟

 

حفصة أمينة أوّل مصحف في الأرض

لا ينقضي عجبي والله عندما أعلم أن ما حبيت به المرأة في هذا الدين لم يدركه فحل في الأرض ومع ذلك ينبري لنا في آخر الأيام من يجعل من المرأة شيطانا أو نجسا أو رجسا أو صنو كلب  عقور أو حمار فتحرم حتى من بناء العلاقة التي لا بدّ منها للإنسان أي العلاقة مع الكتاب العزيز وهي في أمر كتبه الله على بنات حوّاء كما قال عليه الصلاة والسلام عن الحيض وليس هي من إختارت جنسها. أليس معنى ذلك هو أن الأنثوية لعنة من حلّت به حلّ به الهمّ والحزن؟ المرأة هي أوّل مؤمن في الأرض ( أي خديجة بنت خويلد أوّل مؤمن ـ وليس مؤمنة ـ ). فما آمن قبلها إنسي. وأن المرأة هي أوّل شهيد في الأرض ( أي سمية أوّل من أهرق دمه في سبيل الله سبحانه وليس أوّل شهيدة ). فما سقى بدم مؤمن الأرض لله قبلها إنسي. وأن المرأة هي أوّل مستأمن على أوّل مصحف في الأرض أي مصحف عثمان كما يسمّى إذ هو من إستأنف جمع القرآن الكريم الذي لم يكمله سلفه أبو بكر ( أي حفصة بنت الفارق وأم المؤمنين ) إذ عهد إليها من لدن الصحابة إجماعا أن تكون هي ـ وليس غيرها من الرجال وهم صحابة بالألوف ـ المستأمن على أوّل نسخة من المصحف الشريف مدونة في دفّ واحد من سورة الحمد حتى سورة الناس. لا ينقضي عجبي لهذا والله. وتأويله عندي هو أن العرب بما عرفوا من غلظة وجفاء جعلهم يئدون المرأة حيّة في الجاهلية سرعان ما عاد كثير منهم إلى ذلك من بعد إنقضاء الجيل الذهبي الأوّل. سؤالي هو : ألم يكن يعلم الصحابة وهم مجمعون على ذلك أنها إمرأة؟ ألم يقرؤوا كما نقرأ نحن اليوم ( وليس الذكر كالأنثى)؟{50}. ألم يدر بخلدهم ما يدور بخلدنا نحن اليوم أنها ـ أي المرأة ـ في درجة تالية عن الرجل بما نستدل به جهلا جاهلا من أنها تصلي خلف الرجال أو أنها تحيض وتنفس فلا تصلي ولا تصوم أو غير ذلك من الإختلافات البيولوجية التي جعلنا منها علامة نقص وأمارة دونية وما هي كذلك إنما هي أمارة تعدد وعلامة تنوع بغرض خدمة مقصد التكامل في الأسرة والمجتمع معا؟ وجدت السبب : مؤكد أن الصحابة لمّا إستأمنوا حفصة على كتاب الله قالوا لها : إيّاك إيّاك أن تمسّ يدك هذا الكتاب. إيّاك إيّاك أن تمتد إليه أنملة من أناملك. لعلهم قالوا لها ذلك؟؟ فما رأيكم؟

 

الفقهاء وقضية مسّ المصحف للحائض

 

ملاحظة إبتدائية مهمة

القضية جديدة حديثة بالتأكيد ولم تكن مطروحة في الفقه السابق إلا بيسر يغلب عليه الإباحة. أما في أيامنا الكالحات هذه حيث طغى الجهل وبرز المحرفون للكلم وخصصت لهم فضائيات ومواقع إلكترونية وتدعمهم أنظمة سياسية من مثل المملكة السعودية قبل الإذن الأمريكي بنسف الإرث الوهابي ومن مثل الإمارات العربية المتحدة فإن هذا الصوت ـ صوت حرمان الجنب والحائض من بناء علاقة وطيدة مع الكتاب العزيزـ علا وتبرج وعربد وله من عامة الناس سمّاعون والإنسان ميّال بالطبع إلى هذا المسلك كما ذكرت آنفا أي بسبب من شعور بعقدة ذنب التخلف. هذه ملاحظة مهمة إضافة إلى أخرى أنفت عنوانها أن بعض الإرث الإسرائيلي نجح في التسلل إلى بعض أركان تراثنا

 

نبدأ بالحافظ إبن حجر مفسر صحيح البخاري

يقول العلماء عن إبن حجر القسطلاني وعن سفره ( فتح الباري) الذي فسّر فيه صحيح البخاري أنه لا هجرة بعد الفتح ويعنون بذلك : لا كلام على صحيح البخاري من بعد ( فتح الباري) ولا يهجرنّ أحد إليه فقد وفّى الأمر إبن حجر. إبن حجر يستدل منتصرا لجواز المسّ بقول إبن بطال وغيره سيما أنه عليه الصلاة والسلام لم يستثن في حديث عائشة ( مناسك الحج ) عدا الصلاة والطواف عملا بقاعدة : لا يتأخر البيان عن وقت الحاجة

 

إبن تيمية وتلميذه إبن القيم

وهما كذلك على القول بإباحة المسّ. والحقّ إن إبن تيمية مجتهد مطلق حتى لو كان تواضعا منه ينسب نفسه إلى الحنابلة وليس هو ـ لمن يعرف إجتهاداته ـ مجتهد في نطاق المذهب فحسب وإن كان لا يخلو من هنات في قضايا أخرى فليس الكمال لأحد أبدا وسبحان المتفرد بصفات الجمال والكمال والجلال. وتلميذه إبن القيم مثله في هذا. ومعلوم أنهما برزا في زمن إستبد فيه التقليد والوشاية بالمجددين حتى ألقي بالمعلّم في غياهب السجن بتهمة التجديد ـ وهي عنوان الإسلام وفريضة المسلمين لحديثه الصحيح عند الحاكم وبعض أهل السنن عليه الصلاة والسلام ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ){51} ـ فمات هناك عليه الرحمة ومن يتابع صيرورة الفقه المعاصر يلفى أن كثيرا منه إنما يستلهم من فقه هذا الرجل الكبير إبن تيمية

