شبكـــة الحوارنــت الإعلاميـــة

موقع إخباري حواري يهتم بالشأن المغاربي والجالية العربية الإسلامية بأوربا
 

.

إغتيال بلعيد و قميص عثمان

بتاريخ : 2013-05-09 الساعة : 13:28:32

اسم الكاتب : محمد العكريمي     التصنيف : مقالات وآراء

 
نص المقال : تجدر الاشارة في البداية إلى أن الاغتيال مرفوض دينيا و سياسيا و اجتماعيا. فالله – سبحانه و تعالى- ينهى عن القتل " (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ,,, " أي في حالات محدودة كالقصاص مثلا , و الاغتيال السياسي علامة جبن يرتكبه العلوج العاجزين عن المواجهة و مجابهة الخصم بنفس السلاح. أما اجتماعيا فالاغتيال حرمان من الحياة و فاجعة للعائلات و الأصدقاء و جريمة قصوى ، و هو ما يفسر التعاطف الشعبي الكبير مع المرحوم شكري بل عيد و استنكار التونسيين بمختلف فئاتهم و توجهاتهم لجريمة قتل رئيس حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، حيث لم نسمع بتونسي واحد عبر عن ابتهاجه أو استحسانه لهذه العملية.

و يمكن تصنيف الاغتيالات السياسية إلى صنفين:

صنف بسيط و واضح يحمل إمضاء مرتكبيه الذين يفاخرون به بهدف تخويف أعدائهم أو كسب أنصار جدد لت وجهاتهم.

و صنف مركب، معقد لا يمكن التوصل لمقترفيه لأنهم يرمون من خلاله إلى زرع الغموض و بث الريبة و خاصة توجيه الاتهامات إلى طرف معين يبدو لأول وهلة و في قراءة بسيطة المتهم المنطقي. مع أن المجرم الحقيقي هو طرف خفي يكون أحيانا من نفس مجموعة من تم إغتياله بهدف التخلص من منافس أو توجيه الأنظار لأعدائهم و تبرير التخلص منهم ، مثال إغتيال رفيق الحريري لتوريط سوريا و بصفة أشمل أحداث 11 سبتمبر التي قد لا تعرف حقيقتها أبدا و التي يعتبر البعض مثل "تياري مايسان" أنها مدبرة من وزارة الدفاع الأمريكية و تندرج ضمن هاجس "المؤامرة الاسلامية العالمية".

و يبدو أن اغتيال شكري بلعيد يندرج ضمن الصنف الثاني حيث كثرت التخمينات و الاتهامات التي تطلق جزافا  و الموجهة أساسا لمن يراد التخلص منهم (النهضة و لجان حماية الثورة ثم المخابرات الجزائرية و الفرنسية ثم  البحري الحلاصي و غيرهم...)

و لكن هذا الاغتيال كان بمثابة الهدية السماوية و المفاجأة السارة و غير المتوقعة  بالنسبة لحلفائه و أعداء أعدائه فأحسنوا استغلالها و استثمروها و وظفوها لتحص ين مواقعهم و كسب تعاطف فئات أخرى من المجتمع.

بل أصبح إغتيال الشهيد شكري بلعيد أشبه ما يكون ب"قميص عثمان" ذلك القميص المضرج بالدماء و الذي استعمله معاوية عندما أحس فتورا لدى جنوده فلوح بالقمبص فحرك سواكنهم و أصبحت عبارة "قمبص عثمان" تطلق على كل ما يراد به التحريض و الإثارة. و قد اعتمدت خطة المعارضين للحكومة و بالخصوص لأهم أطرافها، حركة النهضة على ثلاثة عناصر:

أولا: المغالطات .

و قد تجلت بالخصوص في مجموعة من الأكاذيب و الإدعاءت التي تجندت أغلب وسائل الإعلام للترويج لها. و أهمها:

- الإتهام المباشر الموجه للشيخ راشد الغنوشي  كمخطط لعملية الاغتيال . و قد ورد الاتهام عن طريق يسمة الخلفاوي (زوجة أو طليقة بلعيد؟؟؟) و هو إتهام خبيث يريد ضرب حركة النهضة في الصميم ، خاصة إذا ورد في وسائل إعلام غربية لم تتعود على التهم الجزافية و الأكاذيب لأنها تكلف مروجيها غاليا, كما يراد إيهام المتلقي أن الغنوشي يخشى بلعيد و يعتبره ندا له (مع أن النهضة حصلت على حوالي 38 من الأصوات في انتخابات التأسيسي دون إعتبار أصوات أنصارها التي انتفعت بها قائمات أخرى (1) مقابل  0,46 لقائمات حركة الوطنيين الديمقراطيين و بذلك يتم جلب الأنظار لهذا التنظيم الهامشي و يحصل على مساحات إعلامية أكبر و هو ما تم فعلا حتى أن الخلفاوي و الرحوي و زياد الأخضر و أشقاء بلعيد و غيرهم،  أصبح لهم حضور شبه يومي في وسائل الإعلام و أصبحت الأولى تشرف على الاجتماعات الشعبية داخل الجمهورية و تستدعى للمحافل الدولية.و أدلى أحد أشقاء بلعيد بدلوه من خلال الحديث عن تهديد وصل لوالده لثنيه عن إتهام حركة النهضة (و هو شيء مضحك)

