.

.

الإندماج في بلاد الغرب: بين الإشكال النظري والمشكل العملي

بتاريخ : 2010-01-30 الساعة : 13:10:10

اسم الكاتب : علي بالساسي بلحاج علي     التصنيف : المسلمون في أوروبا     عدد القراء : 1580




 بسم الله الرحمان الرحيم 

 الإندماج في بلاد الغرب: بين الإشكال النظري والمشكل العملي

 يعتبر ملف الاندماج من أعقد الملفات وأعوصها لدى صناع القرار في بلاد الغرب، وذلك بما طرحه ويطرحه عليهم من تحديات اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية، خاصة في السنوات الأخيرة، بعدما عصفت باقتصادياتها أعاصير التحولات العالمية وعلى رأسها انهيار المعسكر الاشتراكي، من ناحية، وازدياد حضور الثقل العددي والنوعي، والأخطر من ذلك والأعقد عودة الوعي بالذات والهوية للأجيال المنحدرة من أصول الأقليات المهاجرة لبلدان ما يسمى بالعالم الثالث منذ منتصف القرن الماضي، من ناحية ثانية، لتأتي، من ناحية ثالثة، التداعيات الرهيبة لأحداث 11 سبتمبر2001 لتضيف بعدا " متخارجا " عن طبيعة الملف وجوهره ومضمونه – وهو البعد الأمني – الذي هيّج وهاجت معه، لدى جميع الأطراف، أحداث التاريخ الغابر من صراعات ومواجهات وحروب وإبادات دينية وعرقية وإثنية...هذا إضافة إلى ما أصبح يمثله هذا البعد، لدى الإنسان الغربي عموما وصناع القرار فيه على وجه الخصوص، من هاجس مرضي كيّف إلى حد بعيد أوجه التعاطي والتعامل المتوتر مع الأقليات المسلمة ومع دينها وثقافتها وتاريخها الحاضر والغابر على حد سواء...

إن ملف الإندماج – كما نفهمه ونتمثله – ملف مركّب، شديد التعقيد، تشقه العديد من التقاطعات الحادة والمتشابكة، يستعصي حلها على القرار السياسي المجرد لأن جذورها منغرسة في عمق المدلول الثقافي والإجتماعي المتحيِّز لأطرافه الفاعلة والمنفعلة على حد سواء، الأمر الذي يدعونا – سواء تناولنا بالدراسة والبحث جزئياته أو كلياته – أن نتوغل في ثناياه بعمق ورفق وأناة. وهذا ما ستحاول هذه المقالة الوقوف عليه وتوضيحه في شكل مقاربات حائرة ومُحيّرة لعلها تستفز الفكر فينطق بوحيه القلم.

إن تفكيك ملف الإندماج والوقوف عند مُحدّداته ومُتعلّقاتها والعلاقات الجدلية الدائرة بينها، يتطلب منا أولا التعرف على هذه المُحددات، ويتطلب منا ثانيا تتبع عملية الإخفاء والإظهار التي تُمارسها هذه المُحددات لمُتعلّقاتها وذلك من أجل الوقوف على خصوصية العملية الإندماجية وتنوعها من أقلية إلى أخرى في تعاطيها وتعاطي مجتمعها معها.

تتحدد العملية الإندماجية، عند النظر الدقيق، من خلال ثلاث محددات:

-         المُحدّد الأول: ونصطلح على تسميته بالموجِّه أو الخلفية أي زاوية النظر للكون والحياة والإنسان والتي تقبع فيها المتعلقات التالية: الدين والثقافة والتاريخ والإرث الإجتماعي من عادات وأعراف وفنون وآداب وأذواق جمالية حسية منها ومادية...وتتصف هذه المُتعلقات بالحركية وتبادل المواقع والأدوار في الشعور واللاشعور والمعقول واللامعقول ويختلف التعبير عنها، في الشكل والمضمون، من شخص إلى آخر ومن مجموعة إلى أخرى...

-         المُحدّد الثاني: ونصطلح على تسميته بالطرف الفاعل والمقصود به مجتمعات بلاد الغرب أو بتعبير أدق البلاد المُحتضِنة. أما مُتعلقاته فتنحصر في لون البشرة واللسان (أي اللغة) (1) والإسم (2) وتتصف بالثبات على اعتبار أن هذا الطرف يعتبر نفسه المركز أو المحور الذي ينبغي على بقية الأطراف أن تدور في فلكه طوعا أو كرها، هذا فضلا على أنه يمسك بمفرده بمقود العملية الإندماجية:  سياسة وتخطيطا وبرمجة وتنفيذا...

