.

.

مقاربة في فصل الدين عن السياسة: المجتمع الأمريكي نموذجا‎

بتاريخ : 2016-08-11 الساعة : 03:26:41

اسم الكاتب : د.مختار صادق     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 548




سألني صديق مشرقي عن سر و دلالات قرار حركة النهضة التونسية في مؤتمرها الأخير بفصل الجانب الديني عن السياسي و عن خطتها لإنزاله على الأرض خاصة و أن المسلمين منذ أن نزل الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم إلى يوم الناس هذا تعلموا و تربّوا على أنّ الإسلام كلٌّ لا يتجزّء و هو دين شامل يغطّي كل نواحي الحياة بما في ذلك الناحية السياسية? قلت أنا لست من حركة النهضة و لم أحضر مؤتمرها و لا علم لي ببرنامجها لتفعيل ذلك القرار و لكن سأعطيك وجهة نظري الشخصية.
بداية أنا من المؤمنين بالتخصّص في الميدان السياسي و قد ناديت بهذا من قبل (انظر مقالي في "الحوار.نت" بتاريخ الثاني عشر من جوان سنة ألفين و إحدى عشر). لننطلق من مثال "الجسد" الذي أراه الأقرب لتحليل هذه المسألة. فالجسد هو كيان متكامل يعمل بتناسق مبدع بمختلف أجهزته مثل الجهاز العصبي و الجهازالتنفسي و الجهاز الهضمي و جهاز المناعة و غيرها من الأجهزة المعقدة التي تترابط و تتآزر في مابينها و تعمل كلها لمصلحة الجسد العليا حتى أنه "إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى" كما جاء في الحديث الشريف. و لقد كان الأطباء المسلمون الأوائل مثل ابن سينا و ابن الجزار و غيرهم على إلمام شامل (حسب مقاييس عصرهم) بوظائف الجسد و تكاملها و كانوا يقدّمون العلاج لمرضاهم مهما كان المرض الذي بين أيديهم. لكن ألا ترى أن الزمن قد تغير برغم أن الجسد في شموليته و تكامله و أجهزته مازال كما هو لم يتغير? فالطبّ تقدّم جدا و فرض طب الإختصاص نفسه حتى أنّنا لم نعد نتحدّث عن المختصّين في جهاز معين بالجسم و لكن نتحدّث عن اختصاص عضو داخل ذلك الجهاز. و كذلك هو الإسلام فهو كما كان و يكون و سيكون كلُاًّ لا يتجزأ حتى و إن تغيّرت مقاربتنا له من زاوية الشمولية إلى الإختصاص.
فلئن كانت المقاربة الشمولية في التعاطي مع تنزيل أحكام الإسلام على الأرض معمولا بها منذ مجئ الإسلام في تماه مع الطبيعة الشمولية لهذا الدين (الذي هو منهج حياة كامل) حيث تسعى الدولة في أي بلد إسلامي إلى إنزال فهمها و تصورها للدين على المجتمع فتصبح كل مبادرات الدولة و برامجها سواء ما تعلق منها بالإحتياجات المادية أو الروحية للمجتمع من مثل معالجة قضية الفقر بجميع أنواعه من جهة أو قضية الإنحراف السلوكي بجميع أشكالها من جهة اخرى متداخلة و مترابطة لا تقبل الإفتكاك عن بعضها البعض ليصبح برنامج الحاكم لمواجهة تحديات المجتمع المسلم و تطلعاته كلهاعبارة عن شعار عام من مثل "الإسلام هو الحل" يحمل في طياته المتشابكة خطر فشله عند محاولة تطبيقه لتعقُّدِه و صعوبة إنزاله على أرض الواقع.
