مشاهدة النسخة كاملة : هـل مـن مـدّكــر؟
الهادي بريك
24-06-2006, 11:04
الذكرى الاولى : التفكير فريضة إسلامية
الحمد لله الذي خلق الانسان فعلمه القرآن والبيان وأنزل الميزان. وسبحان الاكرم من علم بالقلم.
اللهم صل وسلم وبارك على النبي الامي رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين .
الذكر مقصد القرآن الاول :
ترددت هذه الكلمة بمشتقاتها أزيد من مائتي مرة في القرآن الكريم .
وتوزعت معانيها ودلالاتها وحقول عملها على ما يناهز عشرين موضعا .
سمى سبحانه كتابه ـ القرآن الكريم ـ ذكرا ووصف ذلك الذكر بنعوت كثيرة.
أورد كلمة الذكر للتذكير بنعمته على عباده سبحانه وللحث على ذكره وذكر إسمه .
وكذا شدد كثيرا على كون ذلك الذكر مقصور على أولي الالباب ومن ينيب .
وأرشد رسوله عليه السلام إلى ذكر طائفة من الانبياء والصالحين .
وكذا شدد كثيرا على كون ذلك الكتاب ـ القرآن الكريم ـ إنما هو للذكرى وهي ذكرى للعالمين والمؤمنين والعابدين تنفعهم جميعا وإعتبر أن الخالصة هي ذكرى الدار أي ذكر الاخرة ومعادها .
جعل في القرآن الكريم للانسان سيما إذا آمن ذكره أي مجده الذي يخلد أثره .
وأثنى على من يذكر آلاء الله وأيامه . ودعا إلى ذكره كثيرا من النساء والرجال .
وربما تكون الزهراوان مع الانعام ـ سورة التوحيد الكبرى ـ أكثر السور حواية للذكر الذي نبذه المغضوب عليهم في الزهراء الاولى ولحن فيه الضالون في أختها فكان إكسير حياة الموحدين في خامس الطوال .
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ؟
وردت في سورة القمر بتلك الصيغة مرة بعد عرض سريع لقصة نوح وثانية عقب قصة عاد وثالثة بعد قصة ثمود ورابعة بعد قصة قوم لوط ولم يعقب بذلك بعد قصة فرعون في ذات السياق والسورة . وتساءل عن المدكر في ذات السورة مرة بعد أول قصة فيها : قصة نوح وثانية في آخر السورة وهو يخاطب الناس يوم النزول .
تستهل سورة القمر بآية إنشقاق القمر على عهده عليه السلام آية تبكت المكذبين شهدوها بأم أعينهم ودلت عليها اليوم إكتشافات رواد الفضاء الصاعدين إلى القمر بعدما عاينوا ذلك بأم أعينهم حزاما غليظا محيطا بالقمر كأنما يردم أخدودا مشقوقا .
إستهلت السورة بذلك ولم تعد إليه بعد ذلك لا في هذه السورة ولا في القرآن بأسره .
ولكن ظل التركيز على كون القرآن ميسر للذكر . معلوم أن الاقوام المذكورة هنا بسبب إعراضهم عن الذكر تعرضوا لابادة شاملة : قوم نوح بالطوفان وعاد بريح صرصر عاتية وثمود بالصيحة وقوم لوط بالحاصب وفرعون بالغرق .
مواد الاهلاك هي : الماء منبجسا من أسفل ومن أعلى والريح تصرصر وتحصب والصيحة . وسبب الاهلاك دوما هو : التكذيب المقرون بالعدوان على الانسان .
أكفاركم خير من أولئكم ؟
تختم السورة برسم القاعدة العامة التي لا تتخلف : العدل الذي به جوزي التكذيب قديما جدا بتسليط قوى الطبيعة من ماء وريح على المكذبين هو ذاته الذي يحكم بين الناس دوما قسطاسا مستقيما . القاعدة على حالها و الماء والريح باقيان لا ينفدان . وفي ذات سياق المساواة بين المكذبين بسطا للعدل بين الناس دوما ينتقل فجأة إلى الحديث عن قريش وأول معركة فرقان ويبشر دون مقدمات " سيهزم الجمع ويولون الدبر" وتتحقق القاعدة " أكفاركم خير من أولئكم ". سورة مدمدمة نبرتها عسكرية موسيقاها لم تتخلف الراء المفخمة عن آية واحدة من أياتها الخمسة والخمسين ولم تذكر النعيم سوى في الاية قبل الاخيرة بكلمتين ليس أكثر . تردد فيها العذاب بصيغة التهديد ست مرات دون النذير والسعير والنكير والدبير والمرير والسقير والنحيس والطميس والنزيع ودون النعوت المقذعة فمن جراد منتشر إلى نخل منقعر ومن كذاب أشر إلى الهشيم المحتظر ودون الاقتصار على إسم المليك المقتدر والعزيز المقتدر وهو يخاطب المتقين والمكذبين سواء بسواء فلا أثر للرحمة هنا وكأنه سبحانه لم يغضب بمثل غضبه هنا . كيف لا والتكذيب لا يطامن من غلوائه لا إنشقاق قمر تبصره مقلهم ولا مصير أقوام كذبت وعدت فعذبت عاجلا وآجلا .
الذكر هو الفكر وهو فريضة الانسان وهو ميسر في القرآن مبثوث في الميزان :
ذكر الشيء أو الامر أي حصله في فلك عقله ودائرة فكره . قال عنترة لعبلة : ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني فالذكر فعل الجنان ـ القلب ـ قد يلتقطه اللسان أو يهمله لحاجة وضده الغفلة أو النسيان بقصد أو بغير قصد ويعتمد ذكر الشيء على صلة القلب بالمذكور حياة وموتا وعلى مدى إتساع دائرة الذاكرة .
الذكر إذن هو الفكر بوجه ما أي نتاج الفكر وهو التفكير وهو فريضة إسلامية كما قال الاديب الاسلامي الكبير المرحوم العقاد في كتاب يحمل ذات العنوان.
ولو لم يكن ذلك كذلك لما تردد الذكر في القرآن بذلك الكم الهائل ولما رهنه بأولي الالباب وأناط به العلم والايمان والاستقامة وسعادة الدارين وطلبه بكثرة من الرجال والنساء ووصف به القرآن وإعتبر ضده أي الغفلة موت شقي آخره عذاب دني .
فهل من مدكر : أصلها : إما فهل من متذكر حذفت التاء أولا للتخفيف و المخرج واحد أو يكاد ثم خففت الذال دالا لذات السبب وإما فهل من مذكر من إذكر تخفيفا للذال " وإدكر بعد أمة " أي تذكر وصية يوسف السجين بعد حقبة . تذكر وإذكر : فعل ثلاثي مزيد أصله ذكر على وزن تفعل وإفتعل أي بالغ في الذكر وقصده قصدا وقام به بنفسه لنفسه والمبالغة بالالتقاط إبتداء ثم بالملازمة طردا للغفلة . وأصل التذكر أولى من الاذكار ـ الادكار ـ لما في الاول من تمهل وتأن وما في الثاني من بغتة وفجأة .
يقتضي السياق إما أن يقول " فهل من ذاكر " نسبة لاسم الفاعل من الذكر الميسر أو أن يقول " ولقد يسرنا القرآن للتذكر أو للاذكارـ الادكارـ" مصدر المدكر سواء تذكر أو إذكر ـ إدكر ـ ". ولكنه تحول عن مقتضى الصيغة بسبب كون وظيفة القرآن الكريم هي التذكير فحسب فهو حقل ذكر لمن ذكره أما وظيفة ذاكره فهي التذكر أو الاذكار ـ الادكار ـ . وليس ذلك خاصا بالقرآن الكريم حيال الانسان بل بكل مشهد يعرض له سمعا أو بصرا أو فؤادا . أدوات العلم تلك في الانسان إما أن تتذكر أو تذكر ـ تدكر ـ عند كل مشهد ـ والاذن قد تعشق قبل العين أحيانا ـ وإما أن تهمل ما حملته تلك المشاهد من ذكر . لا يستوي من ذكر القرآن ومشاهده بمن تذكر فيه وظل يذكرها ـ يدكرها ـ . حقل الذكر ينفع المتذكر والمذكرـ المدكرـ كثيرا ولا ينفع الذاكر إلا قليلا .
كيف كان القرآن ميسرا للذكر؟
هو ميسر لذلك بلغته العربية المتاحة لكل متعلم وكل من تكلم العربية هو عربي قح .
وهو ميسر لذلك بفصاحة العربية وبلاغتها وبيانها حتى الاعجاز دون غيرها .
وهو ميسر لذلك لسلاسة أسلوبه كلمة وتركيبا فلا يكاد يحتاج لمفسر سيما في أمه.
وهو ميسر لذلك لتعهده سبحانه بحفظه حرفا حرفا وكلمة كلمة ومعنى معنى .
وهو ميسر لذلك لجمعه بين القصة التاريخية الصحيحة وبين المنطق العقلي السليم .
وهو ميسر لذلك لجمعه بين الغيب المعلل خال من الطلاسم وبين الشهادة الملموسة .
وهو ميسر لذلك لانه يحيل في كل سورة على الكتاب الكوني المبسوط شاهدا عليه .
وهو ميسر لذلك لانه يعتمد على ما تبثه معالم الكون البارزة من حب إطلاع فطري من لدن الانسان الملتقط لها بسمعه وبصره وفؤاده فينشأ السؤال وينشأ جوابه .
وهو ميسر لذلك لان القرآن الكريم إما عرض لكون حقلا للتجربة أو لقصة حقلا للاعتبار أو لازورار نفس وقشعريرة قلب حقلا لمواكبة فطرة .
طموح المحاولة :
أطمح إلى تناول موضع واحد من كل سورة أفحصه بعقل المدكر وفكر المتدبر ونظر المعتبر وعلم المبصر لعل ذكري في كتاب ميسر للذكر يجعلني من الذين قالت فيهم سورة التوحيد الكبرى " إنما يستجيب الذين يسمعون " أو أهجم على الفريضة الغائبة : فريضة التفكير فأكون ممن إتعظ بقوله " قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ".
فهل من مدكر وهل من قائم معي مثنى نتفكر ؟
الهادي بريك ــ ألمانيا
أم تسنيم
24-06-2006, 13:44
كلنا معكم يا شيخنا
وكلّ بما فتح الله عليه
أحسن الله ووفقك وجميع المسلمين
كلنا معكم يا شيخنا
وكلّ بما فتح الله عليه
أحسن الله ووفقك وجميع المسلمين
الحبيب لعماري
24-06-2006, 18:37
هل من مدكر وهل من قائم معي مثنى نتفكر ؟
كلنا معكم يا شيخنا
وكلّ بما فتح الله عليه
الهادي بريك
26-06-2006, 02:11
هل من مدكــــر ؟
الذكرى الثانية : القانون الاساسي للانسان
إذا أقبل عليك رجل أو أقبلت عليه يبرق لك محياه لاول وهلة بهويته النفسية سوى أنك تحتاج لحدس أو قيافة لادراك ذلك ذلك أن الوجه هو مجمع المحاسن بدنيا ولذلك أبيح للخاطب تصفح تضاريسه إذ كل ما يليه من جنسه دون غبن وهو مجمع المشاعر كذلك فالحياء ينبت فيه وكذا الطمع الهالع والجبن الخالع والشهامة والمروءة والكرم ... يبرق لك المحيا بكل ذلك دون أن ينبس صاحبه ببنت شفة وبنت الشفة ليست سوى رسول أمين سرعان ما تعزرها " سيماهم " أو يفضحها " لحن القول ".
تلك هي منزلة فاتحة كتاب الانسان :
أي المثاني السبع التي يذكرها الانسان في صلاته كل أربع ساعات ونيف على مدار الحياة .
تنبع العلاقة بين فاتحة الكتاب وفاتحة الانسان ـ محياه ـ من وحدة المصدرية الكونية مطلقا .
فاتحة الكتاب : القانون الاساسي العام للانسان . :
لا يختلف القرآن الكريم عن ذلك في الوثائق الاولية المؤسسة للكيانات المعنوية من مثل الشركات والدول وغير ذلك . تلك أهداب أصول عامة مرعية مما تعلم الانسان من المنهج القرآني .
فاتحة الكتاب : سورة قصيرة جدا ترسم الرسالة العامة للكتاب بأسره أو هي القانون الاساسي العام لحياة الانسان . لا يند عن ذلك سوى إنسان يهذي بقوله : لست مخلوقا أو خلقت نفسي أو جئت صدفة أو غير ذلك مما يربأ بنفسه عنه كل عاقل . ولذلك لم ينكر عتاة المشركين زمن التنزيل ربوبيته سبحانه إنما كان الخلاف معهم في القبول بألوهيته : ليس من حيث المبدأ بل من حيث خلوصها له دون شفيع أو شريك دونه قطعا " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ".
كل قانون أساسي عام يحتاج إلى توضيح منزلة كل ركن من أركانه :
كذلك فعلت الفاتحة . بدأت بالصانع المالك فعرفت منزلته وقالت عنه " الله رب العالمين الرحمان الرحيم مالك يوم الدين " . ثم ثنت بمنزلة المصنوع المملوك وبطبيعة رسالته فقالت عنه " إياك نعبد وإياك نستعين" ثم ختمت بالادب اللازم بين الصانع ومصنوعه والمالك ومملوكه أو الخالق ومخلوقه وهو أدب الذلة بالضراعة ولكنها ضراعة تحمل رسالة أخرى يأتي الحديث عنها في إبانه بإذنه.
