.

.

يا أهل تونس انفروا خِفافا وثِقالا لإنقاذ دينكم وهويتكم وأجيالكم!

بتاريخ : 2018-09-01 الساعة : 10:26:38

اسم الكاتب : الشيخ محمد الهادي الزمزمي     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 61




 مقالات أُخرى للكاتب - الشيخ محمد الهادي الزمزمي
تقرير للحرّيّة والمساواة أم لبثّ الفتنة والعداوات؟!
إذا كان الغراب دليل قوم...!!
تونس...الإسلام الذّبيح!! ماذا وراء القرار المريب بتعطيل شعائر الحجّ والعمرة في تونس؟!
أفحكم الجاهلية يبغــون؟! ردّا على تصريح الأستاذ البحيري -الجزء الأول
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النّار!! (الجزء السابع)
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النّار! (الجزء السادس)
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النّار! (الجزء الخامس)
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النّار! الجزء الرّابع

المزيد من المقالات

 بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الصادق الأمين

رسالة مفتوحة إلى عموم أهالي تونس أن :

يا أهل تونس انفروا خِفافا وثِقالا لإنقاذ دينكم وهويتكم وأجيالكم!

- 2 -

عرضنا في مقالنا الأوّل - " تقرير للحرّيّة والمساواة أم لبثّ الفتنة والعداوات؟!" المنشور بموقع باب بنات[1]، بتاريخ يوم الإثنين 23 جويلية 2018، وموقع الحوار نت[2]، وسواهما من المواقع - بعض ما جاء في ذلك التقرير من مخالفات شرعيّة شنيعة تطعن في نصوص القرآن العظيم وأحكامه الثابتة القطعيّة، كالدّعوة إلى المساواة في الإرث، واستحلال زواج المسلمة من غير المسلم، واستحلال فاحشة اللواط! ونحوها من الفواحش الجنسيّة والمنكرات! والسّعي إلى تجريد القوانين التونسيّة من كلّ عبارة ذات صبغة دينيّة!

ودعونا في مقالنا ذاك شعبنا التونسي المسلم بجميع فئاته إلى التصدّي لذلك التقرير الخطير! من أجل إسقاطه وقطع الطريق على أصحابه.

ونظرا إلى أنّ الرئيس "السبسي" وزمرته في عَجلة من أمرهم لعرض هذا التقرير على مجلس نوّاب الشعب في يوم 13 أوت الجاري للمصادقة عليه واعتماده قانونا للدولة التونسيّة، إذ " قالت رئيسة لجنة الحرّيّات الفرديّة والمساواة...إنّ يوم 13 أوت القادم سيكون يوما تاريخيّا، وذلك في معرض ردّها على سؤال حول موعد المصادقة على تقرير اللجنة. وأضافت بالحاج حميدة في حوار أجرته معها صحيفة  “لي بوان Le point” الفرنسيّة بعددها الصّادر يوم 20 جوان..أنّ “الكرة في ملعب رئيس الجمهوريّة الباجي قائد السبسي المخوّل له طرح التقرير كمبادرة تشريعيّة وتنقيحه ”[3].

وهكذا يريدون أن يفرضوا مشروعهم التخريبيّ - قهرا - على الشعب التونسيّ المسلم، ليجعلوا من ذلك اليوم عيدا وطنيّا! أو عالميا! يخلّدون به انتصارهم السّاحق! على هذا الشّعب! بتمكّنهم من تجريده - إلى الأبد! - من دينه وهويته وشريعته وشرفه وعفّته!  

نظرا إلى كلّ ذلك، رأينا من واجبنا الشرعيّ والوطنيّ والأدبيّ التعجيلَ بتوجيه هذه الرّسالة المفتوحة إلى شعبنا التونسيّ ممثّلا في جميع أهالي تونس، من أجل استنفارهم جميعا للتصدّي لما يشنّه السبسي وزمرته اللادينيّة على الدين والهويّة والشريعة الإسلاميّة، من عدوان قبل فوات الأوان!

أهداف السبسي وزمرته من فرض مشروعهم

إنّ مُراد السبسي وزمرته من وراء فَرْضِهم هذا المشروعَ التدميريّ على أهالي تونس - قسرا من دون استشارتهم ولا استنارة بأحكام دينهم وعلمائهم - تحقيق أهداف خبيثة عديدة يمكن إجمالها فيما يلي:

- إحراز شُهرة عالميّة! بظهوره بمظهر الزّعيم الأمجد! والنّصير الأوحد للمرأة، ولسان حاله ومقاله يقول - في عزّة وكبرياء واعتداد واعتداء على حدود خالق الأرض والسّماء - لقد استطعتُ لوحدي أن أحقّق للنساء التونسيات ما عجز بورقيبة وسواه من زعماء العالم العربيّ والإسلاميّ عن تحقيقه من الحرّيّة والمساواة!!

- مقايضة النّساء التونسيّات، بل ارتشاؤهنّ من أجل الاستئثار بأصواتهنّ عند خَوْضِه حملة الانتخابات الرئاسيّة عام 2019، لقاءَ ما حقّق لهنّ من حرّيّات ومساواة وامتيازات.

الخضوع لإملاآت المنظّمات الماسونيّة، والاستجابة لتعليمات الهيئات الدوليّة والاتفاقيات الأمميّة لاسيما اتفاقيّة "سيداو"[4].

- تنفيذ خطّة الطائفة اللادينيّة لاستئصال ما تبقّى بالمجتمع التونسيّ من آثار الدين الإسلامي والهويّة.

