شبكـــة الحوارنــت الإعلاميـــة

موقع إخباري حواري يهتم بالشأن المغاربي والجالية العربية الإسلامية بأوربا
 

.

رجال عرفتهم (5) الشّيخ راشد الغنّوشي

بتاريخ : 2021-07-17 الساعة : 12:09:01

اسم الكاتب : طه البعزاوي     التصنيف : الكلمة الحرّة

 

تذكير:
(رجال عرفتهم)،  سلسلة أو مجموعة من المقالات بدأتها منذ عدّة سنوات أتحدّث فيها عن مجموعة من الرّجال الذين عرفتهم وعاشرتهم، من إخوة وأصدقاء وأهل وأحباب أو حتّى ممّن كان لي معهم لقاءٌ قصيرٌ عابرٌ وحصل منهم موقف رجوليّ شدت مروءته انتباهي!... غير أنّي  ـ لتقصير منّي ربّما ـ لم أتقدم فيها كثيرا رغم كثرة الرّجال!
وقد تركتُها للتّلقائية أو لحماسة لحظة أو ثورة عاطفة أو للمسة وفاء.
جعلت أوّل حلقة للشّيخ الهادي بريك حفظه الله والثّانية للقائد عبد الستّار ونيس شفاه الله والثّالثة لجمال ابن عمي يوم وفاته رحمه الله والرّابعة لرجل لا أعرفه قابلتُه مرّة واحدة في مطار قرطاج  اسمه "لؤي"!
وقد اخترت أن أتحدّث في هذه السلسلة التي أسأل الله أن يكتب لها الاستمرار عن رجال ـ ذكورا وإناثا ـ شرط أن لا يكونوا من أهل السّلطان ولا يحتمل أن يكون لي معهم أيّة مصلحة دنياويّة، حتّى وإن كانوا من الأهل أو المقرّبين!


كنت كلّما تعرّض الغنّوشي لحملة ظالمة أفكّر في الكتابة عنه وأمتنع لذلك الشّرط الذي جعلته ميزة للسّلسة! ولكنّي اليوم قرّرت أن أكتب عنه مخالفا ما ألزمت به نفسي دون اعتبار لسلطته أو نفوذه وذلك لِمَا رأيت من قلّة حياء، ومن نزول دركات في حضيض العدواة والتّباغض الإيديولوجيّ الأعمى. فقد بلغ بمن يسمَّوْن "نخبة" وفنّانين أن استبشروا لإصابته بفيروس كورونا وعبّروا عن شماتتهم متمنّين له الهلاك! 

رغم قناعتي أنّ مقالا عن الغنّوشي لن يدفع عنه ما يتعرّض له من ظلم وقصف مدفعيّ مركّز طيلة حياته السّياسية ولن يغيّر من الحال شيئا إلّا بمقدار ما تنقص   ملعقة العدل من بحر الظلم، فقد أرسلتها كلمات لنفسي ولبعض الأصدقاء إبراء للذمّة وشهادة بما أراه حقّا، والله وحده يعلم كامل الحقّ ويطّلع على ما في النّفوس!

 

مقدّمة ركيكة لابد منها:

أصبح الدّفاع عن النّهضة والغنّوشي "تهمة" يروّجها وينفخ فيها القصف المركّز الذي قاده الإعلام المأجور والمتأدلجين المندسّين فيه، الذين تمكّنوا من شحن بعض "الطّيّببن" والأغرار من حديثي السّنّ أو متواضعي الفهم والمستوى، الذين  توسّعت بهم العداوة والهجومات الظّالمة في أغلبها!


ولأنّ قول كلمة الحقّ وإصدار مواقف الشّهامة أصبح تهمة، فإنّ كثير ممّن يتكلّمون في هذا الموضوع ـ وأنا منهم ـ أصبحوا مضطرّين للتّمهيد بمقدّمات ركيكة، من قبيل "لا علاقة لي بالنّهضة ولكن ..." "لا أحبّ النّهضة ولكن ..."، "أكره الغنّوشي ولكن... " "أنا ضدّ النّهضة والغنّوشي ولكن ..." وغيرها كثير!
ومن هذا المنطلق "الرّكيك" أعلن أنّني منسحب من النّهضة منذ عدّة سنوات عقب المؤتمر التّاسع، ليس انسحاب غضب ولا اختلاف، وإنّما خيار اخترته لنفسي وقد يكون خاطئا!... وإنّني حضرت آخر مؤتمر في المهجر وأوّل مؤتمر في الدّاخل ولم أنتخب الغنّوشي في كليهما، رغم قناعتي أنّه هو الأصلح والأقدر!
ولم أتقرّب من الغنّوشي بعد الثّورة ولم أسلّم عليه حتّى مجرّد السّلام وقد كانت الفرص لذلك عديدة، وإنّني لو أردت أن أكون من المقرّبين لكنت!
ولكنّي حين رأيت تملّق المتملّقين وتدافع المتدافعين مِن بعض مَن عرفت مواقفهم تجاهه  قبل الثّورة ورأيهم فيه، اخترت الحياد والرّبوة!.. وقد أكون مخطئا!


