.

.

النهضة والثورة وفاء أم خيانة؟

بتاريخ : 2017-06-01 الساعة : 14:37:53

اسم الكاتب : طه البعزاوي     التصنيف : الكلمة الحرّة     عدد القراء : 2591




حركة النهضة كانت ومازالت من الأحزاب التونسية المؤثّرة بقوّة في المشهد السياسي التونسي، ولذلك من الطبيعي أن نجد كثيرين يتناولون أداءها  السياسي بالتحليل والنقاش ويتسرعون في إعلان سخطهم أو التعبير عن خيبة أملهم أو إصدار أحكام سلبية وإثبات تهمة خيانتها للنّاخبين خصوصا وللوطن عموما.


محلّلون مختلفو الأهواء والمشارب منهم من يمتلك أدوات التحليل والقدرة على فهم الأمور ووزنها وفق إطارها العام ومجراها الذي تتنزل فيه بقطع النظر عن نزاهته وصدقه من عدمه، ومنهم من ليس له في الأمر باع ولا ذراع سلاحه الوحيد صوت مرتفع وترديد ببّغائي لما يروّجه الإعلام المعادي للنهضة وخصومها من إشاعات وأراجيف ليس عليها حجة ولا دليل، بل تكون أحيانا قمة في السذاجة والتهافت، من قبيل أن وزيرا نهضاويا في حكومة الترويكا امتلك بعد أن تولى الوزارة قصرا في قمّرت، وأن أبناء الغنوشي والجبالي حصلوا على نيابات "مكدونالس" وشركات توريد السيارات، ووكالات أسفار الحج والعمرة، وأن صهر الغنوشي حوّل هبة من الصين الشعبية لتونس إلى حسابه الخاص، وأن كل النهضويين حصلوا على تعويضات سخيّة من خزينة الدولة وأنهم زُرعوا في كل المناصب والإدارات واخترقوا الوزارات وكوّنوا أمنا موازيا وغير ذلك من الكلام الذي يَكْذبه الخبثاء ويُصدّقه الأغبياء دون بينة على أيّ الإدعاء.

ما الهدف من هذا المقال؟

هذا المقال لا يزعم صاحبه أنه ملك ناصية التحليل وأدواته ولا ألمّ بكل الأحداث وخلفياتها، وهو لا يطمح أن يناقش أصحاب الأفكار المسبقة والأحكام الصادرة، لأنهم لا يبحثون عن الحقّ وإن اعترض طريقهم أعرضوا عنه فهو لا يخدم مصالحهم وأجنداتهم المخالفة تماما للنهضة والمعاكسة لمشروعها. كما أنه ليس دفاعا عن النهضة أو تبييضا "لكبواتها"،
إنما الهدف هو النقاش ومحاولة الفهم ووضع لبعض النقاط على الحروف كي ينقد من نقد عن فهم ويساند من ساند عن وعي.

 وهو وجهة نظر في الجواب على سؤال يطرحه كثيرون ممن يرى حقيقة أن النهضة قصّرت أو خانت الشعب والناخبين، وهؤلاء منهم من منح صوته للنهضة معتقدا أنها سترسي "خلافة راشدة" في تونس، ومنهم من اعتقد أنها حركة ثورية ستقتلع الاستبداد من جذوره والفساد من أصوله وترسي  حكما يقطع تماما مع الماضي بفساده واستبداده، ولكن ذلك لم يحصل، وأشد منه قد كان فقد وضعت النهضة يديها في أيدي خصوم الأمس "وتقاسمت" معهم "كعكة" السلطة غير  عابئة بآمال من انتخبها ومن عوّل عليها في تحقيق آماله في عيش حرّ وكريم!
هناك جموع كثيرة شعرت بالإحباط واليأس وإعطاء الدنيّة في الثورة بسبب ما آلت إليه أمور النهضة حاليا، بل ذهب بعضهم لوصف قادة النهضة حاليا بجماعة "أوسلو"!


