مشاهدة النسخة كاملة : سؤال ...الديمقراطية والإسلام..توأمان أم ضدان
mohammedahmed
07-06-2006, 00:29
هل الشورى هي الديمقراطية؟ وهل هناك ثمة تطابق بينهما، يجعل الديمقراطية جزءا من الإسلام أو العكس؟
إنّ واقع الديموقراطية هو حكم الشعب الذي يقابل حكم الله حتماً، وليس حكم الفرد كما يتصور البعض، إذ أنّ مصطلح الحكم يأخذ وجهين، الأول هو التشريع، وهو الذي يمنح من خلاله الناس حق الاستفتاء والتصويت على القوانين مباشرةً أو بإنابتهم عنهم من يقوم لهم بالتشريع لهم، والثاني هو التنفيذ وهو ما لا يتصور حصوله من قبل شعبٍ من الشعوب أصلاً، إذ أنّ الذي ينفذ الأحكام ويفصل بين الناس هو جهات مختصة، كالوزراء والقضاة وأجهزة الدولة المختلفة، وهذه الجهات تتأهل لذلك من خلال دراساتٍ أكاديمية ومعرفية وخبرات فنية، وبهذا كان حكم الشعب في الفلسفة الديموقراطية هو مقابل حكم الله، هذا هو واقعها وهذا هو ما يؤكده السياق التاريخي والإجرائي لها حتى يومنا هذا.
الشورى هي أخذ الرأي، وتكون ملزمة في حالات، وهو ما يهمنا هنا، لأن الديمقراطية تتحدث عن فكرة إخضاع الحاكم لرأي الأمة. ومن خلال قراءة متفق عليها بين كل من اطلع على الفكر الإسلامي يجد أنه لا شورى في الأحكام الشرعية الأربعة، أي في الواجب والمندوب والمكروه والحرام، ولذلك يبقى أخذ الرأي محصوراً في الدائرة الخامسة وهي المباح???
حياك الله أخي محمد أحمد والله يبارك فيك على طرحك هذا السؤال الوجيه على شيخ المنتدى الهادي بريك...
الهادي بريك
08-06-2006, 02:39
الديمقراطية والاسلام : لا توأمان ولا ضدان
شكرا للاخ الكريم وسلام من الرحمان الرحيم عليك وعلى ممن معك
من شروط المقارنة بين أمرين في هذه الدنيا إشتراكهما في شئ ما وبقدر كون ذلك الشئ جامعا مانعا لهوية الامر المقارن تكون عملية المقارنة معقولة مفهومة وذلك لان العقل الانساني فطر على الجمع بين المتآلفات وعلى التفريق بين المختلفات وبضدها تتميز الاشياء كما قال الشاعر الحكيم .
المقارنة بين الاسلام وبين الديمقراطية منهجيا عملية خاطئة بحكم كون الامرين موضوع المقارنة لا ينتميان إلى ذات الوحدة العامة .
الاسلام دين سماوي يجمع بين سلامة القلب وإستقامة المظهر مضبوط بجملة من العقائد والعبادات والاخلاق والمعاملات والاحكام .
أما الديمقراطية فهو منهج للحكم بين الناس في القضايا السياسية العامة ولم يدع لها مدع منذ نشأتها في أثينا قبل قرون طويلة إلى حد اليوم أنها نظام شامل للحياة يعنى بالامر الخاص للانسان بما في ذلك خلجات قلبه ولكنها دوما مقصورة على الجانب السياسي وما يليه من الجوانب العامة في حياة الناس سيما بعد تطوراتها الاخيرة الكثيرة في الحقل الاروبي .
الدليل على ذلك كون المسيحي يجمع بين إلتزامه المسيحي وبين مقتضيات التعامل الديمقراطي في الشأن السياسي وكذا اليهودي وكذا الملحد وغير الابه بالاديان أصلا : يسعهم جميعا أن يحتكموا إلى النظام الديمقراطي لحل خلافاتهم السياسية وتوفير مساحة من التعايش بينهم .
صحيح أن بعض الناس اليوم لتوسيع دائرة الاهتمام الديمقراطي بين الناس يقولون بأن الديمقراطية أخلاق وقيم ومبادئ ومثل ولكن ذلك من باب توسيع دائرة تعديتها إذ لا يقر لهم مقر بكون الديمقراطية تلج معتقده أو عبادته أو مراسم ميلاده وختانه وزفافه وفرحه وغضبه وسائر أحواله الشخصية ويكاد يستوي في ذلك الملتزمون دينيا بالمسيحية أو اليهودية أو غيرهما من الاديان ـ سماوية أو أرضية ـ وغيرهم من المتحللين .
ومعلوم أن الديمقراطية منشؤها المعاصر واحد لا ثاني له وهو إنعتاق أروبا من قبضة الاقطاع بإسم الكنيسة أي بإسم الدين أو بإسم الدين كله في ثقافتهم هم فهي ثورة على الاقطاع الديني المتحكم في الرقاب والاموال في أروبا في عصر الظلمات .
لما إنعتقت ملايين مملينة من الشعوب الاروبية من سلطان الاقطاع الديني الغاشم لم يكونوا على قلب رجل واحد في تسيير شؤونهم العامة بعد الفراغ الرهيب شأنهم شأن كل الناس يختلفون وليسوا بدعا في ذلك .
إقتضى ذلك إذن منهم أن يبحثوا عن نظام عام يقطع مع العهد البائد القديم من جهة ولكن لا يحول حياتهم الجديدة إلى جحيم جديد بحكم الخلافات . فبعد ذهاب سلطان الكنيسة لمن الحكم ؟
ليس لهم دين سماوي ولا نظرية أرضية بشرية تضمن لهم الوحدة الوطنية الشاملة مع ضمان التنوع داخلها فكان لا بد لهم من نظرية فكانت نظرية العقد الاجتماعي للمفكر الفرنسي روسو وكانت نظريات أخرى كثيرة ظلت تتبلور وتتطور في إتجاه توفير أرضية لتعايش الاختلافات بعضها مع بعض دون إراقة الدماء وتمزيق عرى الوحدة حتى ولدت الديمقراطية أي حكم الشعب نفسه بنفسه من خلال الانتخابات وتفويض النواب بإسمه ضمن برلمان ومؤسسات وغير ذلك .
الخلاصة الاولي هي إذن :
الاسلام لا يقارن بالديمقراطية بحكم إختلافهما في الهوية فلا يقارن دين سماوي سوى بدين سماوي آخر ولا تقارن الديمقراطية سوى بنقيضها أو دون ذلك من أنظمة حكم عشائرية مثلا أو ملكية أو غير ذلك .
هل تجوز مقارنة جزء بكل ؟
ذلك هو ما حدث للمقارنة بين الاسلام وبين الديمقراطية . أي قارن الناس بين ما يتصورونه نظاما سياسيا في الاسلام وبين الديمقراطية . أجل يجوز ذلك بشرطين :
ــ أولهما مراعاة الفارق في المقارنة بين جزء من نظام كلي وبين نظام كلي .
ــ حسن فقه ذلك الجزء من ذلك النظام الكلي فضلا عن حسن فقه النظام الكلي بأسره
مشكلات المقارنة :
المشكلة الاولى :
حدوث الخلط في الديمقراطية بين جانبها الاجرائي بوصفها منهجا لحل الخلافات السياسية والتواضع على حد أدنى من التعايش لتجنب الاقتتال وبين جانبها الفلسفي الفكري العقدي بحكم كونها سليلة ثقافة غربية وحضارة أروبية تختلف كليا في المستوى العقدي والثقافي والفكري عن الاسلام والامة الاسلامية .
ذلك الخلط في الديمقراطية شنيع جدا وينتج أخطاء أشد شناعة
أبلغ حل لتلك المشكلة الاولي هو : توخي الفصل والوصل بين المستويين معا وذلك لكون الديمقراطية الاروبية المعيشة اليوم مثلا ـ وهو ما يعنينا ـ تجمع بين حلقتي الوصل والفصل فهي ذات جذور إغريقية يونانية غربية أروبية عقدية ثقافية فكرية فلسفية معلومة عند كل دارس وفي الان ذاته هي منهج إجرائي عملي إداري تنظيمي لتوفير التعايش السلمي بين الناس المختلفين .
