.

.

عيّنات من مراجعات حركة النهضة

بتاريخ : 2010-06-11 الساعة : 00:52:40

التصنيف : تقارير و بيانات     عدد القراء : 1394

بسم الله الرحمن الرحيم 
عيّنة من مراجعات حركة النهضة


إنّ أكثر أفعال النقد صفاقة وتبلّدا هي تلك التي تقعد عن طلب المعلومة وتتكاسل عن أبسط شروط البحث والتحرّي، ثم استهدفت جسما ما، تجرِّح، تمزّق، تثخن... دون أن تعرف ماهيّة الذي بين يديها.. أين؟ كيف..؟ من..؟ متى..؟ لما..؟. فقط لأنّه يستهويها النقد الرافض أو الحارق المبني على شبه معلومة، أو بعض معلومات واهية مفصولة عن سياقها لأغراض مبيّتة، لهذا جاء تقريب هذه المادّة التي ليست إلا عيّنة من مواد أخرى تبحث عن همّة جادّة تحترم شروط البحث وتبني عليه بتجرد.

 نقول تقريب المادّة لأنّها متوفرة منذ سنين لكن انصراف الناس عن التقصّي الصادق وغياب الورع الفكري في التناول النزيه للموضوع أفرز نقدا من جنس التهجّم والتجنّي، فارتأينا حمل هذه النصوص إلى عقر شاشة حاسوب الطالب سواء  كان مناصرا أو متعاطفا أو مجافيا.

 أبرز ما يميّز هذه المادة التي تحتوي على عيّنة من التقيّيمات والمراجعات والمواقف التي قامت بها حركة النهضة هو أسلوب النقد الذاتي الفصيح وغير المتلعثم، ثم التوقيت الحرج الذي رأت فيه النور. إنّه من الصعب على أيّ حركة أو حزب أو هيكل يتعرّض إلى عمليّة اجتثاث مركّزة تحشد لها كل مقدرات الدولة أن ينتبه  فيفرد حيّزا للمراجعة والتقيّيم كما فعلت النهضة.

و  برغم أنّها الأكثر استهدافا، إلا أنّ حركة النهضة سبقت مجموع الطيف السياسي التونسي إلى النقد الذاتي والمراجعات وهي تقريبا تحتكر هذه الخاصيّة منذ نشأتها، ولم نسمع بحركة مراجعة جديّة صدرت عن غيرها، أضف إلى ذلك أنّ الحركة ابتكرت أساليب مستحدثة في حماية جسمها حين احترمت العقل التونسي وقدّمت له نفسها على أنّها حالة اجتهاد يعتريها الخطأ والصواب ودلّته على مكامن ضعفها، ليصوّبها.. بهذا تمارس حماية نفسها بصدقها مع شعبها، وقد انخرطت النهضة مبكرا في تدريب ذهنيّة المواطن التونسي على الواقعيّة، متصدّية بذلك إلى الفكر المدمّر الذي يفرّخ نسب 99% ،ويخدّر البلاد بالوهمي ويشحنها بالنظري على حساب الواقعي والعملي حتى إذا اصطدم الناس بعالم الحقائق غرقوا في طوفان الإحباط.

هذه المادّة ليست سبقا فكريّا أو فتحا سياسيّا، إنّما قيمتها تكمن في ولادتها وإطلاقها لتصبح معلومة عامّة سنة 1996، ثم إعادة التذكير بها اليوم لتُقدَّمَ هكذا دون مساحيق - بخطئها وصوابها-، لأنّه يستحيل على جهة تموّه على شعبها أن يكون قلبها له وجهدها لصالحه.

 والنهضة ذكّرت بالأمس.. وتذكّر اليوم، وستذكّر في الغد بأنّها ليست المصباح السحري، وليست البساط الطائر كما أنّها ليست جنّة الله في الأرض، إنّها حالة إصلاح اعتصرها شعب تونس من حضارته الزاخرة الثريّة.

 

مقتطفات من كتاب :

حركــة النهضــــة

في الذكرى 15 لتأسيسها

دروس الماضي واشكالات الحاضر وتطلعات المستقبل

بــــسم الله الرحمان الرحيم

}ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء{

سورة إبراهيم آية رقم 24

 

تقديم:

1.     تمرّ بلادنا - تونس - بمرحلة خطيرة من تاريخها المعاصر، تتّسم بشمول الأزمة لجميع جوانب الحياة الوطنية وتدهور الأوضاع على كلّ صعيد جرّاء انسداد الآفاق السياسيّة واتّساع دائرة الإضطهاد والكبت والهيمنة المطبقة للدولة على المجتمع وتحويلها المسرح السياسي الى فضاء مغلق تنعدم فيه كلّ ضروب المشاركة وأوجه الحراك الحرّ.

2.     ولقد أتت هذه الردّة السياسية الخانقة على جلّ ما حقّقه الشعب التونسي من مكاسب طيلة تاريخ كفاحه الطويل وبالخصوص على الصعيدين السياسي والنقابي ممّا عرفته البلاد طيلة السبعينات والثمانينات من هامش لحريّة الرأي والتعبير والحركيّة الثقافية والفكرية بفضل النضال المتميّز للمنظمة الشغيلة والإتحاد العام التونسي للشغل والجامعة ومختلف التيارات الفكرية والسياسية  والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

3.     إنّ هذا التدهور الشامل يؤكّد لكلّ مراقب لأوضاع تونس في الداخل والخارج، عمق الهوّة السحيقة التي باتت تفصل بين الخطاب السياسي الرسمي ومختلف شعاراته ووعوده، وبين معطيات الواقع الشاخصة التي تتداولها تقارير منطمّات حقوق الإنسان المحليّة والدولية وعرائض الإحتجاج لشريحة معتبرة من النخبة التونسية برغم ما سلّط عليها من قهر وقمع وتضييق.

4.     وأمام خطورة المأزق، فإنّ المصلحة الوطنية العامّة تقتضي من جميع الأطراف ـ سلطة ومعارضة ونخبة ـ وقفة تأمّل جريئة ومسؤولة من أجل التفكير في مصلحة البلاد ومستقبلها، ومراجعة المسار، وإجراء نقد ذاتي، موضوعي ونزيه، من أجل تخليص البلاد من المأساة وطرد كابوس التدهور والإنحدار وإعادة بناء القيم الإيجابية والأفكار المستنيرة والمؤسسات المدنية الديمقراطية الفعالة.

5.     أمّا حركة النهضة، فقد أنجزت، من جانبها، ورغم الحصار المفروض عليها واحتدام المحنة، تقويما لتجربتها السياسيةومشروعها التغييري في مختلف أبعاده، وقفت فيه على أخطائها وأخطاء غيرها، كما أنجزت تحليلا سياسيا لمكوّنات واقعها الموضوعي، وأسسّت على ذلك رؤيتها المستقبليّة لمعالجة الأزمة.

 

الفصل الأول

استخلاصات تقويميّة

6.     وقوفا عند مختلف المراحل التي مرّت بها، وتقويما لبلائها، انتهت حركة النهضة بعد حوار معمّق وصريح الى جملة من الخلاصات، رصدت فيها مواطن الخطإ والصواب في مسيرتها، وهي تعاهد الله عزّ وجلّ ثمّ شعبها الأبيّ الممتحن، أن تثبت على ما تبيّن لها، بعد التمحيص، أنّه صواب، وأن لا تتردّد في التخلّي عمّا ثبت خطؤه، إنابة الى الله العلي القدير، وصدقا مع الناس.

وإذ لا يسع بيانا موجزا أن يتضمّن تفاصيل الحوارات ووجهات النظر المختلفة في المسائل التي تمّت معالجتها، فإنّنا نكتفي الآن بنشر بعض الخلاصات المجملة:

الثقافة والسياسة:

7.     لقد تأسّست حركتنا بعد خمسة عشرة سنة من استقلال البلاد، بعدما تمكّنت النخبة التغريبيّة الحاكمة من تحطيم معظم البنى التحتية للمجتمع والدولة، مثل: إلغاء الأوقاف والمحاكم الشرعية والتعليم الزيتوني وتفكيك العلاقات الأسرية والعشائريّة، وتبلور معالم دولة سلطوية تلغي دور المجتمع وثقافته الأصلية ومؤسساته المدنيّة مماّ  أحدث بالتدرّج اختلال توازن بين الدولة/ الحزب/ الفرد من جهة والمجتمع من جهة أخرى. لقد تساند الوجه التغريبي بالوجه الإستبدادي للدولة الناشئة بعد الإستقلال لكي يعيد للحياة  التونسيّة موضوع الهويّة والحريّة والعدالة الإجتماعيّة بقوّة وعنفوان عبّرت عنه حركات اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة مختلفة من بينها الصحوة الإسلاميّة التي أحييت مفهوم التوحيد أساسًا واطارا لشؤون العبادة والحياة، للشأن الفردي وللشأن الإجتماعي على الســـــواء مصداقـا لقوله تعالى: { قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} سورة الأنعام الآية. 164~165 .