هل هناك نقد متكامل وبنّاء لمسار النهضة؟
هناك نصوص يكتبها بعض الغيّورين عن الثورة وما آل إليه مصيرها يكتبون كتابات ناقدة حول مواضيع جزئية ونقاطا محدة في بعض كلامهم وجاهة وصواب يستفيد منه القارئ والمتابع. ولكنّ عديد التصريحات والتدوينات والنصوص التي كتبها أناس كانوا قريبين من النهضة ـ انتماءا أو صداقة ـ والتي تناولت أداء النهضة بالنقد اللاذع انطلاقا من "المنسوب الثوري" المرتفع لدى هؤلاء الأشخاص أو بسبب خلافات شخصية أو خلافات حول زعامة أو منصب أو مصلحة ذاتية لم تتحقق، فإن القارئ النزيه أو من له حد أدنى من الوعي السياسي وفقه الواقع يدرك جيّدا أن ذلك الخطاب لا يخلو حاله من أمرين إما أن يكون صاحبه عارفا بما يجري وبالواقع وإكراهاته ومع ذلك يعرض عن ذلك كله ويريد استغفال الناس بخطاب "شعبوي" صاحبه ذاته غير مقتنع به!
وإما أن تكون تلك قناعاته وذلك مبلغه من العلم والتحليل وحظه من الفهم السياسي وفقه الواقع والأولويات والموازنات.
وفي الحالين فإن الباحث عن الحقيقة لا يجد نصوصا متكاملة تروي الظمأ وتقنع صاحب العقل، بمعنى أننا نجد كثيرا من النقد ولا نجد  تصورات متكاملة فيها مثلا أن النهضة قد أخطأت في مسارها وأنه كان  عليها أن تسلك طريقا آخر دون أن يجهد الناقد نفسه للإقناع بصلاح الطريق الذي لم تسلكه النهضة والتدليل على امكانه وأنه الخيار الأفضل  استنادا للمعطيات والأرقام مرفوقا بتصور واضح لحل الإشكاليات الكبيرة التي تواجه من يتحمل مسؤولية الحكم!

هل يكون التحليل سليما دون استحضار التاريخ القريب والبعيد؟
 عموما نحن شعب ذاكرته قصيرة جدّا نتعامل مع الأحداث وفق مزاج اللحظة الراهنة ونصدر أحكاما مستعجلة ونافذة، دون أن ننظر للمشهد من جميع زواياه وامتداداته في الماضي والحاضر!

لو كان البديل عن خروج النهضة من الحكم هو مجرّد التحوّل للمعارضة قيُعتقد أنها ما كانت لتتردّد في ذلك لأنه بالحساب البراقماتي أن تكون في المعارضة في بلد عقب ثورة، اقتصاده يصارع الانهيار التام هو الوضع المريح الذي يُنمّي الشعبية ويُحرج من هو في الحكم، ولكن كل المؤشرات والمعطيات كانت تدل على أن المطلوب ليس إخراج النهضة من السلطة وإنما تصفيتها واستئصالها، وهي دعوات قد ارتفعت وتصاعدت منذ فرار "بن عليّ" وقبل انتخابات 2011 التي تكونت بعدها الأحلاف المعلنة لاستئصال النهضة وليس فقط اسقاطها من الحكم، وهي دعوات متواصلة إلى اليوم.
هذه الأحلاف ضمت كل المخالفين للنهضة والمخالفين لأصحاب المشروع الإسلامي المتصالح مع هوية الشعب ودينه، وضمت فلول النظام السابق الذين قزّمت الثورة من نفوذهم ومصالحهم. رمى جميعهم النهضة عن قوس واحدة من "خصة باردو" أو ما عرف تندّرا بموائد "الروز بالفاكية"، هذه الجموع وإن كانت لا تعادل الجموع المناصرة للنهضة والداعمة لها إلا أنها أكثر فاعلية لأنها مدسوسة في مفاصل الدولة من إدارة ومؤسسات وجمعيات ومنظمات إجتماعية ولديها الأموال والدعم الخارجي من الشرق والغرب وهذه حقائق معلنة وليست مجرّد تحاليل!
ولم يكن مع  النهضة غير الدعم الشعبي "النسبي" وهو بحد ذاته معرّض للتناقص عندما يُمسّ الناس في قوتهم وأمنهم.
وأما الموقف الدولي فإنه بالأكيد لم يكن مع النهضة بل كان مع خصومها ورغم أنه لم يسمح بالإنقلاب المباشر على التجربة الديمقراطية الوليدة في تونس ـ لحساباته الداخلية ـ إلا أنه في الآن ذاته لم يقبل بحزب إسلامي على رأس  السلطة في "تونس البورقيبية" لذلك عمل على ابتزاز النهضة والضغط عليها وإضعاف قرارها. هذا فضلا عن الضرب في الصميم بالأعمال المخابراتية و"الإرهابية" وضخ أموال بني نهيان وخلفان وتوظيف مكر دحلان لإفشال كل ما نتج عن ما سمي ب"الربيع العربي" من أجل تحويله إلى خريف قاحل!