 

الإمام مالك وشيخه ربيعة الرأي يبيحان المسّ للحائض

الإمام مالك راعي مدرسة الحديث والأثر كما يسمّى وهو الذي توفر له ما لم يتوفر لغيره من الحديث ومن عمل التابعين ـ إذ أن شيخه ربيعة الرأي تابعي ـ الذين خلفوا الصحابة فكانت المدينة هي المحضن الأوّل لهم وورث الإمام مالك هذا عنهم ولذلك كان من أسّ مذهبه عمل الصحابي وعمل الصحابة وعمل أهل المدينة

 

الإمام الصنعاني في سبل السلام وهو فقيه اليمن الأعظم

الإمام الصنعاني معروف وهو من بيئة زيدية ولكنه تبوأ مباوئ الإجتهاد المطلق ولك أن تتنزه بنفسك في ( سبل السلام ) ومثله الإمام اليمني الآخر الشوكاني إذ هما من مشكاة واحدة تقريبا. وهما معاصران قبل ذلك وهو مهمّ

 

أختم ذكرا لا حصرا بالمحدث المعاصر الشيخ الألباني

وذكر الألباني هنا مهم جدا لأن الناس ذهب في خلدهم بسبب الجهل وإعتماد السماع دون البحث أن المذهب الحنبلي قائم على التشدد والتزمت والتضييق وهو غير صحيح بالمرّة والمطلق فيما يخص فقه الإمام أحمد إبن حنبل نفسه عليه الرحمة ومن يرجع إلى عمدة المذهب أي ( مغني إبن قدامة ) يدرك هذا بجودة ويسر. وعليه يحمل ما تقذف به المدرسة الوهابية التي لئن أصابت بعض الإصابة في محاربة بعض مظاهر الشرك المعاصرة في شبه الجزيرة العربية قبل عقود تحالفا مع العائلة السعودية بما أنشأ النظام السعودي فإنها لم تكن يوما ـ ولم تدع هي ذلك ولم يدع لها في الحقيقة ـ مذهبا فقهيا ولكن حمّلت القيادة الدينية والسياسية للمملكة الأمر ما لا يحتمل في إطار منافسة أو محاربة  التيار الأزهري في مصر قبل نشوء الشيعة الإمامية في قم الإيرانية فلما جاءت هذه إشتعلت الحرب ومازالت. أما المذهب الإباضي ـ وهو ذات أصول خوارجية بلا جدال حتى وهو اليوم من أشد المذاهب السنية إعتدالا ـ فهو لا يصدّر المذهبية لأسباب أجهلها ولكن هذا المسعى محمود ولذلك لم تكن وهابية المملكة السعودية تجد عليه بمثل ما تجد على الأزهر الذي ظل لقرون طويلات هو المرجعية الفقهية والفكرية للأمة. الألباني عليه الرحمة من رموز التيار السلفي دون ريب ولكنه لم ينخرط في السياسة السعودية إنخراطا أعمى كما فعل غيره إنما ظل الرجل يرعى علمه وإجتهاده أصاب أم أخطأ. المحدث الألباني الذي يظن أكثر الناس أنه رمز للتشدد والتضييق ـ وإن كان محدثا أكثر منه فقيها ـ هو من المعاصرين الذين تصدوا لهذه القضية وقالوا فيها أقوالا قاسية ولكنها عميقة صحيحة والرجل عندما يكون وفيا للحديث الذي هو أحد صيارفته فإنه يصيب من العلم الراسخ إصابات كبيرة

 

خلاصة ثانية مهمة في نحت الصورة الأخيرة لهذه القضية

 

لم أستعرض كل ما قال الصحابة ولا التابعون ولا الفقهاء الغابرون والمعاصرون في القضية ولكن تبيّن ـ كما كان ذلك من قبل في الحقيقة ـ أن المسألة عليها الإجماع وأن الإختلاف الوارد فيها إما أن يكون جزئيا في القديم ( من مثل الإباحة للحائض دون الجنب كما قال الإمام مالك معلّلا ذلك بعلة جيدة وهي طول الوقت على الحائض بما يحول دونها ودون كتاب ربها ومن مثل الحوار حول إستخدام المسجد أو المصلى جلوسا ومرورا وهي قضية فرعية وجزئياتها كثيرة لا يتسع لها إلا سفر ضخم ).أجل. أقول بإطمئنان كبير أن المسألة عليها الإجماع في القديم والحديث عدا إختلافات إما في الفروع كما قلت أو غير معتبرة وإعتبار الإختلاف قضية أصولية عند طلبة العلم ويعرفون معناها. على المسألة إجماع من الصحابة ولو بتفصيل وتفريع وعليها من التابعين كذلك وهذا ربيعة الرأي إمام إمام دار الهجرة ومن أهل الحديث سيما من جمع بين الحديث والفقه وعلى رأس هؤلاء جميعا الإمام البخاري والإمام أحمد نفسه والشافعي الذي عرّج على المسألة بقوله أصلا ـ وهو واضع علم الأصول في رسالته ـ عنوانه أن الإجماع يقدم على الحديث المنفرد. ما من حديث منسوب إليه عليه الصلام والسلام في المسألة إلا وهو ضعيف بمختلف أنواع الضعيف التي أوصلها إبن الصلاح في مقدمته إلى زهاء أربعين. وكما ذكرت ـ وسأذكر ـ أن من تتبع ذلك حديثا حديثا هو الشيخ الحدوشي في كتابه ( إعلام الخائض بجواز مس المصحف للجنب والحائض ). وغيره. ولم أشأ أن أذكر من المعاصرين  وأكثرهم مع الإجماع القديم عدا الألباني والشوكاني والصنعاني و ممن لم أذكر الشيخ الدّدّو الموريطاني المعروف عدا أنه على طريقة المحافظين الذين يقدمون الإحتياط في الدين على فتح الذريعة حتى لو فرضت الذرائعية ذلك إذ قال بأفضلية التطهر لمن إستطاع وهذا لا خلاف عليه كما سيأتي ولكنه ليس من صلب التحقيق العلمي إنما من صلب الوعظ والفرق بين المقامين لمن له قلب بيّن