-         المُحدّد الثالث: ونصطلح على تسميته بالطرف المنفعل والمقصود به الأقليات المهاجرة ومُتعلقاته نفس مُتعلقات الطرف الفاعل: لون البشرة واللسان والإسم، غير أن مُتعلق اللون والإسم ثابتان ومُتعلق اللسان متحرك، وهو عند الجيل الأول والثاني والذي يليه، من المولودين في بلاد المركز، أكثر حيوية نحو التأقلم والتماهي معه، منه عند أصول هذه الأجيال التي تتعاطى مع لسان (لغة) المركز بلحن و لكنة... 

عند التأمل الدقيق لهذه المُحدّدات الثلاث، نرى أن المُحدّد الأول والمتمثل في الموجه أو الخلفية أو زاوية النظر، زيادة على اختلاف مضمونه من الطرف الفاعل إلى الطرف المنفعل، بما يعني أن لكل طرف من الطرفين موجهه وخلفيته وزاوية نظره، يعتبر المُحدّد المؤثر بل والموجه في العملية الإندماجية لدى الطرفين وفي الإتجاهين كذلك الإيجابي منه، والسلبي والمتمثل في الإنكماش والتقوقع حول الذات والهروب من الآخر، ومن ثم فإن عملية الإخفاء والإظهار، التي أشرنا إليها سابقا والتي تجسد خصوصية العملية الإندماجية بين الطرفين الفاعل والمنفعل، ستطال فقط المُحدّد الأول ومُتعلقاته، وذلك لسببين وقعت الإشارة إليهما آنفا، وهما تعدد مُتعلقاته واختلافها من طرف إلى آخر هذا من ناحية، وحركية هذه المُتعلقات وتبادل مواقعها ظهورا وخفاءً من ناحية ثانية.

لقد وصلنا هنا إلى تفكيك مُحدّدات الظاهرة الإندماجية ليس من أجل إعادة بنائها من جديد ووفق منظور بديل – لأنه ليس مقدورا لنا عليه في هذه المقالة – وإنما من أجل التوقف على معرفة سيرورة حراكها الداخلي، التي ما كان لها أن تبوح لنا بأسرارها لولا عملية التفكيك هذه، ولزيادة توضيح ذلك، سنعمد أولا إلى رسم مشهدين لها على الصعيد المجتمعي لكي نخلص ثانيا إلى الوقوف عند ظلال تجلياتها على الصعيد السياسي، وكيف تعامل معها صناع القرار السياسي تعاملا توظيفيا رخيصا يفتقر للمنهجية والعلمية والمصلحة المجتمعية، هذا فضلا عن عمق النظر إليها غورا وبعده أمدا.

المشهد الأول: نحن الآن أمام تقابل بين شخصين، أحدهما ينتمي للطرف الفاعل والآخر ينتمي للطرف المنفعل، غير أنهما ينتميان سويا إلى مجال دلالي وحضاري واحد على حد تعبير الدكتور طه عبد الرحمان، فلننظر كيف يفعل الموجِّه (أي الخلفية) فعله لكل منهما من خلال عملية الإخفاء والإظهار لمُتعلقاته...

إن المواطن الأوروبي مثلا في تعاطيه في بلده مع مواطن أوروبي آخر، فكلاهما لا يشعر بغربته عن الآخر، لأن مُتعلقات مُوجّههما أو خلفيتهما متقاربة، إن لم تكن متماهية، الأمر الذي يسهل معه اندماجهما مع بعضهما البعض، ومن ثم فإن عملية الإخفاء والإظهار لمُتعلقات موجّه كل واحد منهما تكون هادئة ومتوازنة إن لم تكن ساكنة أصلا، حيث يشعر كل واحد منهما أنه امتداد للآخر، وكيف لا؟ فالدين واحد على اختلاف مذاهبه، بقطع النظر عن اعتقادهما والتزامهما به من عدمه، وكذا الثقافة والاجتماع والتاريخ والفن والأدب، مع اختلافات طفيفة، تمس العرض لا الجوهر، لتجارب مجتمعاتهم في السياسة والاقتصاد... ويبقى مُتعلق اللسان (أي اللغة) يمثل بينهما إشكالا ظرفيا يسهل التغلب عليه مع الوقت ولا يشكل أمامهما عائقا حديا في عملية الاندماج، هذا إذا صح أن ثمة عملية اندماج في هذا الإطار أصلا.