- فرض النّمط الغربيّ على الأسرة التونسيّة، وتبعا لذلك، المجتمع التونسيّ كلّه، بقوّة القانون وقانون القوّة!

- قطع أواصر الشعب التونسيّ وأجياله الجديدة بالإسلام والهويّة العربيّة الإسلاميّة.

- استئصال البلاد التونسيّة ذاتها من محيطها العربيّ وتجريدها من انتمائها الإسلاميّ.

- طمس الأمجاد الحضاريّة الإسلاميّة للبلاد التونسيّة.

- وضع البلاد التونسيّة وشعبها وأجيالها ومصالحها تحت الهيمنة الفرنسيّة الاستعماريّة المقنّعة...الخ.

- اتخاذ تونس (منصّة أماميّة) للغرب على تخوم العالم العربيّ لتنفيذ الخطط والمشاريع التغريبيّة، ومن ثمّ تعميمها على سائر البلاد العربيّة والإسلاميّة وهذا ما يجري بالفعل حاليّا.

إلى غير ذلك من الأهداف الخبيثة التي لا يتّسع هذا المقام لسردها.

سعي الزمرة لاستئصال المجتمع التونسيّ من أصوله

وإذا كان من الأهداف ما هو مرتبط بشخص "السبسي" يبقى ببقائه ويزول بزواله! فإنّ الهدف الأضرّ والدائم والأخطر هو سعي الزّمرة اللادينيّة في استئصال المجتمع التونسيّ من أصوله ودينه وهويّته!

إنّ الأمر – يا أهل تونس - على غاية من الخطورة! كيف لا ومُراد "السبسي" من مشروعه إرضاءُ أوليائه الغربيّين من جانب، ومن جانب آخر إرضاء كبريائه وغروره وتحقيق مآرب زمرته اللادينيّة في اقتلاع المجتمع التونسيّ من أصوله وجذوره، وسلخه من هويّته ودينه وشريعته! وتجريده من المُثل الدينيّة والفضائل الخلقيّة ليجعلوه (مَسْخًا) من المجتمعات لا يميّز بين حرام وحلال، ولا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلّا ما أُشْرِبَ مِن هواه!

إنّها إذًا حرب إفناء خُلُقيّ وإعدام معنويّ للمجتمع التونسيّ وأجياله الجديدة بإعدام دينه وأخلاقه؛ إذ " الدِّينُ - كما قال الإمام ابن القيّم -  كُلُّهُ خُلُقٌ؛ فَمَنْ زَادَ عَلَيْكَ فِي الْخُلُقِ، زَادَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ "[5]؛ فكيف بمن يسعى في إبادة خُلُقِكَ ودينك مَعًا!؟ لا ريب أنّه يرمي، من وراء ذلك، إلى إفنائك ومحو وجودك وإبادتك! وأي خير في عيشة عارية من الخلق والحياء كما قال الشاعر أبو تمّام :

فلا واللهِ ما في العيشِ خيرٌ  ولا الدُّنيا إذا ذَهبَ الحَياءُ

وهذا عين ما عبّر عنه كلّ من أمير الشعراء أحمد شوقي، وفيلسوف الإسلام محمّد إقبال، رحمهما الله، أبلغ تعبير؛ حيث قال شوقي :

إنّما الأمم الأخلاق ما بقيت   فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وقال أيضا :

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم   فأقم عليهم مَأتما وعويلا

وإذا كان ذاك مصيرَ قوم أصيبوا في أخلاقهم، فماذا عسى أن يكون مصيرنا نحن - أهلَ تونس - وقد أُصِبنا من مشروع السبسي وزمرته - لا في أخلاقنا وحسب - بل وفي ديننا وهويّتنا وأعراضنا وشريعتنا وشَرفنا وعفّتنا! فما أبقوا لنا على شيء من مظاهر حياة العزّة والكرامة والحياء والشّرف والعفّة، ممّا يمكننا به إثبات وجودنا ورفع رؤوسنا بين الشعوب والأمم الأخرى؟! إذ أنّ عزل الإيمان والدين عن الحياة حكم عليها - حتما – بالفناء عاجلا أم آجلا! وهذا ما عبّر عنه فيلسوف الإسلام محمّد إقبال قائلا :

إذا الإيمان ضاعَ  فَلا  أَمَانَ    ولا دنيَا لِمنْ لمْ يُحْيِ دِينَا

ومن رضي الحياة بِغَيرِ دِينٍ    فقد جعل الفَناءَ لها  قَرِينَا

القرآن هو هدف اللجنة التالي

وإذا كان أعضاء هذه اللجنة قد اجترأوا اليوم على نقض ما أبرم الله سبحانه في دينه من المُحكَمات والثوابت الشرعيّة! واستحلّوا ما حرّم الله - جلّ جلاله - من الأعراض والحُرُمات الآدميّة!

وإذا كانت صدورهم قد ضاقت ذَرْعَا اليوم ببضعة فصول قانونيّة قديمة مُدرَجة بمجلّة العقود والالتزامات منذ عام 1906 - تاريخ البدء بالعمل بهذه المجلّة[6] - فلم يحتملوا بقاءها، ونادوا بحذفها وإلغائها! لمجرّد اشتمالها على كلمة (شرع)! أو كلمة (مسلمين)! وعلى الرّغم ممّا حاق بهذه القوانين من إهمال منذ عهد الاستقلال، حين توقّفت كلّ المحاكم التونسيّة عن العمل بهذه القوانين، ما جعلها عديمة الأثر - على الرّغم من كلّ ذلك - فإنّ مجرّد وجود كلمة (شرع) و(مسلمين) بالمجلّة قد أفزع أعضاء اللجنة وأزعجهم وأقضّ مضاجعهم! فراغوا يدعون بالويل والثبور! منادين بوجوب حذفها فورا ومحوها نهائيّا من المجلّة بذريعة " رفع القيود الدينيّة على الحقوق المدنيّة "! كما بيّنّاه في مقالنا الأوّل[7].