نرجع الآن للرّجل الذي عرفت، راشد الغنّوشي:

الحديث عن الشّيخ راشد الغنّوشي هو حديث عن أهمّ وأصلب معارض تونسيّ زمن المخلوعين السّابقين منذ بداية الثّمانينات، وهو حديث عن أهمّ زعيم سياسيّ بعد الثّورة!
لا أزعم أنّني أعرف الرّجل المعرفة الكاملة والتامّة، أو أنّني عاشرته واشتغلت معه عن قرب وقتا طويلا ، ولكنّني رأيته في تونس عدّة مرّات عقب خروجه من السّجن بعد انقلاب  7 نوفمبر وحضرت معه لقاءات عامّة أو خاصّة مثل كلّ أبناء الحركة والمعجبين به حينها.

وبعد تهجيرنا عرفناه أكثر عن قرب، فقد كان كثير التّردّد على ألمانيا وعلى منطقتنا بالخصوص، وقد تنقّلت به في مقاطعتنا بسيّارتي "الخردة" "باسات" مودال 1982، التي اشتريتها وقتها بـ 300 مارك ألماني أي ما يعادل 150 يورو، والتي كانت تقريبا السّيّارة الوحيدة في جهتنا على ملك أحد المهجّرين من أبناء الحركة!.. وتنقّل معي كذلك في شاحنة مرسيدس 307 تابعة لشركة توزيع طرود بريدية كنت أعمل عليها.
سافرت به مرّة من بون إلى آخن في سيّارتي "الخردة" للقاء مع الأستاذ عصام العطّار ومجموعة من أصحابه، وكان معنا السّيّد الفرجاني ومحسن الجندوبي ولمّا وصلت مسجد بلال انتابني بعض الخجل من سيّارتي التي أنقل فيها رئيس الحركة الإسلاميّة التونسيّة والخصم الرّئيسي لنظام بن عليّ!
تحوّل الشّيخ إلى  سيّارة مرسيدس تابعة لأحد أفراد جماعة الأستاذ العطار وانطلق الموكب لبيت الضيافة حيث استقبلنا الأستاذ العطار.
لم يتكبّر الشّيخ على أحد، ولا على وضعٍ، بل هو متواضع جدّا،  بات معي في (الهايم) مسكن اللّاجئين  في غرفة وحيدة مقسومة بستار أسكنها مع زوجتي  وأبنائي الصّغار، أمّا بقية المرافق، كالمطبخ والحمام فمشتركة مع بقيّة اللّاجئين من أفارقة وبوسنيّين وغيرهم.
لا يأكل إلّا ما يتيّسر ويحرص أن يكون صحّيّا، لا يأكل المعلّبات ويجتنب السّكّر والملح ويسمّيهما السّموم البيضاء، ولا يتعشّى. وبلغني أنّه لم يذبح أضحية خاصّة بأسرته طيلة سنين غربته. يحفظ أسماء مَن يقابل ويسأل عنهم بعد ذلك.

أخذته مرّة إلى منتزه عائلي قرب "الملجأ" الذي أسكنه، وفي الطّريق رأى بعض الصّوماليّين،  فقال لي: (قعد المسلمون عن تبليغ رسالة الإسلام فأصابهم الله بمحن في أوطانهم شرّدتهم فخالطوا غير المسلمين وبلّغوا رسالة الإسلام، وقد أسلم كثير من الأوروبيّين عن طريق هؤلاء المشرّدين من البلاد الإسلاميّة، وقد يكون للمسلمين الجدد شأن في أوروبا مستقبلا)!
كان في المنتزه  يتأمّل الأطفال وهم يلعبون بما أعدّت لهم دولتهم من ألعاب، قال: (لاحظ أنّ الآباء يستريحون من عناء أسبوع من العمل الشّاقّ في هذا المنتزه الجميل والأطفال يلعبون ألعابا هادفة تدرّبهم على أعمال المستقبل"!

يتنقّل الغنّوشي بين محطّات القطارات بألمانيا وغيرها من البلاد الأوروبيّة وحيدا بشيء  من التّخفّي، رغم شدّة استهدافه من نظام بن عليّ ومخابراته التي جعلته أولى أولوياتها.

 يحرص على ملاقاة جميع الإخوة فرادى وجماعات، حتّى الغاضبين عليه منهم، وكثيرا ما سمع كلاما شديدا ولاذعا من شباب صغار يُحمّلونه مسؤوليّة ما حصل معهم من تهجير ومع أهاليهم من تضييق، فيصبر عليهم. وطرق أبواب كثيرٍ من الغاضبين عليه  وطيّب خاطرهم!