- أما المغالطة الثانية فجاءت على لسان الصحافي سفيان بن حميدة الذي كرر أن تونس لم تعرف في تاريخها الحديث اغتيالا تونسيا-تونسيا، بل لم تعرف سوى اغتيال فرحات حشاد (و تم عن طريق منظمة إرهابية فرنسية) و اغتيال أبو جهاد (و ليس تونسيا و اغتاله غير تونسيين) و هو ما يعني أن حكم الترويكا (أو النهضة) هو الاستثناء و هذه سابقة سوف تتكرر ما دامت في الحكم. و الغريب أن هذه المغالطة وجدت صدى في أماكن عامة و وسائل إعلام. و لم يحاول أحد دحضها رغم أن صحف السنوات الأولى من الاستقلال مليئة بأخبار الاغتيالات، و على سبيل الذكر:

-جريدة الأسبوع ليوم 9 ديسمبر 1955 تورد عناوين:

اغتيالات تنظم و تنتشر انتشارا مريعا بالعاصمة و خارجها.

هجوم على إدارة جريدة الصباح و مصرع الصحافي محمد بن عمار

-مقتل الطاهر لزرق ليلة 28 ماي 1956

-اغتيال النائب بالمجلس التأسيسي الحسين بوزيان يوم انتخابات المجلس

-مقتل ثلاثة مرشحين للبرلمان في الجنوب أو ما عرف يقضية صالح النجار (2)

أما استشهاد الزعيم صالح بن يوسف فممنوع الحديث عنه لأنه قد يعرض مرشح معارضي الترويكا للرئاسة الباجي قايد السبسي للمساءلة، و قد تجاهل بن حميدة أن هذا الاغتيال خطط له تونسيون و نفذه تونسيون.

و حتى السنوات الأخيرة شهدت حالات من الموت المستراب (فوزي السنوسي، علي السعيدي و بعض الاسل اميين....)

و هو ما يبين حجم المغالطة التي روجت لها قناة نسمة و تداولها البعض عن جهل أو عن سوء نية.

- أما المغالطة الثالثة فجاءت على لسان عبدالعزيز المزوغي  الذي برأ اليسار من إستعمال العنف و جعله مرتبطا بظهور الاسلاميين على الساحة. و هو إتهام وقح فاليسار الذي كان يسيطر على الجامعة و يرفض أي خطاب مخالف له كان يستعمل كل أساليب العنف مع الطلبة الدستوريين و تم حلق شعر عدة طلبة على شكل "ف" (فليك أي مخبر) و إهانتهم حتى لم يعد طالب واحد يجاهر بإنتمائه للحزب الحاكم. و أرغم وا القوميين و منتسبي الحزب الشيوعي آنذاك على الانسحاب، و في سنة 1974 و مع بروز الاتجاه الاسلامي في الجامعة أراد طلبته مثل حسن الغضباني إبداء رأيهم أثناء الملتقيات الجامعية فتصدى لهم اليساريون بالعنف مما أدى إلى مواجهات بين الطرفين يتحمل مسؤوليتها اليسار الرافض لكل صوت مخالف و الغريب أن بعض أباطرة هذا العنف مثل سفيان بن فرحات يتشدقون اليوم بالديمقراطية و رفض العنف,

