.

.

دردشة متقاعد

بتاريخ : 2019-08-31 الساعة : 03:02:02

اسم الكاتب : عبد الحميد العدّاسي     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 406




 

دردشة متقاعد (نصّ طويل فتصبّروا ولا تضجروا)

قد أحسن إخوتي الكرام؛ إذ اعتبروني - يوم خطبت فيهم - تابعا للاتّجاه الإسلاميّ... لم يخالفوا أخاهم، يوم آخذ أخاه متلطّفا - وقد استوقفته الطريقةُ والألفاظُ التي أتكلّم بها -: (أتريد أن تكون مثل العدّاسي)؟!. لقد تغيّرت الظروف حتّى بتّ وأمثالي من "المحافظين" شبه ظاهرة. تساءل النّاس - وقد غرُبتُ وغرُب كلامي - أَمِنَ النّهضة أنا أم من غيرها؟! أعُضوٌ فيها أم مستقيل منها؟! أمَعَها أم عليها وضدّ توجّهها؟!.

أكتب ما يراه بعض النّاس خربشات، دون أن يفقهوا معنى الخربشات ودون أن يدركوا أنّي لا أخربش. فقد وطّنت نفسي بإذن ربّي على الإتقان والحرص على عدم إفساد ما أكتب، ولا إفساد الأمور بما أكتب.                                                                  يتداعى البعض مرحّبين بـ"زيغي"، ينتظرون منّي مواصلةً على الطريق تؤكّد زيغي. يتناولني آخرون - ممّن تولّوا الحماية دون فقهها ودون حذق استعمال وسائلها - يتّهمونني بالانحراف والزّيغ.

من عرفني قبل الثورة، عرفني مدافعا شرسا عن الحقّ، وعرفني أبالغ في الدّفاع عن النّهضة، حتّى ليراني البعض متحزّبا لها دون الحقّ. كتبت في تونس نيوز الغرّاء وفي الحوار نت وفي الفجر نيوز وفي السبيل أونلاين وفي تونس أونلاين وفي غيرها، ولم أكتب في النّهضة نت نظرا لعدم حياديّة إدارتها وعدم انفتاحها وعدم استعدادها للنّشر غير المشروط.

كتبت عن الأسرى وعن الشّهداء الضّحايا وعن المُتلَفين، أمثال المطماطي رحمه الله تعالى. كتبت عن التعذيب والانتهاكات والظلم وغياب الحرّيات. كتبت عن الحجاب والمتحجّبات. كتبت عن المدوّنين، وشدّني زهير اليحياوي رحمه الله بمواقفه وصلابته وعدالته وقسطه. فقد دافع عن المتحجّبات وأثنى عليهنّ ورآهنّ عنوان التقدّم والحريّة في البلاد، ورأى من خلالهنّ بطلان دعوى الأدعياء المطالِبَة بالمساواة. رأى المساواةَ مع ذكور ليسوا رجالا ضربة قاصمة للنّساء الرّجال من المتحجّبات وغير المتحجّبات، معلّمات الذّكور المروءة والقِيَم. كتبتُ عن التصهين والتطبيع ومكاتب الاتّصال. كتبت عن "المجتمع المدنيّ" وجرائمه الموصوفة للقضاء على المجتمع التونسيّ المدنيّ الأصيل، وكيف حاربوا الأبوّة البيولجيّة وفرضوا بدلها الأبوّة النّوفمبريّة الفاسدة. كتبت عن "المواطنة" وكيف أرادوا بها ضرب الرّموز وإشاعة "الكيف/كيف" (المساواة) بين أبناء الوطن المتشبّثين بأصوله وأعرافه وبين الذين قدموا إليه زمن فرار المروءة، ففجعوه في أعزّ مقوّماته. كتبت عن الأمّهات العازبات وعن النشء الحرام الذي جاءت به العازباتُ، فمكّنته من الدّولة التونسيّة، يُرهق بوجوده مَن كانت أمّهاتهم كريماتٍ عفيفاتٍ من طينة تونسيّة. كتبت عن الجريمة الإعلاميّة ودورها الحاطم في المجتمع. كتبت عن "حقوق الإنسان" وكيف باتت تشرعن لسفول الإنسان، تجمع وتسوّي بين الصّالح والطّالح وبين المُعتدِي والمُعتَدَى عليه وبين المدافع عن أرضه وعِرضه وبين المحتلّ للأرض الصائل على الأعراض. كتبت عن الحوض المنجمي وعن بنقردان وعن شباب أريانة وشباب باردو وعن دوار التليلي وحيّ بَرَاطل. كتبت عن المنجّمين والدجّالين و"الأنبياء" التونسيّين. كتبت عن جمعيات الرّفق بالرّجل ضدّ عنف المرأة. كتبت عن الإرهاب، فأكّدتّ وجوده وشكّكت في صحّة هويّة المتّهَمين به. كتبت عن هذا وعن غيره من المواضيع التي منعت وقتها النّوم، حتّى اتّهمَنَا [(نا): نخبة صالحة من الكتّاب، طمعتُ في أن أكون منها] القاصرون الملبّسون على الحق السائرون في ركاب الظَّلَمة، بالعَمَالة، ووصفونا بالحُثالة، ورأونا مجرّد "قاعدين" نتسلّى - جُبْنا - بدغدغة أزرار لوحة الكمبيوتر تعبيرا عن الجهالة.