فإذا كان هذا شأنَهم اليوم في محاربة الدّين الإسلاميّ في الشّكل والمضمون – كما ترى أيّها القارئ الكريم - فكيف بهم، إن هم تمكّنوا اليوم من فرض إرادتهم وبلوغ غايتهم بإنفاذ مشروعهم وخُطّتهم - لا قدّر الله – فماذا تراهم سيفعلون بنا وبديننا وبلادنا وأجيالنا في المرحلة التّالية؟!

إنّ تمكّنهم اليوم من فرض مشروعهم التخريبيّ – كلّيّا أو جزئيّا - على الشعب التونسيّ، سيُغريهم - حتما - بالمُضيّ قُدما في تنفيذ خطّتهم الشيطانيّة - التي بدأوها منذ ستّين عاما – ليكملوها بالإجهاز اليوم على الحشاشة المتبقّية من الدّين والهويّة والشريعة الإسلاميّة! 

فهل نستبعد من هؤلاء وأمثالهم أن يفجأونا غدا بمشروعٍ آخرَ أعظم على دين الله ضَراوة! وأشدّ على قلوب التونسيّين المُسلمين مَضاضة! يطعنون به في كتابنا! وينادون فيه بتحريف كلام ربّنا، داعين إلى حذف كلّ سُورة أو آية من القرآن فيها كلمة (كافر) أو (كافرين) أو (كفار) أو (كفر) ومشتقّاتها!

ونحن نجزم بأنهم لو يستطيعون شَطْبَها أو حذفها من مصاحف القرآن مثلما فعلوا بكلمات (شرع) و(مسلمين) ونحوها من القوانين، لما تردّدوا في ذلك! فهُم قد اجترأوا على كلام الله بتبديل أحكامه والاعتداء على حدوده! كما يشهد بذلك تقريرهم النَّحِسُ، أفلا يجترئون على تغيير نصوصه وحُروفه؟! لولا أنّ البارئ جلّ جلاله قد تكفّل بحفظ كتابه[8] فهو - بحمد الله - محفوظ في الصّدور قبل حفظه في السّطور. ومع استحالة حذف تلك السُّوَر والآيات، فقد يعمدون إلى الأمر بِحظْر قراءتها في الصّلوات أو تلاوتها على المنابر في الجُمع والجُمعات، وتحريم تدريسها أو تعليمها للناشئة في المدارس والكتاتيب والرّوضات، وليس هذا بمستبعَد! فلقد رُوي لنا أنّ وزيرهم للتعليم "محمّد الشرفي"، عمّم، في عهد السابع من نوفمبر، على المدرّسين منشورا يحظر عليهم تدريس سورة (الكافرون) للطلّاب التونسيين المسلمين بالمدارس الابتدائيّة والإعداديّة؛ وإذًا فماذا ننتظر من هذه اللجنة أو سواها ممّا يأتي من اللجان، غير مزيد من الهجوم والعدوان على الهويّة والشرع والقرآن! خصوصا ومن بين أعضاء هذه اللجنة من ينكرون قداسة النّصّ القرآني! ومصدره الإلهيّ، كما يُنكرون عصمته من التحريف والتبديل، كما تشهد بذلك كُتب عضو اللجنة - "عبد المجيد الشرفي" المنشورة وأراؤه الإلحاديّة الذائعة المشهورة وأقواله الكُفريّة المقروءة والمسموعة - وكُتب أضرابه وطلّابه من اللادينين - ذكورا وإناثا - وما أكثرهم في هذه الأيّام النحسات، وقد ملأوها طعونا في أصول الدين وفروعه وحدوده وحروفه، ما يُكمِدُ القلوب ويُسْخِطُ علّامَ الغيوب! ولولا ضيق المقام لسقنا أمثلة منها.

إنه لا مجال - يا أهل تونس - للسّكوت أو لزوم الصّمت حيال حرب شعواء لا تَنِي تشنّها الزُّمرةُ اللادينيّة على حُرُماتنا وديننا ومقدّساتنا لتتركها أثرا بعد عين!!

خطر التهوين من أمر اللادينيين والتخذيل عن مواجهتهم

إننا نحذّر جميع أهالي تونس من أن نترك للسبسي وزمرته من اللادينيّين ثغرة – مهما تكن صغيرة، ولو كانت مقدار ثقب إبرة - ينفُذون منها لفرض مشروعهم التخريبيّ كلّه أو بعضه؛ فإن هم تمكّنوا من ذلك – لا قدّر الله – فَلْنَقُلْ على تونس وهويتها ودينها وشريعتها وأجيالها السّلام! فقد يأتي بعد عقد أو عقدين من الزمان جيل من أبنائنا يقولون : « قد أَدْرَكْنَا أَبَاءَنَا علَى هَذِهِ الكَلِمَةِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ ولَا صِيَامٌ ولَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ...».

إنّنا يا أهل تونس - والحال ما ذُكر - مدعوّون اليوم كافّة إلى النّفير السِّلميّ العامّ خِفَافاً وثِقالاً لخوض معركة الدّفاع السِّلميّ عن هويتنا ووجودنا بأن نكون شعبا تونسيّا مسلما عربيّا أو لا نكون! وإنّ التهوين من خطر هذا المشروع،والتهاون في مواجهته! والتخاذل عن مقاومته - بأيّ ذريعة من الذّرائع - هو من قَبيل الانتحار الجماعيّ! وشأن من يفعل ذلك شأن ما يُشاع في الأمثال عن صنيع النّعامة إذا ما حاق بها خطر غرست رأسها في الرّمال!!