المخاطر المتأتية من الطبيعة المعقدة للطرح الشمولي (إن صحت التسمية) لا تكمن فقط في صعوبة تنفيذ هذا الطرح على الأرض و لكن أيضا في خطورة فسح المجال بل و إعطاء التعلات و التبريرات الموضوعية و غير الموضوعية للدولة حتى تفرض فهمها الخاص للدين (الذي هو لصالح الحاكم في الغالب) لفرضه على الناس بشوكة القانون و استعمال مقدرات الدولة إن لزم الأمر لقمع الرأي المخالف. و التاريخ الإسلامي ملئ بالتقاء مصالح الحكام مع "علماء" البلاط على حساب حقوق الفقراء و المهمشين و على حساب حاجة المجتمع ككل لحكّام يجدّون في خدمة أوطانهم و أمتهم و ليس خدمة أهوائهم و حاشيتهم. و لذلك كان هناك دائما توجس و خوف من قبل غير المتدينين و العلمانيين من المقاربة الشمولية للسياسة بخلفية دينية. 
و كنتيجة لذلك التحالف المغشوش بين البلاط و العمامة عبر التاريخ أصبحنا نسمع عن دول مذهبية مبنية على فهم معين للدين مفروض من الدولة على مواطنيها مما أنتج مجتمعات مشوّهة فاقدة للحرية و التسامح و عاجزة عن الإبداع و التطوّر حبيسة أحكام و رؤى متوارثة أغلبها مبني على قرآت و تفاسير لا تتماشى و روح العصر. و قد كان فشل هذا التصوّر الشمولي و المنغلق مرتبطا بطبيعة الأنظمة الحاكمة المتحكّمة التي تستعمل الدين لإحكام قبضتها على المجتمع و ضمان ديمومة سلطتها و كذلك بصعوبة إنزال هذا الطرح "الشمولي" بنجاعة على أرض الواقع في غياب آليات مستقلة (مثل قضاء عادل و إعلام حر) لمراقبة آداء جميع الأطراف المتداخلة بما في ذلك السلطة الحاكمة. 
و في مقابل هذه المقاربة ذات الطابع الشمولي أين يتماهى فيها علاج الجانب المادي مع الجانب الروحي كمبدأ عام في تسيير شؤون الناس هناك و على النقيض منها المقاربة "اللائكية" حيث الفصل التام بين الجانب المادي و الجانب الروحي في إدارة الشأن العام. و في هذا المجال "اللائكي" هناك العديد من مدارس الحكم التي تصدت لتفعيل مقولة "دع ما لقيصر لقيصر و ما لله لله" التي جاءت كردّة فعل على تغوّل الكنيسة و تأثيرها المباشر في النظام السياسي في أوروبا أواخر القرن السابع عشر. و من هذه التجارب "اللائكية" التي تتبنى الفصل بين الدين و النظام السياسي نخص بالذكر التجربة الأمريكية التي و إن لا ينص دستورها على دين رسمي للدولة (كما هو الحال بالنسبة لبريطانيا و الدانمارك مثلا) فإنها لا تقصي الدين تماما من الحياة السياسية (كما هو الحال بالنسبة لفرنسا) أو من الحياة العامة (تركيا التاتورك مثلا دون اعتبار الأنظمة الشيوعية التي ترى في الدين عدوا و أفيونا وجبت محاربته) بل على العكس فإن للدين نصيب وافر في حياة المجتمع الأمريكي الذي يعتبرمجتمع متدين بامتياز. هذا التدين الشعبي للأمريكان (خاصة في مناطق الوسط و الجنوب) مع وجود مسافة بين المنظومة الدينية (من كنائس و أحباس و رجال دين و برامج دينية و اجتماعية و غيرها) و منظومة الحكم (بهياكلها الدستورية و حزبيها الرئيسيين) انعكس إيجابا على المنظومتين في علاقة ذات اتجاهين بين نظام سياسي لا يعادي الدين بل على العكس يحاول التقرب إلى رجالاته و مؤس ساته للإستفادة من قدراته التعبوية عند الانتخابات و الكوارث الطبيعية و الإجتماعية و بين منظومة دينية تسعى لغطاء قانوني و سياسي للنشاط في العلن و إيصال صوتها للناس.