    لقد جاءت الحركة الإسلاميّة امتدادا لجهود الإصلاح والتجديد الفكري على صعيد البلاد والعالم الإسلامي ولنضال الحركة الوطنيّة والنقابيّة من أجل التحرّر السياسي والثقافي والإقتصادي .

وما لبثت جهودها المباركة أن ساهمت بحيوّيّة  في تجديد  قيم الإسلام الخالدة والإنتقال بها من موقع الهامشيّة الى قلب الصراع الثقافي والإجتماعي والسياسي، وأطّرت قطاعا واسعا من الشباب ضمن وجهة معتدلة في فقه الإسلام، فاستنقذته من الضياع الأخلاقي والثقافي ودفعته الى الحضور الإجابي والفاعل في مؤسسّات المجتمع المدني.

8.     ولكن لم تكن لتقبل النخبة النافذة  آنذاك بجلّ شرائحها أن تقتحم الحركة الإسلاميّة الناشئة ساحات العمل السياسي والإجتماعي لما مثّله ذلك الإقتحام من مفاجأة وتهديد للأساس التغريبي والإستبدادي الذي قامت عليه دولة ما بعد الإستقلال، ولما مثلته التطلعات الإجتماعية والسياسية للحركة الإسلاميّــة من دعم للحركة النقابيّة والطلابيّة وحركة التحوّل الديمقراطي فقد انتهت الفآت الحاكمة الى اعتبارها تهديدا جادا لمصالحها الفئوية وشنت عليها حملات متلاحقة لا تزال متواصلة تخللتها فترات هدنة.

ورغم تأكيد الحركة على أولويّة المهمّة الفكريّة والتربويّة والثقافيّة في كلّ خططها وبرامج عملها، الاّ أنّ العمل السياسي وبسبب هيمنة الدولة على كل الفضاءات، كان دائما يعود ويتمدّد بسرعة فائقة ليحتلّ الصدارة في سلّم الأولويات ويطغى على سائر اهتمامات الحركة ومناشطها، وغالبا ما يلقي بالحركة في قلب الصراع وجها لوجه مع جهاز الدولة المتوجّس من كل صوت معارض جاد و المتحفّز للمواجهة والصدام. لقد كان لهيمنة الفضاء السياسي على الفضاءين الدعوي والثقافي النتائج السلبية على مسيرة الحركة وتطوّر الصحوة.

في المنهج التغييري:

9.     لقد حدّدت الحركة طبيعة منهجها التغييري منذ الإعلان عن نفسها في 6 جوان 1981 باعتبارها حركة علنيّة سلميّة تنبذ العنف كأداة للوصول الى السلطة أو التمسّك بها، أو كوسيلة للتعامل بين القوى السياسية والإجتماعية والثقافية المتنافسة. ورغم تأكيدها عبر كلّ أدبياتها على تمسّكها بالمنهج العلني  السلمي، لم تجد من خصومها غير الرفض والتصدّي بالقوّة الماديّة والمعنويّة. وقد ولّد ذلك لدى أبنائها قناعات مزدوجة جعلتهم موزّعين بين مجموعة من الثنائيات: كالسريّة والعلنيّة، ممّا جعلهم يخلطون في بعض الأحيان بين متطلّبات العمل العلني والنضال السياسي والإصلاح المتدرّج من جهة، ومتطلّبات العمل السرّي الذي فرض على الحركة والتغيير الجذري من جهة أخرى. ومن هنا وقع استدراج الحركة لمخالفة استراتيجيتها بالدخول في مواجهة لطالما حاولت تجنبها، حيث اتّخذت أثناء مواجهتي 1987 و 1991 من الشارع مجالا لتحرّكاتها التعبويّة تصديّا لعنف الدولة وغطرستها، كما اضطرّ بعض الشبان للقيام ببعض المبادرات الفرديّة تمثّلت أساسًا في استخدام المولوتوف ردّا على مداهمات البوليس واطلاق الرصاص والإعتقال العشوائي والتعذيب حتى المــوت.

في العلاقة مع السلطة.

10. خيّمت أجواء المواجهات على العلاقة بين السلطة والمعارضة السياسيةعموما منذ توليّ الرئيس الراحل بورقيبة الحكم عام 1956 ، فمن اليوسفيين في الخمسينات الى القوميين واليساريين في الستينات وبداية السبعينات، مرورا بالاتحاد العام التونسي للشغل عام 1978، وصولا الى الحركة الإسلاميّة منذ بداية الثمانينات 1981~1987 الى المواجهة الأخيرة 1990~1993 التي شكّلت منعرجا خطيرا في تاريخ تونس السياسي بما احدثته من تراجع خطير واختلال في التوازنات بين الدولة والمجتمع لصالح الطرف الأول.

11.  جاء تغيير 7/11 /87 حافلا بالوعود والشعارات التي تبشّر بالحريّة والديمقراطيّة ورفع الوصاية عن الشعب وعدم اقصاء أيّ طرف في المجتمع، وتفاعلت مع وعوده وشعاراته الحركة الإسلاميّة وسائر القوى والأحزاب الوطنيّة تفاعلا ايجابيا طموحا، الى أن بدأ التراجع وحصلت الأنتكاسة بعد عام ونصف من " التغيير" وبدأ العد التراجعي بدءا بمواجهة الحركة الإسلامية وانتهاءا بسائر مكوّنات المجتمع المدنـــي.

فما هي الأسباب التي دفعت بالأوضاع ، بعد حوالي سنتين من التغيير، الى مواجهة ضارية بين السلطة والحركة ما فتئت انعكاساتها السلبية تتّسع لتطال كلّ الأصوات الحرّة ولتعلن عن تعطّل الحياة السياسيّة.

12. لقد بدأت السلطة مرحلتها الأولى بالدفاع عن نظريّة "الديمقراطية المتدرّجة" و " الإصلاح المرحلي" وبالتأكيد على أن الرئيس محتاج الى الوفاق الوطني حتى ينجز التغيير الديمقراطي. والحقيقة أن الحركة الإسلامية كباقي نخب البلاد وتياراتها الفكريّة والثقافية بذلت جهودا كبيرة في البحث عن هذا الوفاق وعن السلم السياسي والمصالحة الوطنيّة، وبتزكيتها للحكم الجديد ودخولها في الحوار معه من أجل تسوية آثار العدوان الذي استهدفها في آخر فترة الحكم البورقيبي، والبحث عن صيغ قانونية وفاقية لتأطير عمل الحركة الإسلامية ضمن القوى الثقافية والسياسية الوطنية الأخرى مستقبلا.

13.  ورغم التنازلات السياسية التي أقدمت عليها الحركة، من امتناع عن أي احراج أو ضغط اتجاه السلطة، وقبول الدخول في الميثاق الوطني بغير صفتها الرسميّة ورغم ما تضمنه من بنود اقصائيّة، وتغيير اسمها من الإتجاه الاسلامي الى حركة النهضة استجابة للشروط اللاديمقراطية التي فرضها النظام في قانون الأحزاب ، رغم كل ذلكن لم ترفع المظالم القديمة عن الحركة الاّ جزئيا وامتنعت السلطة بوضوح وإصرار عن الإعتراف بحق الحركة الإسلامية  في العمل الثقافي والدعوي والسياسي والإجتماعي والقانوني.

14.  و لقد ساهم في تبلور القطيعة المعلنة بين الحركة الإسلامية والحكم، مشاركة الحركة في جلّ دوائر الإنتخابات التشريعية لسنة 1989 عبر قوائم مستقلّة، بسبب حرمانها من حقوقها السياسية والمدنيّة، وحصولها على نتائج مبهرة فاجأت الحركة نفسها وسائر القوى الأخرى حيث كشفت عن التعاطف الشعبي الكبير الذي تتمتّع به الحركة الإسلامية ورغبة الشعب الجامحة في التغيير. وفي الوقت الذي اعتبرت قيادة الحركة هذه المشاركة الواسعة، تسرّعا وتجاوزا لسياستها في التدرّج في المطالبة بالديمقراطية وتحقيق الإصلاح السياسي دون تعريض التوازنات القائمة للخلل الفادح، سيطرت القراءة الأمنيّة للحدث على عقل السلطة وانطلقت أجهزتها في إحصاء وتتبّع ومضايقة المرشحين والمزكّين وحتى الناخبين للقوائم المستقلّة بعد ذلك.