يمكن الفصل بين المستويين ولكن لغايات دراسية بحتة ومحددة دون إطلاق وتعميم .
المشكلة الثانية :
حدوث ذات الخلط في الاسلام بين نظامه العقدي الفلسفي الفكري الثابت المطلق العام وبين جزء صغير من ذلك النظام العقيدي وهو جزء السياسة أو الحكم . منشأ الخلط الشنيع ذلك أمور منها :
ـــ عدم وضوح صورة ثبات العقيدة وتغير السياسة والحكم عند المسلمين عامة فبعضهم يسحب الثبات على كل أجزاء الاسلام وشريعته وبعضهم يسحب التغير عليها كلها أيضا .
ـــ عدم كفاية التاريخ الاسلامي في تسطير الملامح العامة فضلا عن التفاصيل في الحياة السياسية والحكمية في الاسلام بحكم إندحار الخلافة الراشدة مبكرا جدا
ـــ ضمور الفقه السياسي خاصة والعام عامة في مقابل تضخم الفقه العبادي والشخصي
ـــ الضغط المسلط اليوم معنويا ضد المسلم من لدن الحكومات العربية والاسلامية المستبدة ومن لدن الغرب سيما طرفه المحارب مما يولد رد فعل وليس دراسة جادة
وعوامل أخرى كثيرة لا يتسع المجال هنا لها لضيقه
المشكلة الثانية هي إذن بإختصار : عدم توفر الاسلام على ثبات في المسألة السياسية ونمط الحكم بمثل ما هو في العقيدة والعبادة والاحوال الشخصية أي عدم توفر ا لاسلام على نمط جاهز للحكم والشأن السياسي وأبلغ ما يوجد مبادئ عامة ومقاصد كلية هي أقرب إلى الاخلاق من النظام وليس ذلك نقطة ضعف في الشريعة الاسلامية بل هو عين القوة بحكم كون كل شريعة حتى لو لم تكن إسلامية لا تكون صالحة لكل زمان ومكان وإنسان وحال حتى تجمع بين ثبات الاساس ومرونة السقف .
المشكلة هي عدم فقه الناس المسلمين لذلك فقها كافيا فيتورطون إما في إتهام الاسلام أو في تجاوزه أو في تحميل نظامه السياسي في الحكم ما لا يحتمل من تجارب سالفة عفا عنها الزمان من مثل نظام الخلافة أو تجارب لاحقة كانت جائرة ولو نسبيا من مثل نظام التوريث العشائري في بين أمية والعباس وأنماط الحكم الشيعية الاولى والعثمانيين وسائر التجارب تقريبا . ومنهم من يتورط في المقارنة الفجة بين الاسلام جملة وبين أنظمة سياسية أخرى من مثل النظام الديمقراطي دون مراعاة الفوارق والخصوصيات .
الخلاصة العامة :
الاسلام والديمقراطية إذن ليسا توأمان لان كل منهما يخضع لنظام ثقافي عقدي فكري فلسفي مغاير مختلف تمام الاختلاف ويستوي في ذلك الامر حتى لو قارنا ـ إفتراضا ـ بين النظام السياسي الاسلامي كما يتصوره المسلمون في حده الادنى الثابت عندهم وبين النظام الديمقراطي في بعده السياسي .
وكذا القول بأن الاسلام والديمقراطية ليسا ضدان لان كلا منهما له هويته الخاصة به فهذا دين سماوي يحاسب الانسان على خلجة من خلجات قلبه ربما لم يتفطن لها هو نفسه ـ بقطع النظر هنا عن الغفران من عدمه ـ وتلك نظام سياسي في الحكم يقوم على المقايضات والتبادلات والتنازلات.
يمكن مقارنة مبادئ الاسلام بمبادئ الديمقراطية في المستوى السياسي وقضية الحكم :
أجل هنا يمكن المقارنة من باب الدعوة إلى الاسلام وتوضيح صورته للمسلمين وغيرهم ومقاصد أخرى كثيرة لسنا الان بصددها .
مبادئ الاسلام في الشأن السياسي والحكم عالمية إنسانية عامة :
أولها أن السياسة عبادة من أجل العبادات في مكانها المناسب لا تزيد عنها الصلاة في محرابها شيئا تبعا لنظرية إبن القيم في مراتب الاعمال وميزان الاولويات .
ولا يقول عاقل بأن المسيحي الديمقراطي يعبد الله أو يتقرب لعيسى عليه السلام أو لامه مريم البتول بإنخراطه الديمقراطي ولو كان ناخبا بسيطا .
ثانيها أن العدل هو غاية المسلم سواء كان ناخبا أو منتخبا وسواء كان فقيرا أو غنيا وسواء كان المظلوم مسلما أو كافرا أو ملحدا بالمرة
ولا يقول عاقل بأن المسيحي الديمقراطي يعدل بين مسلم ومسيحي في الانتخاب كلما وجد فرصة للتزوير بأي شكل من أشكال التزوير لم تطله يد القانون
ومقاصد أخرى كثيرة منها كرامة الانسان وحريته والشورى والوحدة والتنوع والقوة والعمارة لا يتسع لها المجال هنا
ولا يتسع صدر غير المسلم من كل ذلك سوى لما يخدم مصلحته العاجلة بقدر ما يسمح له القانون الصارم من تزوير وأكل لاموال الناس بالباطل
من ذلك أن العدل في الاسلام عالمي إنساني عام بخلاف إزدواجية المعايير عند الاخرين ولذلك فإن الحضارة الغربية بديمقراطيتها كانت حقا حضارة الحول الحضاري والعمى الثقافي والمركزية الفكرية الشديدة وترجم ذلك عملا إبان عصور الانحطاط والظلام في أروبا حربا بين الديانات بل بين مذاهبها الداخلية فضلا عن حرب العرقيات والاجناس وغير ذلك ولم يكن ذلك خاصا بفترة ما قبل الانعتاق من الاقطاع المسيحي الكنسي الغاشم فالحروب العالمية كلها جرت بعد ذلك وأكلت عشرات الملايين من الابرياء وسائر الاناجيل تقريبا تطفح بالحقد على المخالف والدعوة إلى إستعباده فضلا عن البهتان ضد الانبياء إلى حد وصفهم بالزناة والسفاحين وغير ذلك.
أما عن الاحداث الاخيرة التي تأقلمت تحت عنوان حرب صليبية جديدة ضد الاسلام وأمته فحدث ولا حرج إذ أصبحت تفتك بالشعارات الديمقراطية مقدار شبر مع كل مطلع شمس .
حقيقة القول في الموضوع :
لابد من الفصل في هذا الموضوع بين المستوى القولي والمستوى الاعتقادي وذلك لجني مصالح معتبرة أي أنه لابد من الحكم على الناس ودعواتهم بحساب الاعمال وليس بحساب الاقوال هنا في هذه الزاوية المحددة .
