.

.

الخيار في المساواة أشدّ فتنة من الحسم فيه

بتاريخ : 2018-09-01 الساعة : 10:19:43

اسم الكاتب : د.عبد المجيد النجار     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 51




بسم الله الرحمن الرحيم
 
في الجدل الدائر على قضية المساواة في الإرث بين الذكر والأنثى يُطرح التشريع للخيار بين اعتماد المساواة واعتماد القسمة الشرعية، ويروّج لهذا الخيار أن يكون مدرجا ضمن القانون كحلّ وسط بدل اعتماد التقنين للمساواة الحاسمة، ويُستدرج أبناء الحركة إلى هذا الرأي حتى يظنّ بعضهم أنه وإن كان لا بدّ فنوافق عليه تفاديا للتقنين الصارم للمساواة.
وفي الحقيقة وعند التأمّل يظهر أنّ التقنين لهذا الخيار هو أكبر فتنة من التقنين للمساواة، وبيان ذلك كما يلي:
1 ـ تشخيص صور الخيار
للخيار كما هو رائج في المقترحات المطروحة ثلاث صور
أ ـ أن يقنّن للمساواة أصلا ويترك للمورّث أن يختار الوصية باعتماد التقسيم الشرعي، وهو مقترح رئيس الجمهورية,
ب ـ أن يبقى التشريع كما هو بحسب التقسيم الشرعي ولكن للمورّث الوصية بالتقسيم بالمساواة، وهو اقتراح ورد في التقرير
ج ـ أن يترك الخيار للمرأة الوارثة في أن تعتمد القسمة بالمساواة أو بالتقسيم الشرعي، وهو ورد هذا في التقرير أيضا
2 ـ الأصول التي بني عليها نظام التوريث

ولبيان ما في هذه الصور كلّها من شرّ نمهّد ببيان أصلين رئيسيين بني عليهما نظام التوريث في الشريعة
أ ـ ملكية المال، وهو أصل عقائدي، يقوم على أنّ الملكية الحقيقية للمال هي في العقيدة الإسلامية ملكية لله تعالى والإنسان إنما هو مستخلف فيه يتصرّف فيه بحسب أوامر المستخلف. وبناء على ذلك فإنّ الإنسان في حياته يملك المال ملكا استخلافيا فإذا ما مات انقطعت ملكيته الاستخلافية هذه، فليس له أن يتصرّف في حياته في المال الذي سيتركه بعد موته لأنه يفقد الصفة التي يكون بها التصرّف وهي صفة
الملكية، ويتولى تقسيم هذا المال المالك الحقيقي وهو الله تعالى. فإذا ما قسّم في حياته المال الذي سيتركه بعد موته فإنه يكون قد تصرّف فيما لا يملك ( يستثنى من ذلك الوصية المشروعة بشروطها وهي لا علاقة لها بالورثة)
ب ـ حسم النزاع، وهو أصل مقاصدي، فشهوة المال هي من أقوى الشهوات التي ينشأ بسببها النزاع؛ ولذلك فإن الله تعالى تولى قسمة المال الموروث ولم يترك ذلك للناس، والمقصد من ذلك حسم مادّة النزاع على الأموال الموروثة إذ هي مقسومة بدقّة من مصدر علوي فينصاع لها الناس طوعا ولا يبقى مجال للظنون والشكوك في التحايل والمحاباة والمراكنات، وهو مقصد عظيم الأثر في استقرار الأسرة والمجتمع.
3 ـ وجوه الفتنة في التقسيم بالخيار
الخيارات الثلاثة المطروحة تحمل من الفتنة أكثر مما يحمله التشريع الحاسم بالقسمة مساواة وبيان ذلك:
أ ـ التقنين بترك الخيار للمورّث أو للوارث في كيفية القسمة مساواة أو بحسب الشريعة هو تصرّف للإنسان فيما لا يملك، ذلك لآن المورّث ماله بعد موته ليس ملكا له فالموت قطع صلته به، وقد قسّمه مالكه الحقيقي في أوامر قطعية، فتدخّل الإنسان في تقسيمه مخالف للمبدإ العقدي ومخالف للأمر التشريعي القطعي. فالتشريع بذلك فتنة دينية كبيرة.
ب ـ حينما يُترك التقسيم للإنسان على سبيل الاختيار بين طرق التقسيم فإنّ المقصد الأعلى من تقسيم المواريث وهو حسم النزاع يسقط تماما، ويفتح باب واسع للإحن والنزاعات والخلافات في نطاق الأسرة خاصّة. فلماذا أبي أوصى لي بالنصف وكان يمكنه الوصية بالثلثين، لا بدّ أنه أضغط عليه في ذلك فلان أو فلانة من الأقارب، أو أنه لا يحبني فحرمني، ولماذا أختي (في الصورة الثالثة) تقاسمت معي بالمناصفة وكان يمكنها إعطائي الثلثين، لا بدّ أنّ زوجها أثّر عليها استئثارا منه بثروة والدي، وهكذا يفتح في بناء الأسرة باب من الفتن ظنونا وأوهاما وحزازات ومؤامرات ومراكنات كفيل بأن يأتي عليها بالتقويض، وقد كان الأمر مسلّما به في حال القسمة الشرعية الربانية، وقد يكون أيضا مسلما به في حال التقنين الصارم بقسمة المساواة 
وإذن فإنّ طريقة التقسيم باختيار المورّث أو الوارث تشترك مع طريقة التقسيم القانوني بالمساواة في فتنة الدين إذ في كلّ منهما مخالفة لما هو قطعي، ولكنّ طريقة التقسيم بخيار المورّث أو الوارث تزيد عليها بفتنة الإحن والتوجّس والحزازات في نطاق الأسرة فهي أكثر منها شرّا لمخالفتها للمبدإ العقدي ومخالفتها للمقصد الشرعي. 
ج ـ في تحويل تقسيم الميراث من الأمر الإلهي إلى الخيار الإنساني فتنة اجتماعية كبيرة، إذ فيه تجرئة على تجاوز حدود الله المنضبطة في نظام الأسرة، فإذا سقطت من نظام الأسرة هذه الحجرة الركنية (تقسيم الميراث) فإنّ البناء الأسري كله سيتخلخل ويكون من ذلك شر كبير على البناء المجتمعي بالاستهتار بالبناء الأسري الركن الركين في البناء المجتمعي.
د ـ فتنة التقسيم بالخيار ستطال الحركة بعنف إذا ما مالأت فيه أو ارتخت في رفضه أو تلقته بالقبول حلا وسطا؛ ذلك لأن الرفض الشعبي لتغيير نظام الإرث في اتجاه المساواة رفض عارم، وممالأة الحركة فيه فضلا عن تلقيه بالقبول وهي المنسوبة إلى المرجعية الإسلامية سيجعلها تسقط في الميزان الشعبي سقوطا لا قيام بعده.
ولاتقاء هذه الفتن العامّة والخاصّة ينبغي التصدّي بقوّة لتغيير نظام الميراث بالقوانين المقترحة تقسيما بالمساواة أو تقسيما بخيار المورّث أو الوارث اتقاء لغضب الله واتقاء لفتنة أسرية واجتماعية واتقاء لموقف يعدّه الناخبون خيانة وغدرا.

والله ولي التوفيق

د عبد المجيد النجار

16/8/2018

 

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.