وقد زيفت السلطة الإنتخابات على نطاق واسع وأعلنت عن فوز الحزب الحاكم بكل مقاعد البرلمان، موّجهة بذلك ضربة قاسية لإرادة التونسيين ومجهضة لآمال الشعب ونخبه المختلفة في تحقيق حد أدنى من التعددية السياسية.

15. وفي خلال كل ذلك كان الأسلوب الأمني يتضخّم ويتمدد باضطراد على حساب المنهج والهياكل السياسية للدولة وعقلها المفكر حتى تمكنت المؤسسة البوليسية من الإستلاء عليها. وساهم ذلك في تصلّب موقف السلطة تجاه الحركة. وقد غذّى هذا التوجّه نحو القطيعة والتصلّب تسرّب بعض الإنتهازيين المحسوبين على اليسار داخل أجهزة الحزب والدولة ومساهمتهم في التخطيط لمشروعِ "تجفيف الينابع" الذي كشفته وسائل الإعلام فيما بعد من أجل استئصال الحركة الإسلامية وتدمير الهوية العربية الإسلاميـــــــــة.

يضاف  الى كلّ ذلك تبلور مناخ عالمي مشجّع لمشاريع التصديّ لحركات الصحوة الإسلامية تحت لافتة مقاومة " الخطر الأصولي" ولا سيما إثر النجاح الكاسح الذي حقّقته الحركة الإسلامية في الجزائر. تظافرت كل هذه العوامل لتزيد في قناعة السلطة التونسية بتبنّي " مشروع الإستئصال" ليس فقط من أجل التخلّص من خصم سياسي يتضخّم حجمه يوما بعد يوم ، ولكن أيضا من أجل التبشير بهذا المشروع الجديد والعمل على تصديره كأنموذج لمواجهة "الخطرالأصولي" على المستوى الدولي ، بحثا عن الدعم الخارجي.

16. كان انتقال موقف السلطة إزاء الحركة من سياسات "سحب البساط" الى مشروع الإستئصال ، عاملا رئيسا في تصلّب موقف الحركة ونزوعها الى العمل السرّي والتخطيط لـ " استجماع  شروط الإستعصاء" وهي خطّة دفاعية قصد منها أن تستعصي الحركة على الإستئصال، بتوفير أسباب المناعة الداخليّة والتحصين الخارجي حتّى لا  تقصمها الضربـــــة.

ولكن أمام اتساع الأحداث وتفاعلها ، وخاصة بعد تكثف حملات الإعتقال في صفوف كوادر الحركة وسقوط عدد من الشهداء تحت التعذيب الوحشي وبرصاص البوليس، أخذت الخطّة طابعا  ايجابيا هجوميّا واستبدل شعار الأستعصاء بشعار جديد هو "استجماع الشروط من أجل فرض الحريات" باعتبار أن الحريّة لم  يعد بالإمكان طلبها بل بات من الضروري فرضها وافتكاكها عبر كلّ وسائل النضال المدني والتعبئة الجماهريّة.

17. بلغ النتاقض بين الطرفين نقطة اللاعودة، وأخذت الاستراتيجيات المتقابلة طابع الصدام والتنافي بدل الوفاق والتصالح، وارتفعت درجة الإستقطاب بين مشروع السلطة وعنوانه "الإستئصال" ومشروع الحركة وعنوانه " فرض الحريات" من أجل تغيير موازين القوى لصالح المجتمع وكسر شوكة الدولة المتغوّلة.

وفي مثل  هذه الظروف المتوتّرة لا مناص من حدوث  التجاوزات وخاصّة الفردية منها، فكان أن حصلت " حادثة باب سويقة" المتمثلة في مهاجمة بعض الشبان الإسلاميين لأحد مقرات الحزب الحاكم بالعاصمة وحرقهم لها مما أدى الى حادث مؤسف تمثل في وفاة أحد الحراس. وقد مثّل هذا الحادث منعرجا حاسما في  تاريخ الصراع بين السلطة والحركة. ورغم استنكار الحركة الرسمي لهذه الحادثة المعزولة والمؤسفة، على ما أحاط بها من غموض، واعدام السلطة الذين قاموا بها بعد محاكمتهم، فقد اتّخذتها ذريعة جديدة للاستمرار بخطى حثيثة في مشروع تجريم الحركة والتنكيل بأبنائها وكل من له صله ـ ولو هامشية ـ بها.

18. لقد انهار " منهج التدرّج" الذي ادعته السلطة لتحقيق الديمقراطية، وانقلب الى شعار فضفاض فاقد لأيّ مصداقيّة. وأكّدت الأحداث فيما بعد أنه استخدم للدعاية والتغطية على مشروع الإستئصال وترك المعارضة تعيش على التمنّي المتدرّج الى أن تمّ الإجهاز على الحد الأدنى لمعالم الديمقراطية وهو حق التعبير وإبداء الرأي. واختلّ التوازن بصورة كليّة لصالح الدولة بل لصالح جهاز الأمن ومراكز النفوذ على حساب المجتمع الذي حطّمت جلّ دفاعاته.

19.  ومن أجل تجنيب البلاد خطر السقوط في حرب أهليّة مدمّرة بما تجرّه من خسائر في الأرواح والعمران قرّرت الحركة ـ ومن جانب واحد ـ منذ 1992 التخلّي  عن خطتها التي أساسها فرض الحريات، رعاية منها للمصلحة العامّة وتحمّلا منها للمسؤولية  أمام الله وأمام العباد، رغم تمسّك السلطة الى حد الآن باستراتيجية الإستئصال، محتسبة ما أصابها في سبيل الله، وملتزمة بالصبر الجميل . وقد برهنت الأحداث أن منهج ,, التدرّج في تطبيق الديمقراطية,, لم يكن الاّ مظلّة للتغطية على مشروع الإستفراد بالسلطة وسياسة الحزب الواحد والهيمنة على المجتمع وإجهاض الأمل في التغيير الديمقراطي ودفع المجتمع الى التفسّخ العام والسياسة الى المـــــوت.

في العلاقة بالمعارضة

20. رغم الاختلافات الفكرية والسياسية بين الحركة الإسلامية وباقي التيارات والأحزاب ، فلقد عرفت تونس في الثمانينات أشكالا مختلفة  من التقارب والتعاون الوطني والتنسيق المشترك بين الأطراف السياسية الوطنية على أرضية النضال من أجل الديمقراطية والتعددية والعدالة الإجتماعية واحترام حقوق الإنسان، حتى كادت تتميز الحالة التونسية بهذه الخاصيّة الحضارية، بما ساهمت به الحركة الإسلامية في تونس من تجديد في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر تأصيلا لمعاني التعددية والديمقراطية واعترافا بحق الإختلاف.

ولكن رغم وعي الحركة بضرورة  تعميق الروابط مع كلّ مكوّنات الفضاء السياسي والمجتمع المدني، وبذلها جهود فكرية ومساعي عملية في اتّجاه ذلك، فإنّها لم توفّق في بناء قاعدة ائتلافية متينة مع النخبة وبقيّة أطراف المعارضة الوطنيّة تتأسس على تقدير موقف مشترك من الأوضاع وسبل تغييرها، ممّا عمّق ظاهرة الإستقطاب الثنائي بينها وبين النظام، ودفع قطاعا من النخبة امّا الى الإنحياز الى السلطة نتيجة لتضخّم صورة الحركة أو لاعتبارات إيديولوجية ومصلحية قاصرة، وإمّا الى الإنطواء على الذات  واعتزال العمل السياسي والثقافي والإجتماعي، لقد أخطأت الحركة بتبنيها خطة تصعيدية ضد مشروع  الإستئصال دون مراعاة طاقة المعارضة الوطنية واستعداداتها ، وكذا الوضع الشعبي والإقليمي والدولي. وأخطأت المعارضة في غالبيتها عندما انخازت إلى السلطة وراهنت على إمكان تحقيق ديمقراطية عبر اقصاء طرف  رئيسي في المعارضة: النهضة.

