.

.

عندما تكون المصافحة حرجا إجتماعيا

بتاريخ : 2016-04-21 الساعة : 06:46:19

اسم الكاتب : الشيخ الهادي بريك     التصنيف : مواعظ وحكم     عدد القراء : 1651




 مقالات أُخرى للكاتب - الشيخ الهادي بريك
رحل رجل ( الجرأة ) سليم بقة
بين المرأة والقرآن : علاقة حبّ يفسدها الغالون
لترحل بن سدرين كما رحّلنا من قبلها الحبيب عاشور
تشريع الإرث بين الثبات والتغير في ضوء الأسرة الجديدة والدولة الجديدة
ترشيح اليهودي في ميزان الإسلام
يوسف الصديق : طعم جاهز وشهي على طبق إستئصالي
مسلمو ألمانيا : يا ملح البلد
خطاب رئيس الدولة بين العلم الشرعي والموقف الشرعي
عندما يكون العلم سلاحا ذا حدين
رمضان مدرسة تربوية جامعة

المزيد من المقالات

هل المصافحة مشكلة تستحق المعالجة؟

يلتقي نواب الشعب مرات في الأسبوع الواحد في باحة المجلس فيصافح بعضهم بعضا على هذه الطريقة : أكثر المختمرات ـ بل ربما كلهن ـ يصافحن الرجال عدا نواب النهضة وهؤلاء يصافحون النساء عدا نائبات النهضة ثم ينسحب المشهد وتمور الأفئدة بالأسئلة المحكوم عليها بالسجن المؤبد حتى تستحيل (تابوهات) دينية. وليس الأمر مقصورا على تلك الباحة بل يتكرر  في باحات المدارس والمعاهد والكليات والإدارة وبعض حفلات الأعراس والعزاء. المصافحة هنا حرج إجتماعي ينقسم فيها التونسيون إلى مؤمن بالتحريم ومؤمن بالإباحة وحامل لأسئلة تائهة حول الدين أو حول المتدينين. ليست المصافحة مشكلة دينية تحتاج إلى تحرير ولكن تعاطينا معها يجعلها كذلك.

المصافحة فعل مباح مقيد لا يحرّمه إلا جاهل مغرور.

أبدأ بالتكييف الشرعي. الحديث عن المصافحة يدا عارية بيد عارية بين الرجال والنساء من غير ذوي المحرمية وليس الحديث عمّا يزيد عن ذلك مثل التقبيل والإحتضان. المصافحة فعل مباح لأن الشريعة نظام قيمي قانوني مرتب المستويات وليس في أصلها الأول ـ الذي تكفّل لوحده وبالكلية ببيان المحرّم الأصلي القطعي ـ أي القرآن الكريم ما يعالج المصافحة ومن ذا نتعلم أنها أمر ثانوي صغير لم يرتق حتى إلى معالجة في هذا السفر الأول. ذلك لم يمنع الحمقى من بناء هذه المعادلة : أمرنا بغض البصر جزئيا  وهو أدنى من المصافحة والنتيجة أن المصافحة نفسها منهي عنها. تلك هي السفسطة الفلسفية اليونانية القديمة. الغض من البصر جاء في سياق كبح الشهوة الجنسية فحسب أما المصافحة فقد تقتضيها ضرورات وحاجات ليس أدناها إشعار المصافح بالإهتمام والإعتبار وخاصة في مشاهد التهاني والتعازي. لا يتسع المقال للتفصيل لأذكّر أن الروايات مختلفة جدا في طريقة بيعته عليه السلام للنساء إذ أثبتتها أم عطية الأنصارية ـ أي كبيعته الرجال ـ  ونفتها الأم عائشة التي رجّح بعضهم أنها تتحدث في نفيها عن بيعة المهاجرات فحسب وقد عالج ذلك الحافظ إبن حجر الذي إنتهت إليه مشيخة تفسير صحيح البخاري ولم ينف إحتمال تطابق صيغتي بيعته عليه السلام الرجال والنساء سواء بسواء.