لأسباب تاريخية تمثلت في هجرة الطائفة البروتوستانتية إلى العالم الجديد (أمريكا) هروبا من تسلط الطائفة الكاثوليكية في أوروبا فإن حرية المعتقد و حرية التدين تُعتبر من القواعد الصلبة التي بني عليها الدستور الأمريكي و لذلك فهناك تسامح كبير من الدولة تجاه الكثير من المظاهر الدينية التي قد تعتبر من مظاهر التخلف عند بعض الدول الأخرى. فمثلا هناك بالوسط و الشمال مازالت طائفة "الأميش" التي يحاول منتسبوها الإقتداء بالمسيح عليه السلام فهم لا يستعملون الكهرباء للطهي أو التنوّر أو غير ذلك ويطبخون على النار مباشرة و لا يستعملون السيارة إلا في الحالات القصوى كالمرض كما أن نساءهم يلبسن الحجاب و لا يختلطن بالرجال. باختصار شديد عندما ترى نمط حياتهم تحس كأنك تعيش القرون الوسطى. أما الدولة فإنها لا تتدخل بخصوصياتهم الدينية و الإجتماعية بل توفر لهم كل أسباب العيش الكريم مثل الإعفاء الجبائي و تخصيص الإعانات المادية بحكم فقرهم و كثرة أطفالهم. كذلك فإن طائفة اخرى تدعى "المورمونز" من المسيحيين لهم أيضا نواميسهم الخاصة في العبادة و المعاملات و التي يتعارض بعضها مع قانون البلاد التقدمي (مثل قانون تعدد الزوجات الشائع بين "المورمونز") و رغم ذلك فإن الدولة تغضّ الطرف عن ذلك و لا تتدخل إلا في حالات نادرة (مثل قضية القس "وارن جافز" الذي جمع بين أكثر من سبعين زوجة بينهن قاصرات أعمارهن لا تتعدى الرابعة عشر سنة و قد اشتكته إحدى زوجاته للسلط).
هناك العديد من المسائل التي قد لا يتسع المجال لذكرها كلها هنا و التي تعكس الموقف الإيجابي للدوله تجاه أفرادها المتدينين مهما كان دينهم و من ذلك مثلا حرية اللباس. فاليهود بلحاهم الطويلة الكثة و شعورهم المدلاة, المسيحيون "الآمش " أو "المورمون" الذين لا تخطئهم العين بلباس نسائهن الذي ينسحب على الأرض أو حجابهن فوق الرأس و لباس الرجال التقليدي الذي يوحي بالتدين و العفة. 
و حتى في مسألة تشريع القوانين فإن الدولة تراعي خصوصيات المتدينين فلا تسن قوانين تتعارض و التعاليم الدينية للأغلبية فمثلا و أثناء المداولات في أروقة الكنغرس بمجلسيه (الممثلين لجهاتهم و مجلس الشيوخ) بخصوص قانون التغطية الصحية الجديد الذين يغطّي كل الأمريكيين بكل فئاتيهم و ولاياتهم الخمسين و قع استثناء الكنائس أو أي دار عبادة (على خلاف كل الشركات الأخرى بجميع أنواعها) و إعفاءها من توفير حبوب منع الحمل لمن يعملن عندها لأن ذلك ضد قناعاتهم الدينية التي تحرم الإجهاض أو تناول حبوب منع الحمل المكفولة تحت نظام التغطية الصحية الجديد (أو ما اصطلح عليه ببرنامج أوباما للتغطية الصحية) 
كذلك فإن التمييز على أساس ديني هو جريمة يعاقب عليها القانون حتى يتمتع المواطن بحقه في اعتناق أي دين دون خوف على مستقبله المهني أو سلامته الشخصية. فمثلا يعتبر تعدّيا على القانون أن تسأل شركة ما و طاقمها المقبلين على العمل عن ديانتهم و هناك تعليمات صارمة من الشركات إلى منظوريها بعدم التعرض لهذه المسألة عند استجواب الطلبة أو الموظفين الراغبين في الالتحاق بتلك الشركات لأن ذ لك قد يتسبب في خسارة كبيرة إذا قدم أحد المتضررين شكاية في الموضوع. كذلك الترقيات و الإرتقاء في السلم المهني هي بالأساس مرتبطة باجتهاد الفرد و نفعه للشركة أو المؤس سة التي يعمل بها و لا علاقة لها بالدين أو العرق أو القرابة ما عدى في الحالات الشاذة التي حتى و إن وقعت فإن القانون يسمح بتحدّيها و عرضها على مجالس الشركات المختصّة أو حتى أمام القضاء و كثير هم (و منهم مسلمون) قضت لهم المحاكم بملايين الدولارات كتعويض على الضرر الذي لحق بهم بسبب الميز ضدهم على أساس ديني في بعض الحالات. 