المشهد الثاني: نحن الآن أمام تقابل بين شخصين أحدهما ينتمي للطرف الفاعل والآخر ينتمي للطرف المنفعل، غير أنهما لا ينتميان إلى مجال دلالي وحضاري واحد، فكيف ستتبدى لنا صورة المشهد يا ترى؟..

إن المواطن الأوروبي مثلا في تعاطيه في بلده مع مواطن آخر لا ينتمي إلى ثقافته ولا إلى حضارته، ففي هذه الحالة سيحصل بينهما مباشرة التنافر العفوي وعدم التجانس الفطري ومن ثم سيفعل مُوجِّه كل واحد منهما فعله من خلال عملية الإخفاء والإظهار لمُتعلقاته، فتزداد وتيرة حَراكها وتبدّل مواقعها...وسيكون مُتعلق الدين مثلا (3) أكثر حضورا عند الأوروبي في تقابله مع المهاجر الملتزم دينيا، سواء كان هذا المهاجر الملتزم، مسلما أو يهوديا أو بوذيا أو سيخيا..، وسيزداد هذا المُتعلق ظهورا وحضورا لديه، خاصة مع بروز مظاهر الالتزام الديني كحجاب المرأة المسلمة أو قلنسوّة اليهودي أو عمامة السيخي.. والعكس يكون كذلك، أي عندما يكون الطرف المنفعل يفتقر للخلفية أو هو يمتلكها ولكنها تقليدية غير واعية، ففي هذه الحالة لا يجد صعوبة في الاندماج المُستلب مع الطرف الفاعل وفي المقابل لا يجد هذا الأخير حراكا داخليا بين مُتعلقات موجهه وخاصة مُتعلق الدين الذي سيختفي عنده في هذه الحالة ليترك مكانه لمُتعلق إرثه الإجتماعي الذي سيتقابل مع الإرث الإجتماعي للطرف المنفعل وهو ما يمكن التأقلم بينهما مع عامل الوقت.

لقد تبين لنا من خلال المشهدين الأنفين كيف يشتغل المُوجه، من خلال مُتعلقاته، لدى كلٍّ من الطرف الفاعل والطرف المنفعل في العملية الإندماجية، هذا من ناحية، وكيف عمل اختلاف الانتماء الحضاري الواعي في تكييف طبيعة هذا الاشتغال لدى الطرفين من ناحية ثانية، الأمر الذي يقودنا للجزم بأن المعني الحقيقي بالعملية الإندماجية ليست الأقليات التي لا تتقاطع حضاريا وثقافيا مع وسطها الإجتماعي، وإنما هي تلك الأقليات التي لا تنتمي دلاليا ولا حضاريا إلى الوسط الإجتماعي الذي تعيش فيه، لأن في هذه الزاوية يقبع الإشكال النظري والمشكل العملي الحاد لملف الاندماج (4). ومن ثم كان لزاما ليس على صناع القرار السياسي فحسب وإنما كذلك على صناع المدلول الثقافي والمضمون الإجتماعي أن يكيفوا طبيعة معالجاتهم النظرية والعملية مع طبيعة الملف لتلامس جذوره الثقافية والاجتماعية والحضارية والإنسانية، لا أن تكتفي فحسب بمعالجة تجليات ظلاله السياسية والتي لا تخلو من التوظيف الآني في المعارك الانتخابية، وهو ما نراه ونسمع صداه من هنا وهناك في بعض التجارب، لعل أقربها منا مكانا ومعطى التجربة الفرنسية الأخيرة، التي أفلحت هذه المرة وبعد مخاض عسير وطويل في الوصول إلى تمثيل الوجود الإسلامي عبر جهة رسمية وممثلة أطلق عليها اسم (المجلس الفرنسي للدين الإسلامي).