 

كلمات أخرى متفرقات في الموضوع لعلها تنظم مآلاته

 

لم تسأله إمرأة واحدة عن هذه القضية

أجل. ما حمل إلينا الحديث بكل أصنافه أثرا واحدا فيه سؤال من إمرأة عن هذه المسألة. أليس كنّ يسألن عن أشياء كثيرة وقد سجّل القرآن الكريم نفسه بعضا منها من مثل ما ورد في مناسبة سورة المجادلة؟ ألم تسأله واحدة منهن بحضور عائشة عليها الرضوان حتى عن كيفية تطهير فرجها بفرصة أي بقطعة من ثوب؟ حتى قال حياء من التوغل في التفصيل عليه الصلاة والسلام ( تتطهر بها سبحان الله). أكتاب الله عندهن بهذا الهوان لا يسألن عنه ويسألن عن كل شيء عداه؟ حاشاهن والله. وفي الرجال كذلك لن تجد أثرا واحدا ولو ضعيفا مضعفا عن واحد منهم فحسب سأله إن كان يجوز له قراءة القرآن وهو جنب. لذلك قلت فيما سبق أن القضية جديدة مفعتلة بسبب صعود التيار السلفي ـ أو بعض أجنحته المتشددة والمدفوعة بنظم سياسية خليجية معروفة حتى لا أظلم كل التيار السلفي ومنه صالح مصلح دون ريب ـ

 

مريم البتول تتلقى وحي ربها وهي في حالة نفاس

 القضية لم ينصّ عليها القرآن الكريم ولم يهتمّ بها أصلا. الناظر الجادّ المتمكن من الأصول التشريعية في تناظمها وتراتبها عليه قبل أن يفرّ كسلا إلى الحديث الضعيف أن يتدبر في الكتاب العزيز أي في ظاهره الذي به يستأنس في قضايا كثيرة. من تلك النظرات أن مريم البتول وهي في حالة نفاس ـ وهو أشد على المرأة من الحيض لطوله وربما لألمه كذلك ـ تتلقى وحي ربها سبحانه أن هزي إليك بجذع النخلة وألا تحزني فقد جعل ربك تحتك سريا وغير ذلك تثبيتا لفؤادها. كيف يتنزل عليها كل ذلك وهو وحي يوحى وهي نفساء على غير طهارة؟ لم؟ لأن الله الذي كتب عليها وعلى بنات حواء ذلك حيضا ونفاسا لم يرد الإنتقام منها لأنها أنثى أو بسبب ما يرد عليها بما لا يرد على الفحول ولكن هو قانون التنوع وناموس التعدد الذي جعلنا منه نحن أمارة دونية لهذا الجنس وعلامة فوقية للآخر. حسبنا بهذه الحماقة حماقة إن كنا أهل عقل. من العلماء من إعتبر مريم منتمية إلى أهل النبوة والرسالة معالجا قوله ( إلا رجالا نوحي إليهم ){52}. بمعنى ( رجال لا تلهيهم تجارة ){53}. أي مقدما معنى الجدّ والقوة والمثابرة والسعي على المعنى الجنسي أو البيولوجي. لا أرب لي في إيراء نار حول الموضوع ولكني أقدس ـ أجل. أقدس تقديسا ـ الحرية الفكرية تحت سقف الإسلام وفوق أديم الإنسانية. أما التقليد ولا يكون إلا أعمى البصر والبصيرة معا فهو عدوّي سواء كان لسلف أو لخلف

 

إنما النساء شقائق الرجال

هذا حديث صحيح أخرجه أحمد وبعض أهل السنن عن إبن عمر{54}.وهو يرسم علاقة المساواة بين الرجل والمرأة والذكر والأنثى في تحمّل أعباء الحياة في الأسرة وفي المجتمع ولكن هذا التقرير سرعان ما إنقلبت عليه العرب في إثر الإنقلاب الأموي الغاشم على أسّ الأصل الإسلامي في الحكم الإسلامي ومن إنقلب على ذلك الأسّ الأعظم إدارة لحياة الناس ورعيا لمصالحهم فهل يعجزه أن ينقلب على ما دونه أي وضع المرأة؟ ما زلنا لم نقدر معنى الشقّة هنا في هذا الحديث تقديرا صحيحا إذ أبحنا للفحل تعاملا حرا مع كتاب ربه وبيت ربه ودين ربه أما المرأة فقيّدنا حقها في ذلك وهو تقييد يكرّ على ثلث حياتها كلها بالكامل كما تقدّم معنا. كيف تكون المرأة شقيقة الرجل في الدين وهي تحرم من بناء علاقة مع كتاب ربها ثلث حياتها بالكامل بل أكثر؟ أرني كيف هي اليوم شقيقة الرجل وفي أي مجال من مجالات الحياة؟ إن لم تكن له شقيقة في الدين وفي القرآن فأين تكون الشقة؟

 