فليس في السنة إذن ـ لا سيرة ولا قولا ولا عملا ولا إقرارا ـ ما ينهى عن المصافحة نهيا صحيحا قطعيا وما ينبغي لها ذلك فهي لا تستقل بالتشريع إبتداء وإنما وظيفتها البيان وإذا كان البيان يشمل التخصيص والتقييد والتفسير فإن القرآن لم يتعرض للمصافحة وبذا لا مجال لمعالجة السنة لها لا تخصيصا ولا تقييدا ولا تفسيرا. معذرة عن النظم الأصولي الفقهي لضرورة البيان وسينداح البيان سلسا بعد قليل. إلا أمران يفردان بتفصيل. أولهما أنه لو إفترضنا جدلا ـ ولم يثبت قطعا بل ثبت ضده كما يرد بعد قليل ـ أنه عليه السلام لم يصافح إمرأة فإن فعله ـ وليس قوله ـ لا يقوم حجة على الوجوب ولا يقوم تركه ـ وليس نهيه ـ حجة على التحريم ولا بد لذينك من قرينة تصرفهما إليه. ها هو قد نهى عن صبغ الشعر ـ أي الشيب ـ بالسواد وقد خالفه صحابة منهم أبي (أقرأ الأمة ) فصبغ. تلك قواعد أصولية موقرة : لا تستقل السنة بالتشريع إلا إستحبابا وترغيبا أو تكريها وترهيبا وليس على تارك الأول شيئ ولا على فاعل الثاني شيئ بل يفعل المكروه لإجتناء أي حاجة كما قال الأصوليون إذ مبنى الشريعة التوافق بين مستوياتها لإنشاء التكامل وليس التقابل الصراعي. وكذا : لا ينهض فعله لأي شيء ـ  ما لم يقترن بأمر صحيح صريح يبيّن القرآن في أي إتجاه تخصيصي أو تقييدي أو تفسيري ـ  حجة على الوجوب ولا تركه بمثل ذلك حجة على التحريم.

الأمر الثاني الذي يحتاج إلى تفصيل هو الحديث الوحيد الذي يتعلق بأستاره هواة تحريم ما أحلّ الله سبحانه. هو حديث المخيط كما إشتهر عند أولئك الهواة. لم يصرح أحد بصحة الحديث الذي أخرجه الطبراني والبيهقي وقال المنذري عنه أن رجاله رجال الصحيح وليس هذا كافيا لعدّه صحيحا ولذلك لم يجرؤ محقق واحد على تصحيحه. لصحة الحديث ترتيب علمي معروف عند عمدة المحدثين إبن الصلاح وغيره يبدأ بالمتفق عليه وينتهي بما جرى على شرط مسلم على الأقل ولم يخرجه وبينهما درجات علمية أربع أخرى. خرج حديث المخيط عن هذه الدائرة الواسعة التي تضم أزيد من ثلاثين ألف حديث. تلك علّة سنده. أما علة متنه فهي أشنع للهواة إذ يذكر (المس) الذي لا يرد في العادة الغالبة وحيا ولسانا إلا دلالة على الإتصال الجنسي وليس على مجرد اللمس باليد أو بغيرها. وعلّة تشريعية أخرى أشد عليهم عنوانها أن الشريعة ببنائها التوافقي بين الجريمة وبين جزائها لا ترتب مثل تلك العقوبة الشنيعة طعنا بآلة حادة تغرز في الرأس وقد تفضي إلى الموت على معصية لمس حدثت بين رجل وإمرأة حتى لو كانت بقصد التلذذ بينهما فما بالك إذا كانت المصافحة بينهما مجاملة والمجاملة سنة نبوية ثابتة أو عرفا محكما ينسج عرى التعارف بين الناس ويشد أزر الصف الواحد المرصوص بينهم. حديث وحيد يتيم إذن يسقط حجة على تحريم المصافحة على المعنى الفقهي القاضي بأن مقترف الحرام يعاقب يوم القيامة.

أجل. ثبت أنه عليه السلام صافح إمرأة. ورد هذا في أصح كتاب بعد القرآن الكريم أي صحيح البخاري. ورد ذلك عن أنس ـ أحد أعضاء السلسلة الذهبية المالكية ـ ولكن الهواة تجهزوا لتأويل هذا الحديث المرتب ثانيا من حيث سلّم الصحة آنف الذكر فقالوا أنه يصافح الإماء وليس الحرائر. حتى لو صح هذا ألا يستحي هؤلاء من غشمهم؟ هل هناك فرق في الشعور الجنسي لدى المرأة أن تكون أمة أو حرة بالتمييز القديم؟ هل تموت الشهوة الجنسية عند الأمة؟ هل نشطب علوم النفس والإجتماع أي مكاسب البشرية لنجاري الهواة والمتطفلين؟ فإذا نجوا من هذه عاجلتهم هذه الطامة إذ أخرج الشيخان ( أي في أعلى قمة هرم الحديث الصحيح ) عن أنس كذلك أنه عليه السلام يقيل ـ أي يقضي القيلولة ـ عند أم حرام بنت ملحان وهي خالة أنس وكانت تفلي رأسه. حاولوا تزوير النسب فادعوا أنها خالته هو عليه السلام لإثبات محرمية ففضحوا إذ تبين بعلم الأنساب أنها خالة أنس وأنها عليه ـ عليه السلام ـ غير ذات محرم. نشطب هذا كذلك لإرضائهم وصنع نمط مجتمعي على شاكلة (داعش) أقصى يسار السلفية المغشوشة؟ هذا الحديث نفسه أخرجه الإمام أحمد في مسنده. ذلك يعني أن الفقه الحنبلي نفسه يجيز المصافحة في أصوله الأولى ولكن ما يجري في الخليج كالذي يجري في إيران أي تطييف الفقه أو مذهبته ليكون عامل تفريق لا عامل تجميع والأسباب سياسية بالطبع.