والطريف في الأمر أنه وبمجرد الانتهاء من عملية الانتخاب لهذا المجلس والمصادقة عليه رسميا، حتى سالت حوله أودية من المداد فاقت تلك التي صاحبته قبل ولادته، في سجال عنيف تقاطع فيه البعد السياسي مع الهم الثقافي، ليجنحا في الأخير إلى أتون الصراع الديني والعنصري والإيديولوجي الحاقد، كان أعنفها تطرفا تلك التي اعتبرت أن تمثيل الوجود الإسلامي، ليس مخالفا فحسب لمبدإ العلمنة الفرنسية وإنما مهددا لدك أركانها مستقبلا، بل والأكثر غرابة من ذلك هو استنجاد أصحاب هذه السجالات، لتبرير أفكارهم وتسويق آرائهم، بمصطلحات لا تنتمي لغويا ولا دلاليا  ولا حضاريا إلى قاموس العلمنة التي ينافحون عنها وإنما هي مصطلحات مستوردة من قاموس الإستبداد الشرقي كمصطلح التطرف والإرهاب واستعمال الدين لأغراض سياسية وما إلى ذلك... وقد بُعث حيا في خضم هذه السجالات كلّ من الطهطاوي وعلي عبد الرازق وقاسم أمين وطه حسين وأُستنجد بأحياء من أمثال محمد الشرفي ومحمد أركون ونصر أبوزيد وغيرهم ممّن يمثلون الإسلام المستنير بحسب زعمهم..

لقد غاب حقا على هؤلاء وغيرهم أن الوجود الإسلامي في الغرب عامة وفرنسا خاصة قد خرج من طور المعطى الظرفي الوظيفي، الذي أملته ضرورات البناء والإعمار للبيت الأوروبي الخرب بعد الحرب العالمية الثانية، إلى طور المُكوِّن المؤثر ليس في الحدث السياسي العابر فحسب وإنما في عمق مدلول الحدث الثقافي والنسيج الإجتماعي والشريان الاقتصادي والبناء العلمي والتكنولوجي، الأمر الذي يتطلب منهم، انسجاما مع ذواتهم ومع معطيات موضوعهم ومع منجزات حداثتهم في منهج البحث والتنقيب والدراسة، هذا فضلا على شعارات ثوراتهم ومواثيقهم وإعلاناتهم في الحرية والمساواة والأخوة والديمقراطية وحقوق الإنسان...كل هذا وغيره يتطلب منهم، أن يعيدوا قراءة واقعهم قراءة موضوعية وعلمية، هدفها الأول والأخير مراعاة المصلحة العليا لمجتمعاتهم التي أصبح فيها ابن (الآخر) – أي المهاجر – مثلهم  ابنا شرعيا لمجتمعاتهم، مولدا وثقافة وتاريخا ومصيرا، له ما لهم وعليه ما عليهم..

إن المعطى الإضافي والنوعي الذي رمى بثقله على ملف الاندماج ، أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، إضافة إلى ما وقعت الإشارة إليه في مقدمة هذه المقالة، هو بروز ظاهرة جديدة لا تقل خطورة عن سابقاتها في تعقيد الملف وتقاطع وتشابك أبعاده ومستوياته وهي الأوبة المتسارعة والمتنامية للعديد من أبناء بلاد الغرب الأصليين للإسلام دينا وهوية وثقافة، الأمر الذي نقدر معه، مع مرور برهة من الزمن، أن ملف الإندماج سيفقد مبرراته الذاتية والموضوعية، ووقتئذ سيُطرح الإشكال المنهجي التالي في قالب هذا السؤال: مَن يدعو مَن إلى الاندماج؟ وفي أي إطار؟ وتحت أي سقف؟

إن هذا الاستشراف المستقبلي لمآلات الملف، الذي قد يراه البعض منا بعيدا إن لم يكن مستحيلا ونراه نحن قريبا تحقيقا لا تعليقا، يفرض على الجميع ابتداء، ومن الآن، النزول عند كلمة سواء تكون أرضية صلبة للحوار والتواصل، هذا فضلا على كونها منهجا وأداة في إدارة هذا الحوار وتمتين هذا التواصل، وهذه الكلمة السواء، أو الناموس الحكيم على حد تعبير الإمام الطاهربن عاشور، هي: التعارف الذي هو أصل لتعاون الشعوب والحضارات مع بعضها البعض، (وإنما عبّر عن التعاون بالتعارف، لأن هذا أصل لذلك، وهو شرط من شروطه، فهو إطلاق لإسم الشرط على المشروط، أو السبب على النتيجة، وذلك رائج في لسان العرب.) (5)