يجتهد في حضور مخيّماتنا وتكون له فيها المساهمات الأهمّ في المحاضرات أو الدّروس التّربويّة والإيمانيّة عقب كلّ صلاة صبح. مع ضيوف كبار مثل منير شفيق، وأحمد صدقي الدّجاني، وياسر الزّعاترة وعدنان إبراهيم وأحمد خليفة وغيرهم كثير، وكلّهم يوقّرونه ويبجّلونه.


كنّا مرة في مخيّم فولدا الذي نعقده سنويّا! وبنفس المنطق الذي نسمعه اليوم من بعض التّوانسة، احتجّ بعض الإخوة على عقد المخيّم وقالوا: (كان أولى أن توجّه مصاريف عقد المخيّم لعائلات المساجين)، ولكنّه ردّ ذلك الكلام بأنّ مثل تلك المخيّمات واللّقاءات هي التي تُبقي التّعاطف والتّآزر مع الدّاخل ولا يغني هذا عن ذاك!

 وكنّا مرّة في نفس المخيّم نهاية التّسعينات وذكر أحد الإخوة أنّه يعاني من عدم إقناع ملفّه لدائرة اللّجوء وطلب وثيقة يحتمل وجودها في مكتب الشّيخ!.. فأجابه بهدوء ولطف، هي مع أرشيفنا المنهوب في الدّاخلية وسنسترجعه قريبا إن شاء الله!
(بالمناسبة علينا ألّا نغفل عن حقّ استرجاع الأرشيف المصادر للأحزاب السّياسية فذلك من مُقرّرات هيئة الحقيقة والكرامة)!


في أحد تلك المخيّمات الصّيفية بفولدا علم نظام بن عليّ بانعقاد المخيّم وموعده وأنّ الشّيخ الغنّوشي ولطفي زيتون مشاركان، وبصفتهما مطلوبان من الإنتربول فطلبت السّلطة التّونسية من الشّرطة الألمانيّة اعتقالهما بهدف تسليمهما لنظام بن عليّ!
تمّت مهاجمة دار الشّباب بفولدا بعدد كبير من قوات التّدخّل الألمانيّة بعد استطلاع من البوليس السّرّي!.. تصرّف الشّيخ برباطة جأش ورفض هروبا مذلّا، ولكن تمكنّا من إخفائه وتهريبه.
قناعتي التّامّة أنّ الشّرطة الألمانيّة كانت مُجبرة على الاستجابة لطلب بن علي ولم تكن جادّة كلّ الجدّ في اعتقاله!.. بمنطق "بحثنا ولم نجد"! وكان الشّيخ قد أعلم من سفارة ألمانيا في بريطانيا أنّ السّلطة الألمانيّة ليس لها مشكل في زيارته لألمانيا والالتقاء بأتباعه شرط أن لا تكون لقاءات جماهيريّة مفتوحة في الأماكن العامّة أو المساجد!

نظّم المخيّم الذي تمّ اقتحامه مباشرة في أوّل صيف اجتمع فيه عدّة مهجّرين بزوجاتهم وأبنائهم الذين كانوا محاصَرين في تونس ومُنكَّل بهم أشدّ التّنكيل، وقد أمر بن عليّ بتمكينهم من جوازات السّفر بعد تحرّكات حقوقيّة واسعة في أوروبا خلال إحدى زياراته لفرنسا!
أذكر أنّ زوجة الأخ محسن بومعيزة رحمه الله، وكانت حديثة التحاق بألمانيا، قد أصابها الرّعب والهلع وهي تخاطب زوجها المرحوم وتقول: (يا وخيْ هذه ألمانيا التي حدثتني عنها؟! ... تي هاي كي تونس)!.. وكان رحمه الله خجلا لا يجد بما يجيبُها أو يهدِّئُها!

بعد محاولة الاقتحام تلك فشل مخيّم فولدا، وقد كان من أهمّ أنشطتنا في ألمانيا، وانقطعت زيارة الشّيخ لألمانيا أو كادت، عدا بعض الزّيارات السّريّة النّادرة، وانتقلنا بالمخيّم إلى هولندا.

كان الشّيخ طيلة سنوات الغربة يحاول أن لا يفوّت فرصة للتّواصل مع السّاسة والشّعوب من أجل فتح ثغرات في جدار الحصار المضروب على الحركة وأبنائها المساجين والمهجّرين. حجّ عديد المرّات وكان له علاقات جيّدة مع الأمير عبد الله وليّ عهد السّعوديّة زمن الملك فهد. ثمّ قدّر الله أن يتقابل سنة 2000 في مطار جدّة بقاعة كبار الزوّار مع وفد وزارة الشّؤون الدّينيّة التّونسيّة الذي كان بقيادة جلّول الجريبي، وحصلت مشكلة كبيرة واتصل جلول بسيده!..