جاءت الثورة فأعلنتُ عن إجازة، أرتاح فيها قليلا من الكتابة. فإنّ الكتابة - إن صدقت - مرهقةٌ جدّا، وإن ساندتها الرّغبة في الكتابة.    كنت أرى العودة من الإجازة فرصة للاهتمام بمواضيع تدعو أكثر إلى البناء والإصلاح. وكنت أطمع في أن ينقلب الكاتبُ ميدانيّا مساهما بالفعل في تنزيل الأفكار التي كان يكتبها أو سوف يكتبها، تحقيقا للإصلاح.                                                       كنت أرى إقران القول والفعل مهمًّا في تثبيت المصداقيّة وتأكيد الفاعليّة.                                                             أصبحت الأرض بعد الثّورة غير الأرض. بدَا التونسيّ بمظهر غيرِ مظهره التونسيّ التقليديّ ذي العلاقة الوطيدة بالأعراف وبالأرض.

ليس التونسيّ بعد الثورة، ذلك الهيّن الليّن الذي سمح للدكتاتوريّة بقيادته وانتهاك حرمته وتغييب حريّته عشرات السّنين. ليس التونسيّ بعد الثّورة، ذلك المؤدّب المؤتمر بتوجيهات كبير الحومة. ليس التونسيّ بعد الثورة، ذلك النّسيج المتجانس الذي يجب رتقُه بعد أن حاول الظّلم توسيع فتقه. ليس التونسيّ بعد الثورة، ذلك المتواضع الكريم ولا ذلك المؤلّف بين القلوب الوصّال للأرحام الصّافي السريرة. ليس التونسيّ بعد الثورة، ذلك المحبّ لبلده الغيور عليه التوّاق لرؤيته عزيزا سامقا بين الدّول. ليس التّونسيّ بعد الثورة، ذلك الفيّاض بالإيثار، الكريم السخيّ الجامع. ليس التونسيّ بعد الثورة، ذلك النّموذج الكريم الحرّ المسؤول الرّاقي.                                        لكأنّما الثورة قد زرعت بالحريّة الفساد ونمّته فيه. لكأنّها ضاعفت لؤمه وأخّرت كرمه وداست على كرامته. لكأنّها زرعت فيه عدم احترام الآخر، فهوّنت عنده الاعتداء اللفظي والسّلوكي، فما وقّر بعد ذلك كبيرًا ولا اعتنى بصغير. لكأنّما كرّهت له الثورةُ احترام القانون والالتزام به، حتّى ما عادت الإشارة الحمراء دالّة عنده على الحدود.