وتلك هي الاثلاث الثلاث التي تحدث عنها الحديث النبوي الصحيح ـ حديث قدسي ـ يقسم فيها الفاتحة ـ الدستور الاعلى للانسان ـ بين الصانع وبين مصنوعه . إذا أدى المملوك رسالة " إياك نعبد وإياك نستعين " لمالكه " الله رب العالمين الرحمان الرحيم مالك يوم الدين " ألهمه لطف الضراعة " إهدنا الصراط المستقيم .." وغذاه ـ دون تضعيف الذال ـ بنعمة الاستجابة .
تفصيل بعض أركان ذلك القانون الاساسي العام للانسان :
1 ــ الركن الاول : المالك سبحانه يعرف بنفسه : ويقصر ذلك سبحانه هنا على ما يلي :
ـــ التعريف بإسمه العلم " الله " الذي سيملأ القرآن الكريم بعد ذلك بأسره بمعدل مرة كل آيتين أي 2697 من 6236 آية . وهو الاسم العلم الذي إفتتح به أعظم آية آية الكرسي وهو الذي تصدر أطول عرض لاسمائه وصفاته في القرآن الكريم بأسره في سورة الحشر .
ـــ التعريف بأعظم صفاته في المراحل الثلاث الكبرى التي يمر بها المملوك : فهو رب العالمين قبل أن يخلق المملوك يرب كل موجود لولاه ما وجد ولا عاش وهو مالك يوم الدين يوم يكون المملوك في أشد الحاجة إليه وبين ربوبيته للعالمين وملكه ليوم الدين يكون هو الرحمان الرحيم.
توسطت رحمته هنا لتتوزع على كل مراحل الانسان ولتشمل الانسان مربوبا في حياته وموقوفا بين يدي الحساب يوم الدين . ولم يورد من أسمائه وصفاته التي تناهز مائة بل أكثر من ذلك بكثير سوى صفة الرحمة بأبلغ صيغة للمبالغة على وزن فعلان . فهو رب للعالمين وهو رحمان للعالمين قبل يوم الدين وفي يوم الدين . هل يقنط من رحمته بعد ذلك مخلوق أو ييأس مسرف ؟ لذلك قال العلماء بأن أعظم ذنب هو اليأس من رحمة الرحمان أو القنوط من فضل الديان.
ـــ عرض سريع موجز للعقيدة الاسلامية : مبنى العقيدة الاسلامية هو الايمان بالغيب أما الايمان بالشهادة من مثل الرسل والكتب فلا يجادل فيه سوى البله . أركان العقيدة ست أسها ثلاث هي الالوهية والنبوة والبعث . الغيب في هذه هي الايمان بالله وبالبعث . وذلك هو لب العقيدة الذي عرضه القانون الاساسي للانسان في ذلك الموجز الاخباري السريع في أثناء تعريف المالك بنفسه بين يدي مملوكه . كانت المعركة مع المشركين عقديا حول البعث أساسا ومن آمن بقدرة الله على إحياء الموتى فيسير عليه أن يؤمن بكل ما يطلب منه بعد ذلك . لذلك كان البعث محورا مستقلا من المحاور الخمسة التي إهتم بها القرآن الكريم قصة ومثلا وعرضا كونيا .
2 ــ الركن الثاني : رسالة المملوك مختصرة في كلمتين إثنتين لا ثالث لهما :
ـــ إفراد المالك بالعبادة : " إياك نعبد " ـ قدم المفعول هنا لابرازه وهذه الصيغة لا نظير لها في لغة العرب التي إختارها الوحي قصرا وحصرا للعبادة أن يشوبها عشر معشار ذرة من حبة خردل من شرك .
ـــ وردت العبادة بصيغة المضارع لتدل على صلاحيتها لكل إنسان وزمان ومكان وحال أبدا فهي دائمة مستمرة لا تنقطع بإنقطاع ماض ولا يئدها مستقبل مهما بدا متطورا متغيرا .
ـــ وردت بصيغة الجمع ليعبر كل إنسان عن نفسه وعن كل مخلوق لرب العالمين ربه فهو يعبد مالكه كرها كالملك والحجر والشجر " وإن من شيء إلا يسبح بحمده " أو طوعا كالانسان وبذا هو مفضل حتى على الملك المسبح لا يفتر . صيغة الجمع في العبادة المقصورة عليه المحصورة فيه سبحانه تعني أن العبادة من العابد لا تصلح سوى في جماعة حتى لو كانت صلاة سرية في قعر بيت مظلم تحت جنح ليل دامس . جماعة في السر والعلن في الخلوة والملأ.
ـــ إفراد المالك بالاستعانة " إياك نستعين " ـ ينسحب عليها ما ينسحب على ما سبقها من إبراز المفعول بتقديمه وصيغ المضارع والجمع والحصر والقصر . ثم تفيد بأن الحياة كلها له وحده سبحانه والانسان لا بد له من عمل قبل العبادة وبعد العبادة ولا بد من قوة عليها يتوكل وبها يستعين ويستغيث ويسأل وتلك القوة هي ذاتها التي حصر العبادة فيها وقصرها عليها : هي الله رب العالمين الرحمان الرحيم مالك يوم الدين . إياك نستعين تعني : أن العمل بعد العبادة مطلوب وهي شيء غير العبادة ولو لم يكن ذلك كذلك لما كانت حاجة لواو المغايرة كما تعني أن العمل يتطلب عونا نفسيا يحتاج إليه كل عامل ولا يمد بتلك القوة النفسية سواه سبحانه كما تعني أن الانسان لا يمكن شقه نصفين شطر للعبادة يقصرها على ربه وشطر للعمل يستعين فيه بغيره . إياك نستعين بعد إياك نعبد هزيمة فادحة لنظريات فصل الدين عن الدنيا ـ العلمانية المغلظة ـ أو فصله عن الحياة السياسية ـ العلمانية المخففة . هي هزيمة لكل فصل داخل الانسان لجانب عن جانب . إياك نستعين : هزيمة للتواكل والقعود والعجز بإسم العبادة .
ـــ إياك نستعين : لم تحدد حقل الاستعانة ولا مجالها بل أرسلتها لتشمل كل عمل أبدا .
3 ــ الركن الثالث : لون القانون الاساسي هو لون العبودية وطبيعته التميز والوسطية .
ـــ أم العلاقة بين الله والانسان في هذا القانون الاساسي هي : علاقة مالك بمملوك وصانع بمصنوع وخالق بمخلوق وذلك يفضي إلى كون العلاقة هي علاقة عابد بمعبود .
ـــ يتضح ذلك من كون أول كلمة في القانون الاساسي هي كلمة الحمد وهي تختلف عن الشكر في كونها توجه في حالي الرضا والغضب والفقر والغنى والمحمود والمكروه . قال العلماء بأن التوحيد ـ لب العقيدة ـ لا يكون حتى يخالجه الحب ولا وجود لشيء تجمع فيه حبك وخوفك سوى مالكك وخالقك وولي نعمتك وصانعك . والحمد لغة أبلغ وأعمق من الشكر .
ـــ كما يتضح ذلك من كون ذلك القانون الاساسي كما إبتدأ بالحمد ـ لب العبودية ـ إختتم بمخ العبادة أي الدعاء والضراعة " إهدنا الصراط المستقيم ...". فلون القانون الاساسي إذن هو لون العبودية حمدا في البداية ودعاء في الختام وبينهما عبادة وإستعانة جماعية دائمة له وبه وحده .
ـــ الجماعة سر هذا الدين حتى في الدعاء السري بين العبد وربه " إهدنا " إذ لا يمكن الدين الانسان من فرصة واحدة ليدعو لنفسه متجاهلا أخاه حتى في الدعاء للهداية .
ـــ الهداية هنا لا تكون لشيء أو إليه فلا تحتاج لحرف تعدية ووصل أبدا بل تكون مندمجة في ذلك الشيء وذاك الامر حتى لكانها هي هو وهو هي . قال في موضع آخر " وهدوا إلى الطيب من القول " أما هنا أي الصراط المستقيم فلا ندعو بالهداية له أو إليه ولكن بالهداية فيه حتى نندمج فيه ويندمج فينا فلا ينفصل بعضنا عن بعض .
ـــ لا وجود سوى لصراط مستقيم أحد ولذلك إستغرقت معرفة فهو علم معلم .
ـــ رغم الحمد والدعاء والعبادة والاستعانة وسائر مظاهر لون العبودية فإن هداية الصراط المستقيم تبقى " نعمة " من المالك على المملوك لم يصل إليها بحمده ولا بدعائه ولا بهدايته ولا بعبادته ولا بإستعانته . " حتى أنت يا رسول الله ؟ أجل حتى أنا إلا أن يتغمدني برحمة منه ".
ـــ كل ما في ذلك الصراط مغلظ مفخم ضخم كبير مستعل . لم ؟ لانه معلوم معروف مشهور لا يخطئه فؤاد فليس هو شعرة أو أدق لا تتسع سوى لعابر واحد . لانه واسع شاسع رحب فسيح يكدح فيه الانسان مليارات ممليرة في ذات الوقت أو على أجيال ويتسع لهم جميعا رحمة منه .
لانه ثابت صلب متين يعبر بحمولة الدنيا بإنسها وجنها إلى يوم الدين ولا تعتوره المعاور. لانه واحد لا نظير له فلا يشتبه على سالك . لانه مستقيم لا تلتوي فيه الالسنة وتتلعثم الاهواء .
القانون الاساسي يحدد أكبر صفتين لامة توحيد العبادة وإخلاص الاستعانة : التميز والوسطية :
ـــ التميز عن أكبر طائفتين لازمتا أمة التوحيد : طائفة المغضوب عليهم أي اليهود وطائفة الضالين أي النصارى . بدأ بالمغضوب عليهم لانهم أشد عداوة " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ". وسبب الغضب عليهم : معرفتهم الحق والالتفاف عليه حيلة .
بدأ بالمغضوب عليهم لانه سيخصص لهم أول وأعظم وأطول سورة ـ البقرة ـ بالكلية تقريبا وسماها بإسم واقعة شنيعة إختيرت رمزا لتحيلهم وكذبهم بعد معرفة المحجة البيضاء . ثم ثنى بالنصارى لانهم أدنى منزلة " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ..." وسبب ضلالهم : نقص في عقولهم التي أراد الله ترقيتها بتنويع أساليب الخلق فظنت لقصورها الشنيع أن ذلك قداسة بالمخلوق وليس عظمة بالخالق . خلق لهم آدم من غير ذكر ولا أنثى ثم خلق لهم حواء من ذكر دون أنثى ثم لما خلق لهم عيسى عليه السلام من أنثى دون ذكر ظنوا لعجز فادح في عقولهم بأن قداسة ما حلت بعيسى وأمه عليهما السلام فعبدوهما . ضلوا إذن بسبب نقص فادح في عقولهم وما أرادوا الضلال ولكن وقعوا فيه فهم أدنى مرتبة في الكفر.
ثنى بهم لان ثاني أعظم وأطول سورة ـ ثاني الزهراوين ـ ستخصص لهم .
ـــ الوسطية : أصل وسطية الاسلام وأمة الاسلام هو الاختلاف عن المغضوب عليهم وعن الضالين لان أصل الوسطية هي وسطية الاعتقاد قبل السلوك . ولن نتحدث عن هذا الان.
ـــ لم يقل " غير صراط المغضوب عليهم ... " . لان الصراط بخصائصه المثبتة أعلاه واحد لا ينطبق على هؤلاء ولا أولئك . وذلك رغم أن السياق يقتضيه فهو مفهوم غير منطوق . وما يسيرون عليه ليس صراطا بله مستقيما بل من قبيل " ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله". والسبيل أدنى من الصراط مبنى لغويا ومعنى عرفيا وشرعيا .
ـــ لم يحصر المغضوب عليهم في اليهود ولا الضالين في النصارى رغم صحة النقل بذلك حتى يغضب على كل من عرف الحق بعقله فآثر هواه ومصلحته عليه ويضل كل من تنكب هاديات عقله وأشقى الاشقياء من يضله عقله وهو يحسب أنه يهديه " ولكن تعمى القلوب التي في الصدور". وكم من " مسلم " هواه هوى المغضوب عليهم وعقله عقل الضالين قصورا .
فاتحة الكتاب قانون أساسي عام للانسان يحوي أصولا : تعريف بالمالك لئلا يجهله مملوك فيناله سخطه وتحديد لطبيعة العمل و العلاقة بين المالك والمملوك وتمييز لذلك العمل عن أعمال أخرى في أمم أخرى . تلك السبع المثاني نزلت مع القرآن " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم " مرتين واحدة في مكة والاخرى في المدينة . أودعت فيها البركة فشفى بها سبحانه لديغا وأشبع بها بطونا خميصة . كل ما يتلوها من القرآن الكريم ليس سوى تفصيلا لكلياتها في العقيدة والعبادة والعمل والتميز .
فهل من مدكر وهل من قائم معي مثنى نتفكر؟
الهادي بريك ــ ألمانيا
الهادي بريك
28-06-2006, 16:54
هـــل مـــن مـــــــــــــــدكر؟
الذكرى الثالثة : بقرة تهزم الاسرائيليين .