هناك نقطة أخرى شديدة الأهمية و هي أن الدولة لا تتدخل في تسيير شؤون دور العبادة التي هي مؤس سات مستقلة لها هيئاتها الخاصة من أعضائها المتطوعين لخدمة كنيستهم أو مسجدهم أو معبدهم. المعمول به في كامل أرجاء أمريكا أن الهيئة المديرة لأي دار عبادة (بما في ذلك المساجد) يقع انتخاب أعضائها دوريا كما يخضع تسيير دار العبادة لدستور خاص يلبّي حاجيات الأعضاء و عائلاتهم و مستقبل أجيال تلك المجموعة من المواطنين الذين يشتركون بطريقة أو بأخرى في النهوض بمسجدهم أو كنيستهم أو غير ذلك. و تسهر الهيئة المنتخبة على تعيين و انتداب الإمام أو مسؤول الشباب أو غير ذلك من الوظائف المستحدثة للإعتناء بالجانب الروحي للمواطن و تربية النشئ و حفظه من آفات الإنحراف و الجريمة و المخدرات و غيرها. و مهما يكن فمرتادو تلك الدور المخصصة للعبادة هم وحدهم عن طريق من يمثلهم منهم من يسير شؤون المؤس سة الدينية و يقرر البرامج و الخطب و الدروس التي تعطى للأعضاء و لا تتدخل الدولة بتاتا في شؤون هذه الجمعيات سوى في الحالات النادرة جدا عندما يثبت زيغ مؤس سة ما عن حدود السلامة العامة و مبادئ الذوق السليم التي حددها دستور البلاد. و لذلك فإن ما نراه في بلادنا الإسلامية (و حتى التي تعتبر نفسها ذات دستور تقدمي مثل تونس) من تدخل للدولة في شؤون المتدينين هو نوع من التسلط الديني و فرض رؤية الحاكم بالغصب على عموم الناس و هي خطوة خاطئة لا يمكن الا أن تساهم في مزيد عزوف الناس عن المساجد و إلا ما معنى أن يقرر شخص ما في مكتبه المكيف بالعاصمة اسم الإمام الذي سيؤم الناس في منطقة نائية على الحدود أو في أقاصي الجنوب ? فهذا الشخص حتى و إن سلمنا بحسن نيته و تدينه السليم و إرادة الخير لديه فإنه يتعذر عليه اختيار الرجل المناسب لأناس لم يعش معهم و لم ينهل من نمط حياتهم و عاداتهم و أورادهم اليومية
مظاهر معاضدة الدولة للديانات المختلفة بالبلاد لا تخفى على أحد فالكنائس و كل دور العبادة تتمتع بالإعفاء من الضرائب كذلك فكل الصدقات التي يتبرع بها المتدينون لكنائسهم أو مساجدهم أو أي دار من دور العبادة من مال و جهد هي أيضا معفاة من الضرائب و ذلك لتشجيع المواطنين على التبرع لدور العبادة و للجمعيات التي تدور في فلكها. العديد من دور العبادة بمختلف أنواعها لها مدارسها الخاصة التي تربي فيها أطفالها. فمن هذه المدارس ما يقوم بتدريس الأطفال كل البرنامج التعليمي إضافة إلى الدروس الدينية و اللغوية الخاصة بتلك الكنيسة أو المسجد أو البيعة أو غيرها و توفر الدولة مؤسسات خاصة لتعين هذه المدارس على تكوين تلاميذها تكوينا أكاديميا متكاملا دون أن تتدخل بالمرة في ما عدى ذلك من برنامج التعليم لتلك المدرسة الدينية. و في بعض الولايات مثل فلوريدا و غيرها فإن الدولة تدفع لهذه المدارس الخاصة نسبة هامة من مصاريف الدراسة لكل عائلة (سواء كانت غنية أو فقيرة). كذلك هناك ما يسمى بالتعليم المنزلي أين يدرس أحد الوالدين (عادة الأم) الأبناء بالبيت دون إلحاقهم بالمدارس الحكومية خوفا عليهم من إفساد دينهم و من مخالطة الأطفال الآخرين في المدارس الحكومية. و هناك مئات الآلاف من الأطفال الذين يتخرجون و يعملون في وظائف سامية و هم قد تعلموا في منازلهم دون الذهاب إلى مدارس حكومية إلى حدود السنة الخامسة عشر. فهذا النوع من التعليم المنزلي الخاص (لكل من استطاع إليه سبيلا) و الذي يراعي الخصوصيات الدينية للعائلات منتشر بين المتدينين الأمريكيين بشكل واسع. هذا بالإضافة لإعانة الدولة في هذا المجال بتوفير الفضاآت العمومية ليلتقي مثل هؤلاء الأطفال مع أقران لهم من عائلات مماثلة فيلعبوا و يدرسوا الموسيقى و غير ذلك من الأنشطة التي لا تقدر العائلة الواحدة على توفيرها للتلميذ في البيت بمفردها. 
