.

.

إدارة التدافع بين سلطة المنهج ومنهج السلطة في الممارسة القيادية 2/2

بتاريخ : 2010-04-07 الساعة : 04:23:00

اسم الكاتب : علي بالساسي بلحاج علي     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 1141




بسم الله الرحمان الرحيم

إدارة التدافع بين سلطة المنهج ومنهج السلطة في الممارسة القيادية 2/2

ذكرنا في ما سبق ما خلاصته، أن الممارسة القيادية مطلقا، إنما تصدر عن منهج. وذكرنا أيضا أن الممارسة القيادية الناجحة، هي التي تعمل جاهدة وفق متطلبات المنهجين: سلطة المنهج المعبرة عن حكمتها في التقدير، ومنهج السلطة المعبر عن قدرتها في التنفيذ.

والسؤال الذي يطرح نفسه، ونحاول الإجابة عليه في هذه التتمة هو: هل مارس، ويمارس رئيس الدولة قيادته للبلاد وفق متطلبات المنهجين؟ وإن كان ذلك غير ذلك؟ فوفق أي المنهجين، هو قد مارسها، ويمارسها الآن؟.         

وقبل الإجابة لا بد من رفع التباس، أو بالأحرى دفع اتهام، بالسطحية والاختزال والتعميم، قد يرمينا به البعض، في تشخيصنا للظاهرة القيادية للبلاد، بوقفها في شخص رئيس الدولة فحسب، على اعتبار، وبحسب زعم هذا البعض، إن البلاد يحكمها القانون وتسيرها المؤسسات، وما دور رئيس الدولة فيها إلا السهر على تطبيق القانون والإشراف على حسن سير المؤسسات، هذا فضلا على دوره في حسم السياسات العليا والخيارات الكبرى للدولة والبلاد، وفق التراتيب والإجراءات الجاري بها العمل في سائر بلدان العالم التي تحكمها الديمقراطية والمؤسسات التمثيلية الفعلية. ومن ثم فإن الممارسة القيادية، بحسب زعم هذا البعض، موزعة بين أكثر من مسئول، من بينهم رئيس الدولة طبعا، وأكثر من دائرة، وأكثر من مستوى، وأكثر من مجال.. وردنا على هؤلاء دون مراء أو افتأت، أن هذا الخطاب الجميل، ومثله أجمل، ما ورد في خطب رئيس الدولة، بدء ببيانه في السابع من نوفمبر 87، وانتهاء ببيانه الأخير، الذي ألقاه سيادته أمام مجلس الوزراء في تشكيلته الجديدة، قلنا أن هذا الخطاب الجميل، الذي لا يباريه أحد، سواء كان في متانة مبناه، أو عمق معناه، أو وضوح فحواه، لا يصدق به صاحبه ولا أنصاره ولا أتباعه، هذا فضلا على أن يصدق به الغير، من المعارضين، أو المراقبين المحايدين، سواء كانوا في داخل البلاد أو خارجها، لأنه بكل بساطة وتواضع، ليس له أي أثر في الواقع العملي، وحسبه منه صداه يوم إلقائه، الذي ما يلبث أن يتبخر في ثنايا التصفيق والهتافات المدوية التي جاء أصحابها، أو قد جيء بهم، ليعطوا للمشهد الاحتفالي هالة من المهابة الخادعة، إجماعا وتأييدا وانخراطا، حتى غدا الخطاب الرسمي مضرب الأمثال في الازدواجية الفجة بين النظرية والتطبيق، ليس فقط في دنيا العروبة والإسلام فحسب، بل وكذلك لدى أمم الغرب والشرق قاطبة، الأمر الذي لم يجد، منه بدا، المبعوث الأممي لحقوق الإنسان، الذي استضافته السلطة أخيرا، من أن يصرح على استحياء بهذه المسلمة السبة، الموصوم بها خطابها الرسمي، بل إن واقع الحال يشهد إلى حد التواتر أن البلاد تحكم، في كل المجالات وعلى كل المستويات بالتعليمات، وبالتعليمات فقط، وأن من أكثر المجالات مسكا وضبطا المجال السياسي، بما هو أحزاب وإعلام وجمعيات ومنظمات ومؤسسات وشخصيات وطنية، مستقلة ومنخرطة. هذا المجال، الذي هو في الأصل، أنقى المجالات أجواء، وأوسعها انفتاحا، وأكثرها حركية ومبادرة ونشاطا، كيف لا وهو المرآة العاكسة لفعالية وحيوية المجتمع، قد تماهى قلبا وقالبا، في ظل هيمنة منهج السلطة الغاشم، مع المجال الأمني، الأمر الذي أصبحت معه ملفاته تتابع وتدرس وتعالج وفق مقتضيات وإجراءات وأجندات الملفات الأمنية الخطيرة، من مثل المخدرات والسرقات وتهريب الأموال وكل ما يندرج في إطار الجريمة المنظمة، ومن ثم أصبح المجال السياسي، والحالة هذه، يدار بآليات غير آلياته الطبيعية من مثل الانتخابات والاستطلاعات والتحليلات والتوقعات والتقديرات والحسابات والموازنات، وإنما أصبح خاضعا للمفاجئات التي تخضع لها عادة القرارات والإجراءات والترتيبات في المجال الأمني، قال هذا برهان بسيس أخيرا في تهليله بالبيان الرئاسي الذي ألقاه رئيس الدولة أمام مجلس الوزراء الجديد عبر أمواج قناة المستقلة، قال أن الرئيس بن علي، حقيقة، قد فاجأ كل التوقعات والتحليلات والتقديرات للطبقة السياسية فيما اتخذه من إجراءات وقرارات وتعيينات في بداية عهدته الجديدة. وقال محمد مواعدة في نفس السياق أن بيان رئيس الدولة أمام التشكيلة الوزارية الجديدة قد تضمن منهجا جديدا في العمل والمتابعة لم يسبقه إليه أحد حتى في أعرق الديمقراطيات الغربيةّ!  