سورة البقرة : أول وأطول وأعظم سورة إختصت بأعظم آية ـ الكرسي ـ وأطول آية ـ الدين ـ وأطول آيات في الاحكام وفي الانفاق وفي الدعاء وظفرت بالاسماء مالم تظفر به حتى أختها الزهراء ـ آل عمران ـ فهي التي لا تستطيعها البطلة ـ السحرة ـ وهي طاردة الشيطان من بيت تتلى فيه وهي سنام القرآن الكريم ـ ذروته ـ وهي إلى جانب آل عمران تشفع لصاحبها يوم القيامة. وهي أكثر وأطول سورة إهتمت ببني إسرائيل : المغضوب عليهم أما الضالين فلهم آل عمران . وخصائص أخرى كثيرة يضيق عنها المجال هنا .
قصة البقرة : رسالة " البقرة ".:
أسماء السور توقيفية ـ أي وحي يوحى ـ . هزمت قصة البقرة الاسرائيليين في أكثر ما يفتخر به الاسرائيليون :
1 ــ القدرة العجيبة على الالتواء والالتفاف والخديعة بقصد المكر والكيد والحيلة :
بدأت القصة حين قتلوا نفسا بريئة بغير حق فلما داهمهم القصاص جزاء وفاقا إلتجؤوا إلى مخزوناتهم العجيبة في الالتواء والكذب تفصيا من الجريمة وتلبيسا للحق فيها بالباطل . عندها تدخل وحي السماء ليفضحهم في عقر دارهم شر فضيحة فأمرهم بذبح بقرة والظاهر أنه لم يطلعهم على سر علاقة البقرة المطلوب ذبحها بالكشف عن القاتل .
جاءهم الامر بذبح البقرة بكلمة الامر لحما ودما ضمن جملة إسمية مؤكدة مبتدؤها الله سبحانه والمطلوب فعله جلي صريح بلفظي الذبح والبقرة . أول تعليق لهم على ذلك الوضوح التام كان قمة في سوء الادب مع نبيهم عليه السلام " أتتخذنا هزوا". ثم ظلوا يتحيلون مرة بعد مرة للتفصي من تنفيذ الامر فطالبوا ببيان ماهية البقرة وبصيغة فيها السخرية المقذعة " أدع لنا ربك " فهو ربه هو وحده دونهم هم وكأنه لا يسمعهم ولا يراهم . فكان الجزاء من جنس العمل : صيغة يحتاج اللسان لمرونة كافية لحسن نطقها " قال إنه يقول إنها .." وتكررت الصيغة ثلاث مرات بقدر عدد إلتواءاتهم . أما معنى فكان الجزاء في كل مرة تشديدا فوق التشديد الذي فرضوه على أنفسهم . التشديد الاول : ركز على سنها فلا هي فارض ولا بكر وظل في كل مرة يذكرهم بأن المطلوب ذبحه " بقرة " ــ " قال إنه يقول إنها بقرة ..". التشديد الثاني : ركز بناء على طلبهم على لونها فهي صفراء فاقع لونها . هل رأى واحد منكم يوما بقرة صفراء فاقع لونها ؟ التشديد الثالث : ركز بناء على عودهم مرة أخرى إلى ماهية البقرة على طبيعتها فضيق عليهم تضييقا يتناسب مع تماديهم في التلاعب وإشترط بقرة " لا ذلول " وفي ذات الوقت " تثير الارض ولا تسقي الحرث " . جزاء وفاقا على كذبهم في قولهم " تشابه البقر علينا " حتى لكأن كل الدنيا بقرا أصفر فاقعا يسر الناظرين عوانا لا فارضا ولا بكرا . من شأن البقرة الذلول أن تثير الارض وتسقي الحرث فأنى لهم ببقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث ؟ وللمفسرين أقوال كثيرة في ذلك لا نحصيها هنا إذ المقصد القاصد هنا هو : التحذير من التشدد في الامر الالهي . ومن ذلك إشتراطه شرطا في البقر لا وجود له " لا شية فيها " أي لا بقعة فيها من غير لونها الاصفر.
ولما لم يجدوا فكاكا من الامر الذي ظل يتابعهم ويشدد عليهم بقدر تشديدهم على أنفسهم إبتغاء التفصي والخديعة ذبحوا البقرة " وما كادوا يفعلون ". متظاهرين بأنهم لم يعوا الحق من الامر سوى بعد كل ذلك العناء المرير الذي يحتاج فيه حافظ القرآن الكريم إلى تركيز وعيه وتثبيت لسانه فما بالك بالانفس الاسرائيلية ـ يومها وغدها ـ وهي تلتوي إلتواء الحية الرقطاء لا تثبت على حال حتى تنشب أنيابها السامة في ضحيتها فلا يظفر بها بعد ذلك ظافر لقتلها لسرعة إختفائها في أمواج سوداء عاتية من الحيل والمعاذير .
2 ــ القدرة العجيبة على الاستخفاف بالنفس الانسانية ورمي الابرياء بالباطل:
قدم السياق القرآني قصة موسى عليه السلام مع الاسرائيليين في نقل أساليبهم المملوءة نفاقا حيال ولي نعمتهم سبحانه الذي أنقذهم من الاستبداد الفرعوني الهاماني سياسيا والمالي قارونيا .. قدم ذلك على قصة القتل ذاتها رغم أنها هي المقصودة هنا وذلك في رسالة إلينا مؤداها : إذا كان الاسرائيليون كذلك يصنعون مع ولي النعمة الخالق الباري ونبيه المنقذ الحاني فكيف يكون مستوى النفاق والكيد ضد من دون الله ورسوله ؟
توحي كلمة " إدارأتم فيها " بأن الاسرائيليين أول ما يعمدون عندما ينكشف أمرهم الخبيث في العدوان على الانفس البريئة إلى البحث عن كبش فداء يلبسون به التهمة ثم يحشدون ضده ما إستطاعوا من الحيل والكذب والخداع فإن عجزوا عن ذلك إلتفت كل واحد منهم إلى نفسه ليبرئها ويبحث عن كبش فداء من داخل القطيع وذلك مصداق قوله " تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ".
من عادة بعض العرب قديما من مثل السموأل الذي عرف بوفائه كماعرف الطائي بكرمه أن يتحملوا مسؤولياتهم كاملة في النوائب حتى إن الواحد منهم يستأذن ولي قتيله لمدة يقضي فيها أرب أهله قد تصل إلى أسابيع وشهور فيوذن له ويفي بوعده مسرعا لحتفه ولو عزم على الاختفاء في صحراء شاسعة ممتدة لا يلقى فيها إنسي إنسيا على مدى سنوات لعاش آمنا مطمئنا.
ولذلك بالذات إختارت الرسالة الخاتمة أسلم الناس فطرة على شركهم وأبعدهم عن النفاق على كفرهم فلما بعث فيهم إبن أخيهم عليه الصلاة والسلام ظلوا حياله فريقان لا ثالث لهم : مؤمن به أو كافر وظل الكافر به فريقان لا ثالث لهما : مسالم لا يغدر ولا يخدع ومحارب وفي شهم لا يشهر سيفه على من لا سيف له . لا بل محارب بالنهار مستأمنا بالليل عند عدوه سرا على أهله وولده كرائم ودائعه ونفائس ملكه . ولذلك كان المشرك جنديا في الدعوة بأجر الدنيا كدليل رحلة الهجرة . ماذا لو كان قائد الرحلة يومها إسرائيليا ؟ يبيت الغدر ويقبض الثمن .
لذلك بالذات لم يكن بد من إستئمان السماء لرسالة عنوانها الوفاء دون نفاق ولا كذب ولا غدر ولا خيانة .. بأيدي الاوفياء على كفرهم وشركهم وسحبها من الايدي الغادرة الكاذبة المنافقة .
خلتا الكذب والعدوان تورثان قسوة القلب فلا إيمان ولا إصلاح بل فساد وإفساد :
عندما شدد الاسلام على كون الانسان الكذاب لا يرجى منه خير بخلاف البخيل والجبان لم يكن ذلك خبط عشواء في سلم القيم بل لان النفس إذا تمردت على الكذب تفجر ثم ينجم على أديمها النفاق فيطبع على القلب فلا يستقبل خيرا ولا يبث خيرا . وعندما شدد الاسلام على فريضة صون الاعراض والانفس أن توطأ بغير حق لم يكن ذلك سوى لتجفيف منابع قسوة القلب عند الانسان لئلا يعامل أخاه الانسان كما يعامل الوحش الضاري الكاسر أخاه في البرية يركض خلفه ويفترسه . الكذب والعدوان سبب لقسوة القلب وهذه سبب للفساد والافساد في الارض . وذلك هو تاريخ الاسرائيليين ينقله الكتاب إلى الناس قاطبة ليعتبر أولو الابصار.
قضية القرآن العظمى دوما : غرس الايمان بالبعث بعد الموت :
رغم تورط الاسرائيليين في قتل النفس وفي الكذب والتحايل على الله سبحانه فإن قصة البقرة ـ مخ سورة البقرة ـ كان مقصدها " كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ". لم ؟ لان إستخدام العقل يفضي بالضرورة إلى الاعتقاد في الحياة بعد الموت وفي المحكمة الاخيرة عدلا قسطاسا وذلك كفيل بالانزجار عن إقتراف الكذب لاقتطاع حق الابرياء ظلما وعن الولوغ في دمائهم .
كان السياق في نظر البشر لا يحتمل بعد كل الذي فعله الاسرائيليون سوى القذيعة والتهديد ولكن رحمة الرحمان سبحانه لا تدع فرصة مواتية دون غرس الايمان حتى في أعتى النفوس فلا ييأس من رحمة الرحمان ظالم سفاح مجرم إن تاب .
ألم يصف لنا نفسه في القانون الاساسي ـ الفاتحة ـ بأنه الرحمان الرحيم وكفى؟
لا يتوسل القرآن لقضاياه بغير البرهان أما خديعة الالهام فللناقصين عقلا :
توسل الوحي في هذه القصة رغم بشاعتها بالبرهان الحسي الذي عاينه القتلة والمتسترون عليهم جهارا " فقلنا إضربوه ببعضها " . إضربوا ببعض البقرة التي بالكاد ذبحتموها بعض القتيل الذي لم ترعوا في حرمته إلا ولا ذمة ثم ثبتوا المقل على المشهد : ميت يقع على ميت فيخرج سبحانه أمام أعينكم تلك التي شهدت موت البقرة والقتيل الحي من الميت . وفي لمح البصر رجع القتيل حيا وقال بعظمة لسانه : قتلني فلان إبن فلان . هل ثمة برهان أجلى من ذلك البرهان ؟ أليس ذلك كفيلا بجعل القلوب المتيبسة حجرا لفرط كذبها وفجورها وعدوانها تذوب إيمانا وتنبجس وفاء ؟ هل ثمة آية أبلغ من تلك ؟
أليس ذلك أبلغ من آية إنشقاق القمر على عهد المشركين ؟ إقتضى السياق أن يساق برهان بعيد ـ هناك في القمرـ مناسبة لبعد المشركين عن الالتواء والخديعة كما إقتضى هنا أن يكون البرهان ميتا قتلتموه بأيديكم تلك يقوم بين أيديكم تلك حيا ويفضح كذبكم عن قرب . لمقام المكذب الشهم آية وللغادر الماكر الخائن أخرى.
ماذا بقي لنا في قصة البقرة من خير نتآمر به وشر نتناهى عنه ؟
الدرس الاول : الاسرائيليون المغضوب عليهم ظاهرة بشرية تظل تلازم أمة التوحيد حتى يوم القيامة إبتلاء عدلا حكيما ملازمة الخير للشر والسماء للارض.
الدرس الثاني : الاسرائيليون المغضوب عليهم سيظلون يثأرون من أمة التوحيد حقدا على من سلبهم إمامة الناس وفضيلة الكتاب .
الدرس الثالث : الاسرائيليون المغضوب عليهم إن غلبوا أفسدوا وإن غلبوا غدروا.
الدرس الرابع : أول ذنب جنى عليهم وبه أخذوا أخذة رابية هو : التحايل على الله وليس عصيان الله . العاصي أدنى بغضا عند الله من المتحايل عليه .
الدرس الخامس : لما هيمن القرآن على الكتب السالفة جاء الاسلام عنوانه : اليسر . اليسر هو : الامتثال للامر بقدر الجهد دون تحايل عليه لا زيادة ولانقصانا والعبرة بالطاعة وليس بالتضييق على الناس . ليس التحايل على الامر نقصانا بأدنى إثما من التحايل عليه زيادة .
الدرس السادس : كل قاتل سفاح يناله عذاب الدنيا قبل عذاب الاخرة ولو في عقر داره بين يدي أهله وولده وفي يم رغده وشأو بطشه .
الدرس السابع : " مازال المرء في سعة من دينه ما لم يصب دما حراما ".
الدرس الثامن : أم العقيدة الايمان بالبعث وروح الايمان بالبعث : التقوى الحاجزة عن التحايل مع الله وعن العدوان على حرمات الناس واليقين بالمحكمة الاخيرة.
الدرس التاسع : الايات العقلية للعاقلين والايات الحسية للناقصين عقلا فأختر مكانا لك وآخر لعقلك وعلى قدر عقلك يكون دينك ثم يكون مستقبلك الذي لا يفنى .