ولا يقولَنّ أحد من أصحاب النيّات الطيّبة - مهوّنا من شأنهم أو مقلّلا من خطرهم: " إنهم شرذمة قليلة مجهولة! أو مجموعة صغيرة معزولة! ودعهم يفعلوا ما يريدون..! ما عندهم وين يُوصلوا...وأنهم لن يستطيعوا أن يفرضوا إرادتهم على الشعب التونسيّ المسلم...وإنّهم مهما يفعلوا فإنّ الله ناصر دينه..."، ونحو ذلك من الكلام المثبّط للعزائم والدّاعي للتواكل والتواني والقعود والمخذِّل عن واجب النفير والنهوض للدفاع عن الدين والكرامة والهويّة والوجود! وهو كلام لا يصدر عن أناس واعين بحقيقة الصّراع وما يُحاك لبلادنا وشعبنا وأجيالنا من مكائد ومؤامرات، وما يُنفَّذ فيها من برامج ومخطّطات، وإنّما يصدر عن أناس لا يخلو حالهم من أن يكونوا إمّا متواطئين أو مخذولين أو حَمقى جاهلين أو سُذّجا مُغفَّلين!!

تصحيح أخطاء ودفع أوهام ممّا يجري على الألسن من كلام

ونحن نقول ردّا على هذا الموقف الخذول، وتصحيحا للأخطاء ودفعا لتلك الأوهام ممّا يجري على ألسنة الناس من هذا الكلام:

أمّا الزعم بأنّهم شرذمة قليلة.." الخ؛ فإنّ قلّتهم لا تستلزم بالضرورة ضعفهم وهزيمتهم، وقد جاء في الحكمة : " وآفة القوّة استضعاف الخصم "، وقديما قيل :

لا تحْقِرنّ صغيرا في مخاصمة   إنّ البعوضة تُدمي مُقلة الأسد

فهم - على قلّتهم – جادّون في إنجاز مهمّتهم وبلوغ غايتهم! وعلى الرّغم ممّا بينهم من خلاف وفُرقة، فهم في محاربة الإسلام وأهله متّحدون في عُصْبَة - وهم مدعومون من الداخل بمساندة الدّولة وأجهزة الإعلام العموميّة والخصوصيّة لهم مساندة تامّة، ووراءهم من الخارج قوّة إسناد كبرى سياسية وإعلامية ومالية تمثلها الدّول الغربيّة وانضمت إليها أخيرا دولتا الإمارات! والسّعوديّة! هذا إلى جانب المنظّمات الدوليّة والحركة الصهيونية والجمعيات الماسونيّة.

وأمّا نحن معشرَ الشعب التونسيّ، فعلى كثرتنا – ويا أسفاه – متفرّقون! وفينا سمّاعون لهم ومُخذّلون بالدّاخل والخارج، وكثير من الناس منّا غير واعين بخطورة المعركة! كما سنبيّنه لاحقا بالتفصيل.

وأمّا قول القائل : " دعهم يفعلوا ما يريدون..! ما عندهم وين يُوصلوا...وأنهم لن يستطيعوا أن يفرضوا إرادتهم على الشعب التونسي المسلم...".

فها نحن أولاء قد تركناهم على مدى ستّين سنة يفعلون ما يريدون! دون أن يلقوا من أحد منّا اعتراضا أو يسمعوا منه عتابا! بل لقد أغراهم صمتُنا وسكوتُنا عليهم بأن فرضوا إرادتهم وبسطوا سيطرتهم على الشعب التونسي، ففعلوا بنا وبديننا وشرعنا وأعراضنا وأُسَرِنا وأولادنا وأجيالنا ما أرادوا من قبيح الفعال ودنيء الخصال! حتى جعلونا وبلادَنا وأجيالنا في ذلك مضرب الأمثال! إذ جعلوا تونسنا العربيّة المسلمة اليوم أشبه ما تكون بـ (ماخور)! كبير على ضفّة البحر المتوسط، يؤمّها الدُّعّار والشواذّ والعُهّار من جميع البلدان والأقطار؛ ما جعل بلادنا العربيّة المسلمة مَثلَ السَّوْءِ في تجارة الرقيق الأبيض! ومراكز التدليك! والسّياحة الجنسية! وشبكات الدّعارة العالميّة!

وها قد بلغت بهم اليوم الجراءة - إن لم نقل قلّة الحياء والوقاحة - حدّ استحلالهم فاحشة اللواط! والسّحاق! في صفوف هذا الشعب العربي المسلم وأجياله، مستهينين بقدْرِه مُعتدين على دينه وعِرْضِه؛ وهاهم أولاء قد وصل بهم الصلف والغرور، بل الصَّدَفُ والفجور، إلى حدّ الدّعوة اليوم إلى أن يمحو من الإسلام في تونس اسمه بعد أن محوا منها شرعه ورَسْمَه؛ فماذا فعل الشّعب التونسي المسلم للذّود عن حياض دينه وهويّته وشرعه وعِرضه وشرفه؟!