خلاصة الحكم الشرعي.

1 ـ المصافحة مباح لأنه ليس لنا فيها أي دليل إيجاب ولا تحريم ولا تحبيب ولا تكريه لا من القرآن ولا من السنة ولا من الإجماع ولا من القياس. المآل هو إذن : الحكم بالإباحة فهي المنزل الأخير أن يتورط المرء في القول على الله أو رسوله بغير علم وهو أكبر ذنب قطعا بحسب التعليم القرآني نفسه.

2 ـ القرآن لم يتعرض لها فهي إذن قضية صغيرة ثانوية لا ترتقي إلى المحرمات القطعيات. السنة سيرة وقولا وفعلا وإقرارا أثبتت أنه صافح في البخاري ومسلم وأحمد وإبن ماجة كما أثبتت أنه لم ينه عنها ولو بحديث موضوع أي مكذوب ولو كانت حراما لما فاته أن ينهى عنها فقد نهى عمّا هو دونها. حتى في بيعة النساء إختلفت الروايات وإنحياز كبار المحدثين إبن حجر مفسر أصح كتاب لرواية أم عطية يوحي عند طلبة العلم المحققين بما يوحي . وعلى فرض أنه لم يصافح فإن الأصوليين ـ وليسوا هم نقلة فقه أو مدوني علم أو كتاب بل نحّات أصول ـ أجمعوا إجماعا على أن فعله عليه السلام لا يفيد لا وجوبا ولا تحريما إلا بقرينة ولا قرينة هنا. ولم ينقل إلينا إجماع لا من الصحابة ولا من الطبقات التي تلتهم على حرمة المصافحة.

3 ـ أما القياس ففيه مفاجأة. ثبت أن قوله (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل..) نزل بمناسبة مباشرة صحابي لأمرأة لا تحل له على إختلاف بين صور المباشرة فمن قائل أنها قبلة ومن قائل أنها متعة فيما دون الجماع فحسب. لما جاء الرجل إليه عليه السلام يستفتيه نظر ( أي إنتظر) الوحي إذ ليس لديه شيء فنزلت الكفارة وهي أن الصلاة حسنة تمحو سيئة القبلة أو ما باشر به الرجل المرأة. القياس آلة منطقية إستوردها الفقهاء. تحكيم القياس هنا ـ قياسا معنويا لأن القياس العلّي هنا ممتنع بالضرورة ـ يثمر أن كفارة قبلة هي توبة الصلاة فما تكون كفارة مصافحة؟ الحديث عن قبلة بل ربما عن أكثر منها. كيف عالج القرآن نفسه المسألة؟ ما هاج عليه السلام وما ماج في وجه صاحبه وما فسقه ولا بدعه ولكن علمه أن ( الحسنات يذهبن السيئات). نتيجة القياس : المصافحة أدنى بكثير من أن تطأ منطقة الحرام ولا حتى المكروه قياسا على القبلة. المصافحة خارج جدول الفعل الذي قد يسدّ إذا ما طوحت ذريعته لتكون فاحشة مغلظة. لم يعالج الدين المصافحة لأنها صورة من صور السلام وهي صورة عادة ما ترتبط بالعادات والأعراف والتقاليد وليس من شأن الدين معالجة ذلك سوى ما إختلط منها بشرك أو بإثم مثله أو فاحشة مغلظة. المصافحة إذن تقطن دار العادة لا دار العبادة ولذا تعالج بمآلها وليس بماهيتها.