الدرس العاشر : الكذب والعدوان يورثان قسوة القلب ومن نزعت منه الرحمة حيل بينه وبين كل خير في الدنيا فلا يغرنك تنسكه بعد ذلك في الاديرة والبيع .
فهل من مدكر وهل من قائم معي نتفكر؟
الهادي بريك ــ ألمانيا
الهادي بريك
01-07-2006, 14:54
هـــل مـــن مــــــــــدكر؟
الذكرى الرابعة : آفة العقل السحـــــــــــــر
مقدمة : لا مناص من وجود علاقة بين سورة البقرة وأكبر موضوع تمحضت له أي الظاهرة الاسرائيلية من جهة وبين إيراد قصة سليمان عليه السلام ـ أحد أنبيائهم ـ مع الشياطين والسحر من جهة أخرى وإذا كان ذلك كذلك فلا مناص أخيرا من وجود علاقة بين كل ذلك وبين من تساق إليهم كل تلك القصص والحوادث الغابرة ـ أي الانسان الخاتم لاطوار الانسانية فوق الارض قبل البعث ـ ولا حرج بعد ذلك ولا تثريب على كل من ألغى تلك العلاقات أن يتخذ القرآن الكريم ظهريا فلئن صلح للخرافيين من قبلنا فإن القرآن وحركة التقدم العلمي الرهيبة في كل ميدان لا يلتقيان .
سحر وسحر فما العلاقة ؟
ترددت الكلمتان كثيرا في القرآن الكريم . سحر ـ بكسر السين ـ وسحر ـ بفتحها وفتح ما بعدها ـ .
يقول أهل اللغة بأن جنس المبنى يحدد المعنى من جهة وبأن وحدة الجذر تؤسس لوحدة المعنى .
قاعدة منطقية عقلية مفهومة مقبولة في عرف كل عاقل . السحر ـ بفتح السين والحاء معا ـ هو الزمن الذي يسبق إنبلاج الفجر الصادق مع مطلع كل يوم جديد بقليل وإقتصر ذكر القرآن الكريم له في سياق الترغيب في العبادة فيه . أما السحر ـ بكسر السين ـ فهو ضرب من العمل يوجهه صاحبه بقصد إغراء الناس أو إغوائهم تغييبا للحقيقة وإظهارا لضدها أو ما يخالفها .
يشترك الامران في كون كليهما في منطقة وسيطة تتميز بعدم الوضوح الكافي فالسحر زمنا زمن فاصل بين عسعسة الليل وبين إنبلاج ضوء النهار والسحر عمل فاصل بين الحق القح والباطل العاري ولذلك يشتبه أمرهما على الانسان عادة فقد يأكل الصائم ظنا منه أن الوقت سحر وقد يغوى الانسان ظنا منه أن الساحر يكرع من مناهل الغيب . فالسحر والسحر إذن يشتركان في الخفاء والشبهة ومن ذا تقول عن جمال إمرأة بأنه ساحر والحقيقة أن القائل بذلك هو المسحور وليس بالضرورة أن تكون المرأة باهرة الجمال مطلقا أو أن تكون قصدت السحر أصلا . وهو معنى مكمل يضفي على كل سحر أو سحر معنى القابلية للتأثر البالغ من لدن المسحور. فإذا تعاضدت معاني الخفاء والشبهة والسرعة والقابلية للغواية فإن السحر والسحر يشتركان في كل تلك المعاني . ذلك وجه من وجوه سحر اللغة العربية إستخدمه الوحي تحديا بغرض الهداية.
الاسرائيليون أرباب السحر دوليا وتاريخيا :
جاءت قصة سليمان عليه السلام مع الشياطين الساحرة في سورة البقرة في سياق الاخبار عن بني إسرائيل الذين " لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون وإتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وماهم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ".
لا يعنينا هنا من هذه الايات سوى ما هو محكم أما ما تشابه فلا أرب لنا فيه إبتغاء فتنة أو تأويل سيما أن الاسرائيليات قد عملت في كثير من التفاسير على نفاستها حرجا عظيما .
هل أنزل سبحانه سحرا على الملكين ببابل ؟ هل هاروت وماروت ملكان أم بشران ؟ هل علم الملكان الناس سحرا وهل كان ذلك بإذن منه أم عصيانا ؟ في كل ذلك إضطربت التفاسير كثيرا ولا يجد فيها المرء للغليل شفاء لا بل لم يكن ذلك أبدا غليلا يستشفي فما ورد من المحكمات كاف.
ولعل أفضل مختار هنا هو أن شرع من قبلنا فضلا عن حالهم منسوخ لا يلزمنا في شيء إنما يساق للعبرة التاريخية .
المحكمات هنا هي :
ـــ تعليم السحر كفر : " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر". أي بسبب ذلك كفروا.
ـــ السحر يرتبط تعلمه بالضرورة بالشياطين : " ولكن الشياطين كفروا " سيما أن إستراق السمع في ذلك الوقت قبل نزول الرسالة الخاتمة كان ممكنا إبتلاء للناس وحكمة منه سبحانه .
ـــ السحر تعلما وتعليما فتنة وكفر :" وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر".
ـــ السحر معول شر أبدا لارتباطه برمز الشر الشيطان " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ".
ـــ السحر وفق قاعدة الموازين في الاسلام شر وكفر وحرام لانه علم ضار غير نافع " ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم " ولم تحرم الخمر والميسر رغم منافعهما الكثيرة سوى لغلبة ضرهما فكيف بالسحر الذي هو ضر مطلق لا خير فيه فهو أولى بالمنع والتحريم .
كل ذلك دون جمع ما قال فيه الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام . وكذا دون الدخول في تفاصيل أنواع الكفر ولا التمييز بين العالم والمتعلم في مجال السحر ولا مدعي الخير والشر فيه.وسائر ذلك من إختصاصات الفقه والقضاء الاسلاميين .
الفهم الموضوعي الجامع للقصة وآثارها العملية علينا نحن اليوم :
1 ــ ورد ذكر السحر في مقابل قوله في بداية السياق " ولقد أنزلنا إليك آيات بينات ". فما تحويه الايات البينات ـ آية بالمعنى الحرفي جزء من السورة وبالمعنى العام من أدلة برهانية كافية ـ في القرآن الكريم كاف لتأدية الانسان لمهمة خلافته فوق الارض بما علم وإستؤمن وإبتلي .
2 ــ السحر المتبع هنا سلاح إعتمده الاسرائيليون لمقاومة رسالة التوحيد الجديدة رغم أنها رسالة مصدقة لما معهم أنزلت نفسها منزلة اللبنة الاخيرة ليكتمل المشهد التوحيدي ويستوي عمله . فالسحر إذن سلاح إسرائيلي تاريخي ومعاصر ـ سيما على عهده عليه الصلاة والسلام ـ لنبذ كتاب الله وراء الظهور برغم العلم بأن الكتاب الجديد من مشكاة الكتاب القديم والرسول من الرسول عليهما السلام .
السحر بين الحقيقة والخيال : يقطع لنا القرآن المحكم في مواضع أخرى منه بالقول الفصل في ذلك :
ـــ السحر هو القابلية للسحر :" فلما ألقوا سحروا أعين الناس وإسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم".ورد ذلك في سورة الاعراف بمناسبة الحديث عن قصة فرعون مع السحرة وسائر المشهد الذي حفل به القرآن الكريم بالكلية ـ الظاهرة الاسرائلية طورا مع فرعون وطورا مع موسى عليه السلام وطورا مع السامري وطورا مع العجل وطورا مع البقرة وأطوارا أخرى بالعشرات ـ . فالسحر إذن هو سحر البصائر لا الابصار وإن كان التعبير يرد بكلمة الابصار من باب الدلالة على الهدف بوسيلته إذ البصيرة تعلم من خلال كوة البصر ونافذة السمع .
والسحر إذن إرهاب عقلي وصفه العظيم بأنه عظيم وأقوى القوى في هذه الدنيا دوما هي القوى التي تكون في منتهى الضعف فتهيمن على الناس بما تقذف في قلوبهم من إرهاب وهلع وخوف.
ـــ السحر خيال يداعب الاجفان السكرى بحب المال الوفير بدون سبب عمل :" فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ". السحر خيال عظيم كفيل بالتأثير في أكمل الناس عقلا وأرجحهم حصافة وإربة من مثل موسى عليه السلام لولا عصمة الرحمان لانبيائه .
فما ألقاه السحرة لم يكن يسعى حقيقة ولكن خيل للمتفرجين بسبب الارهاب الفكري المسلط عليهم على مدى حكم فرعون مستعينا بأضخم آلة إعلامية في ذلك الوقت : السحرة ... بأنها تسعى .
آفة العقل السحر وآفة السحر الايمان فالعقل والايمان إذن صنوان :
المشهد الاول : " فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا ..". لم يكن سحرة فرعون هواة مبتدئين بل كانوا يمثلون السلطة الرابعة بتعبيرنا المعاصر ـ أي سلطة الاعلام ـ والحقيقة أن القرآن الكريم يجعل الاعلام سلطة أولى بحكم إنبناء ومناط رسالته على الكلمة والعلم والبلاغ والبرهان . ورغم ذلك المستوى المهني المتقدم جدا لسحرة فرعون فإن الايمان لما باشر شغاف أفئدتهم من منطلق الخبرة المهنية الطويلة والمعاناة اليومية المريرة قلب الموازين رأسا على عقب بسرعة مدهشة وفي موكب رسمي إحتفالي موقر يشهده الاله الاكبر يومها حتى لتحجم الذبابة عن الطيران والطنين لهول المشهد بحضور من عنت له الوجوه وسجدت الجباه وتطأطأت الهامات راكعة . أقول بإطمئنان الواثق بأنه ليس في القرآن الكريم بأسره ما يهز الانسان من أعلى هامته حتى إخمص قدميه بأشد ما يهزه ذلك المشهد الذي لو تدبره المؤمن لكسب في إيمانه كل خير ولو تأمل فيه غيره لانقلب على نفسه إنقلاب السحرة المحنكين .
المشهد الثاني : " .. وما أكرهتنا عليه من السحر ". ذلك بعض ما جاء في مرافعة سحرة فرعون بعد لحظة الانقلاب المدوي الذي ربما لم تشهد له الدنيا مثيلا من لدن آدم حتى يرث الوارث أرضه ومن عليها . مشهد من مجموعة من السحرة الحرفيين المهنيين ينطق بأن أولئك السحرة كانوا مكرهين على سحرهم الذي شدوا به أركان الملك الفرعوني الاستبدادي وهو إكراه بكل معاني الاكراه : إكراه بسبب الحاجة إلى العيش وإكراه بسبب قوة الالف والعادة المفضية إلى السدور في الغفلة وما تخلفه من ران على العقل وحركة الفكر وإكراه بسبب الخوف من الانتقام الفرعوني لو تمرد الساحر عن مهنته وهو ذات الانتقام الذي يلقاه اليوم كل إعلامي تمرد عن الخطوط الحمراء التي ينصبها الحاكم المستبد على سلطان الاعلام .
خلاصات ختامية مركزة سريعة : 1 ــ علة تحريم الاسلام للسحر : تحرير العقل الانساني من أسر الكذب والدجل والخيال .
2 ــ مقاصد الاسلام في ذلك : نشدان البرهان أبدا حتى في الوجود الالهي فضلا عما دونه وكذا التعويل على طاقات التوكل والارادة لكسب الحياة وتعمير الدنيا نبذا للتواكل والخوف والتبطل والعجز والفقر .
3 ــ السحر حرفة الشيطان عدو الانسان الاوحد يتعاون في ذلك مع شياطين الانس : بني إسرائيل الذين يعمدون دوما إلى السحر مناسبة لكل عصر وأشد ما ينطبق عليه السحر اليوم هو المجال الاعلامي ولذا تجد أكثر الشركات الاعلامية الدولية تأثيرا اليهودية منها . وليس العيب في الاعلام ولكن العيب في الكذب بإسم الاعلام أي تزييف الحقيقة كما يفعل الساحر.
4 ــ أعدى أعداء الايمان والحرية معا هو السحر لانه يعطل العقل وينفث الخرافة .
5 ــ ذكر السحر في القرآن الكريم بمناسبتين فحسب دوما : الظاهرة الاسرائيلية النابذة للحق بالسحر والمؤسسة الفرعونية السياسية المكرهة للناس بإرهاب السحروكذا مؤسسة قريش.
6 ــ من ذا درسان بليغان معاصران : السحر سلاح إسرائيلي فتاك أما سلاح كل مستبد من الحكام فهو السحر الاعلامي واليوم يصنع الاعلامي أمة بصدقه أو يخفضها بسحره ودجله.
7 ــ الوظيفة الكبرى لكل سحر دوما هي : التفريق وأخطر تفريق هو " بين المرء وزوجه" فإذا تفرقت خلية المجتمع الاولى تفرق الناس شيعا وأحزابا متقاتلة متحاربة .
8 ــ السحر إرهاب فكري وخيال نفسي ليس فيه مهارة لساحر ولكن قابلية إغتيال شديدة من لدن المسحور . ولا يفلح ساحر إلا بعد تدمير الدفاعات النفسية الداخلية للمسحور .