تفصيل ذلك هو أن المسلم الذي يقول بأن الاسلام نظام ديمقراطي لا يعني أن الاسلام والحضارة الغربية توأمان أو يلتقيان في الثوابت العقيدية والاخلاقية وغير ذلك مما هو ثابت محض ولكن يعني في الاغلب ـ إلا أن يكون أحمق ـ أن الاسلام نظام يشترك مع الديمقراطية إجرائيا لا فلسفيا في كون كليهما يحض على كرامة الانسان وحريته في إختيار حاكمه وغير ذلك وعادة ما يضطر المسلم إلى ذلك وهو في موقع الضعف والقلة والمحاصرة ولاشك أن خلفنا بعد عقود أو قرون سينظرون إلى الاجتهادات التي تنادي بالديمقراطية في الاسلام نظرة أخرى تماما كما ننظر نحن اليوم إلى إجتهادات سابقة نظرة أخرى وتلك هي سنة الحركة في الحياة
الحاصل هو أن المسلم إذا صلح إعتقاده في الاسلام وصحت فكرته عنه نظاما شاملا عاما يستمد أركانه من القرآن والسنة لا حرج عليه أن ينشد المصلحة في وصف الاسلام مثلا بأنه نظام ديمقراطي ويجب عندها أن ننظر إلى المناخ الذي يتحرك فيه ذلك المسلم فهو محاصر بنظام عربي مستبد ظالم جائر سواء إدعى الاسلام أو إدعى العلمانية وفي الان نفسه محاصر بنظام دولي يمكر ليبسط هيمنته بإسم الديمقراطية وحقوق الانسان واليوم لم يعد يسيرا على المسلم وكل مراقب بان يلاحظ بأن الدعوة الاسلامية إلى الديمقراطية أحرجت العلمانية والعلمانيين فضلا عن المستبدين في الداخل والخارج وذلك بعد أن تبين أن الاسلام يستفيد من الديمقراطية لصالحه إذ يتحرر بها من جور الداخل لينشئ صحوة عارمة ويفوز في الانتخابات ويزاحم في الحكم والقيادة كما هو واقع في أكثر من بلاد
طبعا لا يقول أحد بأن ذلك جاء دون تنازلات من قبل المسلمين ولكن هنا المعيار الصحيح الاسلامي هو : حساب الموازنات بمصالحها ومفاسدها وأولوياتها وليس يجوز جر العقيدة الثابتة هنا إلى هذه المعركة بحساب الربح والخسارة لان من تفسد عليه الديمقراطية عقيدته الثابتة فقد كفر أما من أحتفظ بعقيدته وظل يناور بسلاح عدوه أو خصمه فتنازل عن شئ وربح شيئا آخر فهو محارب مقاتل يحاسب على ميزانه العملي الاجمالي بعد عقود أو قرون وحتى لو خسر فهو مجتهد وليس كافرا ولا فاسقا .
المناداة بالديمقراطية إسلاميا هي من باب الاقتباس الحسن ونشدان الحكمة :
الديمقراطية في السياسة والحكم هي مثل زواج المسيار الذي أفتى به أكثر من مجمع فقهي وعالم مؤتمن في دينه وعلمه ومثل كل ضروب فقه الضرورات وفقه النوازل وفقه الحاجات وفقه الجماعات والفقه الانتقالي لانها من الشأن العام وليس الشأن الخاص والشأن العام لابد فيه من ربح وخسارة متوازيين .
البديل عن ذلك لا يكون سوى بأمرين فإما أن نخضع للحكم الفردي العربي وهو خضوع لن يزيد الدعوة التي نحن مطالبون بها إلا موتا لان الدعوة لا تكون دون حرية وروح الديمقراطية هي الحرية وإما أن نظل مسلمين بعيدين عن الشأن العام لا نتدخل في السياسة والحكم إما زهدا في الشأن العام للمسلمين وعندها ينطبق علينا التحذير الشديد جدا " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم " وإما شبهة في العقيدة فنقول بأن الاسلام دين لا شأن له بالشأن العام وخاصة السياسي والحكم وعندها نكون علمانيين متأسلمين أرجائيين بالمعنى الكلامي القديم وذلك هو ما يريده العدو منا لانه لا يخاف من كثرة المصلين ولكن يخاف من كثرة المصلين إذا إهتموا بقضايا الحريات والمال والتطبيع والشريعة وإما أن نظل نعتقد عقيدة صحيحة بشمول الاسلام بما في ذلك السياسة ولكن لا نحرك ساكنا ونظل نقول في أنفسنا بأن الحكم لله وحده وكل الحكام كفار وطواغيت وملاحدة وفسقة والغرب بكل ما فيه ومن فيه كذلك وذلك ولو كان عقيدة صحيحة ولكنه لا يغير من الواقع شيئا لانه سبحانه أرشدنا إلى " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " وعقيدة جامدة لا تحرك شيئا في وجه الظلم بئس صاحبها حتى لو كان سليم العقيدة لان سلامة العقيدة في سلامتها من الشرك وفي مواجهتها للفساد والطغيان والكفر والظلم وإما أن نرفض الدخول في معترك الحياة السياسية حتى لو تنازلنا عن بعض الشئ ونميل إلى إستخدام التفجير والتكفير وعندها نقع في أعراض الناس وأموالهم ودمائهم بريئهم ومجرمهم وهو الخطر المحدق بالعقيدة حقا فضلاعن كون ذلك المنهج لا ينتج شيئا سيما في داخل أوطاننا ولا يلغي ذلك أبدا حق المقاومة لمن أحتلت أرضه بل لكل مسلم حيال فلسطين لانها أرض وقف .
الديمقراطية إذن حلقة وسطى بين حالنا وبين حال مأمول يتوصل فيه المسلمون إلى تطبيق الشريعة الاسلامية كاملة بدء بشريعة الحريات السياسية للناس كافة مرورا بشريعة الحريات الخاصة وشريعة مقاومة التطبيع والاحتلال وإنتهاء بالشريعة المالية والاجتماعية والتعليمية والاعلامية والثقافية والدولية والتعبدية والعقيدية والاخلاقية والمدنية والجنائية ...
إذا كان تطبيق الاسلام اليوم مستحيلا بالوجه المطلوب فإن التوسل إلى ذلك بالمراحل مرحلة بعد مرحلة هو من باب الحكمة و أول مراحل ذلك مطلقا هي بث الحرية للناس أجمعين إذ أثبتت السيرة النبوية بأن الحرية هي المدخل الوحيد ـ أجل الوحيد بكل ثقة وإطمئنان ـ لاعتناق الاسلام وإعتناق الالتزام وتضييق مساحات الظلم وإندياح الدعوة وإنتصار الاسلام .
إذا كانت الحرية في كل معانيها هي روح الديمقراطية فإن الديمقراطية يكون حكمها الشرعي :
ـــــــــــــ ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب ــــــــــــــــــــ
الديمقراطية إذن مطلب واجب شرعا اليوم لان الواجب الذي يليها وهو واجب الحرية لا يتم بغيرها ولان واجب تطبيق الشريعة الاسلامية جمعاء لا يتم بغير الحرية فإن مطلب الحرية واجب . تلك هي سنة التغيير في الاسلام وفي الحياة : مرحلة بعد مرحلة وواجب يفضي إلى واجب حتى تكتمل الحلقات على يد الانسان جيلا بعد جيل وكل جيل محاسب على ما ظفره الله من نعم وإمكانات ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها .
الله أمرنا بإبتغاء الوسيلة والوسيلة إلى العدل والكرامة والتحرر اليوم في بلداننا هي الديمقراطية التي تفضي إلى الحرية ولو منقوصة وهذه بدورها تفضي إلى إندياح الدعوة دون خوف ثم إلى تمكين جزئي ثم كلي وعندها تبدأ دورة جديدة .
أما معركة المصطلحات فرغم أهميتها القصوى ولكن مظانها الحقيقية هي الدراسات المعمقة ولا أظن أن مسلما اليوم سيما من العاملين في حقل الدعوة الاسلامية يفضل مصطلح الديمقراطية على الشورى فضلا عن كونه يعتقد ذلك أصلا ولكن العبرة بالمعاني لا بالمباني وبالمسميات لا بالاسماء كما قال فقهاء القواعد والمقاصد .
والله تعالى أعلم
مهاجر محمد
28-10-2006, 17:42
شيخي الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
قلت :الديمقراطية إذن مطلب واجب شرعا اليوم لان الواجب الذي يليها وهو واجب الحرية لا يتم بغيرها ولان واجب تطبيق الشريعة الاسلامية جمعاء لا يتم بغير الحرية فإن مطلب الحرية واجب .