كنت تلك السّنة أحجّ مع زوجتي وقابلته وهو يطوف، ففرح بنا وعّبر عن تضايقه ممّن سماهم "شياطين الإنس". كان يطوف مع أخ  أظنّه تونسيّ بلباس سعوديّ،  ويطوف معه عنصر واحد على الأقلّ من المخابرات السّعوديّة، سألته من أيّ البلاد أنت؟ فأجابني جواب أمني مهذّب "كلّنا إخوة"، فاكتفيت!

وفي نفس ذلك الموسم قابلت الشّيخ التّرابي وحيدا في السّاحة الخارجيّة للحرم  فسلّمت عليه وقلت: (ألست الشّيخ التّرابي) فقال رحمه الله: (بلى)!
فلمّا أعلمتُ الشّيخ الغنّوشي بمقابلتي لصديقه عرفت أنّه يعلم بوجوده وأنّهما التقيا أو أنّهما متواعدان على اللقاء!  وكان الشّيخ التّرابي حديث عهد بالخروج من سجن البشير حينها!

من عرف الشّيخ راشد الغنّوشي عن قرب عرفه شجاعا لا يخشى في الحقّ لومة لائم! وفي مواضع الشّدّة التي لا مجال فيها للّين يكون شديد الصّلابة!
وفي المواقع التي تحتمل اللّين والمهادنة لا يتردّد فيهما ترجيحا للمصلحة!  ومن عرفه يشهد أنّ كلا الموقفين لا يصدران عن مصلحة شخصيّة، بل إنّها آخر اهتماماته! والله أعلم به وبنيّته!


عُرف عنه، عقب محنة 1987، التّصريح الشّهير (لنا ثقة في الله وفي الرّئيس) وقامت الدّنيا ولم تقعد، وقد أحرجنا حينها تصريحُه ذاك نحن الشّباب!.. ولكنّ الرّجل كان يحاول تحقيق هدفين، أوّلهما إطلاق سراح المجموعة الأمنيّة المعروفة بمجموعة الإنقاذ الوطنيّ الذين كانوا مهدّدين بالإعدام!
وثانيهما فتح ثغرة في جدار الصدّ والعداوة، وتطبيع وضع الحركة بحصولها على تأشيرة العمل القانونيّ والدّفع بتحويل وعود 7 نوفمبر إلى وعود غير خُلّبية!
ولمّا استحال الأمر كان الغنّوشي أشدّ النّاس صلابة في مواجهة بن علي! فقد رأيته يتعرّض للهجومات اللّاذعة في مواقع الإنترنت (تونس نيوز والحوار نت وغيرها) وفي المؤتمر الثّامن من بعض أبناء الحركة الذين كانوا من دعاة "المصالحة" على شروط بن عليّ، التي عرفت حينها بـ"الخلاص الفرديّ"!
ولكنّه كان مصرّا على قوله: (مشكلة تونس أنّها مغروس فيها مسمار مصدّد لن تتعافى دون قلعه)!

وأمّا غنّوشي ما بعد الثّورة فليس هناك مشهد يلخّص تعامله مع تونس وثورتها أبلغ وأدقّ من قصّة الأمّ التي تقاضت ضدّ "أمّ" مدّعية، كلّ منهما تزعم أنّ الرّضيع ولدها، فلما "حكم" القاضي بقسمته بينهما نصفين استنادا لعدم كفاية الأدلّة، صرّخت الأمّ الحقيقيّة "هو لها وليس لي"!


لاطف الغنّوشي وهادن حتّى تَسلم الثّورة وتُحفَظ الدّولة!.. فحين كشّر القذّافي عن أنيابه وقال إنّ تونس لن يصلح حالها بغير بن عليّ وبدأ يتوعّد، تواصل الغنّوشي مع ابن القذّافي وكان بينهما قبل ذلك تواصل وحاول إرضاء غرور القذّافي بأن الثّورة التّونسيّة على نهجه ومتأثّرة بفكره وأنّ تونس تحرصها بعد الثّورة لجان شعبيّة!.. المساكين السّذّج وصفوا ذلك بالنّفاق!

لم يعاد الغنّوشي أحدا من "شركاء الوطن" ولم يثلب أحدا وحفظ ودّ أصدقاء المعارضة خاصّة، ومدّ يده للجميع من أجل إنجاح الثّورة وتحقيق أهدافها، لم يصادم حمّة ولا الشّابّي ولا المرزوقي ولا بن جعفر ولا غيرهم وكان يعتبر أنّهم أعمدة يوضع عليها سقف الدّيمقراطيّة، كان يريدهم مع غيرهم شركاء! وهو يذكرهم بـ 18 أكتوبر وما تعاهدوا عليه زمن الاستبداد!.. ولكنّ ـ بعضهم أو جلّهم ـ قالوا: (نحن أو لا أحد)! وأن لا موضع للإسلاميّين في السّياسة، فيجب أن يقتصر وجودهم على كونهم ملفا حقوقيّا لا أكثر، أو داعما انتخابيّا للأحزاب "التّقدميّة" فحسب، وذلك مبلغهم من السّياسة وحظّهم من الثّورة!