نهى المرأة عن مسّ الطيب فلم لم ينهها عن مسّ المصحف

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن زينب إمرأة عبد الله إبن مسعود أنه عليه الصلاة والسلام قال : إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمسّ طيبا.{55}. وقفتان لا مناص منهما. الأولى هي أنه نهى عن الطيب وكان يمكن أن ينهى عن المصحف أيضا أي عن القرآن إذ لم يكن في عهده مصحف. ما فعل قطعا. لم؟ لأنه لا ينهى عبدا إذا صلى أي لا ينهى إمرأة أن تأتي قلبها تطهره بالقرآن وبالذكر تزكيه. والمناسبة هي مناسبة مسجد وصلاة فكان مناسبا أن ينهاهن عن القرآن كما نهاهن عن الطيب. النهي عن الطيب يقصد به ترك كل الأسباب التي تصرف الرجال أو بعضهم إلى أنوثة المرأة وهو في محل عبادة وأثر الإنجذاب إليها معروف غريزة مغروزة فوجب قطع حبل تلك الأسباب ولكن دون حرمان المرأة من بيت من بيوت ربها ولا من الصلاة بل من صلاة الجماعة والجمعة والعيدين وغير ذلك ولا حتى من دروس العلم التي كان يخصص لهن عليه الصلاة والسلام منها حصة خاصة بهن. أما النهي عن القرآن فلا معنى له لذلك لم يأت. الموقف الثاني هو قوله ( لا تمسّ). والمقصود من إستخدام كلمة المسّ هو نفسه أي التمكن من ذلك الطيب تمكنا يجعل منه جالبا جذابا لكل رائح وغاد. أما الطيب الخفيف الذي به تخرج التافلة من تفلها والمقبورة  من قبرها فيصلح شأنها ولا يتعدى ذلك أثرا سلبيا في الرجال فلا مانع منه. ولذلك منع من المسّ  وليس من مجرد التطيب. ولكم أحسن الفقهاء التعبير إذ قالوا أن طيب الرجل بريحه وطيب المرأة بلونه وهي قالة بليغة تخدم مقصد التطيب من كليهما ولكليهما

 

كيف تكون المرأة مسؤولة عن رعيتها وهي محرومة من القرآن الكريم

ألم يقل عليه الصلاة والسلام أن ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ){56}. ولما فصل في ذلك قال ( والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ). كيف تكون المرأة وهي حائض أو نفساء مسؤولة عن رعيتها؟ وما هي رعيتها أصلا؟ أليس هم الأبناء تعلمهم القرآن الكريم؟ بل قد يكون الزوج نفسه في حالة تمكنها من الدين والعلم أكثر منه. ألم يبح لأمّ ورقة بإمامة أهل بيتها ـ وفي رواية أهل حيّها ـ؟ أليست هي من تعلّمهم الكتاب وهدى الكتاب؟ أم يجب على كل إمرأة حائض أن تنقطع عن تعليم القرآن الكريم حتى ولدها في بيتها مادامت ( نجسا أو رجسا من رجس الشيطان)؟ وكيف تنفذ قول ربها ( قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة)؟{57}. كيف توقى النار وهي حائض لا يباح لها أن تردد ما تتعلّم أو أن تقي هي نفسها أهلها من زوج أدنى منها علما أو من ولد يحتاج علمها بأشد حاجتها من لبن صدرها؟ يجب أن تعرّض نفسها للنار التي وقودها الناس والحجارة لأنها أنثى من غير طينة فحلية؟؟؟؟ عجب عجاب سببه الأكبر الفرار إلى الحديث الضعيف والفرار من القرآن الكريم جمعا لمنثوراته وفيه ما يبني مؤنسا يجعل المرء مطمئنا. بل أنّى لمتاع الدنيا ( الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة ){58} والمرأة محرومة بالدين وبإسم الله وبإسم نبيه عليه الصلاة والسلام ثلث عمرها بالكامل وحتى في بيتها من بناء العلاقة المطلوبة مع أسّ العلم ومعين المعرفة أي القرآن الكريم؟ أي صلاح بقي لها؟ وأي متاع بها أو فيها؟ أليس تستحيل بهيمة عجماء بكماء؟

 

خلاصات وحصائل

 

لا يمسّ القرآن إلا طاهر

هذا حديث في بعض متنه بعض الإختلاف وهو عند الطبراني وغيره{59}. وقد لجأ إليه بعض الذين ينزعون إلى  نحت دين خاص بالمرأة لا يضع الآصار عنها والأغلال كما يفعل الإسلام بل يغمرها بها غمرا. عالج الحديث كثيرون منهم المحدث الألباني ذاكرا أن الطهر هنا يعارضه قوله السابق عليه الصلاة والسلام ( المؤمن لا ينجس) والنجاسة هي ضد الطهر وبذلك لا يحمل النهي إن صحّ إلا على الكافر الذي هو غير طاهر ولكن برز هنا إشكال آخر وهو أنه هو نفسه عليه الصلاة والسلام أرسل في مرات جاوزت العشرين رسلا وكتبا مختومة فيها من الذكر ما فيها إلى أمراء كفار ورؤساء مشركين. بل إن القرآن الكريم قبل ذلك أرشد إلى منح اللجوء إلى المشرك بغرض أن يسمع كلام الله. كيف اليوم و عندنا من كلام الله مصحف مكتوب؟ ألسنا نؤويه ونناوله كتاب الله نفسه أو بعضها منه على الأقل؟ فإذا كان أصمّ ألسنا نناوله كتابا فيه الذكر أو كتاب الذكر نفسه؟ كيف وهو مشرك أو كافر؟ أرأيت كيف يحشر الناس أنفسهم في خناقات ومضايق لا يخرجون منها بسبب التعلق بحديث ضعيف يعارض ظاهر القرآن الكريم؟ كيف يصمد هذا الحديث مع القرآن الكريم وكيف يصمد في وجه أحاديث أخرى كثيرة وردت آنفا وكيف يصمد مع فعل الصحابة كما رأينا ومع آراء الفقهاء الأوّل كما مرّ بنا وكيف وكيف وكيف؟؟؟ فلا مناص إذن إما من طرح هذا الحديث طرحا لا يعمل به وهو الأولى لأنه في تعارض تام مع ما سبق وإما أن نحمل الطهر على الطهارة المعنوية أي طهارة المشرك والكافر ولكن تبرز لنا كما رأيت هنا مشكلة أخرى لأن نجاسة المشرك هي نجاسة معنوية لا مادية فلا مانع إذن من أن يتناول الكتاب بنفسه وهو واقع اليوم ضرورة وخيارا معا. إلى أين المفرّ؟

