.

.

في "الجِمَّه" و "الغُورَه" و أكل أسماك الناس بالباطل!

بتاريخ : 2014-02-05 الساعة : 02:46:48

اسم الكاتب : د.مختار صادق     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 770




  

أعجبني ما كتب الروائي التونسي نورالدين العلوي في مقالة له بعنوان "في علاج سم العقارب الصفراء.." شخصيا سمعت عن حكاية "الورل" (يعيش بالصحراء) و "البوفطيرة" (أفعى سامة) و نبتة "التاقوفت" منذ أن كنت طفلا صغيرا عن طريق صديق للعائلة من عرش "الهمامة" يكنى ب"المِدّب الهمامي" و ذلك لعلمه (له شهادة التطويع من جامع الزيتونة و ما أدراك)  و اشتغاله بكتابة "الحروزات" لكل ذات حاجة!  و قد ذكر في ما ذكر أن "الورل" لا يقدم أبدا على مقارعة "البوفطيرة" الا قبل أن يتأكد من وجود نبتة "التاقوفت" بالقرب منه فإن وجدها أقدم على مواجهة "البوفطيرة" و إن لم يجدها انسحب و أطلق رجليه للريح. و ذكر "المدب الهمامي" (رحمه الله) أنه عندما كان صغيرا شاهد بأم عينه "الورل" يتأكد من وجود "التاقوفت" قبل مواجهة "البوفطيرة" فما كان منه (المدب الهمامي) إلا أن اقتلع نبتة "التاقوفت" (و بعد أن تأكد "الورل" بنفسه من وجود نبتة "التاغوفت") ليرى ردة فعل "الورل" الذي كان منهمكا في المعركة. و بمجرد أن لسع "البوفطيرة" "الورل" سارع هذا الأخير للأكل من نبتة "التاقوفت" (التي اقتلعت بفعل فاعل!) و لما جاءها و لم يجدها بدأ يدور في حالة تشبه الهيستيريا و سقط مغشيا عليه بعد أن شل السم أطرافه فمات. و قد أججت تلك المقالة في نفسي الكثير من المشاعر عادت بي إلى زمن " المِدّب الهمامي" و أنا الآن بعيد عنها آلاف الأميال في الزمان و المكان. و نسجا على ذلك المنوال سأقص لكم حكاية "الجِمَّه" من وحي تجربتي الشخصية و أنا الذي نشأت و ترعرعت على ضفاف جنوب المتوسط في قرية بحرية صغيرة يقال لها "العوابد" (و التي هي و بلا فخر "طيارة" على كل المناطق المجاورة بما في ذلك مناطق بليانة و حزق و اللوزة و السعادي و العقاربة و الكتاتنة و الحمايزية و اولاد فضة و غيرها الكثير... هههههه أرجو أن لا يغضب مني أصدقائي فأنا أمزح!)  في العوابد هناك أكثر من ألف طريقة لصيد الأسماك! كل طريقة صيد لها ضوابطها و نواميسها الخاصة لارتباطها بفصول السنة و أنواع السمك المراد صيده و عمق البحر و اتجاه الريح و غير ذلك من العوامل. و من هذه الطرق كرَّمَك الله هناك "الكالاتي" و "البياتي" و "الكيس" و "الزروب" و "القارور" و غيرها من الطرق. و لعل طريقة "الجِمَّه" من أشهر تلك الطرق لقربها من شاطئ البحر و تأثيرها المباشر على سكان "العوابد". و "الجِمَّه" أعزك الله مجعولة خصيصا لصيد "الحوت النظيف" (سمك طويل الحجم) مثل "الكرشو" و "القبطون" و "الكربوع" و "البوري" و "الأعور" و غيره من أنواع "الحوت النظيف" حلو المذاق و صعب المنال.