9 ــ الخطة المضادة للسحر والسحرة هي : خطة وقائية قلبها الايمان بالله حق الايمان خلوص عبادة وخلوص إستعانة في كل أمر وحال وخطة علاجية قلبها الرقية بالقرآن الكريم جملة وبآياته المخصصة لذلك من مثل آية الكرسي وخواتيم البقرة والاخلاص والمعوذتين.
10 ــ السبيل إلى نبذ السحرة إعلاميا وشعوذة هو : الايمان بسبب العقل وليس بسبب الوراثة.
فهل من مدكر وهل من قائم معي نتفكر ؟
الهادي بريك ــ ألمانيا
الهادي بريك
01-07-2006, 21:56
هـــل مـــن مـــــــــــــــــدكر؟
الذكرى الخامسة : وسطية الامة في مقابل السفهاء من الناس أولا
مقدمة :
كثر الحديث في المدة المنصرمة عن الوسطية في الاسلام بمناسبة مواجهة تيارات الغلو والتشدد الداخلية . تلك وسطية داخلية نحن بأشد الحاجة إليها سيما أن الوحي الكريم حفل بها أيما حفل .
سوى أن منبع تلك الوسطية الداخلية وأسها الراسخ هي الوسطية الخارجية التي أرست قاعدتها سورة الفاتحة ـ القانون الاساسي للانسان ـ وكذا سورة البقرة بمناسبة الحديث عن القبلة .
وليس ذلك بغريب عن كتاب جاء مقرونا بالميزان للناس كافة . ولذلك فإن مهمة هذه الذكرى الرجوع إلى منبع الوسطية الاسلامية التي تخاطب كل إنسان في كل زمان ومكان وحال .
تذكير أولي سريع :
ما ينبغي لدارس القرآن الكريم أبدا أن يغفل عن حقيقتين لازمتين له : أولهما أن كل ما سيرد فيه من البقرة حتى الناس ليس هو سوى تفصيل لعموم الفاتحة ـ القانون الاساسي للانسان ـ وتبيين لمجملها وثانيهما هو أن القرآن الكريم وهو يخط للانسان منهاجه العام فإنه لا يغفل أبدا عن أكبر تحد يواجه ذلك الانسان من البعثة الاخيرة حتى نهايات حياة الامة الخاتمة ألا وهو التحدي الاسرائيلي بشقيه اليهودي والمسيحي ولكن التركيز على الاول أكثر دوما لاسباب معلومة . كل دارس للقرآن الكريم يغفل عن ذلك لا يكسب من دراسته خيرا كثيرا .
الدليل على ذلك هنا هو أن مناسبة تحويل القبلة ـ حوالي 18 شهرا بعد الهجرة ـ كان حدثا متصلا بذلك التحدي الذي قدم له بقوله " سيقول السفهاء من الناس .." والدليل الثاني هو كون ذلك الحدث جاء في قلب أطول سورة تتعرض لذلك التحدي لتفصل وتبين عموم " المغضوب عليهم " .
القرآن الكريم يهتم بوسطية الامة بين الامم بأكثر من إهتمامه بوسطية بعضها عن بعض :
كان القرآن الكريم صريحا في وصف الامة الخاتمة بأنها " أمة وسطا " ولم يرد ذلك كذلك سوى في هذا الموضع . ولم يفصل البيان القرآني أعظم وصف لهذه الامة ـ الوسطية ـ عن المناخ السائد زمن التنزيل وهو ذات المناخ الذي سيصاحب الامة حتى البعث .
منشأ وسطية الامة الخاتمة هو : إستقلالها بقبلة خاصة بها وتميزها بذلك عن بني إسرائيل : لا يتطلب الامر عناء إذ جاء بصريح الاية " وكذلك جعلناكم أمة وسطا .." وذلك مباشرة بعد تناول قضية القبلة الجديدة . تقدير الكلام يكون " لاجل ذلك جعلناكم أمة وسطا " وذلك ليدمغ بني إسرائيل بمجانبتهم للوسطية بسبب كونهم مغضوب عليهم لاجل معرفتهم بصدق النبي الجديد المصدق لما بين أيديهم معرفة لا يتوفر عليها شعب في الدنيا أبدا ولكن إيثارهم للكبر بزعمهم أنهم أهل كتاب سماوي بما يجعل " الاميين " أي العرب يقاسمونهم النفوذ الديني .. هو الذي حال دون توسطهم .
مقصد الوسطية للامة الخاتمة : أداء دور الشهادة على الناس قاطبة حتى يوم البعث :
لا يتطلب الامر عناء مرة أخرى إذ جاء بصريح الاية " لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ". فالوسطية إذن :
ـــ منبعها خارجي عام ضمن العلاقة الانسانية مع كل الشعوب والامم مطلقا طرا .
ـــ منشؤها إستقلال الامة الخاتمة بقبلة خاصة بها بعد مشاركة بني إسرائيل في قبلتهم عقدا ونصف كاملا تقريبا وهي مرحلة طويلة كفيلة بجعلهم يفيؤون مع الفائين لو كانوا صادقين .
ـــ مقصدها التأهل لاقامة الشهادة على الناس قاطبة حتى يوم القيامة تحت لواء شهادة النبي محمد عليه الصلاة والسلام على الامة وعلى الناس كذلك بحكم كون الامة ترثه في رسالته الدعوية .
ما العلاقة بين القبلة والوسطية ؟
لا بد لنا لحسن المقاربة وقصد المعالجة من اللواذ بما لاذ به التشريع أي الترميز الذي هو نصب علامة دالة على شيء يحصل ذلك الشيء بحصول علامته الدالة عليه حتى مع غيابه هو.
مثال على ذلك : التيمم رمز على الطهارة فهو لا يطهر بحال من الاحوال بدنا ولكن الله شرعه للترميز على الطاعة والتسليم من ناحية ولحصول الاستعداد النفسي الضروري للصلاة إذ أن الطهارة حتى مع وظيفتها المادية المعروفة وإقامة الصلاة وغير ذلك تؤدي وظيفة الاستعداد النفسي لملاقاة الرحمان سبحانه وإنفتاح القلب لمناجاته كما يستعد كل طالب لملاقاة مطلوب .
معنى ذلك هو كون القبلة التي كان يتوجه لها المسلمون على مدى عقد ونصف تقريبا مع بني إسرائيل أي بيت المقدس لم تكن قبلة خاطئة ولكنها رمزت لمرحلة معينة والان جاء دور معلم آخر ليرمز إلى مرحلة جديدة ولذلك إستبدلت القبلة وبقي بيت المقدس ثالث ثلاثة لا تشد الرحال إلا إليها وهو من هو في قلب كل مؤمن سيما بحكم إغتصابه من لدن الصهاينة .
وفي ذلك يقول سبحانه معللا تحويل القبلة " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ". وهو هنا يقصد بني إسرائيل بالذات وذلك لان نجوم حركة النفاق التي ستبدأ مع الهجرة إلى المدينة وما وفرته من تمكين وقوة ستكون خالصة من اليهود وليس من شيم العربي الحر الشهم الكريم الشجاع أن يمرد على النفاق وتلك هي المحمدة التي من أجلها نزل الكتاب الخاتم بلغة العرب على العرب لان من مرد على النفاق لا يرجى منه خير أبدا.
العلاقة بين القبلة وبين الوسطية هي إذن :
ـــ لابد من تجسيد حي للوسطية الاسلامية الخارجية العامة في حدث مادي مشهور لتستبين الوسطية من السبل الاخرى . فكان حدث القبلة .
ـــ لابد بدء وقبل كل شيء من التوسط تميزا عن أخطر ظاهرة بشرية تلازم أمة التوحيد حتى البعث أي بني إسرائيل بوصفها التحدي الاكبر فإذا حصل ذلك فإن ما عداه أيسر وأهون .
ـــ أثبت العلم اليوم بأن القبلة الجديدة ـ مكة المكرمة ـ هي قلب الارض جغرافيا أو قل بالاحرى سرتها فهي قبلة جديدة إذن متوائمة حتى جغرافيا مع مقتضيات الوسطية وهي بعد ذلك قبلة متلائمة مع البيت المعمور في السماء فوق الكعبة الكريمة تحديدا فتكون الصورة جميلة في تسبيحها : طواف ملائكي لا ينقطع في السماء وطواف بشري لا ينقطع في الارض .
ـــ أول عمل ميداني يقوم به الانسان بعد التوحيد ـ وهو عمل قلبي عقلي ـ هو الصلاة ولذا وجب تجسيد الوسطية في ذلك العمل الذي هو فاتحة حياة الانسان فجرا بالغداة كل يوم وخاتمته غسقا ليلا كل يوم فإذا إلتزم الانسان الوسطية جغرافيا قبلة إلى سرة الارض وإنسجاما مع الطوافين في السماء وروحيا بمناجاة الرحمان سبحانه سبعة عشر مرة في اليوم والليلة داعيا عاملا " إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين "... فإنه يكون وسطيا فيما عدا ذلك من عمل أو قريبا من ذلك .
ـــ مخالفة بني إسرائيل أصبحت ضرورية بعد حصول أول خطوات التمكين بالهجرة وبدر على الابواب وذلك حتى لا يفخروا كذبا بإتباع النبي الخاتم لهم أو بإتباعهم هم له كما فعلوا قبل ذلك ولن يزالوا مع شيخ الانبياء وجدهم رمز التوحيد القرآني الكريم مطلقا إبراهيم عليه السلام .
وهي مخالفة أو تميز لا بد منه للشهادة على الناس حتى تستبين صراط ربك المستقيم والسبل المفرقة . سيما أن بني إسرائيل برعوا في التلبيس وشطروا في الكذب والنفاق . ومن ذلك قولهم عن المؤمنين بأنهم أحبطوا صلاتهم السابقة على مدى عقد ونصف " وما كان الله ليضيع إيمانكم". كما علل ذلك التميز وتلك المخالفة بقوله " لئلا يكون للناس عليكم حجة ". وذلك لان الشهادة على الناس تتطلب القوة ومن شروط القوة التميز دون إستعلاء . فلو أمسكت الامم المشهود عليها بحجة على الامة الشاهدة فإن وظيفة الشهادة تكون عبثا معبوثا .
صورة للفؤاد الصافي :
هذا الامر تربأ بأنفسها الاقلام والالسنة أن تطأه لفرط حساسيته وصفائه ونقائه وطهارته .
لم يكن عليه الصلاة والسلام قبل البعثة حتى وهو في غار حراء يتحنث يتطلع للنبوة أبدا مطلقا ولكن لما بعث أخذ الكتاب بقوة العزم والحزم والجد فبلغ الامانة وترك الانسانية على محجة بيضاء . ظل في مرحلة من مراحل التوجه إلى بيت المقدس مشتركا مع بني إسرائيل في قبلة موسى عليه السلام يقلب وجهه في السماء يرنو إلى مصير آخر في صلاته وقبلة أخرى في حياته تميزه وتميز أمته عن بني إسرائيل ولكنه لم ينبس ببنت شفة بل لم يدع بذلك أبدا رحمانا رحيما لو دعاه لاجاب ولكنه لا يقدم بين يدي ربه . وصفه الوحي قائلا " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ". صورة للفؤاد الصافي النقي الطاهر الذي يتطلع إلى أمر يرى الحق فيه والصواب ولكنه لفرط الادب مع من أدبه فأحسن تأديبه لا يزيد على مالا يملك له من فؤاده الصافي شيئا . تجمع المسألة هنا بين أمرين لابد منهما للنبوة وحواري النبوة : حسن التطلع وحسن الادب ولا يغني أحدهما عن الاخر لو تخلف الاخر فهما معا زينة .
فوائد جانبية :
1 ــ سماهم الوحي سفهاء لان السفيه لغة هو من لا يضبط أمره ولا يحفظ ما فيه فتقول العرب عن الوعاء سفيها إذا كان غطاؤه أو وكاؤه هينا سرعان ما ينخرم فيضيع ما بداخله وكذا تقول عن الرجل سفيها إذا كان لا يضبط تصريف أمره المالي مثلا أي لا يحفظ وعاءه الفكري على نحو يجعله يتصرف في ماله تصرف الحكماء أو قريبا من ذلك . بنو إسرائيل سفهاء لانهم لم يحفظوا وصية موسى عليه السلام لهم في التوراة أي إتباع النبي الامي الذي إسمه أحمد يأتي بعده فكان شأنهم شأن الوعاء الذي لا يحفظ ما فيه أو الانسان الذي تنقصه الحكمة . فلم يكن إذن الوصف لهم بالسفاهة من قبيل المبالغة أو المجاوزة بل هو الوصف الصحيح المنضبط كيف لا وهوالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
2 ــ تجاهلهم القرآن الكريم هنا في موضع تبديل القبلة ووصف الامة الخاتمة بالوسطية فلم يشر صراحة إلى كونهم من بني إسرائيل على خلاف مواضع أخرى كثيرة في القرآن الكريم وهو تجاهل مقصود منه إهمال أمرهم بالاعراض عن ذكرهم وكذلك ليشمل ذلك كل من سار على نهجهم في القديم والحديث .