 

لا بد من جمع النصوص والأدلة وليس توخي المنزع الإنتقائي

ألم يخرج علينا في العقود التالية والسنين الماضية نفر ببلبلة في الأمة عنوانها ( وقرن في بيوتكن ){60}. فلا تخرج المرأة من بيتها؟ ألست ترى أن النص سليم ولكن العقل سقيم؟ ألم تخرج الأم العظيمة عائشة وفي قضية سياسية عظمى بل في حالة معارضة سياسية مسلحة في تلك الأيام ولما يفترض أن يكون الذي خرجت عليه هو الشرعية ممثلة في علي يومها ولكن دعنا من حفريات لا نحتاجها الآن على الأقل؟ ألم نقرأ في السيرة والسنة والتاريخ أن كل نساءه خرجن من بيوتهن فلم يقررن فيها؟ هل عصينه أم عصين الله؟ فإذا طبّق الأمر على غيرهن ألم تخرج المرأة في عهده وبعده وحتى اليوم مجاهدة ومهاجرة ومعلّمة ومتعلّمة وسائحة وعاملة فما لقيت عنتا ولا نهيا؟ كيف التوفيق إذن بين هذا النهي المزعوم في آية الأحزاب وبين الواقع؟ ذلك هو أسلوب البتر والبسر والإجتزاء الذي يلجأ إليه الجهلى والعوام لهم تبّع تابعون. الأمر بالقرار في البيوت يجب أن يقرأ في ضوء ما يتبعه أي ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ){61}. أي أن الخروج ليس ممنوعا وإلا كيف تنهى المرأة عن التبرج في بيتها التي هي فيها قارة؟ أأعجمي وعربي؟ أأمر بالقرار ونهي عن التبرج؟ كيف يكون؟ لذا لا يكون الفهم الجامع عدا أن الأمر بالقرار في البيت ـ وقد سبق بالأمر بالقول المعروف ومحله خارج البيت أولى وأحرى ـ هو أمر لا يتعارض مع الخروج من البيت وإنما كان القرار ـ كما يؤوله ما يأتي بعده ـ في البيت بغرض ذكر ما يتلى فيها من آيات الله والحكمة وبذا تكون موازنة وإعتدال بين طلب العلم هنا مذاكرة طويلة وبين القول المعروف بغير تبرج خارج البيت. المقصود هنا هو أن منزع إبتسار النصوص وإجتزائها وإنتقائها منزع مليء بالمخاطر لأنه فهم موضعي لا موضوعي ووسائلي لا مقاصدي وجزئي لا جامع ومن هنا يكون ضلال بل إضلال إذا تصدى الناس لذلك في مجالس الناس

 

الخوف من الناس أشد ضرا من الخوف من حاكم الناس

سبق أن كتبت مرات فيما كتبت أني قرأت لفقيه معاصر مقاوم يحذر من أن الخوف من الناس وخاصة من الفئة التقليدية المنسوبة إلى الدين هو أشد خطرا من الخوف من حاكم الناس وأن كثيرا من هؤلاء يخشون الناس ولا يخشون حاكم الناس. لما قرأت هذا قبل عقود طويلة ما فهمت مرماه ولما كبرت عاينت ذلك بنفسي . رأيت كما ترون معي الآن أن كثيرا من الدعاة والأئمة والعلماء يحسبون ألف حساب في أقوالهم للناس وخاصة لأقرانهم في الساحة الدينية حتى لو كانت لهم سابقات من مغالبات ضد الظلمة والطغاة من الحكام. هو أمر محيّر حقا. إذ أن الخوف من بطش الحاكم هو المرقوب والمنظور أما أن يكون الرجل في وجه الحاكم البطاش أسدا هصورا ويكون بين أقرانه لا يقدر أن يصدع بما توصل إليه من صواب أو حق أو رأي فهو أمر محيّر. تداولت هذا الأمر بيني وبين نفسي مرات وإنتهيت إلى أن الإنسان بسبب غريزة حب التقدير يحتاج إلى همّة عالية وجهاد آخر يوازي جهاده الحاكم الجائر حتى يتخلص من سلطان إجتماعي بإسم الإجماع الذي للإمام أحمد فيه الذي فيه إنكارا على من بسطه على الأمة لاغيا حقها في إجتهاد جديد. قرأت للإمام أبي زهرة إذ ظل يكتم رأيه في رجم الزاني ـ وهي عقوبة يهودية لا وجود لها في شريعتنا ـ مدة زادت عن أربعين عاما كاملة حتى لمّا أحس بمنيته وكان في مؤتمر في طرابلس الليبية قبل زهاء نصف قرن كامل صدع برأيه وكان الذي كان. كما سمعت بأذني هاتين إماما هو من أجلّ ما عرفت علما وفقها ومعاصرة ومقاومة يقرّ بشيء شبيه في شأن المصافحة إذ أقرّ أنه كتم رأيه فيها خوفا من عامة المتدينين ومشايخهم عقودا طويلة. وهذا غيض من فيض مما يسمّى كتمان العلم خوفا من الناس وليس خوفا من الحاكم. فهل نظل نرقب الفقيه حتى يحسّ بقرب منيته ليقول لنا ما كان يكتم عنّا مما أفاء الله عليه؟ تلك هي مصيبة الأئمة. مصيبتهم في كتمانهم علما إنقدح عندهم خوفا من الناس أن يرمونهم بسهام الفسق والردة والهرطقة والزندقة والكفر وخرق الإجماع. هي مصيبة حقا. في هذا الأمر الذي نحن بصدده كذلك نجد من يتمحّل فلا يصدع برأيه فيه وفي قضايا أخرى كثيرة غلبت فيها سيادة التقليد وسطوة الأعراف وبدل أن يحقق المسألة علميا كما فعل هذا الشيخ الكبير في كتابه ( إعلام الخائض ) نجده ينوط المسألة بالفقيه الفلاني ويورد أقواله وأقوال غيره بحياد وإستقلال كأنه ليس معنيا بأمته وبالمرأة التي تملأ نصف الأمة وأزيد ثم يبرئ ذمته بقوله أن المسألة خلافية أو أن الأولى فيها التطهر بالنسبة للجنب. ليس هذا دورك يا حبيبي. أنت لست صحفيا أو محايدا أو رجلا عاديا ولا حتى واعظا إذا كنت في مقام تحرير علمي