قد فاجأ التّونسيُّ النّاس حتّى فتنهم، فخرجوا يردّدون في الأصعدة (إن شاء الله، ترجع تونس كما كانت). يريدونها كما كانت! رازحة تحت الدكتاتوريّة ذليلة ذاعنة.                    

استهوت اليافطة صُنّاع الشرّ فانطلقوا يذكّرون بأمن ورخاء فُقِدا. استهدفوا الصّالحين من أبناء تونس فرَمَوْهم بما يُبطل فعلهم ويحدّ من وجودهم. رآهم نساءُ الحيّ خيرا خادما للبلاد واستبشرن بصنيعهم، يرمّمون البناء ويطلون الجدر وينظّفون الأزقّة. ورآهم أصحاب اليافطات إرهابيّين متربّصين بالبلاد، سرعان ما تنقلب وسائل النّظافة في أيديهم أسلحة ذكيّة ورمّانات ومتفجّرات، يبسطون بها نفوذ "دواعش" ساندهم جهاد النّكاح. نمّى "وجود" الإرهاب شهيّة الرّجوع إلى القديم لبسط الأمن واستتبابه. كنّا آمنين فحرّضت الثّورة علينا أبناء ما وراء البحار وسكّان السّجون فجاسوا في البلاد. ما شهدنا في غيابهم إرهابا وما كلّفنا الإرهاب في غيابهم إرهاقا أو اضطرابا. لقد كفانا صاحب التغيير المبارك، بحزمه، شرّهم وأقنعنا بعدم انتمائهم للبلاد. لا بدّ أن نعقل، فمقاومة الإرهاب تكون بدءًا بمقاومتهم وعدم السّماح لهم بالوجود. كثر التدافع فصمدت الثّورة رغم تقليم أظافرها (لا حاجة لنا بلجان حماية الثّورة) وزرع الألغام في حقولها وإنبات الأشواك في أرضها. إرهاب ومقاومة إرهاب يستعصي فيهما تمييز المقاومين من الإرهابيّين. تختلط الأمور فينشط الاتّحاد في البلاد على غير عادته، يفعل فيها فعل اليد الحمراء في حشّاد الزّعيم. إرباك وتعويق و"وطنيّة" وصحافة خادمة لخيانة الوطن واللعب بمنجزاته وطاقاته. تشجيع على البطالة وعلى الاعتصامات وقطع الطرُق. مطالبات خياليّة بالزّيادة في الأجور، تشجيعا لقطّاع الطرُق. توافقٌ مشبوهٌ وحوار وطنيّ يرعاه خائن مشبوهٌ واغتيالات مجرمة تؤكّد على تورّط "مشبوه" لاستبعاد الشّبهة عن المجرمين. اغتيال مغلّب للفساد على الإصلاح وللدّولة العميقة على الدوّلة الوليدة وباعث على الانحراف. قنوات لا تهدأ لها خاصرة ولا يهجع لها صوت ولا يُستَر لها لحم ولا يُلاحَظ عليها حياءٌ ولا يحُتَرَم على شاشاتها إنسانٌ ولا يغيب عنها مأجورٌ مُستعبَدٌ مصفّق. وَهَن العظم من تونس فهبّ القاذوراتيّون يملؤون أرجاءها نفاياتٍ تزكم الأنوف حتّى تحرّكت "مروءة" الخنازير، فنزلت إلى الشوارع تُنقِص منها قاذوراتِها ونفاياتِها. تمنع الأهالي الخروج من ديارهم، تراهم في البلاد - بحكمتِها - نوعا من نفاياتها!. 