4 ـ المصافحة مباح مقيد. تصير المصافحة حراما عند من يعقد نية في قلبه على التلذذ بالمرأة التي يصافحها والحرمة تتعلق به هو وليس بها هي إلا إذا إشتركت معه في النية التي محلها ـ بل سجنها المؤبد ـ القلب فلا ترهقنّ نفسك في النبش عنها وعامل الناس بحسب ظاهرهم فحسب. فصّل المالكية المتأخرون في ذلك تفصيلا مفيدا لولا أنه يصرف طالب العلم عن الأجدى والأنفع. القيد هو إذن : ألاّ تكون المصافحة الخطوة الأولى على درب الفاحشة المغلظة أي الزنى. عندها تكون محرما لغيرها أي سدا للذريعة ولذلك تظل المصافحة مباحا في العادة والعموم فلا يحجز العاقل نفسه عنها إلا إذا غلب على ظنه أنها مصافحة مفضية إلى الزنى وما حرّم لأجل غيره وليس لأجل نفسه ـ وهي أغلب المحرمات ـ فإنه يجوز للحاجة والحاجة تنزل منزل الضرورة كما قال الأصوليون في قواعدهم. ولو إستقر في ذهن هاو أنها مكروه ـ وليست حراما ـ فإن المكروه يقترف لأجل جني مصلحة كمصلحة تحقيق التهنئة مثلا أو التعزية أو التعارف لمقصده وكذا لأجل الفرار من الوقوع في محرم أعلى منه. معذرة مرة أخرى عن المغلقات الأصولية لبيان توافق الشريعة فحسب. ذكر بعض المعاصرين قيدا ثانيا أخيرا بعد قيد الوقوع في الزنى وهو قيد طروء الحاجة وضرب لذلك مثلا بوفود مسافر وهو قيد يفهم ضمن معناه العرفي إذ يعتاد الناس في تونس مثلا مصافحة بعضهم بعضا عند اللقاء كل صباح في مثل الأماكن التي ذكرت في أول هذا المقال والعرف والعادة محكمان شرعيا ما لم يصدما نصا شرعيا صحيحا صريحا أو مقصدا بمثله وهما عند المالكية أشد تحكيما وعند مالكية تونس بصفة خاصة من مثل الإمام سحنون والإمام إبن الفرات في قضايا معروفة عند طلبة العلم.

المصافحة بين إباحة دينية ومصلحة إجتماعية.

1 ـ لن يظفر إمرئ حتى يوم القيامة بعشر معشار دليل معتبر لا يسقط به الإستدلال لفرط ما يخترمه من إحتمال كما قال الأصوليون على حرمة المصافحة ولا حتى على كراهتها إلا عندما تكون خطوة أولى محققة للزنى ولكن هل يصح ذلك في حياتنا اليومية؟ هل يفضي تصافحنا في المناسبات اليومية إلى الزنى؟

2 ـ فما المشكلة إذن؟ المشكلة عرفية إجتماعية أنشأتها حركة التدين الأولى مغالبة للمشروع البورقيبي الإستبدادي العالماني المتطرف فكان رد الفعل من جانب تلك الحركة في شأن المصافحة متطرفا كذلك سوى أنه لم ينظّر لتطرفه فكريا بل أرسله مزاولة عملية ثم قصر الأمر في حركة تطوره على داخله. وكفاك بها إزدواجية لا تليق. فلما جاءت حركة التدين السلفية الجديدة مغالبة لمشروع المخلوع التجفيفي إزداد الطين بلة وعدّت المصافحة فسقا شنيعا لا يبتعد كثيرا عن فساد عقدي أو ردة.

3 ـ وفي مناخات تدين وافد من الشرق وسحق لآثار الفقه الزيتوني المالكي وموات لحركة التوعية الدينية  برزت المصافحة ركنا من أركان التدين ولم يقم من يعتقد حكم الإباحة فيها بالتوضيح الكافي خشية الناس وغلب التدين السلفي على الناس وزاول بعضنا المصافحة سياسة وإعادة إندماج وتطبيع وظل يعيش الإزدواجية.

وتظل المصافحة حرية شخصية.