 

إذا كان المشرك صاحب نجاسة معنوية لا مادية فكيف المرأة المسلمة

جاء في أقوال العلماء في قوله سبحانه ( إنما المشركون نجس) {62}. أن نجاسته معنوية بسبب الكفر وليست هي نجاسة مادية ولو كانت نجاسة مادية ما أحلت لنا منهم ما أحلّ من مثل المصافحة وأكل ما هو حلال لنا مما يطهون ويطبخون ولمس المصحف نفسه وهم اليوم يحملونه من قطر إلى آخر بغرض البيع من مثل ما يقع مع بعض السفارات العربية مثلا في الدول الغربية وغير ذلك كثير يثمر أن المشرك ليس صاحب نجاسة مادية وإلا لوجب علينا الوضوء بعد مصافحة كل كافر أو كافرة وإنما نجاسته معنوية. إذا كان ذلك كذلك ـ وهو كذلك إن شاء الله ـ فكيف تكون المرأة الحائض نجسة رجسة لأنها حائض أو نفساء؟  أقول ذلك لأنه وهم إستبد ببعضهم من دون وعي سابق فيهم بما جعلهم يفرّون إلى تحريم مسّها الكتاب الكريم وإن لم يصرحوا بذلك بل صرّح بعضهم به وقاحة. ها هي أزواجه عليهن الرضوان يصبن منه ما يصبن ويصيب منهن ما يصيب حتى لذة جنسية دون إيلاج بله مناولة شيء ومؤاكلة. بل ها هي المستحاضة تعتكف في المسجد. ماذا تفعل مستحاضة تعتكف في مسجد؟ ترقص؟ أليست هي تقرأ القرآن وتذكر الله؟ هل هناك عمل آخر أحب للمعتكف رجلا كان أو إمرأة عدا الذكر والقرآن سيد الذكر ولحمة الذكر وسداه خاصة إذا كانت المرأة حائضا لا تصلي وهي معتكفة؟

 

أيهما أقدس : النبي أم المصحف؟

الحديث عن المقدسات في الشريعة مهم. الله هو القدوس سبحانه. ليس لنا شيء فيها بهذا الإسم ولكن أظن أنه لا خلاف في أن المقدسات العظمى التي لا خلاف عليها هي : الله سبحانه وكلامه أي القرآن الكريم في حالنا نحن وأنبياؤه عليهم السلام جميعا والملائكة حتى لو كنا لا نراهم ولا يمكن لمسهم ولا مسّهم والكعبة البيت الحرام وكذا الحرمات الثلاث التي لا تشدّ الرحال إلا إليها وكذا أماكن العبادة بما فيها ـ كلاما لا يحبه الناس ـ غير الإسلامية مادام أهلها مسالمين غير محاربين. لا أعرف مقدسا آخر عدا مقدسا هو أقدس من بعض هذا وهو الإنسان المكرم المحرر الذي فيه من روح الله سبحانه نفخة. لا أعلم مقدسا آخر. لو قمنا بترتيب هذه المقدسات فإن لنا أن نقدم الإنسي منها على الجماد إذ أن قتل إمرئ مؤمن أعظم عند الله سبحانه من هدم الكعبة كما جاء في الحديث. أيهما أقدس محمد عليه الصلاة والسلام أم المصحف؟ لا أطرح السؤال للإجابة ولكن أقول أن محمدا عليه الصلاة والسلام  يسلم عليه المشركون والمنافقون والكافرون والمحاربون ولا ينكر ذلك عليهم وما نهي هو عن ذلك ويصافحه الجنب وغيرهم. وهو أولى بالمنع مثل المصحف أو قبله لو كان الأمر خاضعا للتقديس. صحيح أنه بشر ولكنه بشر بسبب النبوة رقاه الله أعلى المناصب طرّا مطلقا وليس هناك من هو أقرب منه إلى الله سبحانه. كيف يترك هذا لذاك إذن إذا كانت القضية متعلقة بالقدسية؟ أي أن الذين يحرمون على المرأة مسّ كتاب ربها بسبب أنها ( رجس أن نجس ) وأن المصحف مقدس لا حجة لهم ولا برهان. إذ لو كان الأمر كذلك لكان محمد عليه الصلاة والسلام أولى بذلك

 