مواضيع كثيرة يجب الانكباب عليها والكتابة بإخلاص فيها، لولا هذه الطوابيرُ الطويلة، التي قطعت بكثرة المصطفّين فيها الطريق أمام الكتابة. تغيّرت الأساليبُ، فبات الحرص كبيرا على الكلمة "الطيّبةً"، ذات الحروف السمينة المنعّمة. كلماتٌ وفاقيّة، لا تخدش ولا تُغضِب قارءها فتضطرّه إلى إصماتها. لقد زهد النّاس في الكلمات "القاسية" كالحة الوجه، سليلة الإقامة في الأرض الجدباء القفر. حسبوا أنّ الكلماتِ كانت موجّهة للشّخوص. ما انتبهوا أنّها كانت ضدّ سلوكٍ لفائدة سلوك، وكانت في ذلك مهتديّة بالحبيب صلّى الله عليه وسلّم، فإنّه ما جاء مقاوما للأفراد والشّخوص، بل جاء مقاوما للشّرك والفساد والسّلوك الخاطئ، وجاء يريد ترقيّة القيمة وتغيير السّمت بالإسلام المحسّن للسّمت [خياركم في الجاهليّة خياركم في الإسلام إذا فقهوا].

[قل خيرا أو اصمت، كن إيجابيّا، أنظر إلى النصف المملوء من الكوب ولا تُقصِر النّظرَ على النّصف الفارغ منه، أشعل شمعة بدل أن تلعن الظّلام]... كلمات تردَّدُ، فتحوز على الكثير من الاهتمام، نظرا لإيجابيتها وصحّتها. فإنّ فيها من التوجيه النّبويّ الشّريف وإنّ فيها من التنميّة البشريّة والتجارب الإنسانيّة، الكثير. غير أنّها تظلّ مع ذلك نظريّة، وقد تنقلب إلى كلمة حقّ أريد بها باطل. فليس الصمت على إطلاقه خيرا، بل منه ما يجعل صاحبه شيطانا أخرس. وليست الإيجابيّة وقفيّة، فلعلّها لا تكون إلّا بالتنكّب عنها وباجتنابها؛ إذ ليس الإخلاص في خدمة الأجندات المتربّصة بالبلاد أو مساندة الفاسدين من الإيجابيّة. وليست الكلمات نتيجة الانصراف عن النصف المملوء من الكوب، بل أنّها فيه وعنه؛ إذ رأته قد مُلئ بما لا يطمئن على تعبئة النّصف الفارغ منه. وليس الجهل بالشّيء دليلا على عدم وجوده. فلعلّنا قد أشعلنا الشّموع، فلمّا كانت قليلة لم تستطع مقاومة الرّياح المسخّرة عليها من هنا وهناك لإطفائها.     

كانت تلك الحال، مسنَدَة بعدم الإصرار على الزّحام، سببا كافيا للتقاعد واحتلال مركز المتفرّج. لم تكن الفرجة صارفة للاهتمام عمّا يجري في البلاد ولا عمّا يدور في الحيّ، فكان ذلك محرّضا للجَسور على وخزٍ، ليس أقلّه الحديث عن "المتفرّج فارس". وهي قولةٌ حمّالةُ تُهَمٍ ثقيلة قادحة في الموصوف، غير لائقة. خوّار لا يستطيع شهود مواقف الفروسيّة ولا يقف على شروطها أو يدرك مخاطرها.                                                                                        

قد يمنع النّاسَ حياؤهم وتواضعُهم وعدمُ جرأتِهم على الزّحام، فيُرَوْا متفرّجين. قد يكون وجودُهم في أماكن الظلّ التي اختارَها لهم فاقدو الرّغبة فيهم وفي ألسنتهم، مانِعَهم من أن يكونوا نافعين، مشاركين بالفعل أو حتّى بالكلمة فيما تجب المشاركة فيه، فلا يجد المتجاسر، معتلي المنابر إلّا اتّهامهم بالعجز وبعدم القدرة على الفعل، ثمّ يسترسلُ فيُقدم على إلحاقهم بمقاعد "المتفرّجين الفرسان" يهنؤون فيها بالقُعود.