 هذا هو حال البلاد، وهذا هو وضعها، والذي ينكر هذا، فهو كمن ينكر الشمس الساطعة في كبد السماء في يوم صيف قائظ، فإن كان أعمى البصر، فحسبه منها أشعتها الحارقة شاهدا ودليلا، ومن ثم فإنه ليس من قبيل السطحية أو الاختزال أو التعميم في شيء، عندما أوقفنا الممارسة القيادية للبلاد في شخص رئيس الدولة، وإنما هو من قبيل وصف واقع الحال بما هو عليه.

إن الشيء الثابت الذي لا يخطئه النظر الحصيف أن رئيس الدولة قاد ويقود البلاد، من يوم انقلابه الأبيض سنة 1987 وإلى اليوم، من خلال منهج السلطة العاري من أي منهج، أي من أي حكمة ومعقولية وحسن تقدير وتدبير. وأنه أخفق في العمل وفق متطلبات المنهجين اللذين تقتضيهما أي ممارسة قيادية ناجحة، الأمر الذي وضع البلاد في حالة شبيهة بثكنة عسكرية تحركها الأوامر الصارمة، وتقودها التعليمات النافذة، وهذا هو منطق وجوهر منهج السلطة الغاشم عندما يستثني من حساباته وتقديراته، تحت سكرة القوة ونشوة الانتصار ووهج السلطان وسوء بطانة، سلطة المنهج: الأداة الموجهة والمسددة للممارسة القيادية الناجحة. فقد تغيب، أو قد تغيب، لدى القيادي في ممارسته القيادية، سلطة المنهج، في قضية ما، أو إشكال ما، تحت سبب من الأسباب الذاتية منها أو الموضوعية وما أكثرها، فهذا وارد ولا غرابة فيه، لأن الممارسة القيادية في النهاية ما هي إلا ممارسة إنسانية، قد تخطأ حينا، ولكنها لا تتمادى في الخطأ على امتداد أكثر من عقدين من الزمن، كما  في حال الممارسة القيادية لرئيس الدولة.