سد الذريعة التي ذبح به الأولون الآخرين

الذريعة هي السبيل وهي في الحقيقة العلمية ليست أصلا من أصول التشريع ولكنها وسيلة إستئناس وسبيل تحقيق علمي وهي عملية عقلية منطقية مثلها مثل القياس. في القديم وخاصة عندما توقفت حركة الإجتهاد وأشهر سيف التقليد تحشية وتمتينا ـ نسبة إلى المتون المستغلقة ـ توخى بعضهم ـ بل كثير منهم ـ سبيل الذريعة فسدّها سدّا عجيبا وغدت الذريعة كلها مسدودة سواء أفضت إلى مصلحة أو إلى مفسدة. المشكلة دوما في الأتباع كما يقولون والمشكلة دوما في المغالاة وليس في الأصل. أنظر إلى قضية تعدد الزوجات. قضية شرعية صحيحة لا جدال فيها ولكن أساء كثير من الرجال إستخدامها حيفا بالمرأة فجعل ذلك بعضهم جريئا على سدّها بالكلية ولقي ذلك بعض القبول. لم؟ لأن إساءة إستخدام الحق هو الداء الوبيل الذي يجعل الطرف المقابل يتعجل سدّه بالكلية فتكون الشريعة في نظر الناس عرجاء وما هي كذلك ولكن النظرات تعرج. سارع الأولون إلى سد الذريعة غافلين عن فتحها وهي في الحقيقة تحتمل الفتح والسدّ معا أي بحسب ما تفضي إليه لأنها ليست أصلا تشريعيا مستقلا بل عاملا إضافيا يستأنس بها . وأشد حقل نحر به الأولون سبيل الآخرين بإسم سدّ الذريعة هو حقل المرأة خوفا بزعمهم من الفتنة. والفتنة صوروها تصويرا جاهليا أسّه أن المرأة يخاف منها وليس عليها. ولذلك حرموا عليها السفر بلا محرم جاهلين أن النهي معلّل مقصد وأن الحكم كما يقول الأصوليون يدور أبدا مع علته وجودا وعدما. وأمثلة أخرى لا تحصى ولا تعدّ وبذلك تعطل دور المرأة وأضحت الحياة بدونها عرجاء وسبق الغربيون إلى هذا فكانت فتنة.ومن الذريعة التي ذبحونا بها أن المرأة حيطة دينية كاذبة لا تمسّ المصحف لأنه في ذلك مظنة تدنيس له أو تلويث أو تنجيس أو ترجيس وهذه عقيدة مسيحية دون ريب. ومن ذا وجب ـ كما فعل كثير من المعاصرين ـ الإلتفات إلى فتح الذريعة حتى يحصل في تديننا وفقهنا توازن بين ما سدّ وكثير منه وهم موهوم وتضييق شنيع وبين ما يجب أن يفتح وإلا كان حرج وعنت ومشقة. الذريعة هنا هي أن تناول المرأة الحائض كتاب الله مظنة إستهانة به. هذا فهم سقيم عقيم. ومن الأدلة عقلي ومنها نقلي فإذ قد إنتهينا إلى أنه لا شيء في النقل يمنع المرأة من ذلك فإن العقل يقول أن المرأة التي تتناول كتاب ربها تتلوه وهي حائض لا تستهين به وإنما تقدسه وتكرمه وبه تريد أن تتزكى والعقل يقول أن الإستهانة به هو حرقه أو إهماله من دون قراءة فوق الرفوف تفترسه الأغبرة

 

كلمتان في الختام

 

الكلمة الأولى : هذا مآل فاسد

علّمنا الفقه أنه صناعة تقوم على إلتقاط النص أو الدليل الجزئي أو الكلي أو العام ثم إلتقاط علته أو مقصده حسب حقله ثم النظر في محله فإن حضر وجهز وإلا كان تعليق وتأجيل أو إستثناء كما فعل الفاروق عليه الرضوان وغيره من الصحابة عند غياب المحل ومن بعد ذلك تختم الصناعة الفقهية بتصور المآل أي فقه الواقع بالتعبير المعاصر. تلك هي عناصر الصناعة الفقهية فإن روعيت جاءت صناعة فقهية تخدم مقاصد الإسلام وإن فسدت أو فسد بعضها كانت كارثة فكرية تجر الويلات وتقدم الإسلام للناس تقديما سيئا فيزدادون منه فرارا. مآل التحريم المزعوم على المرأة الحائض أن تتناول كتاب ربها تتلوه أو تعلّمه هو مآل فاسد لا يتلاءم مع فريضة تدبره وما أنزل هو إلا بغرض التدبر ( ليدبروا آياته ).{63}. هذا مآل فاسد ورعاية المآل مشروطة في الصناعة الفقهية. مآل فاسد في أمة غلب عليها الجهل بدينها وأحكامه ومن هنا وجب تسريع عملية التعليم كمّا وكيفا. مآل فاسد في عالم يغري المرأة ويغويها بإتباع منهجه فإما أن نعدّ لهذه المعركة قيادات نسائية متقدمة في الفهم والتنزيل وإما أن نهزم في حقل لو هزمنا فيه ما قامت لنا قائمة وهو حقل المرأة. المعركة اليوم في الأرض بأسرها وبسبب التقدم التواصلي وثورة المعلومات هي حول المرأة كلّ يغريها بنموذجه فإما أن نكون في يمّ هذه المعركة محاربين نغري المرأة بدين ربها وكتاب ربها دون قيود عدا القيود التي ثبت بصحة وصراحة أن الشرع وضعها ـ  وهي الصلاة فحسب ـ وإما أن تهجر المرأة ديننا وتتحقق فينا مقولة المكر حقا : مجتمع ذكوري لا حظ للأنثى فيه. هذا مآل فاسد لأن القرآن هو محط العلم ومعين المعرفة فإذا حرمنا منه نصف الأمة حرم منه النصف الآخر الذي على يديها يتربى وفاقد الشيء لا يعطيه كما قالت العرب بحق. هذآ مآل فاسد يتجه في الإتجاه المعاكس لتراثنا الأوّل حيث أن أوّل مؤمن هي إمرأة وأن أوّل شهيد هي إمرأة وأول مستأمن حافظ لكتاب الله هي إمرأة

 

 