كل مباح في الشريعة ينتمي إلى الحرية الشخصية ولكن يقيّد فتسد ذريعته إلى إقتراف الحرام أي إلى الولوغ في حقوق الإنسان لأن المحرمات حقوق كلها إما لله أو للنفس أو للإنسان. فلا حرج على أي إمرئ رجلا كان أو إمرأة ألاّ يصافح ممارسة لحريته الشخصية وليس تدينا أو تسننا إذ عندما يعتقد ذلك يكون قد إقترف إثم القول على الله بغير علم. ولا يعاب على إمرئ رجلا كان أو إمرأة إختار المصافحة ولا ينبش في صدره عبثا معبوثا إلا أحمق الحمقى. المصافحة كالإنتقاب. كلاهما حرية شخصية لا أثر فيها للدين. ولذلك لا أدعو إليها ولا أنهى عنها لحماية الدين نفسه من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وكذا لتوسيع دائرة الحرية في حياتنا إذ وسّع الدين تلك الحرية فما أوجب علينا إيجابا محتما قليل وما نهى عنه أقل من ذلك وأقل بكثير.

وفتح الذريعة مطلوب كسدّها.

الدارسون للشريعة يعرفون أن هناك آلية أصولية فقهية فكرية إسمها سد الذريعة يخطئ من يعدها مصدرا من مصادر التشريع ومراجعه ولكنها آلة إلى جانب آلات أخرى لإعادة سمة التوافق للشريعة عندما تتداخل مستوياتها أو تتعارض في مشاهد حياتية يغلب عليها الإكتظاظ. نشطت تلك الآلة نشاطا محموما بمناسبة غلق باب الإجتهاد وتخييم الإنحطاط على الأمة وظن الناس أن أصل مشكلاتهم هي المرأة في تسلل واضح لثقافة كنسية وفقه مسيحي أرعن. هرعوا إذن إلى إمتطاء صهوة سد الذريعة ظنا منهم أن إباحة الحلال وإعلان الحرية مسؤول على أزماتهم. وما حجزهم عن فتح الذريعة لنشأة العمارة إلا السلطان السياسي المتغلب بالشوكة. ولمّا أذن سبحانه في القرون المنصرمة القليلة بنهضة جديدة قدم فرسان العلم ( الإمام محمد عبده وغيره) إلى إنشاء موازنة بين سد الذريعة وبين فتحها. فما غلب على الظن أنه يحدث تدينا معتدلا تقتضيه اللحظة التاريخية فتحت ذريعته وما كان على الضد من ذلك سدت ذريعته. الناهون عن المصافحة يندرجون ضمن سد الذريعة ولكن فهم عامة الناس أنها محرمة أو مكروهة على الأقل. المقياس الشرعي الواقعي في آن واحد هو : كل مصافحة تقطع بك الخطوة الأولى إلى الزنى فدعها وكل مصافحة لا تنشيء شيئا من ذلك إلا وهما موهوما فهي ذريعة إلى رص صف إخترقته التدينات المشوهة والشكوك المزيفة.

وفي ظني أن المصافحة مأمونة الفاحشة توسع من دائرة التدين المعتدل وتضيق من دائرة التدين السلفي المغشوش إذ الحرب عملية هنا أكثر منها حتى علمية. بل أظن أنها حاجة سياسية في بعض المواطن لأنها ترسخ مظاهر التواثق المتبادل وتحقق مقصد التعارف في دين همّه كله رص الصف الإنساني حتى في حال التفرق الديني نفسه.

 فبأي دين وبأي مصلحة معا تصافح غير المختمرة ولا تصافحك المختمرة التي تصافح غيرك في مشهد واحد؟ أما القول بأن المصافحة تفضي إلى القبلة ثم إلى الإحتضان والزنى.. فهو كقولنا أن السماح ببيع الخمر في تونس يجعل من أكثر التونسيين (سوكارجية)؟ فهل أصبحنا كذلك؟ ها هم اليمنيون يملك كل واحد منهم سيفا بتارا لا يضعه عن خاصرته فهل قتل بعضهم بعضا وهم في أتون ثورة لها أنصارها وعليها أعداؤها؟  دعونا من الضغوط الفكرية التافهة. دعونا من الحتميات التي دمرت الماركسية.

 دعونا من فقه الفايس بوك وتراهات الشذاذ الذين يعكرون علينا صفو الحياة بقولهم أن العلم الحديث إكتشف مخاطر المصافحة على الجلد؟؟؟؟؟؟؟ في مناخ هذا مبلغه من العلم آن لأبي حنيفة أن يرقص عاريا في الملإ وليس بأن يمدّ رجليه فحسب.

وسبحان القائل ( ما جعل عليكم في الدين من حرج).

الهادي بريك ـ مدنين ـ تونس

brikhedi@yahoo.de

مصدر الخبر : الضمير التونسية
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.