لقد ورد في القرآن الكريم في سورة الحجرات آية 13 قول الله عز وجل: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

يقول الدكتور عبد المجيد النجار في تفسير هذه الآية (فالذكورة والأنوثة إشارة إلى الخصائص الفردية في الإنسان، وتعارف الشعوب والقبائل أي تعاونها إشارة إلى البعد الجماعي فيه، والتقوى التي هي تقدّم في الطريق إلى الله إنما تكون من بين ما تكون بالموافقة بين ذينك البعدين..) (6) ثم يؤكد الدكتور على أن انخرام هذا القوام التوافقي عند الإنسان سيؤدي به، إما إلى فردية مجحفة تلغي الآخرين كما هو حاصل في المذهب الفردي السائد اليوم في حضارة الغرب، أو إلى جماعية مجحفة تلغي كينونة الفرد لصالح كيان الجماعة، كما حصل في المجتمعات الشيوعية المنهارة التي ولت وأصبحت تاريخا يُروى في بطون الكتب..

إن ما ذهب إليه الدكتور النجار في تفسيره هو وجه من عدة وجوه أخرى تحْتملها الآية سنعمد – بعون الله وتوفيقه – على كشف واحد منها.

إن الآية وردت بصيغة الخطاب الكلي العام المُوجَّه لعموم الناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم وأوطانهم وأديانهم وثقافاتهم وحضاراتهم...ومن ثم جاء مضمون القضايا المراد التذكير بها كذلك كليا تجانسا وانسجاما مع الصيغة الكلية للخطاب والمُخَاطبين. فالقضايا الكلية التي حفلت بها الآية هي:

-         مصدر الخلق ومنشأه:  الله سبحانه وتعالى.

-         مبدأ الخلق الأول: ذكر وأنثى.

-         مبدأ الخلق الثاني (نصت الآية عليه بالجعل ): الشعوب والقبائل.

-         آلية التواصل ومنهجه وناموسه: التعارف.

-         أساس التمايز والتفاضل بينهم عند خالقهم: التقوى.  

إن ما ذهب إليه الدكتور النجار في تفسيره للآية هو تأصيل الظاهرة الاجتماعية في كينونة الإنسان فكريا وهي حقيقة لا غبار عليها ولا شك فيها، ولكن ما نريده نحن هو تأصيل الظاهرة الاجتماعية في الواقع العملي، وإخراجها من طور الإمكان النظري إلى طور القوة الفعلي، وهو ما عبرنا عنه بمبدإ الخلق الثاني وهو يختلف هدفا وطبيعة عن مبدإ الخلق الأول. ذلك أن مبدأ الخلق الأول للإنسان والذي يشترك فيه مع بقية المخلوقات الأخرى يبقى محصورا في تركيبته البيولوجية والفسيولوجية ومن ثم فإن استمرار نوعه يبقى مرهونا لوجود الذكر والأنثى (ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) الذاريات آية 49 ، أما استمرار نوعه في تركيبته الثقافية والاجتماعية والحضارية، وهو المقصد الأسنى من وراء خلقه والذي يختلف فيه عن بقية المخلوقات الأخرى، يبقى مرهونا لوجود الآخر الجماعي على مقتضى الاعتبار والاختبار من ناحية (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا) الفرقان آية 20 وعلى مقتضى الحاجة والاضطرار، نزولا عند ضرورات العيش ومتطلبات الحياة، من ناحية ثانية (أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون) الزخرف 32.

إن التعارف، وإن ورد في الآية تصريحا بمعنى الهدف والغاية من جعل البشر شعوبا وقبائل، فإن تخريج معناه تلميحا وإيماء، على أنه قانونا أو ناموسا حكيما، من خلاله وبواسطته، تتعاطي الشعوب والحضارات وتتواصل في ما بينها، لا يعتبر من قبيل تحميل اللفظ ما لا يحتمل أو تبديل الكلم عن مواضعه، ومن ثم فإننا نعتبر أن التعارف سنة من سنن الله تعالى في الإجتماع البشري ليس له بديلا إلا التقاتل والتحارب بين الشعوب والتصادم بين الحضارات.

