.

.

بيان الباحثين الشرعيين و"المعركة الخطأ"

بتاريخ : 2010-09-19 الساعة : 15:34:29

اسم الكاتب : محمد بن جماعة      التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 890




 مقالات أُخرى للكاتب - محمد بن جماعة
تحرروا من أوهام الخوف.. وصوتوا للنهضة وأخواتها
صـوتـي للـنـهـضـة.. ومودّتي لأخواتها..
خطب الجمعة.. مسئولية الجودة وقياس الأداء
التكفير وأثره في تصور الهوية في الخطاب الإسلامي المعاصر
ثورة.. من أجل جودة الحياة (تأملات في الجودة والإتقان)
بنات الغنوشي وشخصنة النقد
لنترفع عن الأكاذيب والمغالطات
السياق المشروع لقتال الكفار...
التعددية الثقافية والهوية المتعددة الأبعاد
الصمت والكلام: أيهما فضيلة، وأيهما رذيلة؟

المزيد من المقالات

بسم الله الرحمن الرحيم
صدر مؤخرا، وفي نفس التوقيت تقريبا، بيانان سنّيان متناقضان، تعليقا على موقف المجمع العالمي للشيعة والشيخ حسن الصفار من الاحتفالية المشئومة التي أقيمت مؤخرا في لندن. وصدر البيان الأول بتوقيع عدد من الباحثين الشرعيين في السعودية، معتبرا البيانات الشيعية الصادرة حول ياسر الحبيب من قبيل "الاستغفال"، في حين كان الثاني رسالةَ شكر وتقدير موقف وجّهها د. يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، للشيخ حسن الصفار، حسب ما نقلته شبكة أون إسلام.
 
ولا شك عندي في حسن النوايا وفي علم الباحثين السعوديين، ومنهم من أقرأ له في (مجموعة عبد العزيز قاسم) البريدية، وأستفيد مما يكتب.. غير أنني أرجو أن تتسع الصدور لإبداء بعض الملاحظات حول البيان الجماعي الصادر، والذي أرى أنه وقع في عدد من الزلات في الاستدلال والتقييم، ناتجة فيما يبدو عن التسرع:
 
1- من الواضح أن البيان ردّ بالأساس على بيان المجمع العالمي الشيعي. وقد كان من الضروري ذكر هذا الأمر بوضوح، حتى لا يسقط رأي الباحثين الشرعيين في التعميم على المواقف الشيعية التي صدرت فيما بعد. وإلا، فقد أصدر الشيخ حسن الصفار بيانا صريحا في هذا الموضوع بتاريخ 12/09/2010، وكان واضحا في كلامه وذكر السيدة عائشة رضي الله عنها بالاسم (وإن كنت ما زلت أستغرب هذا الإصرار عل أهمية التصريح باسم أم المؤمنين عائشة، مع أن سياق البيان الشيعي كان واضحا ودقيقا، وجاء بصيغة التعميم لإدخال جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، بما فيها أيضا السيدة حفصة رضي الله عنها). كما صدر بيان آخر لمائة من مثقفي وعلماء الشيعة في السعودية، وبيان آخر لعلماء البحرين، وحلقة تلفزيونية للشيخ كمال الحيدري.. ومعظم هذه البيانات ذكرت اسم السيدة عائشة، بما يعني أن الأمر لم يكن ليستحق أن يثير كل هذه الريبة.
 
2- موقف كثير من مراجع الشيعة ومثقفيهم واضح وصريح من ياسر الحبيب ومحتبى الشيرازي.. فهما منبوذان في الساحة الشيعية، وما تعرضا له من إدانة ورفض تام من قبل مثقفي الشيعة وعلمائهم لا يدع مجالا للشك في مكانتهما الْمَهينة في الوسط الشيعي، وأن هذا العمل مخالف لاعتقاد المذهب. والقول بأن هذا الإنكار له اعتبارات مصلحية ادعاء وتخمين ليس لهما دليل، بل أستغربه لأنه يوحي بأن بعض المتابعين السنّة يصعب عليهم أن يدركوا بإمكانية وجود اختلاف بين الشيعة في بعض المواقف والآراء والمعتقدات، في حين أن الساحة الشيعية شهدت خلافات حادة وصلت إلى حدود الإخراج من المذهب والتكفير (كما في حالة المرجع الراحل محمد حسين فضل الله)، أو الاقتتال، كما في حصل في فترة ما بعد غزو العراق..
هذا الموقف الحاصل من قبل علماء ومثقفي الشيعة تجاه الاحتفالية المشئومة، ألا يذكرّنا بما يحصل أيضا من قبل بعض علماء أهل السنة تجاة بعض الدعاة والتيارات السنية الموغلة في التشدد؟
لا أريد ذكر أسماء بعينها، غير أنني أظن أن كثيرا من الباحثين الشرعيين يرون معي أن بعض الدعاة السلفيين وأتباعهم في السعودية والكويت ولبنان ومصر وباكستان، وغيرها من الدول، أصبحوا مجلبة للمتاعب لأهل السنة.. فهل نأخذ جميع أهل السنة بجريرة مواقف هؤلاء؟
أنا من أهل السنّة، ولكنني أرى في أهل السنة تفاوتا كبيرا في المواقف والآراء بخصوص قضايا كبيرة، مثل التكفير (وتكفير الشيعة بدرجة خاصة)، والجهاد، والمعارضة السياسية، وطاعة ولي الأمر، والتوسل، والسنة والبدعة، والموقف من التصوف بدرجة خاصة، والجرح والتعديل، إلخ.. فهل يلزمني كلام الجميع في مثل هذه القضايا الخلافية؟ وهل ترضون أن نتهم، كسنّة، من قبل الشيعة، مثلا، أو من غيرهم، بأن أهل السنة سواءٌ، وأن كل ما يظهر بينهم من اختلاف في الآراء والمواقف في الدائرة السنية، إنما هو من قبيل "الاستغفال للآخرين"، أو من قبيل الاعتبارات والمصلحة الآنية؟
 
3- هذا التعميم الذي يصرّ عليه بعض الباحثين الشرعيين في الحكم على الشيعة، إنما هو في الحقيقة خطأ علمي وشرعي غير مقبول. وإلا فيلزمنا أيضا قبول التعميم في التعامل مع أهل السنة.. لماذا نختلف إذن في إطار أهل السنة، حول قضايا الاختلاط والتغريب والليبرالية، والتكفير والجهاد وتنظيم القاعدة، والتوسل، إلخ؟
وبالمناسبة: أرى أن هذا التعميم في الموقف تجاه الشيعة ظاهرةٌ تستدعي بالفعل الاهتمام والدراسة، لأن الساحة الشرعية السلفية ما زالت تعاني، عموما، من عقدة الشك والريبة في معتقدات الشيعة، بسبب مفهوم "التقية" وتطبيقاته التاريخية. وأنا أتساءل عن مبررات هذا الإصرار في الإيحاء بأن المعتقد الحقيقي لشيعة الحاضر، خصوصا في ما يتعلق بطهارة السيدة عائشة وعدم تحريف القرآن الكريم، إنما هو قائم على "التقية"، في عصر شهد قيام دولة شيعية ذات شوكة في إيران، وتنظيم سياسي وعسكري يراه الكثيرون واحدا من أهم عناصر معادلة الشرق الأوسط الراهنة.
أتساءل: ما الذي يجعل "التقية" احتمالا قائما في حين أن شيعة الحاضر يظهرون من الجرأة والشجاعة في إبداء معتقداتهم الأخرى والدفاع عنها والتبشير بها، بل ويظهرون إصرار عجيبا على ممارستها والمخاطرة بالأرواح وتعريض الأنفس للهلاك من أجلها، كما يحصل في تفجيرات احتفاليات عاشوراء وغيرها في العراق وباكستان مثلا، والتي أصبحت موعدا سنويا مع الموت لا تخلفه وسائل الإعلام، بالرغم من أن عددا من هذه الممارسات محل خلاف حول بدعيتها في المذهب الشيعي.
أعتقد أن من الضروري التخلي عن منطق التعميم لأنه منطق ظالم بجميع القياسات، ومن الضروري الاقتناع بأن الشيعة ليسوا سواءً، مثلما أنّ أهل السنّة ليسوا سواءً، وأن ما يقوله أحد باسم أي مذهب من المذاهب ليس بالضرورة معبرا عن موقف جميع أهل المذهب.
 
 
4- مسألة أخرى أرى أنها تتكرر دائما في اتهام السنّة للشيعة، وقد تم إعادة ذكرها في هذا البيان، هي التذكير بكتب الروايات في التراث الشيعي وما ورد فيها من أكاذيب وكفريات إلخ... وأنا مطّلع على عدد كبير من هذه الكفريات والأكاذيب والمسائل البعيدة حتى عن المنطق البشري السليم (لو تركنا النقل ومسألة الأسانيد جانبا).. وقد خضت في حواراتٍ طويلة حولها مع عدد من الأصدقاء الشيعة في تونس وكندا، بهدف فهم تعامل الشيعة معها..
أتساءل: هل من المنطقي أن نلزم الشيعة بجميع محتويات كتب التراث الشيعي؟ وماذا لو وجد أحدهم في بعض كتب التراث السنّي، وفي الحجاز بالتحديد مثلا، كلاما كفريا أو مخالفا لبعض المسائل الدينية الواضحة، فهل يمكن أن نقبل بتوجيه الاتهام لنا بتبنّي هذا الكلام؟ وماذا عن الأحاديث الضعيفة التي تملأ عددا من الكتب التراثية السنية؟
أظن أن الجميع يدرك أنه من غير المنطقي اتهامنا كأهل السنة باعتماد الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، رغم بقائها في تراثنا المحفوظ والمنشور، وحتى لو دافع عنها بعض عامة أهل السنة، وحتى لو دافع عنها بعض علماء السنّة. ولذلك ترانا نرد كثيرا على كتب المستشرقين والعلمانيين والملحدين الذين ينقّبون في كتب التراث لتشويه تاريخنا الإسلامي والتشكيك في بعض الجوانب من تاريخنا وفي السيرة النبوية وفي مصدر القرآن الكريم إلخ...
أتساءل: لماذ نفعل تماما ما نرفض أن يمارسه الغير تجاهنا ؟
أذكر هنا، كشهادة للتاريخ، أنني راسلت المرجع الراحل محمد حسين فضل الله _رحمه الله_ سنة 2005، بصفتي مشرفا لموقع الوحدة الإسلامية، لأسأله عن بعض المسائل المتعلقة بعلم الحديث عند الشيعة، وعما إذا كان مراجع الشيعة متفقين في اعتماد الأحاديث الواردة في كتبهم الرئيسية. فذكر لي (مما حفظته ذاكرتي لأهميته، وضاع نصه للأسف الشديد منذ فترة غير بعيدة) أن جميع مراجع الشيعة المعاصرين، تقريبا، لا يعتقدون بصحة جميع الأحاديث الواردة في أي كتاب من كتب الحديث الشيعية، وأن الكتاب الوحيد الذي لا خلاف على حفظه وعدم تحريفه هو القرآن الكريم، بجميع صفاته ومحتوياته التي يؤمن بها أهل السنة، وأن الكلام عن وجود مصحف خاص بالسيدة فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) إنما هو في حقيقة الأمر مصحف يبدو أنه يحتوي على تفسير لبعض الألفاظ، وليس قرآنا مختلفا، وإن وجد من بين عامة الشيعة من يعتقد بوجوده، فإنما ذلك من قبيل المعتقدات الشعبية غير الرائجة والتي لم يقل بها أحد من مراجع الشيعة المعاصرين.. وذكر أن جميع كتب الحديث الشيعية، بلا استثناء، لا يخلو أي واحد منها من ضعيف أو موضوع أو مكذوب. وأنه شخصيا لديه نقد مكتوب ومعروف لعدد من هذه الأحاديث.. وذكر أيضا كلاما عن عدم تطور منهجية تصحيح الأحاديث عند الشيعة كما حصل عند السنة، وعن وجود مدرستين شيعيتين: المدرسة الإخبارية والمدرسة الأصولية، وأن الأولى أصبحت شأنا تاريخيا في الغالب، وهي الأكثر تمسكا بنصوص الروايات بدون تمييز، أما المدرسة الأصولية فهي المستقرة حاليا ولديها كثير من الجهد الذي تسعى للقيام به في اتجاه غربلة كتب المرويات وتراجم الرجال.
هذا الكلام الذي ذكره المرجع الراحل، يدل على وجود وعي في الساحة العلمية الشيعية بالحاجة الماسة لمجهود ضخم من قبل الشيعة في سبيل تنقية تراث مروياتهم، وأن الأمر يحتاج لشجاعة أدبية، ومنهجية علمية دقيقة (ليس من الصعب وضعها)، واستعداد للتحرر مما هو خاطئ من المسلّمات، ومما لم يتأكد وثاقة نقله من النصوص التي أضفي عليها طابع التقديس.
 
5- خلافا لما يقوله البيان، فإن عموم مذهب الشيعة الإثنا عشرية ينفي ويرفض مطلقا أيّ تشكيك في طهارة وعفة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، بما في ذلك السيدة عائشة والسيدة حفصة رضي الله عنهما. والقراءة البسيطة والمباشرة (وبدون وسائط) لتفاسير الشيعة وكتبهم تؤكد هذا الأمر. وهذا هو الإجماع الظاهر لديّ من خلال قراءة سريعة لعدد من المصادر الشيعية..
ولذلك فأستغرب أن يقول البيان إن "مصادر الشيعة تجمع على هذه العقيدة العفنة"، ثم يشير فقط لعبارة موهمة للمرجع الراحل الخميني، وردت في كتابه (كتاب الطهارة)، ظن أصحاب البيان أنه قصد بها السيدة عائشة رضي الله عنها، ووصفها "بأنها أخبث من الكلابوالخنازير!"، في حين أن القراءة المتأنية للنص تصرف أي احتمال لهذا الفهم. ويبدو أن هؤلاء الباحثين الفضلاء لم يقرأوا نص العبارة في سياقها الكامل، الذي لا يدع أي شك في أن هذه العبارة لم يقصد بها عائشة ولا غيرها من الصحابة.
وأستسمحكم في إيرادها هنا، والكتاب منشور بكامله ويمكن الاطلاع عليه في هذا الرابط من مكتبة "يعسوب الدين" الإلكترونية، وهي شبكة شيعية معروفة.
يقول المؤلف (ص 337-338) في معرض خوضه في موضوع نجاسة اليهود والنصارى والمجوس والنواصب، بناء على إحدى الروايات الشيعية (وأستسمحكم في تسطير بعض العبارات في النص):
"والظاهر أن الناصب الوارد في الروايات، كموثقة ابن أبي يعفور المتقدمة أيضا يراد به ذلك، فان النواصب كانوا طائفة معهودة في تلك الأعصار كما يظهر من الموثقة أيضا، حيث نهى فيما عن الاغتسال في غسالة الحمام التي يغتسل فيها الطوائف الثلاث والناصب.. وليس المراد منه المعنى الاشتقاقي الصادق على كل من نصب بأي عنوان كان، بل المراد هو الطائفة المعروفة وهم النصاب الذين كانوا يتدينون بالنصب، ولعلهم من شعب الخوارج. وأما سائر الطوائف من النصاب بل الخوارج فلا دليل على نجاستهم وإن كانوا أشد عذابا من الكفار، فلو خرج سلطان على أمير المؤمنين عليه السلام لا بعنوان التدين بل للمعارضة في الملك أو غرض آخر كعائشة وزبير وطلحة ومعاوية وأشباههم أو نصب أحد عداوة له أو لاحد من الائمة عليهم السلام لا بعنوان التدين بل لعداوة قريش أو بني هاشم أو العرب أو لاجل كونه قاتل ولده أو أبيه أو غير ذلك لا يوجب ظاهرا شئ منها نجاسة ظاهرية. وإن كانوا أخبث من الكلاب والخنازير لعدم دليل من إجماع أو أخبار عليه. بل الدليل على خلافه، فان الظاهر أن كثيرا من المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كأصحاب الجمل والصفين وأهل الشام وكثير من أهالي الحرمين الشريفين كانوا مبغضين لامير المؤمنين وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم وتجاهروا فيه ولم ينقل مجانبة أمير المؤمنين وأولاده المعصومين عليهم السلام وشيعته المنتجبين عن مساورتهم ومؤاكلتهم وسائر أنواع العشرة..."
أتساءل: هل في هذا النص ما يمكن فهمه على أن المقصود بوصف (الكلاب والخنازير) هم عائشة وزبير وطلحة ومعاوية (كما وردت أسماءهم قبل جملتين)؟
شخصيا لم أفهم هذا المعنى من النص، وإنما المقصود الواضح عندي ما يلي (وقد أكون مخطئا):
-      أن النواصب كانوا طائفة معهودة في تلك الأعصار،
-      ليس المقصود بالنجاسة جميع النواصب، وإنما فقط طائفة النصاب الذين كانوا يتدينون بالنصب،
-      ولا يدخل في هذا الوصف من خرج عن السلطان السياسي لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بوصفه أميرا للمؤمنين، كعائشة وزبير وطلحة ومعاوية وأشباهم، لأن هؤلاء لم يخرجوا بعنوان التدين، وإنما لمعارضة في الملك أو غرض آخر،
-      ولا يدخل في هذا الوصف أيضا من خرج عن السلطان السياسي لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بوصفه أميرا للمؤمنين، بسبب عداوة قريش مثلا، أو بني هاشم أو العرب أو لأجل كونه قاتل ولده أو أبيه أو غير ذلك، وإن كانوا أخبث من الكلاب والخنازير،
-      والسبب في عدم إدخالهم في عداد النواصب الأنجاس هو عدم وجود دليل من إجماع أو أخبار يسمح بإدراجهم تحت وصف النجاسة
-      بل الدليل على خلاف القول بنجاستهم، لأن الظاهر أن كثيرا من المسلمين، كأصحاب الجمل والصفين وأهل الشام وكثير من أهالي الحرمين الشريفين، كانوا (في رأي الخميني طبعا) مبغضين لعلي بن أبي طالب وأهل بيته جهروا بذلك، ورغم ذلك لم ينقل مجانبة أمير المؤمنين وأولاده وشيعته عن مساورتهم ومؤاكلتهم وسائر أنواع العشرة..
إذن ليس في العبارة ما يسمح بتوجيه لمعنى إلى توجيه وصف معيب لعائشة وبقية الصحابة المذكورين..
ثم طالما أن الاتهام المذكور محل إجماع، كما أشار البيان، فلماذا الاقتصار على عبارة واحدة يتيمة وموهمة؟ ألم بكن من المفيد التذكير بجميع الأقوال ورصد أكبر عدد ممكن من أسماء مراجع الشيعة ممن قالوا بهذا القول حتى يطمئن القارئ حقيقة إلى دعوى الإجماع؟
 
6- وددت لو قام بعض الباحثين الشرعيين الفضلاء بعملية بحث سهلة الإنجاز بفضل توفر عدد كبير من الكتب الشيعية على شبكة الإنترنت، لو قام ببحث كلمة "عائشة" في جميع الكتب الموجودة، وذكر لنا ما هي السياقات التي ورد فيها اسم أم المؤمنين رضي الله عنها، حتى لا يبقى بعض العلماء أسرى لبعض المقولات الخاطئة تجاه موقف الشيعة من مثل هذا الموضوع.
وقد قمت بعملية بحث بسيط فوجدت ذكرا لها في ما يقارب 57 من الكتاب المتوفرة، وفي مواطن كثيرة جدا في كل كتاب من هذه الكتب، مثل:
-      "رسائل المرتضى"، للشريف المرتضى
-      "منتهى المطلب"، للعلامة الحلي (وقد استشهد المؤلف بمرويات السيدة عائشة، ويفهم في كثير من المواضع أنه يعدّها من فقهاء الصحابة)
-      "وضوء النبي (ص)" للسيد علي الشهرستاني (وقد استشهد المؤلف بمرويات السيدة عائشة، ويفهم في كثير من المواضع أنه يعدّها من فقهاء الصحابة)
-      ونفس الشيء يقال عن كثير من كتب الفقه الشيعية، مثل "المسائل الفقهية" للسيد شرف الدين، و"الخيارات"، للسيد مصطفى الخميني، و"جامع الخلاف والوفاق" لعلي بن محمد القمي، و"تذكرة الفقهاء" للعلامة الحلي، و"المقنع" للشيخ الصدوق، إلخ..
أقول: دوننا جميع هذه الكتب وغيرها مما هو متوفر إلكترونيا، وليعمد بعض الباحثين الفضلاء للبحث فيها عن كلمة "عائشة"، ولننظر للسياقات التي ورد فيها، ولنقطع الشك اليقين.. أما الاكتفاء بعبارة أو اثنين يعمم على أساسها الاتهام، فهذا يخالف قواعد البحث العلمي والشرعي.
 
7- أخيرا، أقول إن هذا البيان دخل، يرأيي الشخصي، في "المعركة الخطأ" إن جاز التعبير، لأن موضوع طهارة السيدة عائشة وعفتها لا يشكل في حقيقة الأمر موضع الخلاف الأساسي حولها بين الشيعة والسنة. وإنما الخلاف الحقيقي يكمن فقط في ثلاث مستويات:
-      في تقييم موقفها السياسي في عهد علي بن أبي طالب، ومجمل الأحداث التي شاركت فيها في هذا الصدد،
-      وفي مآلها الأخروي بناءً على ذلك..
-      وفي ثقافة السب واللعن الرائجة بشكل لا يطاق في كتب الشيعة، وفي المحاضرات والمناسبات والمنتديات، والتي تمس الصحابة ومنهم عائشة أم المؤمنين.
 وأرجو أن أكون دقيقا في تحديد دائرة الخلاف هكذا، أو أن يتم تصويب رأيي من قبل فضلاء الشيعة.
وعلى هذا الأساس، إن كان من الضروري الحوار بين الشيعة والسنة في مواضيع متعلقة بالسيدة عائشة، فليُقتصَر على هذه الأمور فقط، لأنها هي الوحيدة الجديرة بالاهتمام نتيجة وضوح موقف الطرفين فيها.
أما ما سواها، من مثل موضوع هذه الاحتفالية المشئومة، فأرجو عدم الوقوف عنده كثيرا، وقد عُلِم إنكار الجميع لها.
وأختم بملاحظة دقيقة ذكرها مؤخرا د. عزمي بشارة، في أحد اللقاءات التلفزيونية، حين أشار إلى أمرين:
-      أولهما: أن العرب والمسلمين لديهم قابلية سريعة للاستفزاز والاستثارة، حتى من قبل الحمقى والمجانين، وإن كان بعض هؤلاء الحمقى والمجانين يصلح في حقيقة الأمر بأن يوصف بأنه شيطان من شياطين الإنس.
-      وثانيهما: أن التلهي بالمعارك الخطأ يمثل نقطة ضعف خطيرة تستغلها مراكز التخطيط واتخاذ القرار الغربي والصهيوني بنجاح لاستنزاف طاقات العرب والمسلمين ووقتهم وأموالهم، وابتزاز مواقفهم أيضا.
 
رزقنا الله جميعا أحسن القول والعمل، وأعاذنا من الضلالة والزلل.
 
محمد بن جماعة – كندا

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.