ليس أمضى في المقاومة من الكلمة وليس أضمن لاستمرار الظّلم من منعها. لم يكن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الحديبية غازيا ولا محاربا، بل كان مردّدا قولته المأثورة [ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر النّاس]. علموا قيمة الكلمة، كلمة الرّأي والموقف، فبذلوا الجهد لمنعها وإبعاد قائليها عن النّاس.

لم يتوقّف التّونسيّ الفارس "الثّائر" مع مفاسد الحاكم المستبدّ، يريد إصلاحها. ولا مع تهريب الأموال يريد استرجاعها. ولا مع العُمران المخرّب يريد بالعدل رفع بنيانه. ولا مع المشاكل المعيشة يريد توفير الحلول لها. ولا مع العنصريّة يريد القضاء عليها. ولا مع الكراهيّة يريد معالجة أسبابها. ولا مع البيئة يريد تنقيتها. ولا مع البطالة يريد تخفيض عديدها. ولا مع المعيشة يريد الرّفاهيّة لها. لقد توقّف التونسيّ "الثّائر" مراقبا لسيرورة الثورة وصيرورتها يحاول إبعادها عن أهدافها. يعمل على نتف ريشها كي لا تحلّق عاليا بالتونسيّين الأحرار الذين جاؤوا بها. يعطّل آلياتها ووسائلها كي لا تستمرّ في إنجاز برامجها وتحقيق طموحاتها.

نشطت المنابر فارتفع في تونس ما سمَّوه "التنبير". نَبَرُوا الصّالحين بألسنتهم ونالوا منهم. نَبَروا لجنة حماية الثورة وناصبوها العداء. لم يروها خادمة للمصلحة كما خدمت من قبل لجان الأحياء النّوفمبريّة، "المصلحة". لم يروها - كما كتب كاتبهم المتزلّف - يوم 6 ماي 2010، تجربة رائدة يُرسي بها بن علي قيِمًا اجتماعيّة متطوّرة، تثمّن العمل التطوعي وتوظّفه لخدمة التنميّة المحليّة. كانت الوشاية والإساءة للجيران والكذب والتزلّف للحاكم الظّالم، "حرصا من الرّئيس على إتاحة الفرصة للمواطن، ليكون شريكا فاعلا في تأمين مقوّمات جودة الحياة وتحسين ظروف وإطار عيشه حتى يتوفر له في محيطه المباشر الفضاء المناسب للمشاركة في الحياة العامة ومعاضدة العمل البلدي" (حسب قول المتزلّف). وكانت محاولة القضاء على الأمراض التي شخّصتها الثورة والطموح إلى العودة بالمجتمع إلى ما كان عليه من مكارم الأخلاق، قبل أن يجتاله حكّام ما بعد الاحتلال ولا سيّما ما كان باسم "فرحة الحياة" في عهد صانع التغيير المبارك، حبيب الصناديق الاجتماعيّة، 26/26 و21/21، مخاطر تتربّص بـ"الوطنيّين"، لا بدّ من العمل على مقاومتها ودرئها. حضرت سياسة المراحل التي أرساها بورقيبة في الأدمغة، فوقع دمج اللجنة فيما سُمّيَ (الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثّورة والإصلاح السياسيّ والانتقال الديمقراطيّ). كان ذلك كافيا فيما بعد لدرء جسم "هجين" جاء - كما رأوه - مساندًا لأناس جاؤوا من وراء البحار، كان الأولى بهم كما يرون أن يظلّوا - كما أراد لهم صانع التغيير المبارك - وراء البحار.