لا شيء! لا شيء! غير الخضوع لإرادتهم والإذعان لأمرهم! بتنفيذ خُطّتهم! وامتثال قوانينهم وقراراتهم المناقضة بل الناقضة لشرع الله! على أنّها مفاخر! ومكاسب! وإن هي إلّا مساخر! ومفاسد! كما يشهد بذلك واقع المجتمع التونسي. وعلى الرّغم من ذلك، فقد أَضْفَوْا عليها من التعظيم والقداسة! مثلما أضفى الهندوس على البقرة! حتى جعلوا مجرّد التعرّض لها بالنقد العلمي النزيه لكشف عوارها وعيوبها، وما أكثرها، من قبيل الكفر البواح!

إذ لا مجال هنا لما يدّعونه من حرّيّة الرّأي والتفكير أو حقّ التعبير! وإنّما مجال الحريات فقط في الاجتراء على أحكام الدين ونقض كلام ربّ العالمين!

ولو أنّنا أخذنا على عاتقنا مواجهة هذا المشروع التخريبيّ وإجهاضه من أوّل يوم شرعوا فيه، فوقفنا له ولأصحابه بالمرصاد على الدّوام، على مدى السّنين والأعوام، حفاظا منّا على الدين وهويّة البلاد، وكنّا وإيّاهم كما قال القائل :

إن عادت العقرب عُدْنَا لها   وكانت النّعلُ لها حاضرة

ولو أنّا فعلنا لكان حالنا وحال بلادنا وأجيالنا غير هذي الحال، ولكنّا تهاونّا في الدّفاع عن حياض ديننا وهويتنا، فَبُؤْنَا بالخسار، وصدق فينا قول ابن أبي سُلمى:

ومن لم يَذُدْ عن حَوضِه بسلاحه يُهَدَّمْ!

فها نحن أولاء نذوق مرارة عاقبة التهاون والخذلان والخضوع والإذعان! لإرادة أعداء السنّة والقرآن، يجرّعوننا على مدى ستين عاما الصَّابَ والعلقمَ والغصصَ! كيف لا!؟ وهم قد وضعوا تونسنا الحبيبة اليوم على خُطى غرناطةَ والأندلس!

وأمّا أنّ الله سبحانه ناصر دينه..."، فهذا أمر يقيني ليس لدينا فيه شكّ أو ارتياب، ولكنه سبحانه أمرنا، أن نأخذ بالأسباب لمواجهة الأعداء والخصوم، من إعداد العُدّة من القوّة الماديّة والمعنويّة، وأخذ الحِذر؛ فقال جلّ وعلا :{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، وقال أيضا سبحانه : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ } [النساء: 71]، {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 102].

فهل يصحّ، بعد هذا، في العقل أو النقل، أن نترك هؤلاء يعيثون اليوم في بلادنا فسادا، وفي ديننا كفرا وإلحادا، باسم الحريّة الفكريّة! والمراجعة العقلانيّة! وتحيين المدوّنة التشريعيّة، وتجريد القوانين من كل صبغة دينيّة، والاحتكام إلى المعاهدات الدوليّة والمرجعيّة الكونيّة! ونحو ذلك من الذرائع الواهية!  للإجهاز على ديننا وشريعتنا! ونظلّ نحن – على الرّغم من ذلك - مكتوفي الأيدي ننتظر النّصر عليهم من السّماء؟!

لا ريب في أنّ الله سبحانه قادر وحده على هزيمتهم والانتصار منهم، إذ قال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4]. ولكنّه سبحانه قضى بحكمته البالغة بجريان سنّة التدافع بين أهل الحقّ وأهل الباطل، فقال جلّ وعلا : {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251]. {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].

أَمَا وقد أخللنا بواجب الأخذ بأسباب النّصر، فلا نلومَنَّ إلّا أنفسَنا!! {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف : 49].

وعاجز الرأي مضياعٌ لفرصته   حتى إذا فات أمرٌ عاتب القدَرَا

وجوب الوعي بأن القضيّة ليست خصومة سياسية أو شخصية

إنّ ممّا يعزّز جانب الخصوم في هذه المعركة كذلك هو أنّ كثيرا من الناس في بلادنا غير واعين بالقضيّة، ولا مُدركين لخطورة هذه المعركة المصيريّة! ظنّا منهم أنّها صراع سياسي بيننا وبين خصومنا اللادينيين على الحُكم والكراسي! وما دَرَوْا أنّ هؤلاء يشنّون حربا شعواء على الدّين والهويّة والشريعة الإلهيّة! وهي مسألة واضحة من نصوص التقرير وضوح الشّمس في رائعة النّهار! ومن عجب أن يتعامى بعض الناس عنها، فلا يرونها! ويراها آخرون فلا يأبهون لخطرها ولا يلتفتون إلى ما يحدق بالبلاد والعباد من شرّها وضررها!

غير أنّ طائفة من الشعب، مع وعيهم بالقضيّة، فهم - للأسف – متّبعون في مواقفهم للأهواء على حساب دينهم وشريعتهم، متوهّمين – إمّا عن كُرهٍ للدّين أو عن هوى وسذاجة وجهل، أو عن شهوة أو عصبيّة وقُصورِ فَهمٍ - أنّ معركتنا ضدّ النّساء! فتراهم - على الدّوام - متضامنين مع النسوة اللادينيات في كلّ ما ينشب بيننا وبين الطائفة اللادينيّة من خلافات؛ فهاهم أولاء اليوم يناصرون رئيسة لجنة الحرّيّات، ظنّا منهم أنّنا في صراع مع شخصها! فيقفون مساندين لها على أنّها مسكينة!  ضحيّة! ومظلومة! مهدَّدَة من الإرهابيين أو المتدينين في حياتها! وسلامتها! وهذا ما يستوجب - في رأيهم - التضامن الفرديّ والجماعيّ معها ومناصرتها في فرض مشروعها! نكاية في أعدائها وخصومها!

