.

.

الشباب التونسي المُغرّر به في سوريا والعراق، من له؟

بتاريخ : 2018-08-29 الساعة : 02:00:15

اسم الكاتب : طه البعزاوي     التصنيف : الكلمة الحرّة     عدد القراء : 585




 مقالات أُخرى للكاتب - طه البعزاوي
الصبيانية السياسية في خطاب حزب النداء
رسالة مفتوحة إلى المكتب البلدي بالشراردة
البلديات المنتخبة وفرصة الانطلاق الجديدة
فتاوى الإنتخابات ومشايخ الدّجل!
أي عدالة وأي انتقال ديمقراطي دون حقيقة أو كرامة؟
رجال عـــرفتهم (4) "لؤي" رجل لقيته مرة ولم أعرفه بعد!
"مقاومون" بلا إنسانية!
مُجَرِّمُون للتطبيع أم وُشاة للصهاينة؟
كلمات في العلاقة بحزب النهضة والدفاع عنه
اعتراف للنساء دون قاضي تحقيق ولا عصا بوليس!

المزيد من المقالات

كل التقارير والإحصائيات تقدّر أن بضعة آلاف من الشباب التونسي توجه إلى العراق عقب الإحتلال الأمريكي في العشرية الأولى من هذا القرن للوقوف مع شعبها وجيشها ضد المستعمر، ثم إلى سوريا بعد ذلك لدعم شعبها الثائر ضدّ حاكمه المستبدّ!
هكذا كانت الصورة في عمومها بداية ثمّ تشوّشت وتداخلت واختلطت الأهواء والأطماع والميولات وثشوّهت الأهداف بالأفكار المنغلقة والتديّن المغشوش والمكر المخابراتي الذي يتخذ الإرهاب مطيّة لتحقيق أهدافه في السيطرة على الأمة ومزيد إضعافها وتشتيتها.

هو ملف حارق يستعمل في الكيد السياسي والتراشق بالتهم، من الذي دفع بهؤلاء الشباب لسلوك هذا المسلك؟ ومن جنّدهم لهذا الدور أو أغراهم به؟ ومن يسّر لهم الطريق؟ ومن أنفق عليهم حتى بلغوا أماكن التوتر؟ ... هي أسئلة يكذب من يزعم أنه يملك أجوبتها المقنعة والموثّقة! ... لأن الأسباب عديدة والدوافع مختلفة بعضها فكري إيديولوجي، وبعضها نفسي، وبعضها ديني، وبعضها مخابراتي، ولا يمكن أن يحلّ طلاسمها "حداثويّ" ثَمِل في خمارة ولا متديّن يلطم في "حوزة" أو"عفلقيّ" زاعم أنه حامل للواء المقاومة، فالحقيقة أكبر منهم جميعا وإن كانوا هم بعضا منها!

تناول هذا الملف يحتاج إلى الصدق والجرأة والتخفف من الحسابات السياسية الضيقة والتعامل بواقعية و"برغماتية" ـ إن صح التعبير ـ ذلك أن الحقيقية التي لا جدال حولها ـ كما ذكرنا ـ أن آلافا من الشباب التونسي قد ذهبوا اضطرارا  أو اختيارا بحسن النّية أو فسادها للالتحاق بالتنظيمات الموصوفة بالإرهاب مثل "داعش" والنصرة وغيرها كما أن كثيرين قد سبقوا تلك التنظيمات إلى بؤر التوتر وكان انضمامهم لها لاحقا للالتحاقهم بتلك الأماكن الملتهبة.
والحقيقة الأخرى أن أعدادا كبيرة من تلك الآلاف قد لقيت ربّها وأفضت إلى ما قدّمت وهو حسيبها، وإنما حديثنا الآن عمّن بقي منهم على قيد الحياة سواء كان في الفلول الهاربة أو الأسرى في السجون العراقية والسورية أو عند بقية التنظيمات مثل الأكراد والجيش الحرّ و"حزب الله" وإيران والروس وتركيا!
فمن حيث المبدأ كل دولة محترمة مسؤولة عن مواطنيها سواء صلحوا أم عقّوا، فهي تحمي صالحهم وتحاول أن تردّ عاقّهم أو من غُرّر به! فالمجرم الذي لا يمنح فرصة للعودة والتوبة ومراجعة نفسه يزداد في إجرامه، مثله مثل الوحش  حين يحشر في الزاوية. ومن المعلوم أن العقاب القضائي جُعل لهدف الإصلاح ولذلك سُميت السجون ـ نظريّا على الأقلّ ـ  ملحقا بها صفة الإصلاح، ذلك أن فلسفة العقوبة تهدف للإصلاح وليس للتّدمير والتّشفي ممن أجرم أو أخطأ.

كثير من حملة هذا الفكر المتطرف قد ساهم في إعطاء صورة مشوهة عن تونس وشعبها، ولكن كثير منهم قد ندموا وانتبهوا بعد فوات الأوان إلى أنهم قد غُرر بهم، وهم يأملون أن يُمنحوا فرصة ليقفوا أمام قضاء بلادهم ويتحملوا مسؤولية أعمالهم ويقضوا ما عليهم أملا في فرصة تعيدهم إلى المسار الطبيعي للحياة بين أهلهم.

بعض "النخبة" التونسية المتطرفة في عَلمنتها ساهمت في حشر هذا الشباب  في الزاوية ودفعتهم إلى هذه الأعمال اليائسة وتريد الآن أن تغلق عليهم طريق العودة بدعوى الخوف مما يمكن أن يصدر منهم من أعمال إرهابية، وفاتهم أن الخوف الحقيقي ليس ممن يعود طائعا مختارا بقدر ما يكون ممن يتسلل لواذا! ... ولنا في تجربة الجزائر خير مثال!