هل تتفضل علي سيدي الكريم بتوضيح في هذا الكلام الذي أخذ صبغة القانون .وبارك الله فيك على صبرك علي .والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهادي بريك
29-10-2006, 01:23
شكرا لاخي الكريم مهاجر محمد
معنى ذلك هو :
1 ــ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب : قاعدة أصولية من أمثلتها : الصلاة واجبة ولكن الوضوء ليس بواجب فإذا كانت الصلاة من شروطها الطهارة الحسية ترابيا أو مائيا كبرى أو صغرى فإن الوضوء أو الغسل أو التيمم يصبح عندها واجبا : يسمى واجبا لاجل غيره .
2 ــ تطبيق الاسلام من جماعة المسلمين حال التمكن واجب
3 ــ ذلك الواجب لا بد له من توفر شروط معروفة وتقدرها الجماعة في كل ظرف وحال
4 ــ من تلك الشروط القدرة على ذلك التطبيق
5 ــ القدرة هي الحرية فمن لا يقدر على شيء يعني أنه ليس حرا فيه كمن لا يقدر على لمس الماء هو سجين مرضه أو غير ذلك فهو ليس حرا حتى لو كان الذي يعضل عنه حريته شيئا معنويا لا ماديا أو كان لا يملك طرده إلى حين
6 ــ الحرية إذن شرط للعبد المسترق ليسلم ويؤمن وتصح تصرفاته وهي شرط لغيره مطلقا ليزاول أمره حقا وواجبا
7 ــ لم أر قولا أصح في هجرته عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة من كونه هاجر لفسخ حال العجز عن تطبيق الحد الادنى من الاسلام ضمن جماعة وإستبداله بحد أدنى من القدرة على ذلك أي الحرية التي تمكنه من ذلك .
8 ــ الحرية إذن شرط للفرد والجماعة في كل أمر مطلقا وسماها الاسلام عادة نفي الاكراه وهو أبلغ
9 ــ فإذا كان تطبيق الاسلام اليوم عقيدة وخلقا وعبادة وشريعة ومعاملة في أكثر ما يمكن من المستويات وعلى أكثر ما يمكن من الناس الذين يطمحون إلى ذلك من المسلمين .. إذا كان ذلك لايتسنى لهم اليوم إلا بتوسيع دوائر التحرر من كل مظاهر العجز والاكراه المادية والمعنوية والفردية والجماعية .. فإنه يصبح من التفكير الاسلامي الصحيح أن نقول بأن : الحرية شرط للاسلام وهو ما عبر عنه الفقهاء قديما بقولهم : العقل مناط التكليف وكذا بقولهم : قيام النقل بالعقل .
10 ــ خلاصة ذلك هي : تطبيق الاسلام بأكثر وأكبر قدر ممكن فريضة لا خلاف عليها ولكنها تفتقر إلى شرط الحرية أي القدرة وإنتفاء العجز وكل الموانع وصور الاكراه . فتطبيق الاسلام إذن واجب لا يتم إلا بتوفير شرط الحرية فالحرية إذن واجب لانه لا يتم الواجب الاكبر الاصلي إلا به .
11 ــ فهمي لمهمة الصحوة الاسلامية المعاصرة هو : الطريق نحو تطبيق الاسلام نظاما شاملا يمر بالضرورة اليوم وفي كل يوم بتوفير شرط الحرية ولذا يصبح العمل من أجل توفير الحرية جهادا في سبيل الله هو بمثابة حلقة وسطى تفضي إلى التمكن بأقدار تمكن من تطبيق الاسلام فالحرية إذن الحلقة الاولى من الجهاد في سبيل الله وفي سبيل تطبيق الاسلام أما دون ذلك فللشعراء أن يتغنوا بعظمة الاسلام ولكن الاجدى من ذلك أو خلة الايجابية الاسلامية هي : ترك التغني والعمل على توفير الواجب الذي لا يتم الواجب إلا به . ذلك فقه مراتب الاعمال عند إبن القيم عليه الرحمة أو فقه الاولويات كما سماها عدد من الفقهاء المعاصرين ولها في الوحي شواهد أكثر من أن تحصى أما في السيرة فهي مبثوثة بثا عجيبا
الملاحظة الاخيرة :
المقصود من الخطاب دوما مراده ومفهومه أما منطوقه فهو في المحل الثاني فإذا فهم قصد المتكلم فإن الالتفات إلى مصطلحات خطابه أمر ثانوي لا يقدم ولا يؤخر بل كثيرا ما يجلب تشوش سلم مراتب الاعمال بدخول الشيطان على الخط ضيفا ثالثا فيفسد الود وتصرم حبال الاخوة وتسرج نيران الغواية
معنى ذلك أن الناس اليوم إصطلحوا على تسمية الحرية بالديمقراطية فليكن ذلك لان العبرة بالمقاصد والغايات لا بالاسماء والمصطلحات إلا فيما كان موقفا توقيفا شرعيا وهذا قليل جدا حتى أن كلمة الجزية الواردة في القرآن الكريم تنازل عليها الفاروق عليه الرضوان لنصارى تغلب لما طالبوا بإزالتها
أنا أفضل كلمة الحرية على كلمة الديمقراطية ولكن لا أوري حربا في كأس ولا زوبعة في كوب من أجل كلمة كلما كان ذلك ليس فيه مخالفة شرعية صحيحة صريحة معزرة بنص ثابت أجمع العلماء قديما وحديثا عليه ليس فيه أدنى محل للاجتهاد أو كلما كان ذلك يحقق مصلحة لدعوة الاسلام
ذلك هو معنى قولي أن العمل من أجل الحرية أو الديمقراطية اليوم في أوطاننا العربية والاسلامية واجب لا يتم الواجب الاكبر أي تطبيق الاسلام إلا به إذ العبرة بتفصيل المشروع الاسلامي الذي جاء به الكتاب العزيز إلى خطط مرحلية نأخذ بقدر ما نطيق منها تكاملا بين الاجيال حتى يتأسس المشروع كاملا بإذنه سبحانه على يد أجيال قادمة بشر بقدومها المصطفى عليه الصلاةوالسلام أما تأكيد القناعات وتثبيت الثابتات فذلك لا يقدم كثيرا في سلم العمل الدائب الحثيث ذلك مجاله الدعوة العامة مع المرتابين في ذلك أو الكافرين أما مع جمهور الدعوة بكل أصنافهم ومدارسهم وتوجهاتهم فالواجب تفصيل المشروع إلى خطط لان القرآن صالح لكل زمان ومكان وحال وعرف وإنسان فلم يسعفنا بخطة واحدة تصلح لكل زمان ومكان وحال وعرف ولكن أرشدنا إلى معالم المشروع العام وذلك هو معنى قول الفقهاء أنه جاء مجملا في الاعم الاغلب غير مفصل مطلقا غير مقيد عام غير خاص فتلك شامة من شاماته إذا حولناها إلى عيب فيه عبنا أنفسنا وإذا وقفنا حيالها مشدوهين إستبدلتنا الاقدار بمن يكون عمليا حصيفا أريبا يجتهد ويجاهد ضمن حيزات زمانه ومكانه وحاله وعرفه وقدرته مع إخوانه وما عجز عنه يكمله من يليه حتى يفيء الامر إلى أمر كان مفعولا
والله تعالى أعلم
والله موضوع غني ورائع ..شكر الله لشيخنا الفاضل أكرمه الله .
الإسلام والديمقراطية ؛ توأمان أم ضدان؟
[الكاتب: حسن الحسن]
لا بدّ من مناقشة فكرة الديمقراطية وأبعاد تجسيدها في العالم الإسلامي بمنتهى الهدوء والروية وحسن التبصر.
قد يتصور البعض أنّ نقاش فكرة الديمقراطية وتحديد مدى علاقتها بالإسلام، إنما هو جدلٌُ سفسطائي لا طائل منه.
والصحيح أنّ هذا الحكم هو في منتهى السطحية، ذلك أنّ مدار بحث الديمقراطية بات شأناً عالمياً، حيث يروج لها الغرب الذي تهيمن حضارته ونفوذه على العالم، على أنها النموذج الأوحد الذي يصلح للعيش البشري السويّ، ويدعو بالتالي إلى نشره وإرسائه، بل وقد يتدخل بالقوة لفرضه، لا سيّما في العالم الإسلامي.