3 ــ إستخدم القرآن الكريم على عادته في الدقة " من " التبعيضية إذ ليس من عادته التعميم عندما يتعلق الحديث عن طائفة محددة حتى لو كان فيهم رجل واحد يمكن ألا تنسحب عليه صفة السفاهة فإن ذلك يقتضي التبعيض وهو درس لنا اليوم وفي كل يوم لئلا نسقط في حبائل التعميم المهلكة .
خلاصة الذكرى :
من كان فاهما لوصفه بالوسطية من هذه الامة فعليه أن يحقق الوسطية الخارجية العامة أولا لانها منبع الوسطية الداخلية ورب وسطي داخل الامة إسرائيلي القبلة في منهج حياته .
فهل من مدكر وهل من قائم معي نتفكر ؟
الهادي بريك ــ ألمانيا
بوركت شيخنا الكريم الهادى ونفع الله بك وجعلك ذخرا لدينك وإخوان وبلدك والمسلمين...اللهم إجلنا من الذاكرين الله تعالى كما يحب ويرضى ونسأله تعالى أن ينقى أعمالنا من العجب والمرية والرياء وأن يرزقنا جميعا الإخلاص ..آمين
الهادي بريك
03-07-2006, 23:59
هـــل مـــن مـــــــــــــــدكر ؟
الذكرى السادسة : اليسر إرادة إلهية فمن يجرؤ على تحريفه ؟
مقدمات أولية عامة :
1 ــ اليسر : خلق إنساني فطري يبث الرفق وينفي الحرج والعسر والعنت والمشقة في الحياة.
2 ــ اليسر إرادة إلهية ثابتة بمحكم القرآن الكريم إلى جانب :
ـــ إرادة التبيين والهداية والتوبة " يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم".
ـــ إرادة التخفيف " يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا ".
ـــ إرادة إحقاق الحق " ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ".
ـــ إرادة التمكين للمستضعفين " ونريد أن نمن على الذين إستضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ".
ـــ إرادة التطهير " ولكن يريد ليطهركم تطهيرا ".
ـــ نفي إرادة الظلم عنه سبحانه للعالمين وللعباد ونفي إرادة العسر والحرج .
3 ــ أخبر سبحانه عن قدرته التامة على فعل ما يريد " فعال لما يريد " فهو يحكم ما يريد ويهدي من يريد وميز العلماء في ذلك بين إرادته الكونية فيما يعبده كرها والشرعية فيما يعبده طوعا .
4 ــ اليسر والتخفيف من جهة ونفي العسر والحرج والعنت من جهة إرادتان إلهيتان ثابتتان .
مواضع اليسر ودلالاتها :
لابد من الاتفاق بداية على أمرين :
ـــ أولهما : كون اليسر إرادة إلهية ثابتة يعني أنه فوق مستوى الامر الشرعي أمرا ونهيا معا .
ـــ ثانيهما : اليسر إرادة ألهية في المستويين الكوني والشرعي معا عملا بسنة التناسق الخلقي.
موضع الصوم : الدلالة هي : إذا كانت العبادة يسيرة فالعادة أولى والحياة يسر أو لا تكون .
إذا كانت العبادة أولى بحسن الاداء لتلازمها مع هيئات مخصوصة وزمان ومكان ومكيلات وموزونات ومعدودات وورد الاخبار عن اليسر إرادة إلهية مؤكدة فيها بأداة الاستغراق ـ أي الالف واللام ـ وبفعل المضارع ـ يريد ـ ليفيد الديمومة في كل زمان ومكان وحال وإنسان وبنفي الضد الذي هو ـ العسر ـ نبذ إرادة تجري عليها ما جرى على بديلها من التأكيد ... إذا كان ذلك كذلك فلا شك أن العادة عند الناس فضلا عن حياتهم بأسرها ما ينبغي أن تند عن اليسر لئلا تند عن رحمة الرحمان الذي كتب على نفسه اليسر حيال عباده . فجاء بإسمه العلم ـ إسم الجلالة الله ـ تأكيدا لعلوية وعظمة مصدرية تلك الارادة ووجه تلك الارادة إلينا ـ بكم ـ . لم يدع الوحي زاوية واحدة من زوايا التأكيد حتى جاء بها تعظيما لارادة اليسر بين الناس .
موضع التعامل الاسري : من فاته تشرب اليسر بين أحضان أسرته شب عسيرا وشاب :
أطول موضع قرآني في مادة اليسر ومتعلقاتها كان في سورة النساء ـ عمدة مجلة الاحوال الشخصية للمسلم ـ وفيها قال " يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ... والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا ". عبر عن إرادته النافذة مرات ثلاث في آيات ثلاث متواليات تعقيبا على شأن أسري . كما عبر بمشتقات اليسر في كل مرة من مثل الهداية لسنن الخالين بل البيان ذاته يسر أما يسر التوبة فقد كرره مرتين هنا والتوبة يسر وإستخدم التخفيف لاول وآخر مرة .
يحسب كثير من الذين يلبسون التقوى بالعسر ظلما بأن أبعد المجالات عن اليسر ما كان منصوصا على تفاصيله كليا كالعقيدة أو جزئيا كالاحوال الشخصية وبذا ينفون عن الاسلام يسره في المحكمات القطعيات ويضفون عليه ذلك ـ إذا فعلوا ـ فيما عدا ذلك ومن أثر ذلك تشددهم في قضية الطلاق مثلا حتى لتستحيل سيفا مسلطا يظل الفحل يرفعه فوق رأس المسكينة حتى تورط الفقهاء ورطة لم أقف لها على نظير في التخلف عن يسر الاسلام إذ بحثوا طلاق الرائي في نومه يطلق زوجته أو قال ذلك حالما بصوت عال وكذا الاستخفاف بهدم عش الزوجية أغلظ ميثاق طرا بكلمة من أحمق أو غاضب أو هازل ثلاثا أو عشرا في مجلس واحد . تعالوا نحرر فقهنا من الاحتلال الانحطاطي ثم نتوجه إلى الارض نحررها . أما الاتجاه المعاكس فغير معبد للسلوك .
موضع التعامل المالي : الدلالة : بسط عرى التآخي بين الناس بدل الربا الجاهلي :
" فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " . الميسرة هي موضع اليسر . وذلك بديلا عن فرض الفائض الربوي المعتمد من لدن الجاهلية القديمة والحديثة سوى أن الجاهلية الحديثة أنكى إذ تتحايل على ذلك بعقل إسرائيلي لتسميه بغير إسمه سيما مع تطور العلاقات المالية وتشابكها ثم تكذب كذبة إسرائيلية أخرى حين تقول بأن الاقتصاد غير الربوي غير ممكن بل غير عادل .
موضع العلاقة الانسانية : الدلالة : إذا عز اليسر العملي فلا أقل من اليسر القولي :
" وإما تعرضن عنهم إبتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ". يعود الضمير على " ذي القربى والمسكين وإبن السبيل ". أولئك لهم حق محقوق في المال والقول فهم من أصحاب الحقوق الثمانية ـ سورة النساء ـ وهو حق مباشر لاعظم حق " وإعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا".
يبدو الاعراض عنهم غير ممكن جمعه مع القول الميسور لهم . وذلك ليؤكد الوحي على حد أدنى من القول الميسور سيما بمناسبته فرحا وترحا وحاجة كائنا ما كانت أوضاعهم حيال ربهم وحيالك وحيال الناس وقيمهم . فالحق لا بد يوصل إلى أهله إيصالا تاما لانه حق الله سبحانه والقول الميسور زينة ذلك الايصال وثوب سابغ يلف ذلك الحق باليسر والرحمة والرفق . ولا يفرق الوحي بين ذوي القربى رغم أولوية رحمهم أي حقهم وبين المسكين والسبيل .
موضع العسر : الدلالة : اليسر ضربة لازب لا تفارق الانسان حتى في قعر عسره .
" فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ". إلتقطها سيد الفقهاء عمر عليه الرضوان ليقول فيها بقريحته العجيبة " لن يغلب عسر يسرين ". جاء العسر هنا مرتين معرفا ليدل على كونه واحدا لا يتعدد بينما ورد اليسر مرتين نكرة ليدل على كونه متعددا متجددا وهو يعقب العسر دوما ويلزمه لزوم الماء للماء لا بل جاءت المعية ـ مع ـ ليغرق كل عسر في يسره لا فكاك منه .
أصدق أمارة على التقوى : يسر الحياة .
" ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ". تلك قاعدة في الوجود . فهي شارط ومشروط بحسب الصيغة اللغوية . من أراد الحياة يسيرة لذيذة بحلوها ومرها فعليه بالتقوى وبقدر التقوى تكون الحياة كذلك . أما من زعم التقوى وأمره عسر مع ربه ونفسه ورحمه والناس يغلب عليه ذلك حتى يشار إليه بالبنان فليس له من التقوى سوى ما زعم . اليسر حلاوة حياة يلفاها الانسان في صدره قبل أن تكون صورة نمطية يتقمصها الانسان ليوهم نفسه أو غيره بالتقوى . ليس الانسان من يشهد لنفسه باليسر بل الناس بأغلبيتهم عادة ما يشهدون له بذلك أي الذين يعاشرونه دون من لا يعرفون عنه سوى الاسم أو المنصب أو أثر القلم . إختبر حياتك وإرصد قالة عشرائك فيك فإن الدين بالشهادة " إذا رأيتم الرجل يرتاد المسجد فأشهدوا له بالايمان ".
مواضع أخرى من اليسر في الدين والحياة :
ـــ القرآن الكريم ميسر للذكر والدعوة والهداية " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر".
ـــ الانسان ميسر سبيله في الدنيا " ثم السبيل يسره ". وهو سبيل الحمد والعبادة والاخلاص .
ـــ المثال التطبيقي للاسلام يسير العلم والعمل " ونيسرك لليسرى ".
ـــ الانفاق أمارة يسر " فأما من أعطى وإتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ".
ـــ اليسر يجمع الناس والعسر يفرقهم " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فأعف عنهم وإستغفر لهم وشاورهم في الامر ".
إذا كانت الحياة يسرا أو لاتكون إرادة إلهية فالاسلام ـ مخها ـ بذلك أولى :
الاسلام مبنى لغويا هو عين اليسر فالسلام مع السلام ومع كل الانام هو لب الاسلام .
هل سألت نفسك يوما كيف تكون العقيدة يسرا لا بل كيف يكون الجهاد القتالي يسرا ؟
أم تظن أن اليسر في الاسلام بمثل بقعة بيضاء في ثور أسود ؟ أم تظن أن اليسر حيلة أتى بها العلماء تشريعا للتسيب والتفصي والمداهنة أما الاسلام فهو منها براء أو نصف براء ؟ أم تظن أن مبلغ القول في يسر الاسلام بعض الرخص الواردة في العبادة حال السفر والحيض ؟
إذا كان إبن القيم عليه الرحمة والرضوان قال بحق " الاسلام كله رحمة وعدل وكل ما خرج عن ذلك فليس منه ولو لبس به تلبيسا " فإن لك أن تقول معه " الاسلام كله يسر ولطف وتخفيف وكل ما خرج عن ذلك فليس منه ولو لبس به تلبيسا ". مشكاة بعضها من بعض .
فهل من مدكر وهل من قائم معي نتفكر ؟
الهادي بريك ــ ألمانيا
الهادي بريك
04-07-2006, 18:03
هـــل مـــن مـــــــــــــــــدكر ؟
الذكرى السابعة : الرشوة مثالا على آفات التدين
لعل الرحمان سبحانه يعين على جمع ما تيسر من آفات التدين في كنف رسالة . ذاك موضوع يشغل بالي منذ زمن بعيد إذ حين يتحول التدين إلى بؤرة آفات عقلية ونفسية وإجتماعية عفنة فإن الدعوة الاسلامية تندحر دون شك ويخيم علينا الانحطاط مجددا في زمن نستقبل فيه ضربا معاصرا من ضروب الانحطاط : الوافد الغربي وتأثيراته البالغة .
أصل الرشوة :
لغة : رشا يرشو رشوا ورشى يرشي رشيا : الجذر الاول أحق لواو مضارعه المثبتة في مصدره . أصلها الثلاثي رشو أو رشي . رشاه : أعطاه كلاما مدحه به أو مالا يقضي به عنده مأربا . والرشوة نسبة إلى القلة كالرش من البخار أو الماء . ونسبة إلى الخفاء أحيانا خفاء الرش من البخار والماء . ويزاد الفعل : إرتشى وإسترشى وأرشى .
معنى : لم ترد في القرآن الكريم ولو مرة واحدة ولكن جاء فيها حديث صحيح يقول فيه عليه الصلاة والسلام " لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما " . كما ورد عن بعض الصحابة قولهم " كنا نرشي الاعرابي بثوب ومثله ليسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن أمر نريده ". وقصة ذلك أن كثيرا من الاصحاب سيما الاجلاء منهم فقها وأدبا يعترض لهم الامر يطلبون له قولا منه عليه الصلاة والسلام فيمنعهم من ذلك كثرة السائلين أو غير ذلك مما يظنون أنه يجلب له التبرم سوى أنه لفرط حيائه يهش ويبش في وجه كل أحد ... فيختلفون إلى القادمين إليه عليه الصلاة والسلام ممن لا يعرف ويعطونه ثوبا أو غير ذلك ويقولون عن ذلك " كنا نرشي الرجل ليسأل لنا النبي عليه الصلاة والسلام " . وذلك يفيد أن للرشوة معنى لغويا آخر عرفيا لا يشترك مع المعنى الشرعي سوى فيما لا مناص فيه من الاشتراك بسبب وحدة الجذر .