تجمّعوا في أحلاف مُعلنَة وخفيّة، بعضها أصالة عن أنفسهم وأحقادهم الشّخصيّة وبعضها نيابة عن قوى خارجيّة!
ولكنّ الغنّوشي حافظ على هدوء حيّر خصومه ولم ينل من أحد، ولا سبّ أحدا ولا هاجم أحدا، واكتفي بامتصاص الصّدمات، وتحويل وجهة العداوات والهجومات!


تجمّعت أحزاب "تقدميّة" استئصاليّة تحت جبّة "الرجعيّة الدّستوريّة" معلنة أنّ غاية استئصال "الرّجعية الخوانجيّة" تبرّر كلّ وسيلة رجعيّة كانت أو "حداثيّة"! وأعلنوا صراحة حرب التّصفيّة والاستئصال!   

وازن الغنّوشي  بين حلف عازم على إدخال البلاد في الفوضى والمجهول وحلف يمنع ذلك ويحفظ حدّا أدنى من مسار الثّورة. ولم يكن أمامه خيارات عديدة، فاضطرّ للموازمة بين السّيء والأسوأ، أو تحمّل الضّرر الأصغر في سبيل دفع الضّرر الأكبر.

منح  الباجي ما أراد من فتح الطّريق أمام وصوله للرّئاسة، وبذلك سحبه من حلف الفوضى و"العنف الثّوريّ"  إلى حلف "فضول" يبني به ومعه الاستقرار وتنقية الأجواء من الاحتقان.

وذلك ما كان وما سمحت به الموازنات السّياسيّة. فما قام به الغنّوشي وما حمل عليه أبناء حركته ـ وأغلبهم كارهون ـ كان هدفه الأساسيّ منع الاحتراب والاستئصال وعدم دخول البلاد في الفوضى والمجهول وعدم نقض الغزل؟!
مشكلة كثيرين خاصّة من "ثوريّي الوقت الضّائع" أنّهم يتكلّمون ويحلّلون دون معطيات ولا حتى رجوع لتلك المرحلة بتجاذباتها وتصريحاتها.


جريمة الغنّوشي عندهم قبوله بـ"التّوافق"، وبه أفشل الثّورة ووأد أحلامها حسب زعمهم!.. هكذا يقولون وهم يعرفون أنّه باطل أو يعتقد بعضهم أنّه حقّ وأنّ رأيهم لا يحتمل الخطأ!

مصطلح "التّوافق" في السّياسة التّونسيّة بعد الثّورة لم يبتكره الغنّوشي بل ابتكرته المعارضة في المجلس التّأسيسي لمزيد تقزيم الأغلبية وخنقها ومنعها من حقّها. وكان "التّوافق" الشّعار المعلن "للحوار الوطنيّ" الذي قبل به الغنّوشي مُكرها ووقّع على القبول بمخرجاته! مقابل أن تتمّ كتابة الدّستور وأن يُحدد موعد الانتخابات، وذلك ما يستحق التّضحية والتّنازل والمناورة السّياسيّة! فلمّا تبنّى الغنّوشي مصطلح "التّوافق" أصبح "التّوافق" كريها بغيضا وكانوا من  قبل يسبّحون بحمده ويُثنون على خصاله وفوائده وميزاته! وكما قال أحد "مسطولييهم": "انقمروا وين النّهضة ماشية ونمشوا ضدّها"!!
فما المكسب الشّخصيّ الذي حقّقه الغنّوشي لنفسه بقبوله "التّوافق"؟! غير أنّه حفظ به ما أمكن من مسار التّجربة الدّيمقراطية النّاشئة، ريثما  تواتي ريح طيّبة تدفع "الشّقف" ـ الذي لم تحطّمه الأنواء بحكمة الرّبان ـ إلى برّ الأمان!

 
 ألم يبق "قطار" الثّورة التّونسيّة على سكّته رغم أنّه لم يتقدّم كثيرا وعجلاته تدور ببطء، وقد أريد له أن يقف ويتحطّم وتقطع سكّته تماما حتّى لا يعاود الانطلاق! ويكون مشهد تونس ما بعد "الثّورة" أقبح من مشهدها زمن بن عليّ! تماما كما أنّ مشهد مصر اليوم أقبح ممّا كان عليه أيّام مبارك!