كما باتت معاييرُ سلامة الوضع الاجتماعي والثقافي والسياسي العام في أيٍ من دول العالم، تعتمد على مدى ترسيخها القيم الديمقراطية، ودلالات صحتها وعافيتها تقاس بمدى تحقق التحول الديمقراطي فيها.
ويفترض الغربُ أنّ العالم الإسلامي سيبقى معرضاً للاهتزاز والاضطراب وانعدام الاستقرار طالما غابت الديمقراطية عنه، وطالما بقي الحكم الشمولي الدكتاتوري مستمراً فيه، مما يجعله في نظرهم بؤرة توترٍ ومصدر قلقٍ دائمٍ لباقي العالم، وأنّ انعتاق المسلمين من أتون الظلم والقهر والتخلف، هو رهنٌ بمدى التقدم الديمقراطي في بلادهم.
ولقوة الدول التي تستند إليها الفكرة الديمقراطية، مضافاً إليها ذلك الوهج الذي حظيت به في العقود الأخيرة، باتت أغلب الفئات الناشطة في الميدان السياسي في العالم الإسلامي، تدّعي الديمقراطية وتدعو لها، بل وتزعم أنّها الهدف الأساسي لها، رغم مناقضتها لها عملياً أو عقائدياً أو كليهما في أغلب الأحيان.
وبهذا تتضح مدى حساسية القضية، إذ أنها تتعلق بفرض رؤية ما ينبغي أن يكون عليه واقع ومستقبل الأمة الإسلامية.
ولهذا كان لا بدّ من مناقشة فكرة الديمقراطية وأبعاد تجسيدها في العالم الإسلامي بمنتهى الهدوء والروية وحسن التبصر.
وتبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لفهم ماهية العلاقة بين الديمقراطية والإسلام، كونه يعتبر العامل الحاسم في تشكيل هوية الأمة التي تعتنقه وتعتبره وحده الصالح لإسباغ الشرعية على أية نظم أو قوانين أو أفكار تنظم شؤون حياتها، وفي حالة عدم شرعية تلك الأفكار والأحكام، فإنّه لن يكتب لها العيش في حضن هذه الأمة حتما، إلا غصبا.
وُلدت الديمقراطية كفكرة زمن الإغريق، وقد تلى ولادتها بعد عدة مئات من السنين قدوم السيد المسيح عليه السلام، ولم تذكر في الإنجيل قطّ، كما قدم النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ليختم الرسالات السماوية بالإسلام، ولم يرد في القرآن الكريم الذي أوحي إليه، أو السنة النبوية التي رويت عنه، نصٌ ما، يحبذ أو يحظر لفظة الديمقراطية.
وعلى الرغم من ترجمةِ كثيرٍ من كتب التاريخ والفلسفة بأنواعها العقائدية والحكمية، فإنّ فكرة الديمقراطية لم تستوقف علماء الإسلام البتة، مع أنهم وقفوا طويلاً أمام أفكار دونها أهمية بكثير، وردت جراء تفاعل الأمة مع غيرها من حضارات وفلسفات الروم والفرس واليونان والهند، وكانت ترجمات كتب وأفكار حكماء اليونان كسقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم قد قتلت بحثاً، وقد ناقشها علماء الإسلام ليبدوا الموقف الشرعي منها.
كما نرى فإن القرآن الكريم لم يأت فيه ذكر الديمقراطية في ٍأية آية من آياته لا تلميحا ولا تصريحا، كما أنها لم ترد في الكتب السماوية الأخرى كالإنجيل وغيره، كذلك فهي لم ترد في العقيدة أو الشريعة ولا حتى في أي من كتب فقهاء المذاهب باختلافها، كما أسقطتها الأمة كذلك طوال تاريخها السياسي والحضاري من أجندتها الثقافية والفكرية والسياسية.
ولم تلق الديمقراطية بثقلها على العالم الإسلامي، فارضة نفسها بقوة فيه، إلا مع احتلال بلاد الإسلام من قبل الفرنسيين والإنكليز، وخضوعها للاستعمار العسكري المباشر ، فضلاً عن الهيمنة السياسية المطلقة، والغزو الفكري والثقافي، وانهيار دولة الخلافة الإسلامية.
إذن فنحن أمام محاكمة لفكرة، ليست هي بهامشيةٍ ولا بجديدةٍ أو طارئةٍ على المسلمين، كما يتوهم بعض من ينتظر فتوى لمجتهدٍ يُعمل فيها نظره، ويطل عليها باجتهادٍ معاصر!
فالديمقراطية – وباتفاق - تعني حكم الشعب، الذي يضع قوانينه وينتخب حكامه على حدٍ سواء.
وهذا هو تماماً ما كان معمولاً به في أثينا مصدر الفكرة قبل 500 سنة من ميلاد المسيح عليه السلام.
وقد أخذت الديمقراطية شكلاً أكثر تنظيماً إبّان الثورة الفرنسية وحصول النهضة الحديثة في أوروبا في القرن الثامن عشر، حيث باتت تشكل وجهة نظر متكاملة في الحياة، تضع تصوراتٍ للمجتمع، وتُنظِّمُ علاقة الإنسان بالدين والدنيا على حدٍّ سواء، ونتيجة لاحتدام الصراع بين الفلاسفة والمفكرين من جهة، ورجال الدين سدنة السلطة الحقيقيين من جهة أخرى، أعادت الديمقراطية الإغريقية تجديد نفسها لتفرض فصل الدين عن الحياة كأساسٍ لها، ولتجعل الشعب هو الحاكم أمام فكرة حكم الله والبابوات الذين يدعون تمثيله، ولتحصر الدّين في أماكن خاصة بالعبادة، كما نتج مقتٌ للدين إثر ذلك الاستغلال البشع له في أوروبا من قبل الحكام، حيث كان يصر رجال الدين على الجمود إلى درجة ينفر منها العقل وتحدّ من التطور والتقدم الذي تفرضه العلوم الحديثة، ممّا شكل حالة تضاد بين الكنيسة ممثلة الدين في أوروبا والعلم الذي أنتجه المفكرون والفلاسفة والمبدعون، وكذلك بين إرادة من يمثل الله على الأرض بعقل معطل وبين حاجة المجتمع إلى عقلٍ مواكب للتطورات المادية والبشرية، مما اضطر المفكرين في تلك الأجواء إلى فرض الإقامة الجبرية على الدين ليمكث في الكنيسة، وجعل الدين يختص بالفسلفات الغيبية، ومعالجة الأمور النفسية والروحية الفردية منها فقط لا غير.
والناظر للإسلام يرى أنّه قد جعل كافة المخلوقات ملكا لله تعالى يتصرف فيها كيفما شاء، قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر}، وقد أخضع الخالق المادة لنظام قسري يسير بموجب قوانين وسنن كونية، قال تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون}، وأوجب على الإنسان اتباع الرسول والتزام رسالته، إلا أنه صنع له إرادة وعقلا يميزانه عن بقية الكائنات، وبهما كان لديه القدرة على الاختيار؛ {إنّا هديناه السبيل إما شاكراً وإمّا كفورا}، وقد اعتبر الله تعالى الإسلام وحده الحق المقبول اتباعه في الحياة؛ {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه}، من ارتبط به نجا ومن تركه هلك؛ {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى}، وجعل منه منهج حياة ونظاما للحكم (إن الحكم إلا لله}، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم}، {وإن اختلفتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول}.
ومن حيث تنظيم المجتمع وطبيعة كيان الدولة، النظام السياسي فيه، فإنّ نظام الحكم في الإسلام يقوم على قواعد أربعة، على رأسها، قاعدة السيادة للشرع والسلطان للأمة، حيث يستمد الإسلام معالجات شؤون البشر التشريعية، في الاقتصاد والاجتماع والسياسة، من مصدرين وحيدين؛ هما القرآن والسنة، إضافة لمجموعة من القواعد والأصول الشرعية المستمدة منهما.