ثانيا : جعل بلعيد رمزا

أصرت بعض وسائل الاعلام على جعل شكري بلعيد رمزا للنضال من أجل الحرية و الديمقراطية و رغم أن توجه حزبه هو المارك سية التروتسكية المتمثلة في الثورة الدائمة من أجل إقامة دكتاتورية البروليتاريا  و التي تشرع "للعنف الثوري" فإن البعض يتحدث عنه و كأنه "المهاتما غاندي" و قد استغل أنصاره التعاطف الشعبي معه لفرض اسمه على البلديات و المنشآت و استغلاله في الانتخابات و المناسبات. فأصبحت هناك العديد من ساحات شكري بلعيد، حتى في جامعة منوبة التي لم يدرس بها و لم يكن من أساتذتها (ألا يستحق الشهيد حاتم بالطاهر هذا الشرف أيضا و هو الجامعي الذي استشهد خلال الثورة ؟ ) و ترشح العديد من طلبة الاتحاد العام للطلبة تحت شعار قائمات شكري بلعيد ، و وضع مؤتمر الاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان تحت شعار "الوفاء لشكري بلعيد" فهل أصبح كل النقابيين منتمين للوطد؟  و قد قيل أن الشعار نفسه ورد في مؤتمر المحامين الشبان و أصبح شعار "يا بلعيد يا بلعيد، عن دربك لن نحيد" شبه نشيد رسمي لبعض النقابات و هو ما جعل رفاقه في الحزب و الجبهة يعتقدون أن الحكم أصبح "ثمرة قد أينعت و حان قطافها "

ثالثا: استغلال الاغتيال لاغتيال الشرعية:

أيا كان عدد الذين شيعوا جنازة بلعيد أو الذين احتفلوا بأربعينيته فهم اضعاف أضعاف أنصار الجبهة بل يتجاوز عددهم عدد أنصار الجبهة+ الاتحاد من أجل تونس ، الذي انخرط في تمجيد بلعيد رغم أن السبسي كان يعتبره قبل أشهر مسؤولا عن الفوضى و الاحتجاجات و لكن الغاية تبرر الوسيلة خاصة و أن عدة أعضاء من النداء مستعدون للتحالف مع الشيطان ضد النهضة (محسن مرزوق الوطدي أصلا ، رجاء بن سلامة التي تعتبر استفزاز الاسلاميين أقصر طريق للشهرة،  بقايا حركة التجديد التي رفضت أي تنسيق مع الاسلاميين في س نوات الجمر...)

و قد أوحى ذلك لحمة الهمامي بأنه الأولى بتسلم الحكم بفضل دم المرحوم. و هذا يتطلب ثورة جديدة أو إنقلابا على الشرعية. و الكل يذكر محاولة إعادة سيناريو 14 جانفي (المرور من شارع الحبيب بورقيبة، رفع شعارات إسقاط الحكومة، الترويج لهروب الغنوشي...) و لكن الخطة فشلت فتم اللجوء إلى السيناريو الثاني و يتمثل أولا في تشويه صورة الحكومة لدى الشعب لعجزها عن التحكم في الأسعار (التي من أسبابها الاضرابات و الاعتصامات التي تؤججها الجبهة..) و استتباب الأمن، و تعبئة الإعلام المناهض للترويكا في معظمه، و استغلال كل المناسبات للتحريض و الإثارة بإحتجاجات دورية و مسيرات غير مبررة مثل ما تم أمام بلدية صفاقس و كانها مسؤولة عن التحقيق حول اغتيال بلعيد.

و المرحلة الثانية هي طبعا محاربة الشرعية من خلال المطالبة بحل التأسيسي و هنا ينبغي التذكير بأن أول من نادى بتكوين مجلس تأسيسي هو حمة الهمامي نفسه ، فبعد الثورة طالب العديد من السياسيين بإجراء استفتاء حول فصول الدستور القديم الواجب تغييرها و هو ما لم يكن يتجاوز أشهرا قليلة و لكن الهمامي رفع شعار المجلس التأسيسي و ردده بعده معتصمو القصبة و منهم من لا يعرف ما معنى تأسيسي أصلا, و كان الهمامي يأمل بتواجد هام لأعضاء حزبه لفرض بنود تتماشى و أفكاره الماركسية-اللينينية  و ها هو الآن ينقلب على المجلس المنتخب بكل شفافية بإسم مؤتمر انقاذ تشرف عليه الجبهة و اعضاؤها الذين يشكلون المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل ليكلف بتشكيل حكومة انقاذ (ما دام هو صاحب الفكرة و المروج لها) تشرف بالطبع على الانتخابات القادمة و تقصي من تريد. و قد تواترت في 1 ماي تصريحات النقابيين التي تصب في هذا الاتجاه فأعلن محمد شعبان كاتب عام إتحاد صف اقس (من تيار المود أحد مكونات الوطد) أن الشرعية الانتخابية انتهت و عوضتها  شرعية الوفاق (حول ما يسمى بمؤتمر الانقاذ ) و تبجح بوعلي المباركي بأن الاتحاد سيواصل دوره السياسي "كره من كره و أحب من أحب" و رفع النقابيون شعار "الاتحاد أكبر قوة في البلاد" بما يعنيه من غطرسة و سيطرة و ترويع و ديكتاتورية مقنعة بإسم الدفاع عن الديمقراطية و حقوق الشغالين، و هي أشد و أنكى من دكتاتورية النظام السابق.