تبدأ رحلة الصيد في "الجِمَّه" في الصيف باكرا حيث يتجه "الرايس" و "البحرية" إلى محل المواد الغذائية على الشاطئ لشراء "السبيسة" و التي تشمل عادة السجائر (و منها جاء الإسم) و الخبز و بعض الخضر و "دلاعة" (بطيخ أو "حبحب" كما يسميه اخوتنا الخليجيون)  و "هندي" (تين شوكي) إن أمكن مع قليل من الفحم لطهي الشاي الأحمر (الذي يشبه ثاني اوكسيد المانقنيز كما وصفه صديقي سعيد الأردني ذات مرة) و غير ذلك من مستلزمات قضاء ليلة على ظهر البحر سعيا بين صفا النوم و مروى الجوع.  "السبيسة" تباع "بالكريدي" (الدفع لاحقا) في انتظار بيع السمك (الذي ما زال حرا طليقا في البحر!) و تسديد الفاتورة بعد ذلك.  يضع البحارة مقتنيات "السبيسة" في "طارة" (صندوق سمك) و يصفنون سراويلهم إلى ما فوق الركب و يلجون البحر حفاة للتوجه إلى "الفلايك" (المراكب) و الأمل يحدوهم للظفر بصيد ثمين. جرت العادة أن يشترك شخصان من أصحاب "الفلايك" للعمل معا في "الجِمَّه". و في بعض الأحيان يشترك ثلاثة من أرباب العمل بثلاث "فلايك" ليكونوا بذلك "ترويكا" (في عرض البحر!) للعمل في "الجِمَّه". يمسك إثنان من البحارة بطرفي "طارة السبيسة" و يحثان السير مع بقية البحارة في اتجاه "الفلايك" و بمجرد وصولهم للهدف يبادر كل منهم بعمل شأن ما بعيدا عن التكركير (التواكل) فهذا "يدز بالقرية" (يغرس عصا طويلة في رمل البحر الطيني لدفع المركب في اتجاه المياه العميقة) و ذاك "يشعل الكانون" (إشعال النار في الفحم لطهي الشاي الأحمر) و الآخر يطبخ العشاء. و ما أن يفرغ أحدهم من شأن حتى يتحول لشأن آخر فالأعمال لا تنتهي و الوقت لا يكفي و البحر لا يرحم. و بعد أن يُرفع الشراع و تبدأ "الفلوكه" في شق عباب اليم  يكون الرايس قد قرر مع بحريته مكان "الجمه" و هو ممسك ب"الملوينة" (قطعة خشب توصل "بالدمان" (المقود)  للتحكم فيه) ثم ينطلق في سرد نكته و حكاياته قاصدا جهة محددة يعرفها الجميع باسمها (من مثل "الصفصافات" أو "الخليج" أو "البرط") ليصلوها قبل أن "يرد البحر بالنزحة" (أي قبل بدأ البحر بالجزر). و مع اكتمال البحر "بالملية" (المد) يبدأ البحرية في تسريب الشباك للبحر على شكل نصف دائرة فمها مفتوح على الشاطئ و ظهرها المقوس في الماء لتضع حدا فاصلا بين السمك الذي دفعه حظه العاثر ليكون داخل نصف الدائره و بين بقية الأسماك الحرّة. و مع ابتداء البحر في "النزحة" (الجزر) يترجل أحد البحارة العمالقة من "الفلوكة" "ليركز الغزل" (و ذلك بوضع "قرية" (عصا) بين خفاف الشباك الذي يطفو به للسطح و رصاصه الذي يجذبه للقاع) و ذلك لمنع السمك الهائج من القفز من فوق الشباك و الإفلات من نصف دائرة الموت ذلك أن السمك يتبع حركة البحر فعند المد ينزل السمك إلى الشاطئ و المياه القصيرة ليقتات من أعشابها اللذيذة و عند الجزر يعود السمك أدراجه "للحي" (المياه العميقة). فكرة "الجِمّه" تكمن في اعتراض السمك قبل عودته للمياه العميقة مع حركة الجزر و حصره بالشباك في شكلها النصف الدائري ثم بعد ذلك و بعد أن ينضب ماء البحر يقع اصطياد "الحوت النظيف" الذي و قع في المصيدة مباشرة عن طريق الأيدي أو عن طريق "الطراحة" (شبكة صغيرة يقع رميها بالأيدي للصيد في المياه الضحلة).

المتعارف عليه بين أهالي العوابد أن "اللقاطة" (ملتقطو الأسماك) و هم من يأتي "للجِمّه" بغرض صيد سميكات غفل عنها الرايس و البحرية لهم الحق في الصيد داخل "الجِمّه" و لكن لا يحق لهم التقاط الأسماك من أي بقعة داخل "الجِمّه" إلا بعد أن يقع مسحها من طرف الرايس و بحريته الذين عليهم الإسراع بجمع الأسماك حتى لا تهلك أو تفلت فلا يقومون بمسح كاسح بل يتعمدون في بعض الأحيان غض الطرف و ترك سميكات ل"اللقاطة" حتى يعم الخير الجميع و يشكر الكل البحر و خالق البحر الذي قسم الأرزاق لعباده.  و تعتبر م في ن عرف المحرمات (أو العيب المشين) أن تمتد يد "اللقاطة" "للصُّدْرَة" (نقطة الوسط في ظهر الشباك المقوس على شكل نصف دائرة) حيث غالبا ما يعلق السمك بها (عدا سمك "الكرشو" "المزوّر" (الذكي) الذي يختبئ في أي بقعة ماء صغيرة كأثر "عفسة" ساق ترقبا لمرور فجعة "الجِمّه" و عودة البحر بالمد). كذلك فإن يد "اللقاطة" من العيب عليها أن تمتد "للجناح" (جانبي الشباك) فالجميع يقدرون أن أرباب العمل خاطروا بأموالهم و أوقاتهم و أبدانهم لنصب "الجِمّه" بينما "اللقاطة" يقضون وقتهم في التمتع بالراحة و الدفئ و القرب من الأهل و الأولاد و حتى أكل الروز بالفاكية!  و لا يجئ  "اللقاطة" إلا عندما "يرد البحر بالنزحة" لجمع السمك و ذلك بعدما علموا بموقع "الجِمّه" و توقيت جمعها فأخبار "الجِمّه" تنتشر في قرية العوابد كانتشار النار في الهشيم.