وبهذا يكون الإسلام قد ناقض جوهر الديمقراطية، حيث رفض حق الشعب كله أو أكثريته أو ممثليه بوضع قوانين يتوافقون عليها فيما بينهم دونما اعتبار لدين كالذي تقتضيه وتفرضه الديمقراطية حسب توصيف أهلها لها.
ولا يقال هنا فما عيب الديموقراطية إذا حصل أن الناس اتفقوا على وضع تشريع متوافق مع الوحي؟!
الجواب: إن كان كذلك، فلا داعي لموافقتهم، لكون الشرع قد أصدر حكمه فيه وانتهى، وأما إن كان فيه مناقضة لواحدٍ من الأحكام الشرعية، فيردّ ذلك الرأي لا محالة، وإن صوتت عليه جماهير الناس بالغالبية الساحقة، يقول تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}، ويقول أيضا: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}.
ومن هنا يظهر مدى التباين بين الديمقراطية والإسلام من حيث أصل ما بنيتا عليه، وأن كل ما يجمع بين جوهر الفكرتين وأساسهما إنما هو علاقة تضاد واضحة.
--------------------------------------------------------------------------------
الرجاء الرد و عدم الطرد
سبحان الله من لا يوافقكم تطردوه حسبي الله و نعم الوكيل
الديمقراطية... دين أم سياسة؟!
الحمد لله رب العالمين، الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته وتمسك بسنته الى يوم الدين.
وبعد...
كثر الكلام والجدال حول الديمقراطية وأختلفت الآراء حولها...
بين من عدَّها لا تتناقض مع الدين ودعا الى تطبيقها، وأنها وسيلة حضارية لتحقيق مصالح الدعوة.
وقسماً آخر؛ عدها ديناً متناقضاً ومحاربا لدين الله تعالى، وأعلن كفره بها، وتبرأ منها، لأنه يعدها طاغوتاً جديداً.
قال أبن تيمية رحمه الله: (الأسماء ثلاثة أنواع؛ نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة، ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر، ونوع يعرف حده بالعرف...).
ولما كان لفظ الديمقراطية لم يرد في الشرع، ولا هو مما تعرفه العرب من لغتها، فلا بد لمعرفة معناه وحقيقته من الرجوع الى عرف أهله الذين وضعوه.
إن أصل لفظ الديمقراطية؛ يوناني، وهي دمجً واختصار لكلمتين "ديموس"، وتعني الشعب، و"كراتوس"، وتعني الحكم أو السلطة أوالتشريع، ومعنى هذا أن الترجمة الحرفية للديمقراطية هي "حكم الشعب".
كما يجب علينا معرفة كيف نشأت الديمقراطية وما هي الظروف التي كانت سبباً في ظهورها، وإن نشأة الديمقراطية وما صاحبها من أفكار؛ كانت كرد فعل للطغيان الذي مارسه الملوك ورجال الكنيسة على الناس بإسم الدين، فكفر الناس بهذا الدين الذي كان سبب شقائهم واستعبادهم وأتخذوه وراءهم ظهرياً، وكان أحد شعارات الثورة الفرنسية؛ "أشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس".
فهي في أصل نشأتها تمردٌ على سلطان الله لتعطي السلطان كله للإنسان، ليضع نظام حياته وقوانينه بنفسه دون أي قيود، أي؛ أعطت حق التشريع للأنسان.
فهذا يعني أن المألوه - المعبود المطاع - من جهة التشريع هو الإنسان وليس الله جلَّ ثناؤه، وهذا مغاير ومناقض لأصول الدين والتوحيد، يدل على ذلك قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.
وكذلك الحديث الذي يرويه الأمام أحمد والترمذي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه - كان نصرانياً فأسلم - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ سورة براءة، حتى أتى على هذه الآية {أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله...}، فقلت: يا رسول الله إنّا لم نتخذهم أرباباً؟! قال: (أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل لكم فتحرمونه؟)، فقلت: بلى، قال: (تلك عبادتهم).
قال الآلوسي في تفسير هذه الآية: (الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم، بل المراد انهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم).
الديمقراطية؛ تعني "السيادة للشعب"، أما في الإسلام فالسيادة لله تبارك وتعالى، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (السيد الله تبارك وتعالى) [رواه أبو داود، وإسناده صحيح].
الديمقراطية؛ تعني رد أي نزاع أو اختلاف بين الحاكم والمحكوم إلى الشعب وليس الى الله والرسول، وهذا مناقض لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}.
الديمقراطية؛ تقوم على مبدأ أعتبار وإقرار موقف ورأي الأكثرية - مهما كان نوع هذه الأكثرية، وأيا كان موقفها - سواءٌ وافق موقفها الحق أم لا، فالحق في نظر الديمقراطية والديمقراطيين هو ما تجتمع عليه الأكثرية، ولو أجتمعت على الباطل أو الكفر الصريح، وهذا خلاف ما جاء به الإسلام؛ فالحق ما وافق الكتاب والسنة وإن أجتمعت جماهير الناس خلاف ذلك، فالحكم لله وحده وليس للأكثرية، قال تعالى: {وإن تطع أكثر مَن في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون}.
الديمقراطية؛ تقوم على مبدأ التصويت - على أي شيء ولو كان قواعد الدين وأصوله الثابتة - ولو كان المُصَّوت عليه هو شرع الله سبحانه وتعالى، وهذا مناقض لقوله تعالى: {ما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيَرةُ من أمرهم}.
الديمقراطية؛ تعني في المجال الاجتماعي إطلاق الحريات الشخصية دون قيود، كحرية الكفر وحرية الزنا والعري وشرب الخمر وغيرها، قال تعالى: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً}، وهذا مناقض لما يجب القيام به نحو الكفر والمنكر من تغيير وإنكار، قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فأن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، أي لا مناص من إنكار المنكر وتغييره، ولو في القلب عند حصول العجز عن إنكاره باليد واللسان، أما ان يمتد التعامل مع المنكر الى حد الرضا به أو المطالبة به؛ فهو عين الكفر البواح.
أن الإسلام عندما يرفض "الديمقراطية" فأن له تشريعا خاصا به في باب المشورة، ولا يلغي ضرورة مراجعة أهل الاختصاص في إنفاذ الأمور وتسيير شؤون الدولة، وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه رضي الله عنهم وينزل على رأيهم على الرغم من عصمته وإستغنائه عن آرائهم، ولكنه أراد أن نتأسى به ونتذكر حاجتنا الى المشورة.
مما تقدم يتضح لنا؛ أن الديمقراطية حكمها في دين الله تعالى هو الكفر البواح، فلا يمكن لمسلم أن يدخل فيها أو أن يدعو إليها، فهذا ارتداد عن الدين وخروج من الملة.
والكفار حين لجؤا الى الديمقراطية والى وضع الدساتير فلأنهم ليس لهم دين صحيح أو شريعة مستقيمة يرجعون إليها، وقد ذاقوا الويلات من ديانتهم المحرفة التي يبدل فيها الأحبار والرهبان كما يشاءون، فأصطلح الكفار على وضع كتب تحقق مصالحهم بحسب ما تدركه عقول البشر القاصرة - وهي الدساتير - وصاروا يحتكمون إليها كأنها كتب سماوية.
أما نحن المسلمين فقد أغنانا الله عن ذلك، فشريعتنا مصونة محفوظة من التبديل والتحريف، وشريعتنا كاملة تغني عما عداها، فلماذا نترك كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ونقلد الكفار؟
إن الله سبحانه وتعالى قد أعطانا منهجاً كاملاً لحياتنا في ديننا ودنيانا، ولم يتركنا جل وعلا نطبق هذا المنهج وهذه الشريعة باجتهادنا وعلى أهوائنا، وأنما أعطانا الطريق لإقامة هذا المنهج وإقراره، قال تعالى: {ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديدٌ ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قويٌ عزيزٌ}، وقال تعالى: {وكفى بربك هادياً ونصيراً}.
قال شيخ الإسلام أبن تيمية رحمه الله: (كتابٌ يهدي وسيفٌ ينصر).