قد يجيب "ثوريّو الوقت الضاع" على مثل حديثي هذا بأنّ "الغنّوشي جبان وكان عليه أن يواجه أعداء الثّورة جميعهم في الدّاخل والخارج، وما حصل في مصر لا يمكن أن يحصل في تونس! ذلك أنّ، تونس "على راسها ريشة"!
 

لماذا لا يقرّون أنّ "التّوافق الهشّ" كان ضرورة مرحلة، حُميت به البلاد من الانزلاق في حرب استئصال مؤكدة؟! وما العيب في ذلك الطّريق أو ما البديل الأفضل الذي كان متاحا للغنّوشي ولم يسلكه؟

ألم يقرّب ذلك التّوافق المرحوم الباجي من الالتزام بالمسار الدّيمقراطي وحماية  الحدّ الأدنى من أهداف الثّورة في الحرّية والحفاظ على الدّولة ومؤسّساتها واحترام الدّستور؟
لكنّ "ثوريّي الوقت الضّائع" لم يعجبهم ذلك وأغلبهم يتكلّمون بمنطق جمع الأنانيّة بالجبن والانتهازيّة: "اذهب يا غنّوشي أنت وربّك ونهضوييك فقاتلوا وحقّقوا أهداف الثّورة، وحرّكوا الاقتصاد، وشغّلوا البطّالين، وزيدوا في الأجور، وأرضوا الاتحاد الذي لا يرضى، وهو  يمارس سياسة  استئصالية متستّرة بالعمل النّقابي، وطوّروا البنية التّحتيّة وأصلحوا الإدارة التّونسيّة، واضربوا الفساد وحقّقوا العدالة الانتقاليّة وردّوا المظالم ، واضربوا بيد من حديد، وطهّروا القضاء وأصلحوه، وأصلحوا المؤسسة الأمنية، ويزّي من التّوافق مع أعداء الأمس والجلاّدين!.. و"هانا نستنوا في الدّورة"، كان نجحت نحن انتخبناك ودعمناك "بالفرجة" ونحن أولى بخير النّجاح لأنّه "ما اتجوز الصّدقة كان ما يتزازوا أمّالي المحلّ" واحنا امّالي المحل وأنتم كرّاية! فمحلّكم الطّبيعيّ السّجن والمنفى!.. فإن لم تفعل فعليك إثم المجوس والأريسيين والثّورجيّين الجدد!.. و"العكري" وآل نهيان وكلاب الخلفان!

يوجد صادقون طيّبون يتحرّقون بسبب الإخفاقات، ولكنّ أغلبهم مساكين لم يفهموا ما كان من إكراهات محلّيّة أو  ضغوطات وموازنات دوليّة، ويحبّون حلولا هيّنة ليّنة من عدم! وعند مناقشتهم يصدّونك بجملة معلّبة "لا تعتذروا بإكراهات الواقع والضغوط الدولية"!... أليست تلك الإكراهات عذرا معتبرا يحتاج أن يفهم ويتعامل معه بحكمة وصبر"؟
لماذا يرضى بعض الثوريين الوقوف في نفس صف محمد بن زايد ودحلان وخلفان والسيسي وجارية بن عليّ وحاقدي اليسار المتطرّف وإعلام المجاري وفنّاني العفن ويصبّون جام غضبهم على الغنوشي وعلى النّهضة؟ ... أليس غريبا أن تتوافقق أو تتقاطع مواقف الثوريين وبعض الإسلاميين مع الثورة المضادة ويصبحوا عمليّا في خندق واحد؟ ... أهذه حكمتهم حتى وإن أخطأ الغنوشي والنهضة؟ ... أليس العدوّ المحارب غير الأخ المخالف؟


ولكنّ كثيرا من "الثّورجيّين" كاذبون، لم يقاوموا استبدادا، ولم يرفضوا ظلما ولو بقلوبهم كما يفرض ضعف الإيمان! بل نعرف أنّ بعضهم ممّن صفّقوا للاستبداد ورضعوا حليبه ولم يستحوا من أنفسهم أو ينكروا على آبائهم وهم "يتكرفتون" بالبنفسج يوم 7 نوفمبر ويجمعون التّبرّعات لـصندوق النهب 26 / 26!

 ويغنّوا "الله وأحد الله وأحد بن عليّ ما كيفوا حد!... وأربعطاش بعد ألفين ما يقدّها كان الزّين"! وإن رأوا مناضلا وشوا به أو سخروا منه وفي أحسن أحوالهم اجتنبوا طريقه حتّى لا يضطرّوا للسّلام عليه!

يقول المثل التّونسيّ "فاتك الشّرف ليلة الدّخول يا مهبول"، ومنه نقول فاتكم شرف النّضال ضدّ استبداد بن عليّ وسلفه، وصحت "ضمائركم" متأخّرا فأعلنتم النّضال ضدّ من قاوم الاستبداد! والنّضال في غير موضعه أسوأ من الخنوع  للاستبداد!