نبروا الأئمّة التّونسيّين الذين خرجوا من تحت رماد الحطب الذي أراد بن علي وزبانيتُه إحراق البلاد به. برز جليّا ناصعا معنى الحفظ الذي أراده الله تعالى لذكره [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]. يحفظه تعالى رغم أنوف أعدائه والمتطاولين على أوليائه وأنوف الذين يحاولون تغيير أحكامه. يحفظه رغم السّجن والتقتيل والنّفي وتشتيت الشّمل وتحويل المساجد إلى خمّارات ورمي المصاحف في دورات المياه. يحفظه رغم انتصاب الفضائيّات الخارجة عن السّمت تقتل الفضيلة وتشيع الرّذيلة وتنشر الخبائث بالخُبث. نبروهم فأقصَوا عن المنابر أفاضلهم وأجبروا بعضهم على مغادرة البلاد كما لو لم تقم فيها ثورة على الباطل وعلى أعداء البلاد.

نبروا النّهضة بألسنتهم ونالوا منها. رأوها بلاءً وشرّا مستطيرا نزل بالبلاد. "إخوان تونس"، "أعداؤها"، جاؤوا يُرهقون اقتصادها بتبضيع نضالاتهم القديمة. نزلت النّهضة حزبا معترَفا به قانونيّا في البلاد. اقتحمت الانتخابات التشريعيّة التأسيسيّة الأولى فكانت الحزب الأوّل في البلاد. نظرت في المحيط والتّاريخ واستشرفت، فامتنعت عن الحكم بمفردها، خوفا منها على البلاد. دعت إلى التآلف والتعاون للقيام بشؤون التونسيّين، فتشكّلت الترويكا وكانت هي إحدى مكوّناتها. أخطأت النّهضة بمرتبتها الأولى في الانتخابات، فاستأثرت برئاسة الوزراء وبغالبيّة الوزارات. ساعد ذلك الشّريكَيْن في الحكم، على التهرّب من المسؤوليّة فرَمَوْا بها ثقيلة عليها مردية لها. بات حرصُهما على مستقبلهما أكبرَ من حرصهما على مصلحة البلاد. باتت انتقاداتُهما للنّهضة، شريكِهما، أكبرَ من انتقادات غيرهما ممّن لم يرغبوا في مشاركتها الحكم في البلاد.

ارتعشت - كما أشاعوا - الأيادي. ارتعشت حتّى أنّها لم تعد قادرة على الأخذ بالأيادي. كيف نُرضي هؤلاء وهؤلاء، وكيف يرضى عنّا الشّريك في الأيادي. تداعى "الإسلاميّون" البُلهُ عليها، يرونها طاغوتا، يكفّرونها بوجودِها في الحكم. لا فرق بينها وبين الذي سبقها قبل الثّورة في الحكم. [وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ]، [وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ]، [وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ]. كفرة ظلمة فسقة، وإن وحّدوا وصاموا وصلّوا وزكّوا وزعموا أنّهم مسلمون أو رآهم أعداؤهم امتدادا للإخوان المسلمين. رأوا الإسلام مجرّد آليّة تُنزّل بمجرّد وجودِ المسلم في الحكم. اغتنم الأعداء والخصوم تبلّد الذّهن، فوقفوا مناصرين للـ"شّيوخ" أُولي العزم والفتوى. بات "الشّيوخ" يحتلّون المراتب الأولى في الفرجة عبر الشّاشات، حتّى أثار ذلك حفيظة العارضات،

كيف يكون لحمٌ أشهى من لحومهنّ، فيؤكَل بِشَرَهٍ كما يُؤكل لحم "الإسلاميّين" في الفضائيّات.

ارتعشت - كما أشاعوا - الأيادي، فاضطربت البوصلة وفقدت قدرتها على التوجيه. فقدت الأولوياتُ ترتيبَها وفقدت البرامجُ وضوحَها رغم إقناع النّاس واقتناعهم عند عرضها بوضوحها.