منذ اندلاع هذه الأزمة لم يتمّ تناولها تناولا هادئا ولا رصينا يضع مصلحة البلاد أوّلا في الاعتبار، وحقّ التونسيين الدستوري في وطنهم حتى وإن كانوا مذنبين، ولم توضع في الاعتبار معاناة أهاليهم وآلامهم والغصص التي يتجرعونها منذ "اختفاء" أبنائهم، فحتى البكاء لا يستطيعون أن يبكوه بصوت مسموع، وكل ذلك بسبب الصخب الإعلامي والتهريج السياسي الذي لا يراعي الجانب الإنساني في المشكلة!


ولم تحصل لدينا صورة واضحة عن موقف الدولة التونسية في التعامل مع هذا الملف وهل تسعى لاسترجاع أبنائها وتوظيف علاقاتها الديبلوماسية والمخابراتية والمصلحية في سبيل ذلك، أم إن الدولة تتعامل كذلك بمنطق "ارتحنا منهم"! ... ثمّ أليس استرجاعهم هو الخطوة الأولى على طريق تفكيك شبكات تسفيرهم ومن يقف خلفها، تلك التّهمة التي تتقاذفها "النخبة" دون حجة أو دليل! ودون أن يتحمّل السماسرة مسؤولياتهم وينالوا جزاءهم!

لم أكن أتصوّر أنني سأتناول هذا الموضوع وبهذه الكيفية ولكن أبًا مكلوما أراه مسكينا كمن يجري وراء سراب يحاول أن يطرق كل الأبواب ويتعلّق بكل قشة قد يحوّلها الله إلى جسر يعيد له ابنه المصاب والمعتقل لدى الجيش الحرّ في المناطق المتاخمة لتركيا!
قال بأنه خدم بلده في مواقع متقدمة وتحت راية عَلّمِهِ المُفدّى وذكر بأن ابنه قد غُرر به وتمّ التحايل عليه لتحوّل وجهته إلى سوريا سنة 2014 بعد إغرائه براتب مهم في العمل وفق تخصصه.
وأفاد بأن ابنه لم يحمل سلاحا ولم يقاتل وقد أصيب في انفجار لبرميل متفجّر سنة 2016  أصابه بكسور وتشوّهات وفقدان عينٍ وتضرّر الأخرى، وقد حاول هذا الإبن مرارا الفرار من الأماكن التي تسيطر عليها "داعش" ولمّا نجح في الإفلات باتجاه تركيا وقع في قبضة فصائل "الجيش الحر" في جانفي 2018!
هذا الأب المكلوم تونسي مسلم لا يحمل فكرا إرهابيا ويحترم قضاء بلاده  ويقول بأنه مستعد لفعل أيّ شيء في سبيل أن يتمكن من علاج ابنه حتى لا يفقد البقية الباقية من بصره، وهو مع أن يُعرض ابنه على القضاء التونسي أو حتى يقبع في السجن أو يُعرض على القضاء التركي أو يسمح له بمعالجته ثم يعاد "للجيش الحرّ"!


عندما نسمع هذا الكلام بقلب أب "يرثي" وحيده ويقول بأنه مستعد لفعل أي شيء وفق ما يسمح به قانون بلاده أو البلاد التي تستقبل إبنه نفهم مدى اللوعة والمعاناة خاصة بعد حصوله على رسالة صوتية من ابنه يستغيثه ليفعل أي شيء من أجله!
هذا الوالد يرجو دولته التي خدمها بتفان وكل من له قدرة على المساعدة من أحزاب أو جمعيات مدنية وحقوقية وشخصيات وطنية ودولية أن تساعده وهو مستعد للتواصل  معها من أجل انقاذ ابنه!


المسكين اتصل بي معتقدا أنني يمكن أن أساعده ولكن ما باليد حيلة، وهذه الكلمات هي جهد مقلّ و"إن الكريم إذا دعي لطعنة أجاب" فما بالك وهو يدعى لمساعدة مكلوم تحترق كبده على ضناه!
وما أكثر هؤلاء الآباء والأمهات وإن زفراتهم لتسمع من بعيد لمن ألقى السمع وهو شهيد!

وإليكم هذه الفقرة كتبها لي أب هذا الشابّ المغرر به والمعتقل لدى الجيش الحرّ:
"تلقيت تسجيلا صوتيّا خلال أواخر شهر جوان 2018 من ابني يفيد بأن حالته الصحية لا تنتظر أكثروأنه على وشك أن يفقد البصر تماما وأن الحديد المثبت بذراعه اليمنى والذي من المفروض أن ينزع في آخر شهر مارس مازال إلى حد الآن وأن الرعاية الصحية بالسجن منعدمة تماما وهو يستغيث بنا طالبا النجدة الإنقاذه مما هو فيه.
أطلب الإعانة على استرجاعه إلى تونس لإسعافه ونجدته قبل فوات الأوان ثم المثول أمام القضاء التونسي أو إجلائه إلى تركيا على الأقل لعلاجه ووضعه على ذمة القضاء التركي أو إرجاعه إلى الجيش الحرّ. أهم شيء هو أن يسعف قبل فقدان البصر تماما". (انتهى النقل)


وقد تعمدت أن لا أذكر الأسماء في مقال علني لسببين أولهما أن الحالة المذكورة هي عينة واحدة من مئات أو آلاف الحالات وثانيهما من رأى في نفسه القدرة على المساعدة لن يعدم الوسيلة أو معرفة الأسماء.

طـه البعزاوي
29 أوت 2018




مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.