الصراع فكري وعقدي ولا مجال فيه للعنف أو التهديد أو الوعيد

ولا يخفى ما في هذا الموقف من تحريف متعمّد لمسار القضيّة! وهو ما يدعونا إلى إعلان ما يأتي :

- نُعرب عن رفضنا القاطع واستنكارنا التّام لكلّ عنف أو تهديد أو وعيد - حقيقي أو وهمي - يصدر من أفراد أو مجموعات تجاه أي عضو من أعضاء هذه اللجنة أو سواهم من رجال ونساء، من شأنه أن يعكّر صفوهم أو يكدّر عيشهم، أو يضرّ بأشخاصهم أو مصالحهم أو ممتلكاتهم أو قراباتهم أو وظائفهم؛ فهم أحرار فيما يرون ويعتقدون وقد قال تعالى : {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99].

- وجوب حصر الصّراع في دائرة الخلاف الفكريّ والعقديّ والمنهجيّ، بعيدا عن كلّ تشخيص أو تناول للذوات والأشخاص بالثلب أو الشتم أو الإهانة.

- إننا نعدّ كلّ تهديد أو وعيد أو إهانة لأيّ كان من أعضاء اللجنة أو سواهم، جريمة يستوجب مرتكبها العقاب! ولا عُذر لمن يفعل ذلك باسم الانتقام أو الغيرة على الإسلام! فمثل هذا السّلوك يدخل في باب المُسافهة والرّعونة التي ينزّه الإسلام وأهلُه عنها[9].

- إننا ملتزمون - أمام الله، وعلى مرأى ومسمع من شعبنا – بأننا اتخذنا سبيل الرُّشد سبيلا، بعيدا عن سبيل الضلالة والغي والغواية منتهجين في هذا الصّراع وغيره النهج السلميّ الهادئ الرّصين والمتّزن القائم على مقارعة الحجّة بالحجّة والرّأي بالرّأي لينقدح للخصوم والمتابعين والقرّاء، على سواء، وجه الصّواب! فيعرفوا الحقّ من الباطل؛ فلا مجال لدينا للعنف المادي أو المعنوي ونحوه ممّا ينحرف بالقضية عن مسارها الصّحيح والسّليم.

إن واجبنا الشرعي والوطني في نُصرة ديننا وحماية هوية شعبنا وأجيالنا من مخاطر هذا المشروع التخريبيّة ومضارّه الحتميّة، يحملنا على أن نصدع بكلمة الحقّ في وجوه الخصوم، مهما تكن مُرّة أو قاسية، وإن اتُّهِمنا بالتحريض! إذ علينا أن نقولها من دون مجاملة أو مصانعة أو مداهنة، لا نخاف في الله لومة لائم!

المواقف الصّادقة لا تبنى على المشاعر والتعاطف

وهذا ما يدعونا إلى استنكار مواقف بعض الناس الذين يحملهم تعاطفهم مع اللّجنة أو بعض أفرادها، على التّغاضي عن طعنها في دينهم وهويّتهم وشريعتهم، متعامين عمّا جاء في تقريرها من دعوة صريحة لنشر فاحشة اللواطوالسّحاق في أولادهم وأجيالهم! وهم على الرّغم من ذلك، يقفون مع هذه اللجنة نصيرا! وظهيرا! ولدين الله عدوًّا مبينا!! وهو موقف مثير للارتياب والحيرة والاستغراب! لا يمكن أن يقفه مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، وكان في قلبه مثقال ذرّة من غَيرة على دينه وشريعته وهويّته؛ وهو حال من هوان الدّين على نفوسهم! يدعونا إلى أن نتمثّل بقول القائل:

بأبي وأمّي ضاعت  الأحلامُ    أم ضاعت الأذهانُ والأفهامُ!؟

من صدّ عن دينِ النبيِّ محمّدٍ    أَلَهُ   بِأَمْرِ   المسلمين    قِيامُ؟

إِلَّا  تَكُنْ   أسيافُهم  مشهورةً     فينا   فتلك    سُيوفُهُمْ   أقلامُ

فمتى يعي هؤلاء أنّنا لسنا في صراع مع رئيسة هذه اللجنة، ولا أشخاصِ سواها من النّساء، ولا ضدّ أيٍّ من الأشخاص معها في اللجنة أو غيرها؛ إنّ صراعنا مع هذه الطائفة صراع عَقَدِيٌّ وفكريّ وثقافيّ وحضاريّ، لا علاقة له بذوات الأشخاص - رجالا كانوا أم نساء - إنّنا نخوض هذا الصّراع - لا ضدّ ذواتهم أو أشخاصهم - بل ضدّ مشروعهم الذي صاغوه طبقا لعقائدهم وأفكارهم ومناهجهم المعادية للإسلام؛ فجاء تقريرهم مناقضا بل ناقضا للأحكام الشرعيّة القطعيّة مُقوِّضا للسّلم الاجتماعيّة ومهدّدا لسلامة الأجيال والهويّة – فكان حتما علينا أن نواجهه دفاعا منّا عن ديننا بوصفه مقوّما أساسيا من مقوّمات هويّة بلادنا التونسيّة العربية الإسلاميّة، وعن أجيالنا بوصفهم مَعْقدَ آمالنا وَعُدَّةَ مستقبل شعبنا وبلادنا.

هدف مشروع اللجنة اغتيال الإسلام!