تراجعت الانتظارات، ولاسيما انتظارات المظلومين أولئك الذين "أثقلتهم" أحمال النّضال التي تكلّم عنها التّافهون، من أمثال سمير بالطيّب وكلّ الذّين آزروه. 

تمكّن سمير بالطيّب بمؤازرة أهل الباطل والإعلام "الرّساليّ" والاتّحاد بطل الإضرابات العامّة وراعي "الحوار الوطني"، من تمرير

وفعل ما لم يفعله أهل الخير مجتمعين. لقد عرّف الحياد في البلاد وأمضاه ونزّله. لا يكون التونسيّ محايدا بالقدر الذي يمكّنك من الوجود

في الوزارات، لا سيّما السّياديّة منها، إلّا إذا كان خارج النّهضة وكان معاديا لها ومعاديا لما جاءت به. ليس محايدا من جاء يذكّر

التونسيّين بدينهم وأعرافهم وحيائهم ومروءتهم واستقامتهم وواجباتهم تِجاه بلادهم. "أقنع" بذلك فسيّر دفّة الأمور حتّى رأيناه بعد سنوات

وزيرا محايدا، كثير الحياد. حتّى رأيناه لا يهتمّ بالتونسيّين ولا بجهودهم المضنيّة، فيترك القمح الوفير في سيدي بوزيد عام 2019،

أكواما في العراء، تتهدّدها السّيول وتلهو فوقها وتتغوّط الكلاب.

 تدخّلت الأحداث في مصر فزادت من تعقيد الأوضاع وزادت من ارتعاش الأيادي، لولا بقيّةُ حكمة أصّلت لارتعاش الأيادي. حدّث المجرمون والخونة والظّالمون النّفس بإنهاء الثّورة في البلاد. لقد ثاروا في مصر كما ثار هؤلاء "النّشاز" الخارجون على فرحة الحياة، فانقلب عليهم "الصّالحون" "الوطنيّون" في مصر فأبطلوا ثورتهم، فلِمَ لا نقتدي بهم في تونس كما كان أولئك من قبل قد اقتدوا بهم.
تنافست الوسائل والمال مع الفكر والعقيدة. تغلّب الفكر وانتصرت العقيدة. تنافست الثورة والثّورة المضادّة فأصيبت الثّورة إصابات بليغة وما خسرت وفشلت الثورة المضادّة فباءت بالخسران واندحرت. تنافس حبُّ البلاد وبغضُها، فسما الحبُّ يزيّن تونس وغيض البغضُ تحت الأقدام يغيظ متأبّطيه اللئام في تونس وخارج البلاد.

كثرت المناورات واشتدّ الثّبات على الحقّ، فنجت البلاد بفضل الله تعالى ثمّ بالثّبات على الحقّ من كيد الكائدين وتخطيط الخونة المارقين وتلوّن المنافقين. تحمّلت باردو النّفايات زمنا طويلا ثمّ ما لبثت أن نفثتها رغم تكدّسها، وأفرزت دستورا للبلاد. باتت البلاد تتحدّث عن جمهوريّة ثانيّة لها دستور قد تلافى - بما استطاع كاتبوه أو بعضُ كاتبيه - بعض الهنات المخلّة بانتظارات وكرامة التّونسيّين. بات الدستور مرجعا يُرجع إليه ومكسبا يُفتخر، ولو نسبيّا، به. بات النّاس يتحدّثون عن بلد عربيّ مسلم، يشهد انتقالا ديمقراطيّا سلسا رغم القوالب المعوجّة الملتوية فيه.