وإن النظر الدقيق في تركيبته اللغوية كما وردت في الآية الكريمة جاءت أولا بصيغة التعليل (ل) لتوضيح المقصد من الجعل أو الخلق الثاني، وجاءت ثانية بصيغة الفعل وهو أبلغ  وأوقع  في الحس والشعور في جعل التعارف واقعا ملموسا، وجاءت ثالثة بصيغة  أفعال المشاركة لتدل على أن التعارف مشاركة متفاعلة، تعترف بالآخر وترى أن بقاءها الفعال في الحياة مرهون لوجود الآخر وإن تقاطعت معه ثقافيا وحضاريا وترى في ذلك التقاطع مع تخصيبه بالتعارف هو إغناء وإثراء لخصوصيتها الثقافية والحضارية، ومن ثم جاء التنصيص على سنة الإختلاف وذلك من خلال التنصيص على الشعوب والقبائل وإيرادها بصيغة الجمع والكثرة، الأمر الذي فتح لنا الباب في إضافة المعنى الإجرائي للتعارف وجعله منهجا في التعامل بين الأفراد والجماعات والشعوب والحضارات. وفي هذا المقام ندعو العموم وأصحاب الفكر والثقافة العربية والإسلامية على وجه الخصوص، للعمل على تقعيد هذا المنهج وتأصيله في الفكر والممارسة وإغنائه بالبحوث والدراسات حتى يستوي على سوقه منهجا علميا وعمليا في  التعاطي والتعامل والتواصل مع الآخر الثقافي والحضاري.

إن التعارف هو رديف الإندماج الإيجابي، ومن ثم فإن البديل عنه هو الإدماج. والفرق بين الإندماج والإدماج هو كالفرق بين التعارف والتقاتل. فإذا كان التقاتل يستبطن معنى الإلغاء المادي للكائن البشري، فإن الإدماج يستبطن، في المقابل، إلغاء كينونته الثقافية والحضارية. ومن هنا نفهم مغزى ودلالة طرح قضية الحجاب في المدارس الحكومية الفرنسية تزامنا مع تقنين الوجود الإسلامي، الأمر الذي يعكس لدينا هشاشة وسطحية التجربة الفرنسية في موضوع الإندماج. فالحكومة التي أقدمت على توقيع  قرار التقنين هي نفس الحكومة التي أقدمت على التوقيع، وبنفس المداد، على منع ارتداء الحجاب الإسلامي للفتاة المسلمة في مؤسسات التعليم الحكومي، ذلك أن القرار السياسي عندما لا يكون مسنودا بقناعة ثقافية مبدئية، يصبح عرضة في أي لحظة للإبتزاز من أي طرف كان، يدفعه عرض سياسي زائل أو عداء إيديولوجي حاقد.

تلك هي بإيجاز مُحددات الظاهرة الإندماجية ومُوجهاتها وسيرورة حَراكها الداخلي وتجليات ظلالها كما تبدت لنا على الصعيدين المجتمعي والسياسي، مع التعريج على مآلاتها المستقبلية والمنهج المقترح في تعاطي الأطراف المعنية معها.

                                                                                               علي بالساسي بلحاج علي   

جنيف – سويسرا

_______________________

 


1-    لون البشرة واختلاف اللسان قد يكونان عاملا من عوامل التفرقة العنصرية وقد حصل هذا في خير القرون عندما عيّر سيدنا أبي ذر الغفاري سيدنا بلال بن رباح بابن السوداء في رواية وبابن الأعجمية في رواية أخرى وأي الروايتين صحت فالمقصد حاصل: إما مُتعلق لون البشرة أو مُتعلق اللسان أي اللغة أوالإنتماء العرقي.  