وأمّا اللجنة وأنصارها – فهم على الضّدّ من ذلك - يريدون اغتيال الإسلام بتجريد بلادنا وشعبنا وأجيالنا من هذه الهويّة الإسلاميّة العربيّة، ولسنا نقول هذا على وجه المبالغة أو التجنّي، فذاك تقريرهم الذي حرّروه بأيديهموتقارَرُوا فيه على محو كلمة (شرع) و(مسلمين)  ونحوها، من جميع قوانين الدولة التونسيّة، شاهد عليهم!

وتلك رئيسة اللجنة نفسها تصرّح – كما نقل الجورشي عنها – أن مشروعها ذاك هو " إنهاء للمعركة الأخيرة مع الموروث الديني"!!

فهل بعد كلّ هذا يرتاب أحد في مرامي القوم ومقاصدهم؟! وقد وجدنا تصريحها هذا يتطابق تماما مع تصريح سِكْرتِيرِ الحَاكِمِ الفَرَنْسِيِّ لِلْجَزَائِرِ في عَامِ 1932 حيث فَقَالَ : " إِنَّ آخِرَ أَيَّامِ الإِسْلَامِ قَدْ دَنَتْ..."[10].

ولم يبق لهؤلاء بعد هزيمتهم للإسلام وإجهازهم على حشاشته الباقية!  - لا قدّر الله - إلّا أن يأمروا بِوَأْدِهِ ودَسِّهِ في التراب! على طريقة أهل الجاهليّة في وأد الأبرياء! أو لعلّهم سيأمرون - عند احتفائهم بيومهم التاريخيّ!! في 13 أوت بتشييع (جنازة) الإسلام في تونس! أسوةً منهم بحاكم فرنسا الذي قال لدى احتفاء الفرنسيس بالذكرى المئويّة لاحتلال الجزائر: " إِنَّ القَصْدَ مِنْ هَذهِ الإحْتِفَالَاتِ هُوَ : تَشْيِيعُ جَنَازَةِ الإِسْلَامِ في الجَزَائِرِ "[11].

وإلّا فماذا يعني نعتهم يوم 13 أوت باليوم التاريخيّ!ّ؟ فإذا لم يكن هذا المشروع مؤامرة مكشوفة وجريمة قتل موصوفة لاغتيال الإسلام! في تونس عن إضمار وسبق إصرار من أجل محو أثره من البلاد التونسية وأجيالها الجديدة، فماذا عساه أن يكون؟!

ضرورة لزوم الإنصاف والتجرّد من العصبية عند اتخاذ الموقف

إنّ على كلّ وطني غيور على دينه وبلده – رجلا كان أم امرأة – إذًا أن يكون على بيّنة ووعي وبصيرة من الأمر، وإدراك وفهم لطبيعة الصّراع القائم بين الفريقين، وعليه أن يقف على مُراد هؤلاء وهؤلاء ليحدّد موقفه منهم بحريّة مع التزام العدل والإنصاف والتجرّد، رائدُه في ذلك الحقّ، من دون عصبيّة أو حيف أو حميّة، بل عليه قبل اختيار موقعه - إمّا مع الدّين، وإمّا مع اللادين! - مراقبا لربّه راغبا في مرضاته مُشفِقا من سَخطه وعذابه يوم لقائه حين يسأله عن مراده من موقفه وموقعه واختياره، إن كان أراد بذلك نصرة الله ورسوله، أم أراد غير ذلك؟!

فعلى كلّ وطني حرّ أن يتّخذ موقفا صادقا ومخلصا، بعيدا عن دواعي الهوى أو المساومة والإغراء، نائيا عن قصد المحاباة أو المجاملة أو التبعيّة والموالاة لهذا الطّرف أو ذاك بداعي العصبيّة على مذهب أهل الجاهليّة الذي عبّر عنه دريد بن الصُّمّة قائلا :

وهل أنا إلّا من غزيّة أن غوت   غويت وإن ترشد غزيّة أرشد

ليس العاقل بالإمّعة يتبع كلّ ناعق!

إننا في غمرة هذا المخاض الذي يجري في بلادنا، ندعو كلّ وطني شريف إلى أن يوطّن نفسه على اتباع سبيل الرّشد في كلّ مقام، نائيا بنفسه عن أن يكون ألعوبة! تعبث بعقله ومشاعره وسائل الإعلام وغيرها من الجمعيات والزعامات والأحزاب والتنظيمات، توجهه حيث تريد؛ فذاك شأنُ " الإمَّعة، الذي لا رأي له ولا عزم، فهو يتابع كلّ أحد على رأيه ولا يثبت على شيء "[12]. يقول لكلِّ أحدٍ : أنا معك! ولا يثبت على شيء لضعف رأيه[13]؛ يقلِّد النَّاس بدون وعيٍ ولا فهم! فماله من رأي حرّ حصيف، ولا موقف مسؤول شريف! بل هو يسير مع القطيع إلى حيث يُراد له أن يسير! مُسلِمٌ قيادَه لكلّ مَوْجَةٍ أو ريح أو تيّار يجرفه معه حيث انجرف ويسير به حيث سار! وربما يقول لمن يعاتبه في ذلك : " أنا مع النّاس! إن أحسن النَّاس أحسنت، وإن ظلموا ظلمت"! وهؤلاء الذين سمّاهم الإمام علي، بالهَمَجِ الرّعاعِ أتباعِ كلّ ناعق!

ألا فليحذر كلّ وطني عاقل حرّ أن يكون من هذه الفصيلة الشائنة! فيظلِم مع الظالمين ويخوض مع الخائضين! ويرضى لنفسه أن يكون ظهيرا للمجرمين! بل عليه أن يَسْمُوَ بنفسه عن دَركِ المهانة والتبعيّة الذليلة للغير إلى مقام الحرّيّة والعزّة والكرامة، وذلك مصداقا للحديث" لا تكونوا إمّعة تقولون إن أحسن الناس أحسنّا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا"[14].