فهذا هو الطريق الذي أمرنا به الله سبحانه وتعالى وسار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده، فهم آمنوا بالله وحده وأعلنوا البراءة من جميع الكفار ومعبوديهم، ولم يجاملوا الكافرين أو يداهنوهم، وإنما أمتثلوا أمر الله سبحانه وتعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، وأعلنوا الجهاد ضد كل طواغيت الأرض في سبيل نشر توحيد الله سبحانه وتعالى وإقرار حاكميته في الأرض، ففتحت لهم آفاق الأرض ودانت لهم كل طواغيتها.
ولم يزالوا كذلك يفتحون الأمصار تلو والأمصار، ويجتازون الصحاري والبحار، الى أن تخلت الأمة عمَّا أمرها الله به وتركت الجهاد، فذهبت عزتها وسقطت هيبتهم، وحقَّ عليها قوله صلى الله عليه وسلم: (ما ترك قومٌ الجهاد إلا أذلهم الله).
واقتضت مشيئة الله سبحانه وتعالى أن يمنَّ علينا بعودة روح الجهاد الى الأمة في هذا الوقت، بعد تخاذلٍ وتقاعسٍ دام مدة طويلة من الزمن، فهذا هو الطريق الذي أراده لنا الله سبحانه وتعالى وطبَّقه النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسار عليه أصحابه والتابعون من بعده، وبه تحقق عزة الأمة وتمكينها في الأرض.
فكيف يمكن لمسلم أن يترك طريق محمد صلى الله عليه وسلم ويتبع طريق الكفار ويدخل في الديمقراطية - دين الكفار - ويدعي أنه يستطيع أن يغير من خلالها وأن يحقق أفضل مما يحققه في طريق محمد صلى الله عليه وسلم؟!
فهذا هو واقع حال الذين أتبعوا الكفار ودخلوا في ديمقراطيتهم وتركوا منهج النبي محمد صلى الله عليه وسلم وطريقه الواضح وطعنوا في الجهاد والمجاهدين، فلا ينبغي لمن هذا حاله أن يدعي أنه من المسلمين المؤمنين، فالإسلام وحالٌ هذا وضعه لا يجتمعان في دين الله أبدا.
بقلم؛ اليمان بن عبد الله السلمان
مهاجر محمد
29-10-2006, 14:22
شكرا للشيخ الهادي على ما تفضل به من شرح وأولانا به من دفء
عن الشورى والديمقراطية
[الكاتب: حسن الحسن]
نتناول في هذا البحث؛ علاقة الشورى بالديمقراطية؟ وهل هناك حقاً ثمة تطابق بينهما، تجعل الديمقراطية جزءا من الإسلام أو العكس؟
إنّ واقع الديموقراطية هو حكم الشعب، الذي يقابل حكم الله حتماً، وليس حكم الفرد كما يتصور البعض.
إذ أنّ مصطلح الحكم يأخذ وجهين.
الأول؛ هو التشريع، وهو الذي يمنح من خلاله الناس حق الاستفتاء والتصويت على القوانين مباشرةً أو بإنابتهم عنهم من يقوم لهم بالتشريع لهم.
والثاني؛ هو التنفيذ، وهو ما لا يتصور حصوله من قبل شعبٍ من الشعوب أصلاً، إذ أنّ الذي ينفذ الأحكام ويفصل بين الناس هو جهات مختصة - كالوزراء والقضاة وأجهزة الدولة المختلفة - وهذه الجهات تتأهل لذلك من خلال دراساتٍ أكاديمية ومعرفية وخبرات فنية.
وبهذا كان حكم الشعب في الفلسفة الديموقراطية؛ هو مقابل حكم الله، هذا هو واقعها وهذا هو ما يؤكده السياق التاريخي والإجرائي لها حتى يومنا هذا.
واستناداً إلى ما سبق؛ نجد أنّ الديمقراطية تتناقض مع جوهر الإسلام، الذي يحصر التشريع بالله تعالى، حيث يقول: {إن الحُكمُ إلا لله}، وبذلك لا يكون هناك داعي للاستطراد في بحث بقية الفروع، لأن تباين جذري العقيدتين، الديمقراطية والإسلام، وتضادهما يغنيان عن بحث التفاصيل.
إلا أن إصرار البعض على "دمقرطة الإسلام" وإقحامها فيه، يضطرنا للتعرض لبعض أهم تلك الاعتراضات، بغية إزالة كل لبس يشوب حقيقة المسألة.
وعليه، فقد التبس ارتباط الديمقراطية بالإسلام لدى البعض، من خلال وجود مفهوم الشورى، والذي يعتبر واحداً من الأحكام الشرعية التي تضبط علاقة الحاكم بالأمة.
وبما أن الحكم على الشيء هو فرع عن تصوره، كان لزاماً توضيح واقع الشورى من الجانب الذي يشير إلى شبهة ذلك الارتباط، من غير الغرق في تفاصيل كثيرة ليست ذات صلة وثيقة بالبحث.
فالشورى؛ هي أخذ الرأي، وتكون ملزمة في حالات، وهو ما يهمنا هنا، لأن الديمقراطية تتحدث عن فكرة إخضاع الحاكم لرأي الأمة.
ومن خلال قراءة متفق عليها بين كل من اطلع على الفكر الإسلامي؛ يجد أنه لا شورى في الأحكام الشرعية الأربعة، أي في الواجب والمندوب والمكروه والحرام، ولذلك يبقى أخذ الرأي محصوراً في الدائرة الخامسة، وهي المباح.
كما يؤخذ الرأي من الجهة المتعلق بها، كأصحاب الاختصاص والخبرات فيما هو مرتبط بالأمور العلمية والتقنية والفنية وفي الإدارة والتصميم، وهذا ما فعله النبي الكريم في معركة بدر حيث نزل عند رأي الحباب بن المنذر في ترتيب وضع تمركز الجيش، وعند رأي سلمان الفارسي في حفر الخندق، وهما رجلان فقط، لكنهما من أهل الاختصاص، وقد اكتفى برأييهما دون إجراء مباحثات ومناقشات واسعة في ذلك مع جمهور الصحابة.
كما يكون رأي عامة الناس في بعض القضايا المتعلقة بشأنهم كجماعة ملزما، كحال نزول النبي الكريم عن رأيه الذي يرجحه هو في غزوة أحد، إبان مشاورته لأهل المدينة بقتال قريش خارج المدينة أو داخلها.
كما ترك الإسلام للحاكم تبني ما يراه مناسباً في قضايا كثيرة، وألزم الأمة بطاعته، حتى تشكلت القاعدة الدستورية؛ "رأي الإمام يرفع الخلاف"، و "رأي الإمام نافذ"، استناداً للنصوص الكثيرة المتضافرة، والتي عطفت طاعة ولي أمر المسلمين الشرعي، في طاعة الله، على طاعة الله ورسوله، كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}.
ومن التجني اختصار الديمقراطية بالشورى أو العكس.
فالديمقراطية؛ هي وجهة نظر متكاملة في الحياة، وهي فكرةٌ أساسية عن الحياة، لا تترك شيئا من أمورها إلا وتمنح الإنسان حق إبداء رأيه فيه والتعليق عليه ونقده، فلا قداسة لشيء البتة سوى رغبات الشعب، وتلزم الأكثرية - ولو شكلياً - الحاكم، سواء من خلال استفتاء عام أو بأغلبية برلمانية – نسبية - في كافة القضايا.
فيما تعتبر الشورى؛ حكماً شرعياً فرعياً، لا يحلل ولا يحرم، ولا دور لها البتتة خارج دائرة الإباحة، التي تحكمها تفاصيل سبق وتطرقنا لبعضٍ منها أعلاه.
وخلاصة القول هي...
إن الإسلام يخضع الإنسان لقاعدة "الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع"، وأن بغض الإنسان أو حبه لأمر ما لا يعنيان الشيء الكثير، حيث يقول الله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، وأن إجماع الغالبية العظمى من الناس على أمرٍ ليس مبرراً لقبوله، حيث يقول الله تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}.