القرآن الكريم والرشوة :
قال تعالى في سورة البقرة " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالاثم وأنتم تعلمون ". وذلك في سياق التفرغ شبه الكلي في هذه السورة الاطول والاعظم لبني إسرائيل بسبب تمحضهم سيما بعيد الهجرة لاخطر سلاح فتاك من الداخل أي سلاح النفاق الذي برعوا فيه كما لم يبرع فيه بشر فوق البسيطة . سرعان ما إنتقل الوحي هنا من توجيه المؤمنين في بعض الاحكام التعبدية والمالية إلى مواصلة الحملة عليهم وبدأها هذه المرة بفضح غريزة التحايل فيهم كأنها غريزة لم تنبت فيمن سواهم من البشر . بدأ بتحرير الرشوة تحريرا موضوعيا يعرض عن إسمها ـ وكثيرا ما يهمل القرآن الكريم الاسماء والاعيان ليتفرغ لتحرير الحقائق ـ ليبين حقيقتها ومظهرها وأثرها وذلك أدعى في النفوس الكريمة الابية أن تنزجر عنها بوصفها " باطلا وإثما ". ثم ثنى بقضية تحايل أخرى وهي تزوير التقوى من خلال دوس حقيقتها في النفوس زكاة والتنسك بمظهر بال منسوب إليها وهو إتيان البيوت من ظهورها .
الرشوة أكلا لاموال الناس بالباطل في حماية القانون إثما معلوما : صناعة إسرائيلية:
لم لم يذكر الرشوة في سورة أخرى لم تتناول قضية بني إسرائيل بالاساس ؟ لان الرشوة بذاك المعنى صناعة إسرائيلية أخبر عنها في موضع آخر حكاية عن قولهم " ليس علينا في الاميين سبيل " أي أن دماء وأعراض وأموال غير " شعب الله المختار " سيما من العرب الاميين غير أصحاب الكتاب السماوي مثلنا حلال علينا شرابا سائغا زلالا . ولذلك ألمح هنا إلى أن ذلك العمل فعل باطل حتى لو إحتمى بالقانون الحاكم وهو ما يعبر عنه الفقهاء بحكم الديانة الذي قد يخالف حكم القضاء لانه عليه الصلاة والسلام يقول " لعل بعضكم يكون ألحن من بعض فأقضي له فمن قضيت له بشيء من ذلك فلا يأخذه " ولذلك جاء التشديد من الوحي ـ قرآنا وسنة ـ كبيرا عظيما على أولوية النية خلوصا له سبحانه في كل عمل حتى رهن كل عمل بنية صاحبه " إنما الاعمال بالنيات ". ولقد حرص الوحي الكريم دوما على تبيين صنائع بني إسرائيل للناس عامة و المؤمنين منه خاصة لئلا يختلط في الناس مفهوم أهل الكتاب على إطلاقه بقيم الحلال والحرام فيشتبه الدين أو يتأثر بهم ضعاف النفوس من المؤمنين أو من يعاني من عي في فهمه سيما أن التحايل سبيل للنفس حين تضطرها العاديات وقد يخفى على بعضها أن حلاله حلال وحرامه حرام لكثرة الملبسين من بني إسرائيل الذين جعلوا التحايل شريعة إسرائيلية مكرا على الله سبحانه كما في حادثتي تحريم الصيد عليهم يوم السبت وشحوم بعض الانعام وغير ذلك .
حقيقة الرشوة ومشارب الناس فيها تحايلا وتشددا :
حقيقة الرشوة هي العدوان على الانسان من خلال التحايل على أكل ماله بالباطل بدون رضاه وعمدا قاصدا ليس فيه غفلة ولا نسيان ولا إكراه ولا جهل . إذا كان ذلك كذلك فعلة تحريمها شرعا وعرفا بين الناس : صون كرامات الناس وحرياتهم في أموالهم وتصرفاتهم المالية وعلاقاتهم الاجتماعية أن تكره على مكروه أو تداس بظلم إذ المال زينة الانسان وقوام حياته .
ولذلك ورد النهي القرآني الكريم فيها صحيحا صريحا " ولاتأكلوا" وركز على ضرب من الرشوة وهوما " تدلوا بها إلى الحكام " وهو الضرب الاغلب في حياة الناس وعلى المقصد القلبي الذي لا يعلمه سواه سبحانه " لتأكلوا فريقا من أموال الناس " وعلى الشعور الغريزي الفطري في الانسان وهو يأكل الرشوة " بالاثم وأنتم تعلمون ". وإشتراط العلم بالحرام في ذلك.
كما أكد الوحي هنا على حرمة الاكل دون العطاء تماما كما فعل مع الربا وذلك في موضعين في آية واحدة هنا . وذلك لكون الآكل مختار دوما للعدوان ـ رشوة وربا معا ـ بينما يكون المعطي غالبا مكرها تلجئه الحاجة وهي في منزلة الضرورة . ولكن ذلك لايشمل الراشي في الحديث لانه يعطي مالا لاقتطاع حق إنسان بغير حق وكذا الرائش لانه تاجر في حقل حرام كله .
أحاطت الاية الوحيدة في قضية الرشوة بكل جوانب الموضوع الظاهرة والباطنة . أما الحديث الصحيح فيها فقد بادر إلى لعنة الاطراف ا لثلاث المتورطة في الرشوة بالمعنى القرآني المعلن آنفا واللعنة هي أغلظ وأشد ما يواجه الانسان فالملعون لو مات على ما لعن بسببه مات مغضوبا عليه مطرودا من رحمة الرحمان سبحانه يوم القيامة وكل ملعون فيه هو كبيرة من الذنوب والفواحش وقد يحجز صاحب الكبيرة الذي مات عليها حتى يقضى بين الناس غضبا عليه وإحتقارا وقد يرد النار تطهيرا له من كبيرته فيمكث فيها بقدر ذلك والله تعالى أعلم .
اللعن النبوي هنا يعكس مدى دوران الاسلام في تشريعه على حقوق الانسان حتى المالية منها .
المسؤولية الجزائية الشخصية في الرشوة المحتمية بسلطان القوة قضاء أو غلبة :
الناس في هذا صنفان : منهم من يظن حقا أن كل مال مغصوب من صاحبه الشرعي بأي سلطة ولو سلطة الحياء حلال عليه زلال كلما لم يكن مساهما في ذلك الغصب وخاصة إذا كان غاصب المال حاكما أو صاحب سلطان ما من قضاء أو غير ذلك عادلا كان أم جائرا معلوم الجور . ومن أقرف ما شهدت في تونس سابقا أن يجتمع صاحب البضاعة المحجوزة من إدارة حرس الحدود أو من مصلحة التفليس بالمحكمة مع بقية الناس في سوق عام حول مزاد علني تعرضه إدارة الحدود أو التفليس ويظل المسكين صاحب البضاعة المحجوزة من بيته أو من طريق تجارته يدلي بسعره مع من يدلي لعله يظفر بماله المغصوب ظلما في أغلب الحالات بأقل ثمن ممكن فإذا تفطنت الادارة لحركة غير عادية في ذلك المزاد تبغي تخفيض السعر لادنى مستوى ممكن رحمة من الناس بذلك المسكين تؤجل البت فيه إلى أجل قابل .
ومنهم من لا يظن ذلك ولكنه يتحايل على أكل المال الحرام ـ الرشوة مثلا ـ أكلا لرقبتها كما يفعل القاضي أو من يقوم مقامه أو أكلا لثمرتها كما يفعل المحكوم له .. فيعمد إلى رفع القضية إلى السلطان الحاكم ويرشيه بمال أو مديح أو قضاء حاجة أو هدية أو أي شيء يريد منه في بطن صدره قضاء حاجته به عدوانا على غريمه أو صاحبه أو خصيمه أو شريكه في تلك القضية . والقرآن الكريم صريح في تحميل كل إنسان مسؤوليته الشخصية ويشتد الامر حين يتعلق بحرمات الانسان " ولا تزر وازرة وزر أخرى " . بل وصل الامر إلى حد عتاب أحد أنبيائه عليهم السلام ـ داوود ـ لمجرد أنه إستمع إلى أحد الخصمين فعلق برأيه قبل أن يستمع إلى الخصم الاخر فجاءه الحق يقول " إنا جعلناك خليفة في الارض فأحكم بين الناس بالحق ". وهو لم يتبع هوى عليه السلام ولكن فاتته الحكمة المطلوبة هنا فما بالك بمن يتبع هواه من القضاة والسلاطين غلبة وقهرا أو من الخصوم تشفيا ونكالا وإيثارا للعاجلة ؟
وسدا لذريعة الرشوة تحرم الهدية للقاضي أو السلطان الذي يحكم في قضية يكون أحد أطرافها ذلك الهادي ولقد بلغ كثير من سلفنا الصالح في ذلك قمما من التورع والتقوى والتحري لا يصدقها العقل المعاصر المخمور بسحر اللعاب الغربي الخبيث .
ومن صور الرشوة في أسواقنا : التحايل على عمليات المزاد العلني لصرف منافس شديد والحقيقة أن صور الرشوة في حياتنا المالية لا يقف لها الانسان مهما رصد على إحصاء لكثرتها بكثرة تشعب الحياة الاقتصادية وتشابك المعاملات المالية التي أضحت تدار بكثرة الوسطاء وكثرة التعقيدات الادارية وبنيابة الصكوك والاوراق عن المال السائل وبطغيان القانون الغربي القائم على شرعية الاحتكار والظلم على حياتنا وأخيرا إنخرطت في اللعبة الشبكة العنكبوتية.
الرشوة مثالا على آفات التدين وعلى حكم شرعي ثابت يدور مع علته :
كل حكم معلل مقصد بالبيان أو بالاستنباط ـ وكل التشريع الاسلامي كذلك سوى الهيئات وما في حكمها في بعض العبادات المعروفة ـ لا تدرك علته ومقصده ولو ظنا غالبا أو لا تنشأ العلاقة بين ذلك الحكم وتلك العلة ... يصيب التدين بآفات عظيمة . الرشوة مثالا :
ـــ رجل إغتصب له السلطان أو من في حكمه مالا بغير حق إسلامي لا قانوني وضعي مخالف للحق الاسلامي : الناس فيه فريقان يتحاجان بالرشوة : أحدهما يحرم دفع درهم واحد لذلك الحاكم أو من ينوبه رشوة لاسترجاع ماله الحلال المغصوب بغير حق بحجة حرمة الرشوة في حين يجوز الاخر رشوة الحاكم ولو بكل المال إضطرارا لصون مثله دفعا لاكبر الضر وتحملا لادناه وتقديما لدرإ المفسدة على جلب المصلحة . الغريب الذي وقفت عليه خبرة للناس أن النفوس تشمئز من الرشوة إشمئزازها من الخمر والخنزير ولكن قليلا منها يصمد أمام مغريات المال والاغرب من ذلك كله أن تلك النفوس التي ترشي تظل تشعر بالذنب حتى لو كان أنسب حكم في دفع الرشوة هو الوجوب المفروض وليس مجرد الاباحة والجواز . ذلك مثال حي لافة واحدة من آفات التدين في موضوع مالي واحد هو الرشوة . آفة عنوانها : رسب فينا الانحطاط نبذ التعليل فكانت آفة عقلية وسحرتنا المادية الاستهلاكية الغربية بلعابها الزعاف فتقحمنا الباطل والاثم والحرام نبذا للورع وطمسا للتقوى فكانت آفة نفسية.
فهل من مدكر وهل من قائم معي نتفكر ؟
الهادي بريك ــ ألمانيا
الهادي بريك
05-07-2006, 20:56
هـــل مــــن مدكــــــــــر؟
الذكرى الثامنة : هل إقتطعت تذكرة لعبور رحلة الجنة ؟
" أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ". البقرة .
" أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ".آل عمران .
آيتان فحسب بهذه الصيغة الاستنكارية " أم حسبتم " تحددان ثمن الجنة " سلعة الله الغالية " بتعبير الحديث النبوي الشريف . فما هو الثمن ؟
1 ــ الامتلاء باليقين القاطع التام في كل الاحوال : حرب وجوع وزلزلة .
2 ــ الجهاد المعلن الظاهر للناس المتدثر بالصبر الجميل خلقا دائما .
ثمن التذكرة : يقين لا يزول يثبت الافئدة أيام الكريهات و جهاد معلوم تحدوه آمال الصبر:
أول ما يلاحظ هو أن الايتين في الزهراوين ولا غرو فالزهراوان زهرة الدنيا والجنة زهرة الاخرة زهراوات بعضها من بعض . كذا يلاحظ بأن الثمن مركب من أمرين : يقين في القلب قائد حياة الانسان ومحرار صلاحها الذي لا يكذب وجهاد متدثر بالصبر ينبت كل منهما الاخر بينما يصدران عن مشكاة واحدة ومصباح واحد : اليقين : أعلى درجات العلم وهو بالترتيب : علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين . الجنة : عين اليقين لا يوصل إليها إلا مسلك واحد إسمه حق اليقين وهذا لا يوصل إليه إلا بمسلك واحد هو : علم اليقين . العلم بالعقل واليقين بالقلب أي وحدة العلم الاسلامي وحدة الانسان المستخلف على رعاية اليقين في الارض أما من إتخذ حياته شيعا : يعلم عقل فيجحد قلب أو يعلم قلب فيجحد عقل .. لست منهم في شيء إلا شيء الدعوة إلى عين اليقين .