فإذا ما اختار المرء موقفه عن بيّنة وإدراك ووعي ومسؤوليّة وفهم، تحتّم عليه أن ينتقل بذلك من موقع المتفرّج السلبيّ إلى موقع الفاعل الإيجابي المنخرط بنفسه في حلبة الصّراع بوصفه معنيّا - أصالةً عن نفسه ونيابةً عن أهله وقراباته، بل وجميع شعبه وبلده - بموضوع هذا الصّراع ومآله وعواقبه على البلاد والعباد على سواء.

وجوب الأخذ بأسباب النصر في هذه المعركة المصيريّة

إنّ على شعبنا وأجيالنا أن يعلموا إنّنا نخوض اليوم معركة الدفاع عن الدين والهويّة؛ وهي معركة حاسمة ومصيريّة في تقرير وجهة بلادنا وضمان مستقبل شعبنا وسلامة أجيالنا، فأمّا أن نكون تحت راية القرآن، وإمّا تحت راية أعداء القرآن أدعياء المساواة ودعاة السّحاق! واللواط!

وإنّ قَدَرَنَا أن ننتصر - بإذن الله - في هذه المعركة؛ وهذا النّصر المُرتقَب يستوجب منّا أن نأخذ بجميع الأسباب اللازمة لتحقيقه ومنها:

- الفهم الدّقيق لحقيقة المعركة ودواعيها ومرامي كلّ طرف فيها، وأنها ليست من قبيل التنازع السياسي على المناصب والمكاسب، ولا هي خصومات شخصية، بل هي معركة هويّة بأن نكون تونسيين عربا مسلمين أو لا نكون! تلك هي حقيقة القضيّة!

- الوعي العميق بحقيقة الحركة اللادينيّة وولاآتها الخارجيّة ومشاريعها التغريبيّة وما تجرّه من مخاطر على استقلال بلادنا وثبات هويّة شعبنا وأجيالنا العربيّة الإسلاميّة، وعدم الاغترار بما يلوّح به اللادينيون من شعارات الوطنيّة والمدنيّة والحرّيّات الفرديّة، وإن هي إلّا {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } [النور: 39].

- ضرورة أن يعتقد كلّ مواطن بأنه معنيّ هو نفسه - بوصفه مسلما - بهذا الصّراع وهو ما يستوجب منه مغادرة موقع المتفرّج الجالس على الرّبوة، والنزول فورا إلى الميدان للانخراط في المعركة، والإسهام بكلّ ما أوتي من جهد علميّ أو فكريّ، أو دعم مادّيّ أو معنويّ - مهما يكن قليلا - في الدفاع - سلميّا - عن هويّته ودينه وشريعته.

- الاعتقاد بأنّ هذا الانخراط في المعركة هو من باب النُّصرة لله ورسوله ودينه، وهو فرض دينيّ عَيْنيّ وواجب وطنيّ على القادر عليه من النساء والرّجال لدفع الصّيال وردّ العدوان عن دين الله.

- الاعتقاد بأنّ أيّ توانٍ أو تهاونٍ فرديّ أو جماعيّ عن القيام بواجب النُّصرة، هو توهين لجهود الصّفّ الإسلامي وخذلان له عن الانتصار في المعركة، من جانب، وتعزيز - من جانب آخر - لجهود الطّرف المقابل ليكسب المعركة ضدّ الإسلام والمسلمين، ومن ثمّ ضدّ الشعب التونسي ودينه وهويته وأجياله.

- إقامة الشهادة لله على فساد هذا المشروع ودواعيه وأهدافه ومراميه، وإعلان البراءة التّامّة منه، والحذر من مساندته وموالاة أصحابه أو الشهادة بصلاحه وصوابه! فإنّ كلّ مساندة لهذا المشروع أو موافقة لأصحابه، بأيّ ذريعة، هي شهادة زور! يُسأل عنها صاحبها يوم القيامة، حيث قال تعالى : {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } [الزخرف : 19].

يتبع إن شاء الله

بقلم محمّد الهادي بن مصطفى الزمزمي

تحريرا ببون في 22 ذي القعدة 1439 هـ / 04/08/2018

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عنوان البريد الالكتروني : mohamed-zemzemi@hotmail.de

 

 



[1]  - https://www.babnet.net/festivaldetail-165306.asp

[2]  - http://www.alhiwar.net/ShowNews.php?Tnd=30458

[3]  - http://www.achahed.com/%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%89-

[4]  - الاتفاقية الأممية المتعلقة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) صادقت عليها تونس عام 1985 في عهد بورقيبة.

[5]  - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 294/ الشاملة).

[6]  - أمــــــــــر مؤرخ في 15 ديسمبــــر 1906. (منشور بالرائد الرسمي ملحق عدد 100 بتاريخ 15 ديسمبر 1906).

[7]  - أنظر مقالنا: تقرير للحرّيّة والمساواة أم لبثّ الفتنة والعداوات؟ّ 

 

[8]  - فقال تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

 

 

[9]  - وسنتناول هذه المسألة – إن شاء الله – في مقال قادم.

[10] - التعليم القومي والشخصية الجزائرية. ص : 109. لرابح تركي.

[11]  - التعليم القومي والشخصية الجزائرية. ص : 110. لرابح تركي.

[12]  - لسان العرب لابن منظور.

[13]  - معجم اللغة العربية المعاصرة.

[14]  - رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب .

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.