الكلمة الثانية : أخشى عليكم هذا : حرموها حرمهم الله

أصل الخشية أنه عليه الصلاة والسلام لمّا بعث بعثة من أصحابه في مهمة وإتفق أن أصابت أميرهم جراحة أو جنابة منعه أصحابه من التيمم وأرغموه على الغسل فمات وكان الرجل الأمير لفرط فقهه يريد التيمم حفظا للحياة المقدمة على حفظ الدين هنا بحسب السلم المقاصدي الأصولي المعروف. فلما وصله الخبر عليه الصلاة والسلام غضب غضبا شديدا ربما لم يغضب مثله قط في حياته ودعا على هذا النفر من صحابته دعاء لم يدعه حتى على المشركين المحاربين عدا مرة واحدة تقريبا وهو يقول ( قتلوه قتلهم الله قتلوه قتلهم الله قتلوه قتلهم الله ).{64}. أجل. يدعو بحرقة وحرارة وغضب وتثليث على نفر من صحابته. لم؟ لأنهم جهلوا الحكم الحقيقي للقضية ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ( إنما شفاء العيّ السؤال .. إنما يكفيه أن يتيمم). أرأيت كيف أن الجهل يعرّض صاحبه ولو كان صحابيا إلى دعاء مستجاب الدعوة عليه بالقتل. هل شفعت لهم سابقتهم أو جهادهم أو صحبتهم أو إيمانهم أو إسلامهم؟ كلا والله؟. ذهب كل شيء لمّا بلغ الأمر حدّ التسبب جهلا ـ وليس قصدا ـ في قتل إنسان. أخشى على المنسوبين إلى الدين والله أن يباغتوا يوم القيامة بمثل هذا ( حرموها من كتاب ربها حرمهم الله). أجل. حرموها من لقاء ربها بلقاء كتابه وهو الصلة الوحيدة به في الحياة. لو كان الأمر متعلقا بغير القرآن الكريم لهان أمر لا يهون ولكن الأمر متعلق بالذكر وخير الذكر التلاوة التي هي مفتاح النظر والتدبر والتفكر والتأمل والسير في الأرض. هنا يلجأ العاقل إلى فتح الذريعة حتى لو كان في قلبه منها شيء لأن الأمر جلل وجلله في أن المحروم إنسان وأن المحروم منه قرآن. أما أن يلجأ بإسم الذريعة نفسها إلى الإتجاه المعاكس وبلا دليل من القرآن ولا من الحديث ولا عليه إجماع من الصحابة ولا من التابعين ولا من الفقهاء لا قديما ولا حديثا فلا أظن إلا أن الأمر جلل ومن يتورط فيه لا أظن أن الله يريد به خيرا كثيرا ولا يعذر جاهل بجهله. حتى عند الذين يترددون أنه محل خلاف وعلى حد تعبير الدكتور محمد الشنقيطي ( العلم الشرعي والموقف الشرعي ) فإن العلم الشرعي الذي لم يحسم في الأمر فكان خلافيا فإن الموقف الشرعي رعاية لزماننا ومكاننا وحالنا وعرفنا يحتّم علينا دون ريب الإتجاه نحو الإباحة فتحا لذريعة التعلّم أمام المرأة ولذريعة تعليم الولد في البيت وخارجه ولذريعة رفع الأمية عن أمة تلقت أوّل كلمة وهي ( إقرأ) ونسبة الأمية فيها اليوم تربو عن ثلاثة أرباع كاملة

 

الهوامش

 

{1} سورة المائدة آية 48

{2} سورة الشورى آية 17

{3} سورة الحديد آية 25

{4} سورة الحديد آية 25
{5} سورة النساء آية 113

{6} سورة النساء آية  59

{7} أخرجه أحمد والدارمي وأبوداود والترمذي

{8} سورة النساء آية 43

{9} أخرجه البيهقي

{10} سورة الكهف آية 29

{11} سورة الواقعة آية 75 حتى 80

{12} سورة يوسف آية 2

{13} سورة الفرقان الآية 1

{14} أخرجه البخاري عن إبن عمر

{15} سورة الأنعام الآية 19

{16} سورة البقرة آية 256

{17} سورة صاد آية 41

{18} سورة الأعراف آية 188

{19} سورة البقرة آية 275

{20} سورة الأنعام آية 112

{21} سورة المائدة الآية 6

{22} سورة مريم الآية 20

{23} سورة المجادلة الآية 3

{24} سورة الحجر الآية 91

{25} سورة البقرة الآية 222

{26} سورة الواقعة الآية من 75 حتى 80

{27} سورة الشعراء الآية 210

{28} سورة عبس الآية من 12 حتى 16

{29} سورة النساء الآية 43

{30} سورة الأحزاب الآية 34

{31} سورة الأحزاب الآية 35

{32} سورة النحل الآية 30

{33} سورة النور الآية 8

{34} سورة المائدة الآية 106

{35} سورة الكهف الآية 27

{36} سورة فاطر الآية 29

{37} متفق عليه عن عائشة

{38} متفق عليه عن أبي موسى الأشعري

{39} أخرجه البخاري عن عثمان

{40} حديث لا حسد إلا في إثنتين : متفق عليه عن إبن عمر

{41} أخرجه البخاري

{42} أخرجه مسلم عن عائشة

{43} أخرجه مسلم عن عائشة

{44} متفق عليه عن أبي هريرة

{45} أخرجه البخاري عن عائشة 

{46} متفق عليه عن أم عطية الأنصارية

{47} أخرجه البخاري عن إبن عباس

{48} أخرجه أبو شيبة عن عمر

{49} أخرجه أحمد والدارمي وبعض أهل السنن عن أبي مليكة

{50} سورة آل عمران الآية 36

{51} أخرجه أبوداود عن أبي هريرة

{52} سورة يوسف الآية 109

{53} سورة النور الآية 37

{54} أخرجه أحمد وبعض أهل السنن عن إبن عمر

{55} أخرجه مسلم عن زينت زوج عبد الله إبن مسعود

{56} متفق عليه عن إبن عمر

{57} سورة  التحريم الآية 6

{58} أخرجه مسلم عن عبد الله إبن عمرو إبن العاص

{59} أخرجه الطبراني

{60} سورة الأحزاب الآية 33

{61} سورة الأحزاب  الآية 33

{62} سورة التوبة الآية 28

{63} سورة صاد الآية 29

{64} أخرجه أحمد والدارمي وأبوداود والطبراني والبيهقي عن إبن عباس

 

المراجع والمصادر

 

ــ إعلام الخائض بجواز مسّ المصحف الشريف للجنب والحائض ـ أبو الفضل عمر إبن مسعود الحدوشي

ــ تحرير المرأة في عصر الرسالة ـ  عبد الحليم محمد أبو شقة

 

الهادي بريك ـ ألمانيا

brikhedi@yahoo.de

 

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.