وهنا نفتح فصلا آخر من فصول الممارسة القيادية للرسول صلى الله عليه وسلم  لنبرهن من خلالها على عملية الخطأ الممكنة والواردة في الممارسة القيادية حتى ولو صدرت من نبي مرسل وهو يمارس سلطته الزمنية، كالرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بد من الإشارة هنا لأمر جليل وخطير في نفس الوقت، رفعا لكل التباس أو توهم قد يحصل للبعض في هذا الصدد، والمتعلق باجتهاد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يقول فيه الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) الأنفال آية 67 (والآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون، وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يقرون عليه). فقه السيرة للبوطي ص 178، والمشهد الذي سنطل من خلاله لنتملى منه تجربة الخطأ البشري في الممارسة القيادية، هو قراره صلى الله عليه وسلم في قضية أسرى بدر، بعد أن عرض المشورة فيهم على أصحابه التي تمخضت عن رأيين: رأي رأى فيه أبو بكر رضي الله عنه فداء الأسرى بالمال، ورأي آخر رأى فيه عمر رضي الله عنه أن الأولى التخلص منهم بالقتل. وتقدمت بين يدي الرأيين حجج وبراهين تنهض لكل منهما بالصحة والرجحان وحسن التقدير. وقد رجح الرسول صلى الله عليه وسلم رأي أبي بكر في القضية، وهو فداء الأسرى بالمال، ولكن مباشرة بعد صدور القرار وإمضائه، نزل التصحيح الإلهي من فوق سبع سنوات، روى الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب أنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قضى بافتداء الأسرى فإذا رسول الله صلى الله  عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت: يا رسول الله: أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة – شجرة قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم – وأنزل الله عز وجل: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم) الأنفال 67 – 69. فنحن هنا أمام مشهد قيادي بامتياز، وجد نفسه وجها لوجه، أمام قضية ذات أبعاد أمنية وعسكرية وقتالية مستعجلة لا تقبل التأخير ولا الانتظار، مطروحا عليه أن يقرر فيها، وقد قرر فيها، بعد أن أدار حولها حوارا موسعا مستفيضا، تمخض في النهاية عن رأيين لكل منهما مبرراته وتقديراته ودعائمه، اختارت القيادة، وفق تقدير وترجيح، أحدهما، ولكن اختيارها لم يكن مطابقا لما هو الكمال الثابت في علم الله عز وجل، كما علل ذلك الدكتور البوطي في استخلاصه لعبر وعظات هذه الحادثة. ومن ثم نقرر أنه إذا كان الاستدراك والتعقيب والتصويب والتصحيح حقوق ثابتة، بنص القرآن والسنة وأحداث السيرة النبوية، على السلطة الزمنية للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم، فما بالك بمن هو دونه. لذلك جاء مبدأ الشورى ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل ما بني عليهما، واستجد بعدهما، من تشريعات وقوانين وآليات أثمرت وأينعت وازدانت مع مبدأ الديمقراطية الغربية، قلنا أن هذه المبادئ وغيرها في ما ابتكرته البشرية، أو ما ستبتكره مستقبلا، إنما جاءت لتواصل رسالة الوحي في التصويب والتصحيح والتسديد بعد انقطاعه، ناقلة بذلك العصمة الفردية المخصوصة بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العصمة العامة للأمة مجسدة في إجماعها الذي لا تجتمع فيه على ضلالة، كما قرر ذلك المعصوم صلى الله عليه وسلم.

لذلك لا يستكثر الخطأ في الممارسة القيادية إن حصل مهما كان حجمه، ما دام قد عقبته مراجعة وتصحيح وإصلاح، وهو ما درجت عليه كذلك الديمقراطيات الغربية أساسا، في حياتها السياسية، إذ كثيرا ما نسمع أو نقرأ عن استقالة رئيس ، أو استقالة حكومة ، أو استقالة وزير، أو إجراء انتخابات رئاسية أو برلمانية مبكرة، عند حصول أزمة، على إثر صدور قرار، أو إنفاذ سياسة، أضرت بسمعة البلاد في الخارج، وهزت من هيبة الدولة في الداخل، أو على إثر فضيحة مالية أو أخلاقية. وحتى إن لم يحصل هذا، فإن استطلاعات الرأي العام على اختلاف مشارب ومآرب مراكزها، لا تغمض لها عين، ولا يهدأ لها بال في رصد شعبية ساسة الأحزاب الحاكمة في بلدانها، من خلال وضع تعهداتهم والتزاماتهم وخياراتهم وسياساتهم وبرامجهم على محك النظر الشعبي للنظر في مدى وفائهم في ما بشروا به والزموا به أنفسهم في حملاتهم الانتخابية، فينعكس ذلك كله مباشرة على مرآة أرصدتهم الشعبية نزولا وارتفاعا، الأمر الذي يجعلهم تحت سياط الضغط الشعبي من ناحية، واحراجات واكراهات أحزاب المعارضة المنافسة لهم من ناحية ثانية، ومن خلال هذا وذاك، تتم عملية التحسين والتصويب والتعديل والتصحيح والمراجعة.. وهكذا يستمر الحراك والتدافع بين المشاريع السياسية الحاكمة، والمشاريع التي تستشرف الحكم، إلى يوم المعركة الفاصلة التي يكون القول الفصل فيها لصناديق الاقتراع لتبوح بالحزب الفائز، والذي هو في حقيقة الأمر الحزب الخادم لسيده، أي المجتمع، خلال عهدة رئاسية أو برلمانية جديدة ليس إلا..    