الدولة توفر أيضا للعاملين بدور العبادة دورات تكوينية في مجالات عدة مثل السلامة و محاربة المخدرات و غير ذلك من المسائل الإجتماعية الهامة. كذلك ففي كل المناسبات الإنتخابية يتسابق السياسيون إلى الكنائس و المساجد وغيرها يطلبون ودّ المتدينين و يسمعون لمشاكلهم و يَعِدونهم بتحسين ظروفهم و في هذا منافسة شديدة بين المترشحين. 
كما أن هناك قضايا دينية مهمة جدا بالنسبة لقطاع واسع من المتدينين الأمريكيين و التي تعتبر مفتاحا لملايين من الأصوات الإنتخابيه مثل الموقف من تكوين العائلة (ضد الشذوذ) أو الإجهاض الذي يعتبرهما المتدينون حراما و بالتالي فهم و بنسبة كبيرة عادة ما يصوتون للمرشّحين الجمهوريين و حتى بعض الديمقراطيين الذين تعتبر مواقفهم (خاصة في الوسط و الجنوب) أكثر التصاقا بمشاغل المتدينين و في هاتين المسألتين بالذات. 
في المقابل فإن دور العبادة و القائمون عليها يؤدون دورا مهما في المجتمع مثل فتح مؤس ساتهم لإطعام الجوعى و المحتاجين و إيواء المشردين و حل المشاكل العائلية و غير ذلك من الخدمات الإجتماعية الأسرية. أما في المواسم الإنتخابية فكثيرا ما كان صوت المتدينين حاسما في فوز مترشح على آخر (كما هو الحال عند إنتخاب جورج بوش الإبن لفترة ثانية سنة الفين و أربعة ذلك أن الكثير من المتدينين المسيحيين ترون فيه أنفسهم فهو كثيرا ما يتحدث بلغة دينية و يستشهد بمواقف مسيحية معروفة). 
الخلاصة أن العلاقة بين الدين و السياسة في أمريكا هي علاقة تعاون و تفاهم و تكامل بعيدا عن الصدام التوجّس. و برغم أنّ السلطة مدنية و غير دينية على عكس العلاقة في بعض اللائكيات الأخرى التي تنظر بعين الريبة أو حتى العداوة للدين في مجتمعاتها و التي قد تكون النقيض الآخر المتطرف على أقصى يسار المقاربة "الشمولية" للدين و السياسة. 
من خلال هذا التحليل المقتضب يمكن القول أن مقاربة الدين و السياسة بطريقة تقليدية في تشابه مع مقاربة الطب العام لعلاج المرضى و هي مقاربة لم تعد مواكبة لروح العصر المبني على التخصّص و التعمق و التفرّغ مما يعني أفضلية ترك المسألة الدينية لدور العبادة و جمعيات المجتمع المدني ذات العلاقة لسدّ حاجيات الناس الروحية و كذلك دعوة أهل السياسة للتركيز على التفرغ التام للشأن العام و حل مشاكل المجتمع المادية. لكن هذا التمايز أو التخصص لا يعني بالضرورة العداء بين الجانبين بل يمكن أن تكون علاقة تكامل و تعاون كما هو الحال في المجتمع الأمريكي على سبيل المثال.
د. مختار صادق
الولايات المتحدة الأمريكية في 6 أوت 2016

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.