ليس القصد أنّ من ناضل ضدّ الاستبداد حاز صكّا للغفران أو براءة من سلوك نهج الاستبداد إن تمكّن من السّلطة، وإنّما الحديث عن الواقع وما هو كائن!
ويشرح قولي أنّه في أولى أيّام حكم الترويكا اعتصم مجموعة من الشّباب "المأجورين" على سكّة القطار في قفصة فذهب إليهم وزير النّقل عبد الكريم الهارون ليسمعهم ويحاورهم، قذفوه بالحجارة ورفعوا في وجهه شعار "التّشغيل استحقاق يا عصابة السّرّاق"!.. شيء مضحك!.. ولكنّه ضحك كالبكاء!

وعندهم أنّ الغنّوشي هو المسؤول عن كل الإخفاقات التي حصلت بعد الثّورة والمشاريع التي تعطّلت ولم تنجز!. بل هو الذي سرق المشاريع لحسابه الخاصّ وملأ جيوب أتباعه!.. تجذّرت فيهم عقليّة الزّعيم الفرد ، سواء كان الزّعيم فذّا مصلحا ملهما أو كان فاسدا مفسدا!

ومثلما قال الباجي ساخرا "إلي يشد قنّاص يجيبهولي"! قلنا "إلي اتشدّوه من جماعة النّهضة اتعبّت جيوبه بعد الثورة جيبوهولنا" و"المشروع إلي تلقوه تابع للغنّوشي أو أقاربه دلّونا عليه خلّونا نصادروه دون أن نسأل من أين لكم هذا؟ أو  نحرقه معكم"!

لم يقتنعوا وقالوا "بُرْتْ رادس تسيطر عليه سمية الغنّوشي، والهِبة الصينيّة سرقها زوجها رفيق عبد السّلام صهر الغنّوشي"!.. وأسفار الحجّ والعمرة عند بنت حمّادي الجبالي، وفيلّا في قمرت ومصنع في مدنين ويخت في سيدي بوسعيد!  ونبقى في حلقة مفرغة من العدم والكذب والدّجل الذي لا يصدّقه غير المغفّلين والحمقى!

اقتنع بعض "الطيّبين" بهرسلة الإعلام المعادي أنّ من خرج من السّجن أو عاد من المنفى لا ينفع لحكم، ولا لكتابة دستور أو حتّى قيادة سيّارة في شوارع تونس العظيمة!.. متجاهلين تجارب كثير من الزّعماء الذين خرجوا من السّجن أو عادوا من المنافي ليحكموا بلدانهم مباشرة. بل نسوا حتّى زعيمهم بورقيبة الذي عاد من "المنفى" للحكم! دون أن نتحدث عن مانديلا. وتجاهلوا أنّ كثيرا ممن كانوا في المنفى قد اكتسبوا شهائد ومهارات وخدموا بلدان إقاماتهم في مجالات مختلفة وحققوا نجاحات عديدة!

من توقّف علم أنّ لتجربة السّجن فوائد تساعد في الحكم وعليه، فالذي قُهر ظلما وسلبت حرّيته يعرف معنى الحرّية ومساوئ الظّلم وظلام السّجن، إضافة إلى أنّ عددا كبيرا من مساجين الإستبداد ذوي اختصاصات عالية وأنّ الذين كانوا خارج السّجن لم يكونوا أحسن حال بسيرهم في ركاب الطّغيان والمذلّة!.. والكلام لا يشمل طبعا جميع النّاس!  

قلنا: يا جماعة إن أردتم محاكمة الغنّوشي حاكموه على أفعاله أو أقواله وأطلعونا  عليها، ولكن لا شيء من ذلك حصل ولا يمكنهم!
فمنذ عودة الغنّوشي وكلّ مداخلاته وحواراته تثبت أنّه رجل دولة وأنّ همّه الأساسيّ نجاح الثّورة عبر بناء المؤسّسات الدّيمقراطيّة التي تحفظ المسار، وأنّ كلّ خطوة تخطوها تونس في ذلك الاتّجاه هي الخطوة الصّحيحة، وأنّ أيّ تشويش على وجهة البوصلة يسبّب خطوات للوراء أو التّناحر والعراك، وهو طريق الفشل وعودة الاستبداد!

