.

.

تلفزة الأطفال التي أبكت الوالد..

بتاريخ : 2020-02-19 الساعة : 13:00:42

اسم الكاتب : نصرالدين السويلمي     التصنيف : ورقات ثقافية     عدد القراء : 68




 مقالات أُخرى للكاتب - نصرالدين السويلمي
مصعب وحمنة وزينب..
غـــــــــــــــــــول الــــ5%..
وعد الراجل التونسي.. تو كي يسهل ربي نشريلك الذهب!
مصبـــــــــــــــــــاح الجربوع ووالد زوجتي..
سامي براهم عن النهضة والإخوان..
ميركل تخضع إلى ضغوط السيسي وبن زايد و توجه إهانة بالغة إلى تونس!
لطفي العبدلي.. تحت النار !
المرشد الاعلى للجمهورية التونسي آيات الله نورالدين الطبوبي..
ماذا تريد منظومة ستالين بن علي ؟
بشرى كبرى نزفها الى الشعب التونسي..

المزيد من المقالات

 تلفزة الأطفال التي أبكت الوالد..

وصلت إلى هناك، إلى مقبرة أولاد عزيزة، جلست إلى قبر والدي، تذكّرت اليوم الذي خرجت فيه من البيت قبل أكثر من عقدين ونصف، اليوم الذي سلّمني فيه والدي 200 دينار كان يجمعها بالدينار على أمل أن يكتمل النصاب ويذهب إلى الحجّ، لكن الموت عاجله قبل أن يكمل المبلغ الذي بدأ في جمعه سنة1971، مات سنة 2000 ولم يجمعه.. كنت اقتربت من جمع ثمن الحجّ حين هاتفوني.. لقد رحل.. مات.. بعد رحيل الوالد بسنة استقدمت الوالدة وأنهيت لها إجراءات الحجّ، وحين كانت تهمّ بالمغادرة بالطائرة من ألمانيا إلى الحجاز، التفتت إليّ ثمّ قالت وهي تغالب البكاء "وبُويّك هاو ما حجّش؟"...
مازلت أتذكّر ذلك المشهد الذي أربكني، وأنا الطفل الصغير، أترقّب أبي حتى يفرغ من مشاهدة الصّور في تلفزة صغيرة جلبها أحد أقاربنا من الحجّ، هي للأطفال.. بداخلها بعض الصّور للكعبة المشرّفة والمقام والسعي وعرفة، في الوهلة الأولى كنت أنافس أخي على المقدّمة حتى ضايقنا الوالد، فجأة انتبهت وذُهلت! والدي يبكي!.. يا للهول!!.. أوّل مرّة يبكي الوالد أمامي بتلك الطريقة، ارتجت دواخلي، ربّما كانت حالة نفسيّة جمعت بين الصدمة والخجل، كيف يبكي أبي الكبير جدا من بعض الصّور في مصوّرة أطفال! يبكي من لعبة أطفال!!.. مشهد مفزع حقّا بل مرعب!!.. الوالد بشموخه يغمض العين اليمنى ويفتح اليسرى ويبلّل لعبة الأطفال بدموعه!!.. ثمّ فجأة انتبه للموقف المتداخل المشحون، فدسّ المصوّرة الطفوليّة العجيبة في صدري وليس في يدي، ألصقها بصدري كأنّما يستفزّني لأخرج من ارتباكي، ولا أدري إلى اليوم لماذا تمتم بصوت مسموع وسريع "الحجّ عرفة... الحجّ عرفة" ثمّ انصرف حتى لا نركّز مع دموعه.. بعد أكثر من 3 عقود من حادثة المصوّرة، وجدّتني أقف في عرفة، وجدت نفسي أتمتم، الحجّ عرفة.. الحجّ عرفة.. لقد تذكّرته هناك.. كان الوالد يقول، على المسلم مثلما يطعم عياله أن يدّخر بعض المال إلى الحجّ قلّ أو كَثُر.. رجل كبير و"مدّب" ويقرأ للشاطبي ولديه مدوّنة سحنون ويحبّ سيّد قطب، رجل بهذا الوعي تبكيه مصوّرة أطفال ولديه شقاقة مثل شقاقة الأطفال يضع فيها النقود للحجّ، مرّة وضع 100 ملّم!ّ كنّا نضحك من البساطة، بينما كان الوالد يدرك أنّ أموال الحجّ تحتاج إلى الأموال، لم يكن يدّخر إلى الحجّ، لقد كان يبرأ إلى الله..
هناك في المقبرة دعوت للوالد كثيرا وبكيت قليلا، وضعت يدي على القبر ووجدتني اهمس لنفسي، هم لا يحبّون الثّورة لأنّهم لا يدركون ماذا حدث قبل 17 ديسمبر، لا يعلمون كيف يغادر الشّاب بيته وفيه 7 أخوة وأخوات ووالدة متماسكة مقبلة على الحياة ووالد في عنفوانه، بيت يعــــجّ.. فيعود بعد سنــــــــــين ليجد أمّه المسنّة بمفردها بالكاد تتماسك، أمّا البقيّة فقد صرّفتهم الأقدار.. تركت الوالدة تامر وتنهي تنسج وتعوّل.. وحين التقينا بعد سنوات طويلة، وجدتها توصيني: الدّار ما تسكّرهاش بعدي، خلي تڨعد محلولة.. يمّة تكره الدّار المسكّرة!!.
نصرالدّين السويلمي

مصدر الخبر : الفايسبوك
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.