 وبعد، فقد أنجِزَ الكثير على مستوى النصّ، وبقي على النّاس حسنُ تنزيل النصّ. على النّاس أن يجتهدوا كثيرا في دنيا الحبّ، فإنّه لا استمرار بدون حبّ ينزلهم إخوةً متحابّين بدل أن يكونوا طوائفَ متنافرين. على النّاس الإنجازُ في دنيا الفضيلة، فإنّه لا استقامة بدون

مناصرتها والتكثير من أهلها. على النّاس الإنجازُ في الدّين، فهْما وفقْها وتديُّنا ومعرفةً للحلال والحرام، بل ومعرفةً لله تعالى، فإنّه لا

نجاة في الدنيا والآخرة إلّا بالخوف من الله تعالى وبتوقيره ونبذ كلّ الأصنام التي كان النّاس يعبدونها مشركين. على النّاس الإنجاز في

الثّقافة المستقلّة، التي لا تتأثّر بالرُّكب والبطون المكشوفة ولا بالشّعور الشيطانيّة الطّائشة ولا بالكلام البذيء ولا بالاعتداء السّافر على

المتفرّجين بالعُري على خشبات المسارح وبغياب الحياء، فإنّ الحضارة لا تُعدّ إضافة إلّا بثقافة تعكس هويّة أهلها ومعدنهم وطرائقهم في

الحياة وحسن تعاملهم مع المحيط ومع النّاس الأسوياء وصرامتهم في مقاومة أعمال الأدعياء. على النّاس الإنجازُ في العمل، فإنّه لا

نجاح ولا فلاح بل ولا إيمان بالله وخوفا منه إلّا بالعمل الصّالح، والتنافس فيه وترقيته والترقّي به. على النّاس إعادةُ زرع القّيم وأهمّها

على الإطلاق قيمة الحرص على إمضاء القيم، فإنّه لا مكان في الدّنيا للتّافهين والعشوائيّين والطفيليّين والدنياويّين، وإن وجدوا الترحيب

ممّن لا يريد لنا الحياة.

 يتسابق النّاس - بذِلّة - للحصول على إحدى جوائز نوبل الخمسة، دون أن يتوقّفوا عند إنجازاته وعند علاقة إحداها بالسّلام. لم يتوقّفوا عند اجتهاد الرّجل في حياته ولم يلحظوا خشيته على النّاس من اجتهاداته. لقد خشي أن توظَّف إنجازاتُه بعد موته في غير مقاصدها، فاختار للدّيناميت الذي اخترعه التوظيف في السّلام، وجعل له جائزة للسّلام، أو هكذا فهم الذّين من بعده. علينا جميعا ألّا نستهين بالقِيم، حتّى لا ننحرف كالذّين خانوا نوبل بعد موته، فاختاروا لجائزته للسّلام صهيونيًّا عدوًّا مناصبًا للسّلام، فمنحوه جائزة السّلام. علينا ألّا نستهين بالقِيَم كي لا نتسابق إلى مسؤوليّة غليظة سمّاها الحبيب صلّى الله عليه وسلّم النّدامة، تسابُقَ الأنعام. فقد كان يجدر بنا ألّا يكون ترحيبنا بحرّية وفّرتها الثّورة دافعا على السّلوك المجانب للحكمة، المفرّق للصفّ، المذهب للرّيح. علينا ألّا نجعل أنشطتنا مجرّد حملة، بل أن نحمل بأنشطنا على كلّ ما يعيقنا من الجهل والبطالة والتدابر والتباغض، كما لو كنّا حملةَ سيلٍ يَذهَبُ بالجُفاء ويروي أرضا خاشعة فتُمسي مهتزّة رابيّة، قد كثر كلأها وخرج مختلفُ زرعِها، فرتعت ماشيتُنا فيها وانكفأت الذئاب يائسة من الحوْم حول حِمانا، خشية أن تقع فيه. علينا في النّهاية ألّا نجعل تونس إرثا نسيء بانفلاتنا وعدم تعقّلنا التصرّف فيه، حتّى نكون مثل الذين حوّلوا جائزة نوبل للسّلام عن غرضها، فجعلوا منها محرّضا على هدم السّلام وعلى المبالغة في الاستهزاء بقيمته...

 

عبدالحميد العدّاسي 

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.