ما أقسى هذا الدين الذي لا يمنح الانسان فرصة للراحة : فمن عذاب مكة إلى عذاب المدينة .
الايتان من أوائل ما نزل بعيد الهجرة بالمدينة تهيئان المسلمين إلى مرحلة جديدة عصيبة من الجهاد وكأنهم كانوا على سرر مرفوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة . لابد لهم من التهيء لحملات إسرائيلية ضارية فريقا بالنفاق وفريقا بخيانة العقود وحبك المؤامرات مع قريش وفريقا بالعدوان الجهري المباشر وحملات أخرى من قريش وأخرى من الروم : الاحمر والاسود في مواجهة دين جديد وأقلية قليلة خرجت للتو من تنور العذاب في مكة ومهجرين في الحبشة هناك بعيدا يفصلهم البحر الاحمر . لم ؟ ليس هناك فرصة ولو صغيرة للراحة من العذابات والناس من حولنا يرفلون في النعيم رفلا ويرغدون بطيب العيش رغدا . ها نحن آمنا وصبرنا وأنفقنا وعبدنا وأخلصنا وعلمنا وعلمنا وتبنا . نحن فررنا من مكة لنعيش ونحيا وليس لنموت مجددا . دين قاس بكل المقاييس . من يدين به من الناس وهم يتفرجون صباح مساء على المستضعفين في الارض كيف تتخطفهم القوى الكبرى تفتنهم فتونا وتدك بهم الارض دكا فمن تجويع إلى حصار إلى تجهيل إلى محاولات تكر للتركيع ؟ أمر لا يطاق .
أم أن ذلك حديث النفوس " المؤمنة " التي تجهل طبيعة هذا الدين وعلاقة العقيدة فيه بالجهاد والموت بالحياة والسماء بالارض والمالك بالمملوك والعابد بالمعبود ؟ أجل . كثير منهم صادق في " إيمانه " تذهب نفسه علينا حسرات ألا نستلين للعسف أو نساوم مقدار حبة خردل لنحفظ بقية الدين والحياة . كثير منهم يقول صادقا " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ".
هل يشعر أولئك المحتلون المهجرون بما يشعر به " إخوانهم " في العقيدة ؟ أم أن لهم حياة باطنية قلبية خاصة بهم ؟ هل صحيح أن حلاوة الايمان تصل بالانسان حد تغليف نفسه بالناسفات تحريرا لارضه وذبا عن عرضه أم هو يأس ؟ الجهاد مقبول ولكن لم يعذب المجاهد أهله من خلفه : يتزوج إمرأة في ريعان الشباب ثم يختار الموت " في سبيل الله " ليرملها أو تنجبه أم حانية فيكبر ليثكلها ؟ أمور كثيرة غير مفهومة . هل أن ذلك الغموض فينا نحن فحسب أم في المجاهدين أنفسهم . من يترفق بمن ؟ ومن يشفق على من؟ العقيدة واحدة ولكن عملها في الناس مختلف جدا جدا جدا .
الجنة للذين آمنوا وعملوا الصالحات . فلم الجهاد والموت والعذاب والصبر على ما لا يطاق؟
1 ــ الجهاد خلق المؤمن دوما وبدونه لا يكون المؤمن " مؤمنا ".
معنى ذلك أن كل إنسان ستقيمه الاقدار التي لن يختار مناشئها الاولى حيث يكون له موضع جهاد وأدنى الناس في ذلك أبدا : جهاد لكسب الايمان وجهاد لتجديده وجهاد لعبادة ربه وجهاد للاخلاص له وحده وجهاد لتحرير حياته بأسرها له وحده " إياك نستعين " وجهاد للعلم وجهاد لطلب العيش وجهاد لبر الوالدين وجهاد لحسن الصلة بالناس وجهاد للانفاق وجهاد لانشاء أسرة وجهاد للقيمومة عليها تربية وعولا وجهاد للامر بالمعروف والنهي عن المنكر بقدر المستطاع في أدنى دائرة ممكنة متاحة وجهاد لحسن الخلق مع الناس كلهم وجهاد لشكر ولي النعمة على كل خير وجهاد للصبر على الضراء من كل ضرب وجهاد لتحري الحق في الافكار والحلال في المطعومات وجهاد في حسن تأدية العبادات شكلا ومضمونا سيما الصلاة والزكاة والصوم والحج وجهاد لبث العلم صنعة يد أو فكرة في الرأس وجهاد .. وجهاد .. وجهاد ..
2 ــ الجهاد الذي حل أوانه ثمن السلعة الغالية من تأخر عنه بدون عذر فقد أسلم نفسه للعذاب:
يستغرب الناس من حول الفلسطينيين اليوم كيف تدور حياتهم تحت الرماح الاسرائيلية تحصدهم من كل صوب وحدب قياما وقعودا وعلى جنوبهم ضحى يلعبون وليلا ينامون . إستغراب في محله بالتمام والكمال بسبب كون الازمة تلك الهمة كما قال الامام عبده أو غيره . كذلك فعل الجزائريون من قبل مع فرنسا الصليبية وقبلها الفياتناميون مع أمريكا المتصهينة .
إذا إنطبق عليك الجهاد " السلمي " في الفقرة الانفة فبها ونعمت ولن تحاسب يوم القيامة على غير ذلك ولكن إذا إحتل لك وطن أو أعتدي على عرضك فالاسلام يحول حياتك جهادا موصولا بالليل والنهار حتى تتحرر أو تموت ويرث عنك خلفك ذاك وقد يدوم ذاك قرونا طويلة .
3 ــ مثلث إسلامي قل من يند عن أقداره الغلابة : الايمان و الهجرة والجهاد :
مبنى ذلك هو أن الانسان مفطور على رعاية مصلحته العاجلة بحسب ما ألفى عليها أهله وسلفه فإذا نشأ إيمان جديد قريبا منه يدعو إلى تحرير الانسان أدرك أن ذلك يعني تهديدا لمصلحته تلك ولو كانت تافهة جدا فيحمله قومه على مقاومة ذلك فربما يضطر ذلك المؤمن الجديد إلى الهجرة طلبا لحرية العبادة والدعوة وربما تتيسر له ظروف التمكين ولو نسبيا فيجاهد لنشر عقيدته وقد يحيا وقد يموت وقد يربح وقد يخسر . مثلث مرتبط بعضه ببعض مرتهن بعضه لبعض لا يفهم سر ذلك سوى مؤمن عاش حدث ذلك الارتباط وذاك الارتهان بلحمه ودمه . وقد يؤمن الانسان ولا يهاجر ولا يجاهد وقد يؤمن ويهاجر ولا يجاهد ولكن ذلك في العادة قليل نادر بسبب هيمنة سنة الابتلاء على الوجود بأسره وبسبب كون الدنيا بأسرها قنطرة لحياة أخرى أول مشهد فيها هو مشهد المحكمة العليا الاخيرة ليحق الحق ويبطل الباطل ويكون فريق الجنة راضيا مرضيا وكذا فريق السعير راضيا مرضيا فلا ظلم اليوم ولا بعد اليوم بعد ما إنداح الظلم وإنساح وإجتاح من قتل قابيل لهابيل حتى آخر مظلوم فوق الارض .
دين قاس ولكن المحير فيه تنزله لنا اليوم في هذه الساعة زمانا ومكانا وحالا :
راجع الايات الانفة وغيرها من الذكر الحكيم ثم أطو مصحفك وأنظر بقلبك في ما يهز الناس اليوم سواء إنتصبوا أمام شاشات البث أم ركنوا إلى الدعة على الشواطئ الجميلة .
لم يكلف الوحي نفسه عناء ذكر مكان ولا زمان ولا أي شخص من شخوص المشهد الجهادي آنف الذكر وليس لنا في ذلك سوى بعض أسباب النزول التي حتى لو لم يعلم بها عالم لما دحض ذلك من دينه وحجته وهي مهما كانت موثقة فإنها لا ترتقي لدرجة قطعية القرآن الكريم ويمضي الخطاب القرآني يجدد الايمان في النفوس إهمالا لسائر مكونات المشهد إلا مشهد الايمان حين يحلو في النفوس ويصنع العجب العجاب الذي يشفق بسببه أهل الشهيد وذوو القتيل وشركاؤه في العقيدة عليه وربما بكوا وناحوا وبدلوا سياستهم حيال العدو السفاح.
إقرأ الايات ثم أنظر إلى فلسطين في هذه الساعة بالذات وإنظر إلى من حولها . هو دين قاس دونه الموت الزؤام ولكن كيف يخبرنا عن حالنا كأنه يتنزل علينا نحن بالذات اليوم ولا يصلح لسوانا ؟ لن يدرك الجواب بشر فوق البسيطة حتى ينخرط في الجهاد بعد الايمان وقبل الهجرة أو بعد الهجرة . لن يدرك الجواب بشر فوق البسيطة بعقله وحده ولكن بقلبه وعقله معا .
ذلك هو بالضبط معنى كون الاسلام يوجه حياتنا في الماضي والحاضر والمستقبل وفي ساعات النصر والهزيمة بالسواء وفي عصر الثورات الاعلامية الهادرة والفيافي المقفرة تمخر عبابها الابل ويحيا فيها الانسان ـ مؤمنا مهاجرا مجاهدا ـ لم يبصر يوما بعينيه أكثر من لحاف السماء الازرق وأديم الارض الاشهب ولم يلتقط سمعه يوما أكثر من عواء الذئاب الجائعة . أي الانسانين أقرب إلى الحضارة والمدنية والرقي : من يرفل في الحرير برا وجوا وبحرا لا توحي له صرخات هديل غالية بشيء أو من يحنو على كلب ظامئ يرمض يسقيه بموقه وربما كان هو ذات الكلب الذي أكل دجاجته بالامس وخروفه أول أمس ؟
ألا ما أقسى الحرب الفكرية علينا أما الحرب العسكرية فرجالها كثر يصنعون عتادهم بأيديهم.
هل أدلك على مصنع اليقين والجهاد والصبر فتقتطع تذكرة الجنة : وغى حامي الوطيس .
أسألك بداية : هل تعلم أن كثيرا من الصحابة لم يعرفوا القرآن الكريم بأسره كاملا لسبب أو لاخر ومنهم من لم يسمع منه إلا قليلا ؟ هل تعلم أنهم لم يكونوا يتوافرون على السنة والحديث والسيرة بمثل ما نتوافر عليها نحن اليوم ؟ هل تعلم أنهم كانوا أميين كثرة كاثرة ؟ هل تعلم أنه لم يملك واحد منهم يوما كتابا : لا قرآنا ولاسنة بسبب عدم التدوين فضلا عن الكتب الاخرى التي ترفل بها اليوم مكتباتنا المنزلية فضلا عن العامة ؟ هل تعلم أن الذي دفعهم للايمان والهجرة والجهاد وشيد بهم جبالا من اليقين شامخة وتلالا من الصبر شاهقة ليس العلم بنحو ما نفهمه نحن اليوم ونتناوله ؟ سر عجيب . تلفى اليوم الواحد منا يحوي رأسه من العلم والفقه والمعرفة بدقائق الاسلام وسائر العلوم ملء الارض وبالكاد يتسلل الايمان إلى قلبه وسرعان ما يخفت أو يموت في ريبه ويعتلج في شكه أما الهجرة والجهاد فعمل من عمل التطرف والارهاب والتهلكة والتنطع والتشدق ... . هل تعلم مصنع اليقين والجهاد والصبر لتقتطع تذكرة الجنة ؟ مصنع واحد إسمه يا صاحبي : ساحة الوغى . أي وغى ؟ كل وغى بحسب ما تيسر لك . المهم أن يكون وغى حاميا وطيسه . ليكن وغى " سلميا " فليكن . المهم أن يكون وغى والاهم من كل ذلك ألا يكون وغى خاصا بالجامدين عقلا والاسنين نفسا والمترفين حياة والتائهين وجودا. كل إمرىء جعل له ربه وغى قريبا منه . حتى لو كان والداك وغاك فنعم الوغى وغاك . أو العلم أو العمل أو الانفاق أو الخلق أو .. . شباك بيع تذاكر الجنة : الوغى . فإحذر أن تغش بتذكرة فات أجلها . أمارة التذكرة الصحيحة غير المزيفة : قلب يحدثك بوغاك الحامي دوما ومأقى مدرار ولسان ذكار ويمين بالانفاق مبسوطة ولهف ساخن على قضية الاسلام دعوة وحضارة وجهادا وإجتهادا .
فهل من مدكر وهل من قائم معي نتفكر ؟
الهادي بريك ــ ألمانيا
نصر الدين
10-07-2006, 23:48
بسم الله الرحمن الرحيم
فهل من مدكر وهل من قائم معي نتفكر ؟
نقوم معك باذن الله رغم ان الهمم متباعدة والانفس متفاوتة وارادة الاميال ليست كارادة الامتار.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
فهل من مدكر وهل من قائم معي نتفكر ؟
نقوم معك باذن الله رغم ان الهمم متباعدة والانفس متفاوتة وارادة الاميال ليست كارادة الامتار.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته