.

.

كيف أصبح اتحاد الشغل أداة لتنفيذ أجندات الجبهة الشعبية؟

بتاريخ : 2013-04-25 الساعة : 10:49:36

اسم الكاتب : محمد العكريمي     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 929




 مقالات أُخرى للكاتب - محمد العكريمي
مع أو ضد مشاركة النهضة في الحكومة
عندما تخسر الترويكا أكثر من مليون ناخب
ماذا بعد الانتخابات ؟
هل ينجح تحالف الجبهة الشعبية و نداء تونس في تحقيق الانقلاب على الشرعية ؟
إغتيال بلعيد و قميص عثمان
نبيل القروي يناقض نفسه و يكشف عن نواياه الحقيقية
تصعيد إجتماعي خطير في إستقبال الحكومة المنتظرة: ما العمل؟
بركة النهضة تشع على جيرانها
محاولات اعتداء على سيادة الشعب...
لا مناص من الوفاق ... يا دعاة الشقاق

المزيد من المقالات



 كان من الواضح أن أغلب التحركات الاحتجاجية و الإضرابات و الإعتصامات التي شهدتها البلاد  قبل الإنتخابات و بعدها ذات طابع سياسي و أن المطالب التعجيزية و المواقف المتشددة للمركزية النقابية تندرج في إطار أجندا سياسية تهدف للضغط على الحكومة و إيصالها إلى مرحلة العجز عن الإيفاء بالتعهدات و إلى تجفيف منابع الموارد من إنتاج و مداخيل سياحية و مساعدات قد يوقفها الأصدقاء عندما يفقدون الثقة في قدرة الحكومة على المسك بالأمور.

و كان رئيس الحكومة السابق الباجي قايد السبسي قد إتهم صراحة حمة الهمامي و شكري بلعيد بالوقوف وراء هذه الأحداث . كما أشار علي العريض بوضوح إلى المسؤولين  عن أحداث سليانة التي أكدت انحراف إتحاد الشغل عن دوره النقابي ليصبح رأس حربة التٱمر على الشرعية بدعوى الوصاية على الشعب و لو أدى الأمر لتجهيز فيالق تروع و تهدد كل من يرفض الإنصياع للأوامر بالاضراب العام مثل  ما حدث في الرديف و جندوبة بالخصوص.
و كان إغتيال بلعيد مناسبة لإبراز مدى إرتباط إتحاد الشغل بما أصبح يسمى ب"الجبهة الشعبية" التي تملي عليه ما يجب أن يفعل حيث لم يهتم حمة الهمامي حتى بالمحافظة على المظاهر و أعلن عن الإضراب العام يومين قبل إجتماع الهيئة الإدارية للإتحاد، التي تبنت طبعا القرار بدون نقاش. و ها هو في حواره مع جريدة "الشروق الجزائرية" ينهي أي شك حول الموضوع بإقراره بالنجاح في إسقاط حكومة الجبالي بالإعتصامات و الإضرابات و العزم على السير على نفس المنوال مع حكومة العريض، و هو إعتراف واضح بالمسؤولية عن الفوضى و الإحتقان عبر أنصار الجبهة من جهة و عن الإضرابات النقابية و التصعيد الإجتماعي من جهة أخرى. فكيف أصبحت المنظمة التي إرتوت بدماء و عرق فرحات حشاد و أحمد التليلي و أحمد بن صالح و الحبيب عاشور و سعيد قاقي مجرد أداة في يد اليسار المتطرف.


* الدور السياسي للإتحاد:
تبرر قيادة الشغل ممارستها للمعارضة السياسية للحكومة في أعظم أشكالها بسببين أساسيين:
ـ الدور السياسي للإتحاد منذ فترة المرحوم فرحات حشاد
ـ مسؤولية الإتحاد عن إندلاع الثورة و عن إنجاحها و تحقيق أهدافها. و هذا السبب غذاه موقف أغلب الأحزاب التي فشلت في الإنتخابات فاستطاع بعضها مثل "الوطد" تعويض خسارته بالسيطرة على أهم مكونات المجت مع المدني (اتحاد الشغل، الرابطة، هيئة المحامين، نقابة الصحفيين) و لجأ البعض إلى الإرتماء في حضن الإتحاد بحثا عن مظلة مثل الهاشمي الحامدي الذي أرسل وفدا للاتحاد يشتكي الترويكا ويعلن ولاءه لصانع التغيير،عفوا للمؤتمن على الثورة، و وضع البعض الآخر مثل "الدساترة" إمكانياتهم المادية و التعبوية على ذمة الإتحاد.


صحيح أن الإتحاد اهتم خلال تاريخه الحافل بالسياسة و لكنه لم يكن يوما أداة لتنفيذ استراتيجية حزب معين (اذا استثنينا فترة التيجاني عبيد بعد أحداث 1978).
فحشاد تزعم الحركة الوطنية في غياب قادتها السياسيين إيمانا منه بإرتباط تحقيق مطالب الشغالين بوجود حكومة وطنية مستقلة منبثقة من إرادة الشعب، ترعى مصالحه و تعمل على تجسيم طموحاته.
و أحمد بن صالح و الحبيب عاشور و أحمد التليلي قبلوا بالتحالف الإستراتيجي مع الحزب الدستوري لأنه تعهد بتحقيق ما ورد في لوائح مؤتمر الإتحاد لسنة 1955 و على شرط عدم انصهار الإتحاد في هياكل الحزب الدستوري و التاريخ يذكر مواقفهم المشرفة و ما تعرضوا له،  ورفاقهم، من ظلم و إبعاد و سجون. و يبقى 26 جانفي 1978 خير شاهد على التمسك بالإستقلالي ة عبر إستشهاد عدة نقابيين و تعذيب غيرهم و فقدان الكثيرين لشغلهم و موارد رزقهم. و حرص القادة التاريخيون على أن يكون الإتحاد مرفأ كل التوجهات و التيارات و أن لا يكون في خدمة أي حزب.
أما الحديث عن صنع الإتحاد لثورة 14 جانفي و قيادتها فمردود على أصحابه. فالثورة اندلعت قبل ذلك. و تحديدا في 17 ديسمبر و كانت عفوية و جمعت كل من شعر بالظلم و القهر. و قد شاركت فيها فعلا هياكل نقابية قاعدية و كان ذلك ضد مواقف المركزية النقابية التي لم تتخلى عن دعم النظام الا عندما شعرت (أو علمت) أنه زائل لا محالة. فركبت على الأحداث وتمسكت بالمسيرة التي أدت إلى هروب المخلوع.
و الواقع أن العلاقة بين قيادة الإتحاد و نظام بن علي كانت دائما علاقة إنسجام وتوافق فالإتحاد كان يدعو دائما للتصويت لبن علي دون سواه و إنخرط في سياسة تعاقدية تقوم على توفير الأمن الإجتماعي مقابل زيادات منتظمة في الأجور. أما على المستوى السياسي فقد حرص الإتحاد على عدم إزعاج النظام فكانت صحيفة "الشعب" تنشر أسبوعيا صورة بن علي ومقتطفات من خطبه و قد تجنبت طيلة عقدين التلميح إلى معارضيه (الحزب التقدمي، التكتل، الإسلاميين..) رغم كل م ا حدث من تحركات و إضرابات جوع...
و التزمت الحكومة من جهتها بعدم التدخل في شؤون الإتحاد و بتبجيل قياداته و تمتيعهم بإمتيازات خاصة (قروض بنكية هامة، أولوية في الحصول على السيارات و المقاسم الترابية، تدخلات في التوجيه الجامعي و نقل رجال التعليم، نسب من الانتدابات في القطاع العمومي ...)
و أدى هذا الوضع إلى ظهور بيروقراطية نقابية تتمتع بالسلطة و الجاه و النفوذ و لها مصالح مرتبطة بالنظام لذلك لم تتردد في تجميد النقابيين النزهاء (مجموعة اللقاء النقابي) و الهياكل المحلية المتمردة (الرديف). و قد تمكنت بعض الأطراف اليسارية من التسلل إلى المكتب التنفيذي عبر بوابة الولاء للبيروقراطية. فعن أي قيادة للثورة يتحدثون؟


* كيف تغول الإتحاد؟
كلنا يذكر أن قيادة الإتحاد كانت متخوفة من نتائج المؤتمر الأخير فصعود قيادة جديدة قد يؤدي إلى فتح ملفات و كشف حقائق مزعجة و مثيرة. و كان عبيد البريكي يتهدد و يتوعد أحيانا و يطالب بتمتيع الإتحاد بحصة في التأسيسي. و لم تكن قيادة الإتحاد تتمتع بدعم أكثر من ربع النقابيين. علما و أن النقابيين التجمعيين الذين يمثلون نسبة هامة كانوا يعزفون خلال فترة بن علي عن السيطرة على قيادة الإتحاد و لكنهم يؤثرون على النتائج بدعم من يرونه أقل عداء للنظام.
و لكن التحالف بين مجموعتي جراد و البريكي توصل إلى نجاح غير متوقع جعل المجوعتين في قمة الإنتشاء و الإبتهاج.  و يبدو أن النقابيين التجمعيين ساندوهم بكثافة و كانت الأغلبية من "الوطد" الذي أصبح يستعمل الإتحاد كذراع لعمله السياسي. و أصبح شعار المرحلة "عدو عدوي صديقي" . فتحالف الجلاد و الضحية. و أصبح "الدساترة" الذين قتلوا و وعذبوا النقابيين حلفاء لليساريين المتطرفين ضد الترويكا.
و قد تمكن النقابيون اليساريون من خلال رفع سقف المطالب المادية من كسب ود النقابيين القاعديين الذين رأوا فيهم من سوف يدافع عن مصالحهم و يحسن أوضاعهم بشكل كبير خاصة و أن وزراء حكومة السبسي أظهروا مرونة فائقة في الإستجابة للمطالب لأسباب ايديولوجية و سياسية (الطيب البكوش) أو لربح الوقت فالحكومة الموالية هي المسؤولة عن تنفيذ الإتفاقيات عملا بالمثل القائل (القاعد في الدار يؤدي الكراء) و هو ما تسبب فعلا في إحراج حكومة الجبالي.
و لكن هل تتحمل الحكومة مسؤولية في تغول الإتحاد حتى أصبح ي حتج على اتخاذ الحكومة قراراتها دون إستشارته؟ و أصبح أضعف موقف من تجاوزات نقابي أو تهوره مدعاة لإضراب عام.
في الواقع هذا التغول صنعته حكومة الغنوشي الضعيفة و دعمته حكومة السبسي الماكرة من خلال إشراك الإتحاد في تعيين الولاة و السفراء و إختيار أعضاء هيئة بن عاشور و عبر الإستجابة لمطالب نقابية مجحفة تدفع فاتورتها الحكومة الموالية.
كما أن عجز حكومة الجبالي (أو منظومة الفشل) عن الدهاء و المناورة و ضعفها في مجال الإتصال ساهم  في تأزيم الأمور.
 لماذا وضعت الحكومة كل "بيضها في نفس السلة" من خلال الإعلان عن التفاوض مع اتحاد الشغل فقط ؟ مع أن تقوية المنظمات الأخرى يخلق توازنا أفضل.
لماذا لم " تتابع " الترويكا سير المؤتمر الأخير للاتحاد و لم تحاول دعم الأطراف الأكثر إعتدالا و حرصا على مصلحة الوطن لا خلال مرحلة اختيار النواب و لا خلال الإنتخابات؟
لماذا انخرطت الحكومة في خيار المزايدات حول اجتثاث التجمعيين و إقصائهم ؟ رغم أن نسبة هامة منهم انتموا لهذا الحزب خوفا أو طمعا أو اضطرارا أو لعدم دراية بكنه الأمور و لم يرتكبوا جرما في حق وطنهم. و هذا الرفض الجماعي لهم قوى صفوف أعداء الحكومة و إلا كيف نفسر أن يحصل ممثلو اتحاد الطلبة على أغلبية المقاعد بالمجالس العلمية و هم الذين لم يكونوا يتجاوزون 5 % مقابل 90 % لطلبة التجمع . لماذا غضت الطرف عن المحاسبة السريعة لإعلام العار وهو ما كان ممكنا بعد الثورة و أصبح مستحيلا الآن ؟ فصحف مثل "الصريح" و "الشروق" التي استفادت من كرم عبد الوهاب عبدالله و هتكت أعراض الشرفاء اصطفت إلى جانب المناوئين الذين سوف يدافعون عنها بشراسة و لم يعد بالإمكان تقريبا وجود مساحة إعلامية مساندة للحكومة. فلم يستنكر أحد دعوة الهمامي للجزائر للتدخل في تونس و لم تتح الفرصة لنقابي واحد يندد بإصطفاف  الإتحاد وراء الجبهة. لماذا لم يحاسب وزير الشؤون الإجتماعية عن فشله في إدارة ملف العلاقة مع زملائه السابقين و بذلت كل المجهودات لإقناع علي رمضان النقابي الأصيل بقبول هذا المنصب؟

*ضرورة مجابهة الوضع
إن الترويكا مطالبة بمراجعة حساباتها و طريقة تعاملها مع اتحاد الشغل فسياسة إرضائه لم تجد نفعا و الدخول في صراع مفتوح معه محفوف بالمخاطر و هناك طرق أكثر نجاعة منها تطبيق القانون على الجميع و التفتح على كل الهياكل الممثلة للعمال بدأ بحضور مؤتمر اتحاد عمال تونس مثلا...
و عليها أيضا استنباط سياسة إعلامية نشيطة حتى تعرف عامة الشعب ما يجري حقا و لو أدى ذلك لبعث قنوات اذاعية و تلفزية جديدة و دعم وسائل الإعلام المتحررة من سيطرة اللوبي المناوئ و الصحافيين الشرفاء الذين يعانون من الظلم و القهر و الإرغام على السكوت.
و قد حان الوقت أيضا للحسم نهائيا في مواضيع التجمعيين ورجال الأعمال والقائمة السوداء للصحفيين التي أصبحت بمثابة قميص عثمان لمختلف الأطراف لتتاجر به (الجمهوري، العريضة، الدساترة..) و تتهم من  خلاله الترويكا بمحاولة إقصاء خصم سياسي. فليحاسب المخطئون و الفاسدون و ليتم الكف عن "شيطنة" الآخرين. و بذلك يسحب البساط من تحت أقدام مستعملي هذه الورقة و يرفع الخوف عن آلاف المواطنين المحتمين بالاتحاد و ينكشف أمر المتآمرين حقا.
و على كل العاملين الشرفاء أن ينخرطوا في العمل النقابي لا للسيطرة على المنظمة بل لقطع الطريق أمام المتطرفين و دعم القيادات النقابية النزيهة.
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا المقال وصل بريد الحوار نت يوم 2 أفريل 2013، نعتذر للتأخر في النشر بسبب مشاكل في تصفح البريد، كما نعتذر لكل الكتاب الذين لم نتمكن من الاطلاع على مقالاتهم ونشرها (أسرة التحرير)

مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.