طلعت علينا الجريدة اليومية، (منبر جنيف)Tribune de Genève  في عددها – 35 196 الصادر يوم الاثنين 23 أوت 2004، بخبر، ورد مجملا في صفحتها الأولى ومفصلا في صفحتها السادسة، يؤكد عمليا صحة تحليلاتنا لمُحدّدات ومُتعلقات الظاهرة الإندماجية، خلاصته أن ربة عائلة من أصل أفريقي، لها من العمر اثنتين وثلاثين سنة وتحمل منذ سبع سنوات جواز السفر السويسري، مُنعت من ارتداء بذلتها البيضاء (الخاص بالممرضات) لأن لون بشرتها أسود، والطريف ليس في الخبر وإنما في حيثياته، كما جاءت على لسان مديرة مؤسسة الرعاية الصحية (La Gottaz, Morges, Canton de VAUD) تقول وهي تخاطب طالبة الشغل: " معذرة، ليس معقولا ولا متصوّرا أن أرسل – سُودًا – إلى غرف حرفائي الأثرياء في ظلمة الليل، فإذا حصل هذا فإنهم سيخافون مني وبالتالي سيغادرون مؤسستي" وتضيف مديرة المؤسسة  Anne Russi، كما نقلت عنها الجريدة: " نحن لا نعلم لون بشرتها عندما أتصلنا بها هاتفيا ونظرا لكون مستوى المعيشة في هذه المؤسسة مرتفعا جدا (يدفع الحرفاء في الشهر خمسة عشر ألف فرنك سويسري)، فإن هذا يعطيهم الحق في اختيار نوع الإقامة والأعوان والمطبخ..." (لقد اجتازت هذه المسكينة عائق مُتعلق اللغة المكتسب لتسقط في مُتعلق لون البشرة التي لا تملك إزاءه لا حولا ولا قوة، وتصور معي أخي القارئ كيف سيكون الموقف ولو كانت المرأة المتقدمة لهذه الوظيفة بيضاء البشرة ولكنها ترتدي الحجاب الإسلامي؟ حتما سيكون مصيرها مصير أختها السوداء ولكن بمبرر آخر..وسيكون مُتعلِق الدين من بينها..أما موقف القانون من الحادثة فقد أجاب عنه السيد الكاتب العام للجمعية ضد العنصرية – Karl Grunberg – في نفس الجريدة، بقوله " أن الحادثة شائنة ومخزية وغير مقبولة، لأنها ممارسة عنصرية حسب تفسيري، غير أنها ليست كذلك في نظر القانون، لأنه لا يوجد أي فصل قانوني يعاقب من يرفض تشغيل الشخص للون بشرته، لأن القانون يضمن الحرية للمُشغِل في إختيار من يشغله"..   

    

2-    الاسم – كرمز للتعريف الشخصي ودلالة للإنتماء الثقافي والحضاري – قد يكون كذلك عاملا من عوامل التفرقة العنصرية وقد يحصل هذا، وحصل فعلا، خاصة في الانتداب إلى مواطن الشغل والوظيفة والترسيم الدراسي في بعض الاختصاصات، خاصة بعد تداعيات 11 سبتمبر 2001.

 

3-    المقصود بظهور متعلّق الدين عند الأوروبي ليس ظهوره كاعتقاد والتزام وإنما ظهوره كتمثل شعوري وانتماء ثقافي و حضاري هذا في العموم، وقد يظهر عند الأوروبي الملتزم كاعتقاد والتزام.

 

4-    حضرنا باسم جمعية الزيتونة وبمبادرة منا، في منتدى Migration et Intégration في مدينة جنيف أيام 10/11/12/ مارس 2003 تحت شعارSe comprendre pour vivre ensemble وقد سجلنا على هذا المنتدى انحصار الحديث فيه عن إشكالية الاندماج في إطار أصحاب المنظومة الثقافية الواحدة – وهي المنظومة الغربية – هذا فضلا على اقتصاره، تشخيصا ومعالجة، على الجوانب الشكلية منها. وإن كنا لا ندري – إن كان بوعي أو بدون وعي – طمس هذا الجانب المعقد من إشكالية الاندماج : وهو كيفية اندماج الآخر الثقافي والحضاري الذي يتطلب أولا الاعتراف المبدئي بكينونته الثقافية والحضارية وبالتالي الاستعداد للتواصل معه بدون حواجز أو عراقيل حتى وإن كان يمثل أقلية داخل المجتمع الأوروبي الذي يعيش فيه كالوجود العربي والإسلامي. وقد اقتصر المنتدى على استدعاء الطاهر بن جلون كضيف شرف في فقرة الافتتاح.

 

5-    فقه التحضر الإسلامي للدكتور عبد المجيد النجار ص 59 الجزء الأول.

 

6-    فقه التحضر الإسلامي للدكتور عبد المجيد النجار ص 57 الجزء الأول.

    

 

                           

 

  

              

      

 

   

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.