 استمرّ الغنّوشي يقدّم التّضحيات والتّنازلات لحفظ الحدّ الأدنى المتّفق عليه!  مُعرضا عن السّبّ والشّتم، ناشرا الأمل مُبشّرا بالنّجاح وإن لم يكن بتفوّق وامتياز على أمل أن يتحّسن الحال!
احترم اختيار الشّعب والمقامات والألقاب، لم يهاجم الرّئيس وحفظ له قدره وحاول أن يرضيه بأنّه الرّئيس الوحيد الأوحد!.. ولكنّ الرّئيس أصرّ أن يكون الرّئيس المتوحّد في صفاته القادم من كوكب آخر، الذي لا يستطيع أن يقول جملة مفيدة دون عراك "وشريان شبوك" وافتعال خصومات وعداوات وهميّة. وبدل أن يشكر من ساند انتخابه ودعمه، كشّر عن أنيابه بالباطل متحالفا مع مجموعات تدفع بالبلاد للاحتراب والفوضى!. ولكنّ مسعاهم سيخيب بفضل الله وحكمة الحكماء!

لست أزعم بهذا النصّ الطّويل أنّ الغنّوشي فوق النّقد وأنّ أداءه كلّه كان الأمثل والأصوب، وقد نقدته سابقا بنصوص مطوّلة، فيما رأيت أنّ نقده واجب.
الغنّوشي نفسه يقول أنّ كلّ صاحب سلطة نزّاع للاستبداد، وأنّ أخر ما يُنزع من قلوب الصّالحين حبّ السّلطة.

ولكن أحب أن يُنقد على بصيرة وبعدل، فالخصوم النّزهاء حتّى في الجاهليّة يقولون ما لخصومهم قبل أن يقولوا ما عليهم.
وقد ابتليت تونس "بنخبة" غارقة في الحقد الإيديولوجي الأعمى وبإعلام مضلّل، ورؤوس غثّة يقبل أصحابها أن يكونوا مجرّد حاويات "قمامة" ومروّجي أراجيف وكذب وإشاعات!.. فالإشاعات يطلقها الخبثاء ويصدّقها الحمقى ويصعب محوها أو تكذيبها من الأذهان بعد ذلك!

أحبّ أن أرى نقدا بنّاء يبيّن الأخطاء بحجّة قويّة ويذكر الخيارات البديلة أو التي كانت ممكنة ولم يتّخذها الغنّوشي، ويعلم الله أنّني أجهدت نفسي عبثا ولم أجد إلى حدّ الآن نصوصا نقدية تطرح بدائل ممكنة خلاف ما فعل الغنوشي اضطرارا أو اختيارا.


وأعلم أشخاصا من النّاقدين بأسمائهم وصفاتهم، لو أنّهم أعطوا لرضوا وصفّقوا!
فواحد كان ينتظر النّهضة ترشّحه للبرلمان ويصبح نائب على أكتافها، فلما خاب أمله سبّ وشتم! وآخر توقّع من الغنّوشي أن يغنيه ويردّ عليه ما نهب النّظام من راتبه فلمّا خاب أمله أصبح الغنّوشي ألعن خلق الله! وثالث كان ينتظر التّسمية في سفارة أو قنصليّة ورابع  في وزارة ووو...  إلخ

أكتب عن هذه النّماذج من الانتهازيّين وأنا أستحضر في ذهني بعض الأسماء!.. بل إنّ بعض هذه الأسماء كان يتودّد لي معتقدا أنّني "عندي كلمة" وعلاقات قد تقضي له حاجته ولمّا خاب شتم! ولو توسّعت في هذا الباب لتكلّمت كثيرا! ولكن اعلموا أنّ في فمي ماء، فلا تكثروا من قلّة الحياء فتريقوا ماء فمي وتنطقوني!

وفي النّهاية، فما الغنّوشي إلّا رجل أو زعيم سياسيّ قد خلت من قبله الرّجال والزّعماء، وإنّه  قد أخطأ وأصاب وسوف يخطئ ويصيب، ومن لم يمت بالكورونا مات بغيرها، والدّوام لله وحده! وسيذكر التّاريخ ما له وما لغيره وما عليهم.

كتبت هذا شهادة بما علمت ومحاولة لإنارة رأي الصّادقين النّزهاء ورفضا للوقوف في جبهة يقف فيها أل نهيان والخَبثان وبن سلمان والسّيسي وحفتر وعبير والمزروب والمستعجل والمغرور والثّعلب! ومن وقف معهم فهو منهم! مقتنعا بأنّ الذي أفشل الثّورة هم الذين قفزوا من قطارها وصعدوا الرّبوة للفرجة ورمي القطار بالحجارة و"التّنبير" على من حاول حفظ الحدّ الأدنى من مسار الثّورة!


وبعد هذا المقال أعتقد أنّه قد وجب عليّ التّصريح بأملاكي عند "هيئة مكافحة الفساد"، فقد يجازيني "سيدنا الشّيخ" من خزائنه التي تنوء مفاتيحها بالعصبة أولي القوّة من الرّجال... والحمد لله الذي أغناني عن الحاجة لغيره!

طه البعزاوي
17 جويلية 2021

 

مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
   

link : http://www.alhiwar.net/ShowNews.php?Tnd=30690