كنا ذكرنا في ما سبق عن طريق الجزم القاطع أن رئيس الدولة لم يمارس قيادته للبلاد وفق متطلبات المنهجين، وإنما مارسها فقط وفق منهج السلطة، الذي بطبعه إن مورس لوحده مجردا من سلطة المنهج، تكون القيادة، ومن ورائها السياسة، تمارس من خلال الغرائز المنفلتة من كل ضابط شرعي ومنطق عقلي وقيد قانوني، والذي يحد من شره طغيانها وانفلاتها هو الضابط الشرعي والمنطق العقلي والقيد القانوني، وذلك هو جماع سلطة المنهج، في تدافعه مع منهج السلطة، الذي يختل التوازن لصالحه بحسب خلو أو نقص سلطة المنهج، لكل أو لأحد، أدواتها بل ألجمتها الشرعية أو العقلية أو القانونية، والقيادة الراشدة كما أسلفنا سابقا هي التي تحسن إدارة التدافع بينهما، وهو الذي أخفق فيه رئيس الدولة إخفاقا ذريعا مدمرا للبلاد والعباد على حد سواء. فكيف حصل ذلك؟

إن الإجابة تقتضي منا منهجيا تحديد المجال الذي من خلاله سنضع الممارسة القيادية لرئيس الدولة في ميزان النظر، وبدون مواربة فإن خيارنا المنهجي سينصب على المجال السياسي فحسب، باعتباره المجال الرئيس والموجه والحاضن لبقية المجالات الأخرى، بل والمرآة العاكسة التي تنعكس عليها فعالية وحيوية وانخراط المجتمع بكل فئاته وأطيافه ومنظماته ومؤسساته في عملية البناء والتشييد الحضاري المنشود، وبالتالي هو المقياس الأهم إن لم يكن الوحيد في الحكم على تجربة ممارسة قيادية ما بالنجاح، وأخرى بالفشل، خاصة في عالمنا العربي الذي ألهبت ولا زالت تلهب ظهره، صباحا مساء، سياط الظلم والفساد والاستبداد، هذا فضلا على أن اختيارنا للمجال السياسي كمجال نظر وتقويم للممارسة القيادية لرئيس الدولة، يتقاطع، من زاوية نظرنا، جملة وتفصيلا مع ما انخرطت فيه العديد من الكتابات المعارضة والمحسوبة على المعارضة في السنوات الأخيرة، بعد أن أعياها الدك على جدار الأسمنت المسلح الذي تسيجت به الحياة السياسية للبلاد، من إدخال عنصر الإشادة بالإنجازات التي تحققت في بعض المجالات، من مثل النهضة العمرانية أو البنية التحتية.. وببعض الإجراءات الإدارية، التي خيلت للبعض، وزينها البعض الآخر، بكونها تحمل في طياتها رسائل سياسية لا بد من اهتبالها، من مثل تمكين البعض من المهجرين، وفق مقاييس خاصة يكتنفها الغموض، من جوازات سفرهم، وتيسير عودتهم للبلاد آمنين، والخروج منها سالمين.. هذا فضلا على أن الخطاب السياسي المعارض الجاد، وفق منظورها، يجب عليه أن يتسلح باللين في مبناه ومعناه على مقتضى قوله تعالى (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) طه آية 44، والموضوعية في تحاليله، والاقتصاد في مواقفه، والجرأة في مراجعة نفسه، وبالجملة الإيجابية لا العدمية في النظر للأشخاص، والتعاطي مع الأوضاع  والأحداث.. وكل هذا وغيره، بحسب تقدير أصحاب هذه القراءات، قد يساعد، بعامل الوقت، ومفعول الصبر، في تلطيف الأجواء، والتخفيف من وتيرة الاحتقان والتوتر، الممهدة شيئا فشيئا لفك الاشتباك والاستقطاب، الذي تعيشه البلاد منذ أمد طويل بين السلطة والمعارضة الجادة عموما، والإسلاميين وحركة النهضة على وجه الخصوص.. وهذا هو مضمون ومنهج كل عمل إصلاحي راشد، وفق هذا المنظور، يشيد بالإيجابيات ويدعمها، ويعمل على التقليل من السلبيات، بالنصح، ولفت النظر إليها. ومع احترامنا الكامل لأصحاب هذه الكتابات في ذهبوا فيه من تقدير ونظر، فإننا نزعم أنهم قد دخلوا، بوعي أو بدون وعي منهم، مع الفارق، في عملية مقايضة خاسرة كثيرا ما عانى منها فكرنا السياسي العربي المعاصر ولا زال، وهي مقايضة الحرية: مرة بالاشتراكية وأخرى بالوحدة، ولم تتحقق، كما هو معروف تاريخيا، لا الاشتراكية ولا الوحدة، وفي كلتا الحالتين كانت حرية الشعوب العربية هي الضحية، وهذه المرة مطلوب، وفق هذا التقدير، مقايضة الحرية والديمقراطية والانفتاح، بالإشادة بالإنجازات المادية، والإجراءات الإدارية، التي ليس مقطوعا لأحد، ولا حتى للداعين إليها، متى وكيف، سيقبل سيادته بهذا المهر، فيتكرم علينا بقليل من الحرية والديمقراطية والانفتاح في مقابل إشادتنا بانجازاته وإجراءاته.. وفي المحصلة، وبحسب هذا التمشي، يبقى الانتظار هو سيد الموقف! وهو ما يأباه قانون التدافع البشري في حراكه المجتمعي العام..

إذن فالمجال السياسي، في ما نقدر، هو المحك الحقيقي لتقويم الممارسة القيادية لرئيس الدولة، وما دونه من مجالات لا يعبر بالضرورة عن نجاح تلك الممارسة أو فشلها، حتى وإن حصلت فيها إنجازات معتبرة، وهل أغنت عن أهلها شيئا، أهرامات فرعون قديما، والتي لا زالت تقاوم أعاصير الزمن، وكذا انجازات المعسكر الاشتراكي حديثا، والتي انهارت في لحظة عين؟ لأن في كلا التجربتين كانت حرية الشعوب وكرامتها وآدميتها هي الضحية أولا وأخيرا، في مقابل المظاهر المادية الخادعة، التي تبنيها قهرا وظلما بكد يمينها أحيانا، لتكون، في زمن الأزمات والانتفاضات تحت ردمها، جثثا وأشلاء أحيانا آخر، ولعل ما تعيشه الحالة العراقية من أحداث دامية، وأوضاع قاتمة، خير مثال حي على ذلك..

كنا ذكرنا أن رئيس الدولة لم يمارس قيادته للبلاد وفق متطلبات المنهجين، وإنما مارسها ولا يزال يمارسها وفق منهج واحد، هو منهج السلطة، وكنا طرحنا سؤالا كيف حصل ذلك؟ وهو ما سنأتي على تفصيله في هذا المقام، فنقرر ابتداء وبدون مواربة أن المجتمع المدني التونسي قد تعددت منه، من خلال أحزابه ومنظماته ومؤسساته وشخصياته المستقلة منها والمنخرطة على حد سواء، العديد من المبادرات السياسية والرسائل الإصلاحية على امتداد عقدين من الزمن ولا زال، والتي نورد منها، في هذا المقام، مما حفظته لنا الذاكرة التاريخية، على سبيل الذكر لا الحصر، بل قد يكون مما خانتنا الذاكرة فيه أهم وأبلغ مما أسعفتنا بذكره، مع الإشارة إلى أننا سنتعاطى مع ظاهر هذه المبادرات وهذه الرسائل، دون نبش أو شك أو غمز أو لمز في دوافع أو أغراض أصحابها الذين نقدر ابتداء أن ما قاموا به، إنما قاموا به من أجل إيجاد حل أو مخرج لما تعيشه البلاد من حالة انسداد وانغلاق، أو بعبارة أخرى إعادة التوازن المفقود بين سلطة المنهج ومنهج السلطة في الممارسة القيادية لرئيس الدولة، وما سوى ذلك نكله لله عز وجل الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، هذا فضلا على أن مقصدنا الأسنى من وراء الاحتجاج بهذه الرسائل وهذه المبادرات، هو الوقوف على ما كنا قد قررناه سابقا من أحادية التعاطي، في الممارسة القيادية لرئيس الدولة، مع قضايا ومشكلات البلاد، وخاصة منها المتعلقة بالمجال السياسي:

الرسالة الأولى: وهي تلك التي أقدم فيها ثلاث شخصيات كبيرة، وفي نفس الوقت ثقيلة، سواء في ميزان التاريخ، أو هرم التنظيم، أو موقع القرار، على تجميد عضويتهم في حركة النهضة، في خضم الأحداث الدامية التي أقدمت عليها السلطة في مواجهة الحركة، استئصالا لكيانها المادي والمعنوي من ناحية، وتجفيفا لينابيع مشروعها الفكري والثقافي من ناحية ثانية.. وقد كان ذلك ضمن خطة مدروسة وموثقة.. وهذه الرسالة، في ما نزعم، مقارنة بغيرها، هي من أثقل الرسائل وزنا، وأبعدها غورا، وأصدعها وقعا، وأخصبها مغنما، لو وجدت إرادة سياسية نابهة، وممارسة قيادية راشدة، فتعاطت معها تعاطيا سياسيا منتجا، لما وصلت البلاد إلى ما وصلت إليه الآن من وضع لا تخفى أماراته المنذرة عن لبيب.. إن هذه الرسالة بذلك التوصيف، مضمونا وأشخاصا، كانت مسكونة بالعديد من الخيارات والحلول والبدائل، بأي منها أخذت الممارسة القيادية لرئيس الدولة، أو تعاطيت، فالنتيجة مضمونة الربح سلفا، مأمونة من المخاطر والخسائر قطعا، زيادة على قلة تكاليفها جهدا ووقتا ومالا وأنفسا، سواء على الصعيد الشخصي لرئيس الدولة ومن ورائه السلطة، أو على صعيد البلاد والعباد سواء بسواء.. ولكن الذي حصل، في ما نقدر، كان على خلاف ما تقتضيه سلطة المنهج: عقلا ومنطقا ومصلحة وسياسة ونباهة وتقديرا وتدبيرا. فكان صم الآذان والإهمال وعدم الاكتراث، بالرسالة، هو سيد الموقف القاطع والجازم، بل وتواصل هذا حتى مع السيد فاضل البلدي، الذي أبدى حرصا على وضع البلاد، فواصل في مد أنفاس الرسالة من خلال موقعه كرئيس لمجلس الشورى سابقا، وذلك برفع الصوت، وإرخاء الحبل، وخفض الجناح، ظنا منه أن الالتفات والإصغاء إليه وارد وممكن.. والذي نجزم، والطينة هذه، أنه لن يلتفت إليه، هذا فضلا على أن تتشنف الآذان للإصغاء والإنصات إليه، إلا بعد أن يكون قد أقدم نهائيا على التخلص من جناحيه، ومع هذا يبقى الشك قائما، لأنه مطلوب منه ومن غيره أن يكونوا دائما في وضع الانبطاح، الذي لا طيران ولا حركة بعده، لأنه الوضع الوحيد، الذي لا وضع غيره، للمعارض الأنموذج، في قاموس الممارسة القيادية لرئيس الدولة، هذا فضلا على تعليل النفس بالآمال والأماني الحالمة في التحليق في الأجواء الرحيبة، بدون رقيب أو حسيب، في دنيا الفكر والسياسة والثقافة والإعلام والتنظم، وهذا( كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) النور آية 39.           

الرسالة الثانية: وهي رسالة المجتمع المدني التونسي بأغلب مكوناته، مع بعض الاستثناءات، التي أقدم فيها طمعا في التحالف مع السلطة، صمتا وإيعازا ومشاركة، في التخلص من حركة النهضة، العدو الرئيس للديمقراطية الموعودة.. وقد ذهب الظن بالجميع، تحت سكرة نتائج الانتخابات التشريعية التي خرجت فيها النهضة الفائز الأكبر تحت لافتة القوائم المستقلة آنذاك، قلنا قد ذهب الظن بالجميع أنه، وبمجرد التخلص من هذا العدو الشرس الخارج للتو من محنة قاسية.. ليجد نفسه للتو على أعتاب قيادة البلاد.. قلنا أنه وبمجرد القضاء على هذا المارد، ذهب الظن بالجميع أن البلاد ستمتلئ عدلا وحرية وديمقراطية ورخاء وازدهارا، وكان هذا هو الأصل الذي ينبغي أن يحصل، كما يقتضيه منطق التحليل وتسلسل الأحداث، وبالجملة مضمون الخطة المتواطئة عليها.. فانبرى السيد محمد مواعدة لا يلوي على شيء، بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ووقع التخلص من الثور الأبيض كما يقال، في توجيه رسالة مطولة يطالب فيها رئيس الدولة بإصلاحات قانونية وسياسية واجتماعية واقتصادية، ظنا منه أن رسالته هذه على مقاس المقام، وأنه قد آن الأوان لجني الثمار الموعودة، وإطلاق عقيرة الإصلاح والتصحيح، بلا حسيب ولا رقيب من أي كان، ولو كان رئيس الدولة نفسه، فما كان من الممارسة القيادية لرئيس الدولة، وبدون تمهل وانتظار، إلا أن تلطمه على قفاه لتعيد له توازنه المفقود، الذي ذهب، به وبغيره، الطمع الساذج بجنة الديمقراطية الموعودة، فأدخل السجن، إيقاظا وتنبيها وتأديبا له، وإنذارا وإعذارا لغيره.. ومن ساعتها فاق الجميع على هول الكارثة، وأنهم قد خربوا بيوتهم بأيديهم، يوم أن صمت فريق منهم، وأوزع آخر، وشارك ثالث في العملية الآثمة في التخلص من النهضة، كأحد الدفاعات الأساسية للمجتمع، بعد أن وقع التخلص بليل من الإتحاد العام التونسي للشغل الرديف الثاني لهذه الدفاعات.. ومن ثم وقع تسليم البلاد لتواجه أقدارها الغلابة مع النهب والسلب والظلم والفساد، عارية الظهر كما الصدر، هذا فضلا على فراغ الأيد، التي زادها شح الجغرافيا فراغا على فراغ..

الرسالة الثالثة: وهي رسالة السيد محمد الهاشمي الحامدي، التي أحيطت بكثير من الأضواء والضجيج من قبله، ومن قبل السلطة أيضا، والتي عمل جاهدا من خلالها على أن تسويق نفسه على أنه إسلامي، ولكنه إسلامي مغاير عن إسلاميي حركة النهضة، الذي كان عضوا قياديا فيها، والذي أقدم بعدها على تقديم استقالته منها، استقالة علنية مكتوبة، واكبها بخطاب إطرائي مسرف للسلطة عموما، ولشخص رئيس الدولة وأفراد عائلته على وجه الخصوص، وقد كان هذا التمشي منه، يندرج ضمن منهج تسويقي واعي بنفسه ماذا يقول، وماذا يفعل، وإلى أين يريد أن يصل.. وهو المنهج المعمول به عادة في الأوضاع التي يستأسد فيها الصنم على حساب الفكرة.. قلنا أن هذا المنهج الذي توخاه السيد الهاشمي الحامدي، كان في منظوره، أنه هو الإمكان الوحيد المقدور عليه، ضمن الموازين القائمة، والمتحكمة، آن ذلك، في أوضاع البلاد، والذي من خلاله قدر أنه سيجد طريقا سالكا للإصلاح والتغيير والتأثير، مأمون العواقب، مضمون النتائج، مختصر الوقت، في واقع خيل إليه أن السلطة تبحث فيه عن ضالة على مقاسها تمثل الحساسية الإسلامية خارج أطر حركة النهضة، الذي شكل غيابها فراغا رهيبا في المنتظم السياسي عموما والإسلامي منه على وجه الخصوص، قدر أنه قد يكون هو الضالة المنشودة لذلك، ولكن.. وبالخلاصة، فإن هذا المنهج الذي توخاه السيد الهاشمي الحامدي، وهذا السقف المتدني الذي تبناه، خطابا وممارسة، لم يقع استثماره أو التعاطي معه إيجابيا من قبل الممارسة القيادية لرئيس، وكان مصيره أن لفظ لفظ النواة، بعد أن أدى مهمة إلهاء الغير وإشغاله، ردحا من الوقت، ترقبا وانتظارا.. وقد حذا حذوه السيد مرسل الكبيسي، غير أن الفارق بينهما، أن السيد مرسل قد حافظ على خط الرجعة سريعا بعد إن كادت أن تطبق عليه أسلاك الفخ، ولكن الله سلم، أما السيد الهاشمي الحامدي فيبدو أن مشروعه الإعلامي قد حال دون ذلك..

الرسالة الرابعة: وهي مجموع الرسائل التي أطلقتها الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية والإنسانية، والشخصيات السياسية والحقوقية، والتي ناشدت فيها، على امتداد أكثر من عقدين، رئيس الدولة، باعتباره المسئول الأول على حماية الدستور، وتطبيق القانون، من أجل التدخل لوضع حد لحالة الانسداد والانغلاق المطبقة على أوضاع البلاد في شتى مناحيها ومستوياتها.. ولكن كانت كل هذه النداءات، وهذه الرسائل كصرخة في واد، أو نفخة في رماد..                                 

تلك هي أهم الرسائل والمبادرات، التي وضعها المجتمع المدني التونسي أمام الممارسة القيادية لرئيس الدولة، كما يقال على طبق من ذهب، عساه أن يتملاها، ويعدل من خلالها وبواسطتها التوازن المختل في ممارسته القيادية  التي أضحت أحادية الجانب، ولكنه لم يكترث بها، ولم يلقي لها بالا، هذا فضلا على أن يهتبلها نظرا ودراسة وتوظيفا وتنزيلا، ولو حصل ذلك لما عانت تونس، طوال هذين العقدين، هذه الويلات والمصائب التي لا يخفى أمرها على أحد. وقد أعذرنا في ما سبق القيادي، وقلنا أنه قد يخطأ في ممارسته القيادية، تقديرا وتنفيذا، ولكن سرعان ما ينتبه إلى ذلك، فتقع منه المراجعة، ويحصل منه التصحيح، وكنا قد استشهدنا لذلك بموقف من السيرة العطرة للرسول صلى الله عليه وسلم، وكذا بما تمارسه المجتمعات الغربية في تسيير شؤونها من خلال المنهج الديمقراطي. ولكن في الحالة التونسية، مع الأسف الشديد، كان الحال غير الحال، الأمر الذي يؤكد لنا على سبيل القطع والجزم أننا أمام ظاهرة قيادية صلبة، عصية على الفهم، لا تعرف إلا السير إلى الأمام، غير عابئة بما حولها ومن حولها، كما أنها غير آبهة لأي نداء أو رجاء أو عبرة أو نصيحة أو مبادرة أو رسالة حتى ولو لم يكن لها باطن، فما بالك إذا كان لها باطن، لأنها برهنت على أنها غشيمة على فهم البواطن، وبالخلاصة أننا أمام قيادة لا تريد لأي صوت أن يعلو فوق صوتها، لأنها الحكمة كلها، والمعرفة كلها، والوطنية كلها، والديمقراطية كلها، والقانون كله، والشفافية كلها، والعدل كله، فالبلاد في حالة امتلاء، وليست في حاجة لأية إضافة أي كان نوعها، أو أي كانت الجهة التي تصدر عنها، أو تقف وراءها حتى ولو كان فردا مستقلا محايدا، فضلا على أن يكون  حزبا أو منظمة أو مؤسسة..     

إذن فالرسالة الوحيدة المحكمة التي دأبت الممارسة القيادية لرئيس الدولة، طوال أكثر من عقدين، في التلويح والتذكير بها، بمناسبة وبغير مناسبة، المجتمع التونسي عامة وقواه الحية خاصة، هي الخيار بين خيارين: إما أن تكون مواليا وللموالاة اشتراطات والتزامات، وإلا بالضرورة فأنت عدو محارب، وللعداوة ضرائب وأثمان كذلك، وما بين هذا وذاك هدنة مؤقتة، غير متكافئة الأوزان: سلطة متغولة ومدججة بكل عناوين القوة، ومعارضون عزل، آليات اشتغالها: التربص والخديعة والاستدراج والإغراء والإغواء، ثم تنتهي بالافتراس الذي تدخل معه الفريسة سياسيا في موت سريري، وما مثال السادة محمد مواعدة وأحمد المناعي ولزهر عبعاب ومحمد الهاشمي الحامدي وغيرهم منا ببعيد. هذا هو الاستخلاص العام الذي يخرج به الراصد المنصف للآليات التي اشتغلت وتشتغل بها، ومن خلالها، الممارسة القيادية لرئيس الدولة طوال كل هذه الفترة، الممتدة لأكثر من عقدين، والتي لخصتها رسالتها العصماء كجواب قاطع وحاسم على كل المبادرات والرسائل  المتعددة وفي نفس الوقت المتنوعة، الذي نقدر أن الحياة السياسية قد أقفرت، نتيجة لذلك التعاطي الأحادي في الممارسة القيادية، من كل إمكان مستقبلي لأي انفتاح أو حوار سياسي، إلى الحد الذي أصبحت معه، في ما  نقدر، مقولة الدكتور المنصف المرزوقي (قيادة لا تصلح ولا تصلح) محل نظر وتقدير جديرين بالاهتمام من قبل المنتظم السياسي التونسي المعارض الذي سيضل يراوح مكانه ما لم يحسم أمره منها، وقد حان وقت ذلك..

علي بالساسي بلحاج علي

    جنيف سويسرا

 

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.