 و ما أن يبدأ ماء البحر بالتلاشي و تظهر رماله الطينية حتى يأذن الرايس للبحرية بالبدء في "تلقيط الجِمّه" فيتقدم شاب من البحرية مفتول العضلات "لتكركير الحُمّارَة". و اعلم نفعنا لله و اياك بعلومه البحرية النافعة أن "الحُمّارَة" هي عبارة عن قطعة خشب منبسطة بحجم باب صغير شُدَّ حبل (أو حبلان) في طرف من أطرافها لجرها بعد أن توضع فوقها شباك الصيد المبتلة بالماء و ما علق بها من "الذريع" أو "الشفشاف" (نباتات بحرية). تكون بداية جر "الحُمّارَة" من الشاطئ في اتجاه "الصُّدْرَه" و في الأثناء يجمع الرايس و بقية البحرية الأسماك تاركين وراءهم "النطيحة و الموقوذة و المتردية" و الهاربة "لللقاطة" آخذين معهم ما عز و غلا من "الحوت النظيف". و عندما يكون الصيد وفيرا و الخير عميما فإن كل من حضر بمن فيهم الأطفال الصغار من "اللقاطة" يعود بقسط وفير من الأسماك و حتى "الحوت النظيف". و أذكر جيدا كما أذكر حادثة وقع لتوها أني عندما كنت طفلا صغيرا تمكنت من صيد اثنتي عشرة سمكة من "الحوت النظيف" ما بين "قبطون" و "كربوع" (أما "الكرشو" فلا يظفر به إلا المهرة و المحظوظون) و قد كان ذلك في "الجِمَّه" التي نصبها خالي محمود و ابنه رحيّم (رحمه الله). و أذكر حينها أني أمر على "الصبارص" و "المقاني" و "المداس" (أنواع من السمك صغيرة في حجم كف اليد) و لا ألتفت اليها لأن الأعين كلها على "الحوت النظيف".

قواعد اللعبة معروفة: أرباب العمل أولا ثم "اللقاطة" ثانيا و هذا عين العدل فالذي ينصب "الجمه" و يخاطر برأس ماله و وقته و كل ثمين لديه و يبيت ليلته عرض البحر متكلا على الله ليس كمن يبيت في الدفئ ينعم بملذات الدنيا و لا يجئ الا عند جمع السمك. غير أنه في مرات نادرة (خاصة عندما تلعب العروشية دورها)  و عندما يكون هناك بعض "اللقاطة" من "صحيحي الرقعة" الذين لا يحترمون قواعد اللعبة فانهم يلجؤون ل"الغورة" و افتكاك أسماك الناس بالباطل فيبدؤون باختلاق المشاكل و تعطيل عمل الرايس و البحرية ثم يهجمون على "الصُّدْرَه" (أجمل أماكن "الجِمّه") في تحد لكل الأعراف و التقاليد فيعمدون لخطف "الحوت النظيف" و حتى تمزيق الشباك نكاية و حسدا من عند أنفسهم. في هذه الحالة يأتي دور البحرية العماليق للدفاع عن صيدهم و قوتهم فتتشنج الأمور و ترتفع لغة "القرِي" (العصي) للضرب على أيدي المعتدين. و لكن عندما يصر "اللقاطة" على "الغورة" فلا ينقذ الموقف سوى تدخل شيخ راشد لفض المشكلة بالحسنى عبر التوافق و ذلك بتخلي أصحاب "الجمه" عن بعض المناطق البكر (التي لم يقع مسحها بعد) لفائدة "اللقاطة" و غض الطرف عن بعض تجاوزاتهم وكلامهم الجارح كل ذلك حتى يتمكن أرباب العمل على الأقل من صيد بعض من "الحوت النظيف" لدفع معلوم "السبيسة" و ضروريات الحياة الأخرى و يتفادون تمزيق شباكهم و إمكانية تحول الواقعة إلى اعتداآت عنيفة و تدخل الأمن و القضاء لفض النزاع مما قد يكلف الجميع (ارباب عمل و لقاطة) غرامات مالية لا قبل لهم بها و حتى الزج ببعضهم في "بو فردة" (السجن).

لكن الخطر الغائب الحاضر و الذي يجول في خاطر أرباب العمل هو أن يوصموا بالضعف و عدم القدرة على الدفاع عن "جمتهم" فتتفرق من حولهم البحرية و يشجع "اللقاطة" للتطاول عليهم في مناسبات "الجِمّه" القادمة!

د. مختار صادق

الولايات المتحدة الأمريكية في

فيفري   2014

 

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.