أما بالنسبة لحق انتخاب الأمة لحاكم عام لها، ولممثلين ينوبون عنها يتولون شئون محاسبة الحاكم ونصحه وتقويمه وتسديد أداء الدولة وأجهزتها، إنمّا هو حكم شرعيٌ استمد من الشريعة نفسها، وليس من رغبات الناس.
يقول النبي الكريم: (ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه).
ويقول: (لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمّروا عليهم أحدهم).
فقد أناط الشرع سلطة انتخاب الحاكم بالناس أي بالأمة.
كما بين شرعية جواز النيابة وتمثيل الآخرين؛ حيث طلب ذلك النبي الكريم صراحة من وفد المدينة، عندما سألهم أن يخرجوا له منهم اثني عشر نقيبا يكونون كفلاء له على قومهم.
وأما المحاسبة والتقويم؛ فتدخل ضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمن التعاون على البر والتقوى، وهي عبارة عن أحكام شرعية منضبطة بأدلتها المستقاة من الكتاب والسنة، ومحددة بكيفيات وترتيبات معينة.
كما أن النصح والتسديد والتقويم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إنما هي أحكامٌ شرعية منفصلة عن حكم الشورى، وهدفها ضمان أمثل تنفيذ للإسلام وإحسان رعاية شؤون الأمة به، وليس النزول عند رغبة الأكثرية!
يقول النبي الكريم: (مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا فى نصيبنا خرقاَ ولم نؤذِ مَنْ فوقَنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاًَ، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا ونَجَوْا جميعاً).
فمهمة الحاكم المبايع من قبل الأمة وكذلك الممثلين لها؛ هو إبقاء كيان الدولة مسيساً بالشريعة منفذاً لها، على اعتبارها تعلو ولا يعلى عليها، وهي السيد في المجتمع، وأنّ أية رعاية لشؤون الناس ومصالحهم؛ ينبغي ضبطها بما يرشد إليه الإسلام نفسه، ولذلك كانت بيعة الأمة لحاكمها مشروطة بالحكم بكتاب الله وسنة نبيه.
أولا ينسف هذا مفهوم السيادة للأمة، أوليس هذا بالنقيض مما هو عليه النظام الديموقراطي؟!
ولا ينبغي أن ينصرف ذهن القارئ؛ إلى أن هذا يعني ترسيخاً للاستبداد وتكريساً للدكتاتوية في المجتمع الإسلامي، إذ أن الإسلام قد جعل الشرع السيادة للشرع لا للحاكم، وأوجب على الناس الاحتكام إليه، وهو فوق الحاكم والمحكوم وبينهما، وينبغي خضوعهما له سويةً، وكان الحاكم نائباً ووكيلاً عن الأمة في تنفيذ الشرع، وليس سيدا وصيّا على المجتمع أو على الأمة، وكانت صلاحياته منضبطة بمدى ارتباطه بعقد البيعة الشرعي.
وعلى هذا الأساس يفهم قول الخليفة أبو بكر الصديق: (أيها الناس! إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أطعت فأعينوني، وإن عصيت فقوموني... أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم).
وكذلك تنص القاعدة الإسلامية المعروفة على أنه؛ "لا طاعة لمخلوق في معصية الله"، مما يلفت النظر إلى أن موضوع الحاكم الفرد المستبد لا مكان له في المجتمع الإسلامي من حيث نظام الحكم في الإسلام.
اللهم إلا إذا حصل انحراف عن منهج الله، وعندها ينبغي تقويم الخلل بمعالجته وتصويبه، كما هو شأن أي نظام يقع فيه مثل ذلك، ومن هنا جاءت الأحكام الشرعية التي تتناول معالجة كفر الحاكم أو خروجه عن الشريعة، ومتى يخلع من منصبه أو ينخلع، ومتى يعزل من منصبه، أو يخرج عليه لعدم استمرار شروط صحة ولايته.
ولذلك ينبغي اتخاذ الآليات المناسبة وتبني الأساليب والوسائل السليمة التي تحفظ العدل في الأمة، وتمنع الجور من الاستمرار، وتضمن استقرار الإسلام كسيد في المجتمع، وهذا مما يلزم الإبداع فيه، لأن انحراف الحاكم قد يجرف الأمة إلى الهاوية، إن استهانت بحقوقها واستهترت بواجباتها، ولم تتدارك التقصير من جانب الحاكم في رعاية شؤونها بحسب الإسلام، وعليه كان لا بد من الاستفادة من كل المعطيات الحديثة من وسائل وأساليب وتقنيات تضمن الأداء الحسن للحاكم والمحكوم، فيما ينطبق عليه قاعدة؛ "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
ولا يعني هذا إلغاء النظام الإسلامي واستبداله بنظام آخر، بحجة الاستفادة مما توصلت إليه البشرية، فنظام الحكم في الإسلام عبارة عن أحكام شرعية ينبغي الانضباط بها وتجسيدها كما جاءت، والمطلوب هو اتخاذ الخطوات التي تؤدي إلى ذلك لا إلى نقيضه.
كما أنه ينبغي إدراك؛ أن أي نظام سياسي في الدنيا معرضٌ - طالما أن منفذيه هم من البشر - للتعرض لهزات أو لخللٍ ما، سواء لهشاشة محتواه أو لسوء تنفيذه أو لكليهما، بما في ذلك النظام الديمقراطي نفسه - وما أكثر وقوع ذلك فيه - وتكون معالجة ذلك برد الأمور لنصابها والاستفادة من الثغرات التي تقع لإيجاد ما يقلل من تعرض النظام السياسي لمثلها.
وبذلك يتضح أن نظام الحكم في الإسلام؛ هو تلاحم بين الحاكم والمحكوم، لضمان إحسان تطبيق شرع الله ومنهجه، وكون أن الإسلام أجاز انتخاب الحاكم من قبل الأمة مباشرة أو من يمثلها من أهل الحل والعقد، كما هو حاصلٌ في النظام الديمقراطي الرأسمالي أو النظام الاشتراكي الشيوعي، أو حتى في نظام دولة الفاتيكان، حيث يجتمع الكرادلة من أنحاء مختلف العالم لاختيار البابا، فإن ذلك لا يلغي كل تلك الفوارق الشاسعة بين تلك المبادئ والإسلام، ولا يعقل دمجهم سوية بحال لتشابههم في جزئية، فيصبح أحدهما جوهر الآخر رغماً عن أنفه.
كما لا يمكن جعل المبدأ كله يأخذ بحالٍ حكم واحدٍ من أحكامه الفرعية، إذ أن في ذلك تعسفاً في الفكر، وإخراجاً للأشياء عن حقيقة ما هي عليه.
ومن هنا يظهر مدى التباين بين الديمقراطية والشورى من حيث أصل ما بنيتا عليه، أو من حيث دلالاتهما ومعنى الالتزام بهما.
ابن الإسلام
30-10-2006, 23:11
الاخ تونسي لعلك اخي خلطت بين مضمون يحمل ما يحمل من سياسات وبين وسيلة لاختيار السياسات وراجع ما تقول فهذا الكلام يعرفه القاصي والداني ونحن نريد ان نتعلم شيئا جديدا لا يعرفه اطفالنا فالكلام الغير علمي ليس محله هنا وليس بابا للاقناع فهل فهمت لماذا يحذفون كلامك هذا ان كنت مخطئا وان كنت مصيبا فحسبك الله فلم الحزن والتاسف والدخول باكثر من اسم هلا سالت نفسك وشكرا
محمد الدواس
04-03-2007, 19:18
الديمقراطية منهج يدعوا الى التحرر من قبود العادة والدين وهي بمفهوم اخر كما سموه بعض الناس بالحداثة وهو اسم مزيف للعلمنة اي فصل الدين عن الدولة..ومن مفاهيمها وضع مشرع من غير الله وهو الشرك الاكبربحيث تكون هناك سلطتان تشريعية وتنفيذية مما يباعد بينها وبين الدين الاسلامي الذي يركز على وحدانية المشرع وهو الله....