و لتحقيق هذا السيناريو يجب تعطيل كتابة الدستور و الانتخابات التي قد يفضي إليها، لأنها لن توصل الانقلابيين و الاستئصاليين إلى الحكم ، بتجييش الرأي العام ضد أعضاء التأسيسي و منحهم المرتفعة في ظرف إقتصادي يتطلب التقشف من الجميع، و التشكيك في رئيس المجلس و مقرر كتابة الدستور حتى أن المسماة رجاء بن سلامة تريد رفع قضية ضد هم، و الاعلان عن رفض إجراء الانتخابات قبل الكشف عن قتلة بلعيد و إذا ربطنا ذلك بتصريح المدعو عبدالناصر العويني بأن نتائج التحقيق مرفوضة مسبقا ندرك أن الجبهة قررت في كلا الحالتين تعطيل الانتخابات لإنضاج مخطط الانقلاب على الشرعية, بتواطئ من إتحاد الشغل، فلو تم الكشف عن القتلة سيتم  رفض نتائج التحقيق لأنها مزورة "للتغطية عن المجرمين الحقيقيين و هم من حركة النهضة" و لو استحال الكشف لأسباب موضوعية تتعلق بطبيعة "الاغتيال المركب" فسيتم اتهام الحكومة يالسعي "لإخفاء الحقيقة".

و لكن أجندات المتآمرين مبنية على عدة أوهام لن تصمد طويلا:

-إن الذين تعاطفوا مع الشهيد بلعيد ليسوا بالضرورة من أنصار أفكاره و توجهاته و إستخدام حادثة إغتياله قد أصبحت مستهلكة أكثر من اللزوم و قد لا تثير غير أنصار الجبهة.

-إن اصطفاف النقابيين وراء إتحاد الشغل يهدف للحصول على مزيد المكاسب المادية و لا علاقة له بالتوجه الايديولوجي لقياداته. و لئن أصبح قوة ضاربة بالمفعول السحري للزيادات في الأجور فسوف يعجز عن تعبئتهم لأسباب سياسية، بوصفه أصبح ذراعا للجبهة الشعبية،  و يبقى الأمر مرتبطا بنجاح الاتحاد في تغليف الأجندا السياسية بمطالب نقابية.

-هل للجبهة القدرة على تعطيل الانتخابات فعلا و إلى ماذا سوف تلجأ لتحقيق ذلك؟ للعنف أم للاعتصامات في مراكز الانتخاب؟ و سوف يكون لذلك مفعول عكسي.

-تضع الجبهة التحالف مع الاتحاد من أجل تونس كورقة احتياطية نجحت في استعمالها في انتخابات المحامين الشبان و لكنها لن تفلح في ذلك في ظروف أخرى لتناقضات حول الزعامة و لرفض أطراف من الجهتين لهذا التحالف الهجين.

- لا تقيم هذه الخطط وزنا للطرف المقابل. صحيح أن بعض كوادر النهضة مندفعون و يعوزهم الده اء السياسي و لكنه يتوفر لديها من هو قادر على مواجهة المناوئين بذكاء و فطنة (القائد حمادي الذي نجح في امتصاص التجييش ضد النهضة بعد اغتيال بلعيد، علي العريض ، عبداللطيف المكي ...) و إفشال مخططاتهم.

و لكن ما ينبغي أن تتفطن له النهضة هو أن حلفاءها (التكتل و المؤتمر) قد أرهقتهم الانشقاقات و الانقسامات و أن النهضة نفسها سوف تدفع ثمن تولي الحكم في الانتخابات القادمة و لا بد من توسيع دائرة التحالف إلى أطراف اخرى حتى لا تفوز النهضة في الانتخابات القادمة و تعجز عن تكوين حكومة. كما أنه من الضروري تكثيف الاجتماعات الشعبية بإشراف إطارات ذات مصداقية و إشعاع  مثل الشيخ عبد الفتاح مورو  و القائد حمادي الجبالي.

 =================================.

  (1): أمظر مقالنا "بركة النهضة تشع على جيرانها" في هذا الموقع.

(2): جريدة "لا بريس" 3 سبتمبر و 4 أكتوبر 1960.

(3) أنظر مقالنا ":كيف أصبح إتحاد الشغل  أداة لتنفيذ أجندات الجبهة الشعبية"
 

مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
   

link : http://www.alhiwar.net/ShowNews.php?Tnd=24403