في التفاعل مع الأحداث الإقليمية والدولية:

21. تزامنت المواجهة الأخيرة التي عاشتها الحركة والبلاد مع أحداث دولية  وإقليمية كبيرة لم تحسن الحركة التفاعل معها وتقدير انعكاساتها وتداعياتها.

فقد تأثرت الحركة بتطوّر الوضع الجزائري منذ أحداث أكتوبر 1988 وما تبعها من تحولات مفاجئة وفورية نحو تبلور مظاهر ديمقراطية حقيقية وتعدّدية شاملة. وتفاعلت الحركة بحماسة مع الإنتصارات المتتالية للحركة الإسلامية وتقدم الديمقراطية بتسارع مذهل والقطع مع مرحلة الحكم الفردي ونظام الحزب الواحد. وظنّت أن هذه الإنتصارات غير قابلة للتراجع، دون تقدير لاحتمالات الإنتكاسة، فرفعت سقف مطالبها السياسية حتى اذا حصل الانقلاب على المسار الديمقراطي، وجدت الحركة نفسها تخوض المواجهة بمفردها في ظلّ أوضاع محليّة وإقليميّة محكومة بانكفاء شعبي وبتمدد دولي خصوصا مع حرب الخليج.

لقد خدمت حرب الخليج الثانية النظام في خطته الإستئصالية ، حيث استغل انشغال الرأي العام الوطني والدولي بالحدث الخليجي، وسلط آلة قمعه الرهيبة على الحركة والصحوة الإسلامية عامــــة، متظاهرا بموقف مساند للعراق ومعارض للتحالف الغربي استقطب به المعارضة ولكن سرعان ما انقلب عليه كليا بعد تنفيذ القدر الأكبر من خطته الداخليــــــّة.

خلاصـــــة:

22. نخلص من كلّ ذلك الى أنّ التجربة المريرة التي لا تزال تعاني منها البلاد منذ عام 1990 وأدت الى هذا المأزق الخانق وموت السياسة تتحمل مسؤوليتها السلطة ثم الحركة ثم المعارضة عامة بجرّ البلاد الى التشابك وهدر الطاقات بدل التنازل المتبادل وحتى من طرف واحد، والبحث عن الوفاق تغليبا للمصلحة الوطنية العليا.

لقد كان يسعنا أن نصبر أكثر على ظلم السلطة وأذاها ونحتسب ذلك لله عز وجل ونتحصن بشعبنا ونلتحم بنخبه الوطنية الجادة ملتزمين بنسق مطالبها دون مجاوزتها، من أجل تجنب ما تأدت اليه البلاد من تدهور ومآسي ومأزق مستحكم.

23. إنّ بلادنا اليوم في أشدّ الحـــــاجة الى مراجعات عميقة من طرف الجميع من أجل التوصّل الى نهوض حقيقي يقوم على توازن جديد قوامه الثقة المتبادلة وإشراك المواطن في الحياة السياسية والإجتماعية والثقافية ورفع كابوس الخوف والرعب عن التونسيين جميعًا، ونزع فتيل التوتّر وفكّ الإشتباك بين السلطة والمجتمع.

24. إنّ تـــــــــــونس تزخر بطاقات بشرية هائلة وكفاءات مسؤولة راقية، قادرة على أن تخوض تجربة ديمقراطية نموذجية . ولكنها لن تتحوّل بين عشيّة وضحاها من نظام آحادي هيمني الى نظام تعددي متفتّح. فممارسة الديمقراطية بحاجة ولا شك الى تدرّج صادق غير مغشوش، تدرّج ترسم أسسه ومنهجه ومراحله كلُّ الأطراف الوطنية والقوى الإجتماعية.

25. وممّا لاشك فيه أن من مقتضيات التدرّج الديمقراطي الحقيقي وشروطه الأساسية تحقيق الإنفتاح السياسي والتخلّي عن ثقافة التناحر والتصادم والإقصاء ، والتمسّك بالإعتدال والدخول في حوار جامع وعميق. ولن يتأتى ذلك الاّ بمبادرة النخبة التونسية بالانفتاح على بعضها البعض وضبط قواعد الحوار الوطني المنشود ومقوّماته ودفع السلطة الى الإنفتاح من أجل الوصول الى المصالحة الوطنية الشاملـــــــــــة.

26. تلك هي جملة الــــــــــــــــــــــــدروس والعبــــــــــــــــــــر التي استخلصتها حركة النـــــهضة من مسيرتها وتجربتها السياسية إثر سلسلة الحوارات التي دارت بين أبنائها، وهي ترى فيها نبراســــــــا للجميع دون استثناء من أجل فتح صفحة وطنية جديدة وبناء مستقبل أفضل للبـــــــــــــــــــــــلاد.

 

الفصل الثاني

خلاصات تحليلية

ملامح المشهد السياسي الراهن في تـــــونس:

1.      مشروع السلطة:

إنّ النظام السياسي في تونس بوليسي فردي مركزي يتركّز حول شخص رئيس الدولة تشاركه النفوذ من وراء ستار جملة من مراكز النفوذ المتصارعة تتجمّع حولها فعاليات سياسية وثقافية انتهازية وذلك بعد أن أصبح الحزب الحاكم لا يمثّل الاّ اطارا شكليا ينتمي إليه الناس رغبة ورهبة، انتماء ذا طابع تأميني انتهازي لا سياسي. كما صارت هياكل الحزب خالية من الرموز السياسية والتاريخية المعروفة بنضالها الوطني، وأزيحت كل القيادات التي لها رأي مستقل فضلا عن التي تشكّل منافسة ما لرئيس الدولة والحزب. ولا تزال فكرة الإستئصال ~ ليس استئصال الحركة الإسلامية فحسب ولكن استئصال كلّ معارض جاد خرج عن الصفّ وتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمت له~ الفكرة الرئيسية الجامعة لهذه الأطراف من أجل المحافظة على السلطة والثروة وإحكام القبضة على البلاد.

2.      وضع المعارضة:

كثّفت السلطة من ضغوطها السياسية والأمنية على المعارضة الرسمية حتى تظلّ هامشية وصورية كما أريد لها، وحتى لا تلعب دورها الوطني في الدفاع عن مصلحة الشعب والبلاد وترسي خطابا نقديا معارضا تجاه السلطة.

ورغم انسياق هذه المعارضة إجمالا وراء سياسة الحكم في مواجهة الحركة الإسلامية والقوى الديمقراطية الحقيقية وتقديهما العديد من التنازلات، الاّ أنها لم تكافأ الاّ بمزيد من التضييق والمحاصرة، ولم يجلب لها غياب الإسلاميين~ الذين كانوا يحدون من تغوّل الدولة~ عن الساحة السياسية سوى المزيد من التهميش بسب هيمنة الحزب الحاكم واحتكاره لكلّ مجالات الحياة السياسية في البلاد.

وما حصل أخيرا لزعيمي حركة الديمقراطيين الإشتراكيين السيدين محمد مواعدة وخميس الشماري من اضطهاد، وللتجمع التقدمي الإشتراكي من مضايقات، ليس الاّ دليلا صارخا على حالة الإنسداد التي تأدّت إليها  أوضاع البــــــلاد.

3.      النخبة والمجتمع المدني:

بقدر ما نجح مشروع السلطة في الإحاطة بالمعارضة الرسمية وترويضها، بقدر ما أخفق في الإطباق على جميع شرائح النخبة وإفقادها شرعيتها الفكرية والسياسية.

ولئن انخرط قطاع من النخبة في البداية في برامج السلطة بدعوى التصدّي '' للخطر الأصولي'' ، فإنّ جزءا مهمّا وحيويا من النخبة ظلّ صامدا ورافضا لمساومات النظام وضغوطه وقد عبّر عن ذلك بسلسلة من العرائض والإحتجاجية والتحرّكات الإعلامية والحقوقية الشجاعة غير آبه بالتهديدات الأمنية المسلّطة عليه، قادها عدد من الرموز الوطنية مثل الدكتور المنصف المرزوقي والدكتور مصطفى بن جعفر والأستاذ نجيب الشابي وغيرهم.

4.      وضع حقوق الإنسان:

يشهد وضع حقوق الإنسان في بلادنا انتهاكات واسعة وخطيرة طالت عددا مهمّا من المعارضين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية ، حيث بلغ عدد المضطهدين سجنا واعتقالا ومحاكمة منذ 1990 ما يقارب 40.000 ضحية حسب تقديرات المنظمات الإنسانية الدولية والعربية  وشهادة بعض المحامين التونسيين. واستشرت أصناف التعذيب البدني والنفسي حتّى ذهب ضحيّتها قرابة 60 مناضلا، نحسبهم شهداء باذن الله عز وجل، قتلوا بمحلاّت الشرطة ومختلف السجون التونسية.

كما يتعرّض المساجين الى التعذيب المتواصل وأصناف من الإهانات تتنافى وكلّ القيم الإنسانية والقوانين التونسية والدولية. وتخضع عائلاتهم وأقاربهم الى سياسة تجويع محكمة إمعانا في إذلالهم ومحاولة يائسة لتحطيم معنويات المساجين وثنيهم عن مواقفهم وأفكارهم. وتتعرّض زوجات المساجين والمناضلات الإسلاميات والمتدينات والديمقراطيات بصفة عامة الى ألوان من الإضطهاد تستنكرها كل شرائع السماء وقوانين الأرض. وقد كشفت تقارير المنظمات الإنسانية والدولية والعربية عن حقائق مفزعة تعكس حربا همجية على المرأة في تونس توسعت فيها دائرة الإنتهاكات وضحاياها لتصل الى استهداف الناس في حقوقهم الأساسية المتعلّقة بالعبادة وحريّة اللباس والتنقّـــــل.

5.      المنظمّــــات الوطنية:

اعتمدت السلطة في تنفيذ مشروعها الإستئصالي للحركة الاسلامية في البداية ولكلّ نفس معارض فيما بعد على احتواء المنظمات الوطنية الفاعلة. ولئن نجحت في السيطرة على معظم قيادة الإتحاد العام التونسي للشغل وتدجينها، فقد أخفقت في ترويض الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وضرب استقلاليتها أو تحييدها رغم المساعي المتكرّرة في هذا الإتجاه والهجمات المتتالية التي سلّت عليها. حيث ظلت الرابطة من آخر الحصون التي بقيت تدافع عن الحقوق المدنية والإنسانية في البلاد. كما أنّ  قواعد المنظمة العالمية وقياداتها الوسطى بدأت هي الأخرى تخوض جملة من التحرّكات الإحتجاجية على خيارات السلطة الإجتماعية والإقتصادية. لقد مثل اضعاف الإتحاد العام التونسي للشغل كما توقّعنا منذ الهجوم عليه سنة 1986 ثم ضرب العمل الطلابي المدخل الرئيس للسيطرة على المجتمع واضطهاد القوى الحية في البلاد، وتفكيك مؤسسات المجتمع المدني واحدة تلوى الأخرى ، بدءا  بالجامعة والحركة الطلابية ، الى الكشّافة والمنظمات الشبابية والمحامين الشبان والقضاة والنساء الديمقراطيات . ومع كل ذلك لا يزال الإتحاد يمثّل الاطار الأكثر أهلية للتأطير نضالات النقابيين ويتبنى قضايا المتضررين من سياسة الحكومة المنحازة ضد الحركة العماليـــــة.

6.      الجـــــامعــــة.

لقد ساهمت الجامعة التونسية بالإضافة الى دورها العلمي والأكاديمي في تنمية الوعي الفكري والسياسي وربط الطلبة بقضايا المجتمع الحيوية ، بما تحقق في مؤسساتها من مكاسب على صعيد حريّة الرأي والتجمّع ، بحيث كانت حقلاً متميّزا للحوار والصراع بين التيارات الفكرية والسياسية المختلفة المحرومة من مجرّد حق التعبير خارج الحرم الجــــامعي. لقد ساهمت الحركة الإسلامية في تنمية الدور الطليعي للجامعة والحركة الطلابية في المجتمع بتثبيتها لشعار الحرية للجميع دون اقصاء ولتأصيلها للبعد الثقافي في الحياة الجامعية. ولقد تراجعت هذه المكاسب مع الحكم القائم الى درجة فرض نظام أمني  سلطوي على الحياة الجامعيّة بإلغاء الإتحاد العـــام التونسي للطلبـــــة واضطهاد مناضليه والتضييق على الإتحاد العام لطلبة تونس ومصادرة حق الأساتذة والطلبة معا في الاستقلال بالفكر والتعبير عنه والمساهمة في التنمية الثقافية الجادّة للجامعة والبلاد.

7.      الوضع الإعــــــلامي:

لم تشهد البلاد في تاريخها المعاصر هيمنة كليّة للسلطة على وسائل الإعلام بكلّ أصنافها المكتوبة والمسموعة والمرئية مثلما هو حال اليوم. لقد حوّلت الآلة الإعلامية الى سلطة تابعة ومتناقضة مع مهامّها الجوهريّة في خدمة الحقيقة وحريّة التعبير والرأي. واختصّت بعض الوسائل الإعلامية التابعة للسلطة في تشويه الرموز الفكرية والسياسية بأسلوب غاية في الإسفاف والهبوط.

كما مارس النظام كلّ الضغوط والإنتهاكات على جهاز النشر والتوزيع، فسيطر على دور النشر وضيّق على المكتبات وحاصر معرض الكتاب العربي ومنع الصحف الأجنبية الهامّة وطارد ممثلّي أجهزة الإعلام الدولية وأغلق بعض مكاتبها حتى تحوّلت صورة الدولة التونسية رمزا لمعاداة الكلمة الحرّة وانتهاك حقوق

8.      الوضع القيمي والثقافي:

إن الأزمة الشاملة التي تعاني منها البلاد ترجع بالأساس الى انهيار نظام القيم واهتزاز البناء الثقافي للمجتمع. فلقد امتد الإستبداد السياسي للدولة من مجال الصراع السياسي  وضرب التعددية وتعطيل آلية المشاركة الى استهداف معالم الصراع الثقافة والفكر والقيم وعالم الرموز التي تتأسس عليه هوية البلاد العربية الإسلامية. ولقد نهجت السلطة السياسية  في ذلك منهجا أمنيّا يقوم على تجريم التديّن والإلتزام الخلقي وحاربة مظاهره  في السلوك الفردي والجماعي حتى غدت الاستقامة شبهة والتدين جريمة يعاقب عليها القانون وفي هذا الأطار منع الكتاب الإسلامي من التداول وحرّم ارتداء الزي الإسلامي (الحجاب) وأمّمت المساجد...وفي مقابل ذلك ما فتئت السياسة الثقافية للنظام تروّج لمظاهر التحلل الخلقي وتشجّع الإثارة والإبتذال وتدعم الإنتاج الفني الذي يدعو الى خدش الحياء وتهديد تماسك الأسرة مما أدى الى تدهور خطير على المستوى التربوي والأخلاقي فتفشّت الجريمة وازدادت العائلة تفككا كما انتشرت الأمراض الإجتماعية مثل الرشوة والمحسوبية وتعاطي المخـــــدرات.

إن أزمة القيم التي صارت تعاني منها البلاد تنذر بمخاطر تهدد توازن المجتمع واستقراره وتضامنه ما لم تتم مراجعات عميقة على خذا الصعيد والتخلي عن سياسة محاربة الهويّة ومظاهر التدين والكف عن اشاعة الثقافة المبتذلة.

9.      الوضع الإقتصادي والإجتماعي:

أما على الصعيد الإقتصادي ، فإن الحكومة التونسية ما فتئت تروّج منذ سنوات للنجاح الباهر الذي حققته في هذا المجال ، وتشاركها في هذه الدعاية بعض الجهات الدولية المستفيدة من هذا الوضع، حتى وصل الأمر الى تبرير ما فشا من انتهاكات واسعـــة لحقوق الإنسان ومن انغلاق سياسي وتكميم الأفواه ، بالضريبة الضرورية للتقدم افقتصادي.

10. لكن رغم تواصل هذه المغالطة ، وتعدد التثمينات وشهادات الإستحسان الأجنبية ، فإن الأصوات المناهضة لخيارات السلطة الإقتصادية وتطبيقها المتعسّف والمكلّف لسياسات الإصلاح الهيكلي منذ ثمانية سنوات ، تظهر من هنا وهناك في الداخل والخارج بعدما بدت تنكشف يوما بعد يوم سوءات برنامج الإصلاح الهيكلي وآثاره السلبية على الصعيدين الإقتصادي والإجتماعي .

11.  ويدور السؤال الاقتصادي في تونس اليوم حول حقيقة نتائج الإصلاح الهيكلي بين الدعاية والواقع بعيدا عن كل خطاب سياسي مفرط في التفاؤل أو التشاؤم. والمتتبع لما يصدر من حين لآخر حول الوضع الإقتصادي التونسي ولا سيما عن الأوساط المهتمة مباشرة بهذا الوضع، يلحظ أن هذا الإقتصاد بعد عشر سنوات من التجربة ، لا يزال يعاني من مصاعب حقيقية واختلالات جوهرية من أهمّها :

12. هشاشة النـــــمو:

يعاني اقتصاد البلاد من هشاشة نمو واضحة وخطيرة تعكسعا التقلبات الحادة لمعدّل النمو العــــام، بما يؤكّد الطبيعة الهيكلية لأزمة النمو والتنمية في البلاد وظرفية الإنتعاشة التي  تطرأ من حين لآخر جرّاء تحسّن الظروف الطبيعية أو تدفّق الإسعافات الخارجيّة.

فمنذ بداية تطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي ، شهدت معدّلات النمو للنتائج الإجمالي تقلّبات حادة تراوحت بين 0,1%  عام 1988 و 8 %  عام 1992  و2,1 % عام 1993، كما  أنّ موسم 1994 لم يسجّل عودة الإنتعاشة المنتظرة واقتصر على معدّل متواضع 3,3 % ، بينما تشير الإحصاءات الدولية في هذا الصدد الى بقاء الأمور على حالها في العام الماضي ( المصدر: الميزان الإقتصادي 1996).

13. تواصل الإختلالات:

لجأت تونس لسياسات الإصلاح الهيكلي في أواخر عام 1986 أي قبيل تغيير 1987.11.7 ببضعة أشهر، وكانت البلاد يومئذ على حافة الإنهيار والإفلاس الإقتصادي . وكان الهدف الأساس من وراء هذا الخيار إصلاح الإختلالات الهيكلية التي تأدّي إليها اقتصاد البلاد وفي مقدّمتها العجوزات المالية التي تعاني منها الموازين الإقتصادية الكبرى.

واليوم، تشير الأرقام الرسمية الى تواصل الإختلالات بشكل عام، برغم التطبيق الحرفي لبرنامج الإصلاح الهيكلي وتدفّق الإمدادات المالية المترتبة عليه.

فميزان المدفوعات يقدّر عجزه عام 1995 بـ 690 مليون دينار أي بما يعادل: 4%  من الناتج الإجمالي الخام، بينما كان في حدود 195 مليون دينار عام 1986 قبيل تطبيق البرنامج.

وعجز الميزان التجاري يقدّر بـ 2411 مليون دينار عام 1993، بينما كان في حدود 833 مليون دينار عام 1986، وهو يتراوح حوالي 1900 مليون دينار 1994 ، كما أنّ ميزانية الدولة تشهد بدورها عجزا متفاقما: من 284 م د عام 1994 الى 276 م د عام 1995، ويتوقع أن يصل الى 385 م د عام 1996 (المصدر: البنك المركزي التونسي~ التقرير السنوي 1994~)

14. كما تشير الإحصائيات المتعلّقة بالمديونية الى استمرار الحكومة في مخطّطاتها الإنمائية في الإعتماد على القروض ومواصلة خيار الإستدانة الذي دخلت فيه البلاد منذ السبعينات.

فقد تضاعف حجم الدين الخارجي خلال فترة تطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي من 4305 م د عام 1986 الى 8701 م د عام 1994 ثم 9240 م د عام 1995 وتتوقع التقديرات الرسمية أن يبلغ حجم الدين 9987 عام 1996 أي بما يعادل نسبة تداين 25,1 % ولا يزال معدّل خدمة الدين يشكّل عبءا ثقيلا على ميزانية الدولة سنويا: 1445 م د عام 1994 و 1565 عام 1995 بما يعادل حوالي 18 %  من عائدات التصدير. (نفش المصدر)

15. بالإضافة الى تلك الإختلالات التقليدية، ساهمت سياسة الإصلاح الهيكلي في تكريس الإختلال بين قطاعات الإنتاج الأساسية من جرّاء تورّم قطاع الخدمات الذي أصبح يستحوذ على 53 % من الناتج القومي على كل من القطاعين الزراعي 16 % والصناعي 31 % كما تراجعت هذه القطاعات الإنتاجية نفسها مقابل صعود ما يسمّى بالقطاع الرمزي القائم على المضاربة المالية في الأسواق المحليّة والأجنبية. وتحوّل نشاط المصارف والبنوك من الإستثمار في القطاعات الإنتاجية التقليدية الى الإستثمار في البورصات التي شهدت دعما ملحوظا من قبل الحكومة في السنوات الأخيرة.

16. وعلى الصعيد الإجتماعي أدّت هذه السياسات الى تفاقم البطالة وخاصّة في أوساط المتعلّمين: 150 ألف تلميذ يطردون سنويا من جهاز التعليم دون تكوين، ممّا جعل من النظام التربوي التونسي عائقا إضافيا للتنمية بعدما كان محرّكا لها. ويقدّر معدّل البطالة رسميّا بـ 17 %  بما يناهز 400 ألف عاطل عن العمل، بينما تشير الإحصائيات غير الحكومية الى ضعف هذا العدد، كما أن نسبة 70%  من العاطلين لا يتعدّون الثلاثين من العمر.

وتشير التقديرات الى تنامي البطالة في السنوات المقبلة من جرّاء التسريع المتعسّف في تحرير الإقتصاد الذي يهدد حوالي 20 % من الصناعات الوطنية بالإندثار ، وفي مقدّمتها صناعة النسيج التي شكّلت الى وقت قريب أهمّ مورد من العملة الأجنبية وتضمّ ما يزيد عن 1500 مؤسّسة إنتاجية وتوفّر أكثر من 100 ألف موطن شغل.

والخطير أن جزءا مهمّا من هذه المؤسسات اضطّر الى الإفلاس وتسريح ما لديه من عمّال، كما أن مستوى الإستثمار في هذا القطاع تدنّى بمعدّل 52 %  عام 1993.

17. ومن المنتظر أن يؤدّي اتّفاق الشراكة الذي أبرم بين تونس والمجموعة الأوروبية الى تراجع العائدات الجبائية بما يعادل 60 %  في المرحلة الأولى، واندثار ما لا يقل عن 33 % من الصناعات المعملية الصغيرة والوسطى نتيجة فتح السوق المحلية على مصراعيه أمام المنتوجات الأجنبية الأكثر جودة ومنافسة، وهو ما يزيد من تسريح العمّال وتعزيز صفّ البطّالين في المجتمع.

ومقابل هذا التدهور في القطاعات الإنتاجية الأساسية، تواصل الحكومة بشكل غير عادي في دعم القطاعات الخدماتية الهشّة مثل السياحة وبورصات الأوراق المالية التي تهيؤها للإحلال محلّ الصناعات الوطنية المذكورة.

إنّ التحوّلات الهيكلية التي فرضت على الإقتصاد الوطني، والتلاشي المتسارع للطبقة الوسطى في المجتمع، وتنامي شريحة الفقراء والمعوزين من جرّاء غلاء المعيشة وتدهور المقدرة الشرائية باطراد ، لا يمكن أن تمرّ دون إحداث اهتزازات اجتماعية ذات أثر على مستقبل البــــــلاد.

 

الفصل الثالث

استشراف المستقبل

شروط التجاوز:

1.     إنّ واجب النهوض بأمانة الدفاع  عن حقّ شعبنا في الحريّة والعدالة والديمقراطية، وعن طموحاته المشروعة في تطوير أوضاعه نحو حياة سياسية مدنية وعصرية انطلاقا من أصول الإسلام، وتساوقا مع مطالب الواقع وقيم العصر، جعل الحركة منذ إعلان تأسيسها عام 1981 ، وتغيير اسمها على مقتضى قانون الأحزاب سنة 1989، تتبنى بوضوح لا لبس فيه منهج العمل السلمي من خلال مؤسسات المجتمع العلنية.

وهي تجد نفسها اليوم~ أكثر من أيّ وقت مضى~ مدعوّة الى مزيد من التوضيح في مشروعها والإصرار على أهدافها ومبادئها ومنهجها المعتدل في التغيير .

2.     وأمام خطورة الوضع الذي تمرّ به البلاد، تجدّد الحركة التأكيد على ضرورة مراجعة المسار من قبل كلّ الأطراف السياسية ـ وفي مقدّمتها النظام القائم ـ والتنازل لمصلحة البلاد العليا، والكفّ عن سياسة التعنّت والإصرار على الخطإ، والعمل الجماعي في سبيل تحقيق انفتاح سياسي في البلاد يرفع المظالم ويردّ الحقوق والحريّات دون إقصاء أيّ طرف اجتماعي أو سياسي أو ثقافي ، واطلاق سراح المساجين وعودة المغتربيــــــــن.

3.     تجدّد الحركــــــــــــة تأكيدها على طبيعتها السياسية المدنية، ورفضها لأيّ ازدواج في الإستراتجية أو الخطاب ، واعتمادها المنهج العلـــــني السلمي في التغيير، ورفضها استعمال العنف وسيلة لحسم الصراعات السياسية والفكرية ومنهجا للوصول الى السلطة أو التمسّك بها باعتماد وسائل الضغط السلمية والخطاب المعارض المعتدل والمسؤول ، بعيدا عن القطيعة والتشخيص والمهاترة . وهي تؤمن بأن الحوار الوطني هو الكفيل وحده بضبط قواعد العمل السياسي الديمقراطي والتوصّل إلى مصالحة وطنية شـــــاملة.

معالم رؤيتنا السياسية:

4.     بالإضافة إلى تلك الشروط الأساسية لتجاوز الأزمة الشاملة التي تعصف بالبلاد، فإنّ حركـــة النهضة ترى من الضروري التذكير بالمقوّمات الأساسية لرؤيتها السياسية التي تؤطّرعملها السياسي وتشكّل مجموعة الثوابت والأهداف التي ما فتئت تناضل من أجلها ومن أهمّها:

5.     الهوية الثقافية للحركــــة:

تتمسّك الحركة بمرجعيتها الإسلامية وشمول مشروعها التغييري الديمقراطي ، وتوازن أبعاده السياسية والثقافية والإجتماعية. وهي لا تحتكر الصفة الإسلامية، وإنما تقدّم مشروعا اجتهاديا بشريا في معالجة أزمة المجتمع، استنادا الى فهمها للدين. كما لا تحتكر الصحوة الإسلامية ولا تحرص على ذلك. وتؤكّد على أولوية البعد الثقافي والتربوي والدعوي في مشروعها بعيدا عن الإختزال الحزبي أو السياسي للمشروع الحضاري والنهضوي الشامل الذي يستدعي مساهمة كل تيارات المجتمع لبلورته وانضاجه.

6.     الحرية وحقوق الإنسان:

تعمل الحركة على المساهمة في تحقيق الحرية، باعتبارها قيمة محورية تجسّد معنى تكريم الله للإنسان، وذلك من خلال دعم الحريات العامّة والخاصّة مثل حريّة الرأي والتعبير والتجمّع والصحافة، واحترام حقّ الأغلبية في الحكم والأقلية في المعارضة عبر مؤسسات منتخبة تنبثق عنها الشرعية والتداول على السلطة.

كما تؤكّد الحركة على مبدإ استقلال القضاء وحياد الإدارة، والعمل على تحقيق ذلك في الثقافة الإسلامية حتى تتحوّل الى قناعات راسخة ومبدئية في الوسط الإسلامي ، ويثبت عليها الإسلاميون في مرحلة المعارضة كما في مرحلة الحكم.

7.     منزلة السياسي من الثقافي :

إنّ تأكيدنا على أولوية الثقافي والإجتماعي على السياسي تعني أن السياسي يأخذ محمولات ومضامين بدرجة فكرية جديدة بحيث يكون خادما للمهمّة التربوية والثقافية بدرجة أولى . لقد ضاقت حدود السياسي في تجاربنا الى الحدّ الذي كاد يفقد معاني الإصلاح الحضاري والتغيير المجتمعي والأخلاقي  والتربوي ، واختُزل  في نمط العلاقـــة الثنائية: سلطة/حركة. ومن دلالات وشروط حمل السياسي لمعاني الإصلاح الحضاري والنهضة هو أن يتأهّل في صورة خطابه ونموذج علاقاته وآليات اشتغاله ضمن رؤية فكرية سياسية اسلامية عميقة ذات مدلولات حضارية واسعة ومنفتحة لا ترتهن لدوافع الكسب الآني والسريع وإنما تمهّد للتحوّل الحضاري الإسلامي المتدرّج ببلادنا بمشاركة الجميع والإسهام في تطوير الكسب السياسي  العالمي في دورته الجديدة.

8.     المصالحة الوطنية الشاملة:

تعمل الحركة على المساهمة في تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة داخليّا وعلى الصعيديين العربي والإسلامي ، وهي تتويج لمرحلة من الحوار والإنفتاح السياسي على قاعدة المشاركة والتعايش بديلا عن الإقصاء والتنافي  أو حتى هيمنة الأغلبية ، عبر وفاق يحدّد ملامحه الميثاق السياسي الوطني من أجل تعميق الهوية العربية الإسلامية والتعدديّة والديمقراطية واحترام مبادئ حقوق الإنسان .

نحن بحاجة لتوسيع دائرة الثوابت الحضارية والوطنية عبر الإقناع والحوار والتسامح والتدرّج في الإنجازات أكثر من حاجتنا الى سيطرة مشروع تيّار معيّن  ولو كان اسلاميا ولو حاز على الأغلبية في لحظة انتخابات معيّنة. فتوزيع الأنصبة اليوم في بلادنا سياسيا بين مختلف القوى الفاعلة لا يخضع فقط للقانون الإنتخابي وإنما ينبغي أن يخضع كذلك خلال هذه المرحلة التاريخية الى التراضي العام والوفاق واعتبار دور كلّ قوّة ليس بحسب عددها فقط وإنما بحسب قوّة تأثيرها ونفوذها في الواقع وحاجة التوازن لها أساسا . فإذا قدرنا مثلا أن الإسلاميين مرشحون عامة لنيل الأغلبية الإنتخابية في هذه المرحلة في مجتمعاتنا، فينبغي أن يكونوا على  استعداد للقبول بأقل من حصتهم خدمة للمصلحة العامة ورعاية لضرورات الوفاق الوطـــــني.

9.     سلطة المجتمع ودور الجماهير في تحقيق النهضة الشاملة:

تؤمن الحركة بأهمية دعم سلطة المجتمع واستقلالية هياكله وقوامته على الدولة، بما يهيئ الإطار النظري والهيكلي لتقوية المجتمع المدني الحقيقي وتحقيق التوازن بين الدولة والمجتمع . إنّ مشروع الحركة هو المساهمة في تحقيق النهضة الإسلامية الشاملة في البناء وتحرير الإدارة ، ولا يتأتّى ذلك في ظلّ  الإختلال الواضح في موازين القوى العالمية دون إشراك الجماهير والإصغاء لمطالبها وتطلّعاتها. وما يصدق على الدول، يصدق من باب أولى على الحركات التغييرية . فمن دون مشاركة جماهرية واسعة، ووعي جماهيري فعاّل ، غالبا ما تنتهي محاولات التغيير الى الفشل. وإنّ عدم تلبية الجماهير لنداءات التغيير في وقت معيّن لا يعني اسقاطها من المعادلة أو تحقيرها، وإنّما يعني أنّ هناك خللا مّا في النـــداء ذاته بحاجة الى تعديل وتصويـــب.

10. الدفاع عن الوحدة الوطنية:

وذلك بمواجهة نزوعات التفتّت الطائفي أو المذهبي أو العرقي ، والتخفيف من الإستقطاب الحاد بين الحكّام والنخب، وبينهم وبين الشعب وذلك باشاعة مناخات الحريّة والمشاركة العامة ورفع المظالم وتحقيق العدالة " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " المائدة الآية 8

11. حماية الإستقلال والسيادة الوطنية:

من خلال المساهمة في رفع الوعي الإسلامي وضرورة التمسّك باستقلالية القرار والسيادة الوطنية وحمايتها من الإختراق الأجنبي وتنسيق الجهود والخطوات لحماية  مقدّرات البلاد ومصالحها . إنّ الصراعات الداخلية ومعارضة التيارات لبعضها البعض ومعارضة الأنظمة ما ينبغي مطلقا أن تكون على حساب المبادئ الوطنية العليا واستقلال الوطن وسيادته.

12. سياسة خارجيّة مستقلة ومنفتحة:

تدعو الحركة الى إقامة سياسة خارجية تنبني على عزّ البلاد ووحدتها واستقلالها، والتبادل العادل والمتكافئ للمصالح، ودعم قضايا التحرر والكفاح ضد سياسات الإستعمار والتمييز والإسعلاء بكلّ  أشكاله ومناهضة الأوضاع المؤسسّة على الظلم والإضطهاد. كما تؤكّد على أهمية الحوار الصادق والبناء بين العالم الإسلامي والغرب ونبذ كل أشكال التعصب والإنغلاق والإرهاب الفكري والمادي يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات:13

13. بناء اقتصاد وطني قوي ومتوازن:

بالإعتماد على الإمكانات الفعلية للبلاد وتوزيع العادل للثروة ، بما يعني حق كل فرد في التمتّع بثمار جهده في حدود مصلحة المجموعة والحصول على حاجته الأساسية في كلّ الأحوال ، والقضاء على الفوارق الإجتماعية المبنية على الإستغلال والإحتكار والفساد، والإسهام في تحقيق التكامل والإندماج مغاربيا وعربيا وإسلاميا، مع الحرص على إقامة علاقات اقتصاديّة متوازنة مع بقيّة الكتل لا سيما أوروبيا وآسيويا.

14. العدالة الإجتماعية وحريّة المرأة:

العمل على تحقيق العدل وتوفير الخدمات الإجتماعية بما يضمن كفاية الجميع في الغذاء والصحّة والسكن والتعليم وغيرها من أساسيات الحياة الطبيّة ، صوتا لكرامة الإنسان وتماسك المجتمع، في تناسق بين ضمان الحقّ وأداء الواجب. والعمل على حفظ الأسرة قوام المجتمع السليم، والنهوض بواقع المرأة، وتحرير فعالياتها للمساهمة في تنمية المجتمع بعيدا عن التبعية أو الإنحطاط بتأكيد مساواتها بالرجل وضرورة تحررها من التقاليد المتخلفة التي تحرمها من حقها في المشاركة في التنمية الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والسياسية بالإضافة الى دعم المؤسسات الإجتماعية والنقابية المؤهّلة لتأطير نضالات الشعب ضدّ كلّ مظاهر الحيف الإجتماعي والإستبداد السياسي. يقول الله سبحانه وتعالى " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " النحل  الآية 90

15. الدفاع عن التضامن المغاربي والعربي الإسلامي والتوجّه الوحدوي:

تؤكّد الحركة على أهميّة التضامن العربي والإسلامي، وضرورة حماية مؤسّساته ورموزه، وتعمل على دعم موقع تونس في محيطها وتطوير علاقاتها العربية والإسلامية والإفريقية على طريق التكامل والتعاضد، وتدعو الى الحفاظ على الإتحاد المغاربي وتسريع خطوات بنائه ووضع حد للنزاعات الضيّقة التي تنخر هذا الكيان، والإتجاه قدما نحو إرساء هياكل التكامل الإقتصادي والتعاون السياسي، وتشجيع التقاء المؤسسات الشعبية وتوحيد برامج التكوين التربوي والتعليم والثقافة، وتجاوز البعد القطري في التغطية الإعلامية والتعامل مع المنطقة كوحدة ذات مصالح وهوية مشتركة. وأن نجعل من التجمّعات الإقليمية خطوة نحو تحقيق الوحدة العربية والإسلامية.

16. التمسّك بفلسطين:

تؤمن الحركة بأنّ أرض فلسطين حق للأمّة لا يجوز التنازل عنه، وتدعو الى السعي لتحريرها ورفض الحلول غير العادلة والتهافت على التطبيع مع الكيان الصهيوني مهما كانت المبررات والمنافع.

وإذا كان من الجائز انتهاج المرحلية والتدرّج في استعادة الحقوق المغتصبة ، فإنه لا يجوز الإعتراف بشرعية الغاصب.

مطالب المرحلة القادمة:

تأسيسا على كلّ ما تقدّم، فإنّ حركة النهضة التونسية تطالب بما يلي:

1.    احترام حقوق الإنسان الفردية والجماعية وضمان حرياته الأساسية، كما نصّت عليها تعاليم الإسلام السمحة والإعلانات العالمية وتضمّنتها المواثيق الدولية والقوانين الدستورية المحليّة.

2.    ترسيخ هويّة البلاد العربية الإسلامية والكف عن استهداف مظاهر التدين وإشاعة ثقافة التفسخ والإنحلال.

3.    سن عفو تشريعي عام ، واخلاء السجون من المعارضين السياسيين، ورفع مختلف أشكال قمع عائلاتهم وتجويعها وتمكينهم من حقوقهم المدنية والسياسية دون اعتبار لإنتماءاتهم الفكرية والحزبية.

4.    تعاضد قوى المعارضة السياسية والمنظمات الوطنية ومختلف الفعاليات من أجل تحقيق انفراج سياسي في البلاد يرفع المظالم ويردّ الحقوق والحريات من أجل الوصول الى حياة ديمقراطية عادلة، ونبذ كلّ مظاهر العنف والتسلّط والإقصاء مهما كان مصدرها.

5.    احترام حريّة الصحافة والتعبير والإجتماع والتنظم وصيانة استقلالية القضاء والمنظّمات الشعبية والوطنية وحياديّة الدولة.

6.    مراجعة القوانين الجائرة المنظّمة للحياة السياسية والإجتماعية ، كقطاع الإعلام والشغل وقانون الأحزاب والمجلّة الإنتخابية على ضوء مرجعيتها الدستورية وإلغاء المناشير الغير دستورية المنافية لحرية المواطن وحقوقه الأساسية، وإلغاء المناشير التي تمنع المرأة من ارتداء الحجاب، وإقامة الصلاة والتدريس بالمساجد.

7.    رفع وصاية الأجهزة الأمنية على الحياة السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، وإقاف المحاكمات السياسية تحت أيّ غطاء كان، ودعم المسار التصالحي بدل التناحر والتنابذ والقطيعة، تقديرا لمصلحة البلاد والعباد.

8.    التصدي لمظاهر التطبيع مع الكيان الصهيوني ودعم الصمود العربي.

 

وأخيرا ، فإن حركة النهضة، وهي تمرّ بمحنة قاسية تستهدف وجودها وتدفع غاليا ضريبة وقوفها شاهدة لدينها ولشعبها ، لا يسعها الا التمسّك بهويّتها الإسلامية والمضي قدما في نضالها المتواصل وجهدها الدؤوب في سبيل المساهمة في تحقيق المشروع الحضاري الإسلامي والأهداف الوطنية.

وتقديرا لمصلحة البلاد العليا، وانطلاقا من فهمها لمنهج الإسلام الحضاري في تغيير الأنفس والمجتمعات، تجدّد الحركة الدعوة الى كلّ أبنائها وشعب تونس أن يحذروا من الإستدراج مرّة أخرى لخطّة خصمهم، وأن يعملوا بأناة وطول نفس بين الناس، وأن ينشروا الكلمة الطيبة ويتسلّحوا بالصبر الجميل والتوكّل على الله سبحانه وتعالى:


وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ(127)النحل

وقوله تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}

هود الآية 88

صدق الله العظيم

لندن في 6 جوان 1996

حركة النهضة بتونس

الشيخ راشد الغنوشي

 

بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة للإعلان عن حركة الإتجاه الإسلايم بتونس يوم 6 جوان 1981 ، وبعد انقضاء مرحلة من التأمل والحوار الداخليين في مسيرة العمل الإسلامي والوطني ببلادنا تقويما وتحليلا واستشرافا، نعرض على الرأي العام المحلي والعربي والدولي خلاصات هذا الحوار وفاء بما كنا قد وعدنا به. ولا يفوتنا في البدء أن نجلّ ونترحّم على أرواح شهدائنا الأبرار وأن نحيي بإكبار ووفاء تضحيات وصمود آلاف المساجين الأبطال وعلى رأسهم الإخوة الدكتور الصادق شورو والمهندس علي العريض وحمادي الجبالس والشيخ الحبيب اللوز، وآلاف الصابرين على الظلم القابضين على الجمر من الإخوة والإخوات داخل تونس السجن الكبير.

كما نتقدم بأخلص التحية والتقدير للمنظمات الإنسانية والدولية والعربية التي ساهمت في كشف بعض حقائق معاناة شعب تونس وبالشكر الجزيل للشخصيات الفكرية والسياسية والهيآت الإعلامية والثقافية والأحزاب التي وقفت ضد الإستبداد في تونس والدول التي تفهمت محنتنا وأوت اللجئيين من التونسيين المضطهدين وكلّ من ساهم في التخفيف من محنة تونس.

 

 

حركة النهضة

 

 

 

 

 

 

مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.