هل قرأت النهضة واقعها قراءة موضوعية؟
بعد أن أدركت النهضة حجم المؤامرة و"الأحزاب المشاركة في الغزوة" وأهدافها الاستئصالية  قرأت المشهد قراءة صحيحة وواقعية ـ ولو متأخرا ـ فشدّدت في الأصول المتمثلة في التمسك بالتداول السلمي على السلطة والتمسك بالمسار الانتخابي، والتمسك بإنهاء الدستور الذي أريد له أن يقبر في مهده، والتمسك بتشكيل الهيئات المستقلة الراعية لضمان سلامة المسار الديمقراطي وفي هذا نجحت الحركة إلى حدّ بعيد.
وفي مقابل التشديد في الأصول أو الثوابت يسّرت في الفروع المتمثلة في بقائها في السلطة أو فيمن يحكم أو حتى في تعريض شعبيتها للتآكل فذلك أمر يمكن تداركه من وجهة نظرها وشعارها "الدولة قبل الحزب" "وسلامة "الشقف (المركب)  قبل مغانم بعض ربّانه!

وقد أدركت الحركة أن ما يعبر عنه في قانون المرور "بالتعسف في التمسك بالأولوية" هو في حدّ ذاته مهلكة لا يجدي نفعا حتى وإن كانت نسبة كبيرة من الشعب تسندها، ذلك أن الميزان الشعبي ليس وحده محددا لنتائج الصراعات، فهناك النخبة والأحزاب المخالفة والمخاصمة وهناك "المجتمع المدني" وهناك المؤسسات المختلفة واللوبيات ومراكز النفوذ وكلها لها امتداداتها الطويلة أو القصيرة خارج الوطن ولدى مراكز القوى العالمية التي إن لم تحاربك بالقنابل حاربتك بالحصار الاقتصادي ومنع الديون وإيقاف الرواتب!
وعليه فمن يطلب من النهضة أو من هو في الحكم أن يتجاهل كل تلك الموازين ومراكز النفوذ ويطلب أن تكون كل قراراته نابعة من مبدئية مجردة ووطنية خالصة فهو حالم، فتونس ليست جزيرة معزولة في زمن غابر! وليس لديها كثيرا مما تحقق به شروط الاستعصاء والصمود أمام الإكراهات والإملاءات الخارجية! فمن لا يملك قوته لا يملك قراره! وكما يقول المثل العربي "إن أكلت تمري فأنت تحت أمري"، فما بالك بمن لا يملك القوت والنفط والمال والدواء والتكنولوجيا والقوة الحامية!

ورغم أن الثورة قد حملت معها جرعة قوية من أحلام التحرر والانعتاق من الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية فإنه تبين بسرعة أن تلك الجرعة كانت زائدة عن الواقع، فشركاء الثورة ومقاومة الاستبداد تذكّروا ألوانهم المخالفة وقدّموا الإيديولوجيا على المصلحة العامة، وثبت من تصرّفهم أن "الإسلامي" مقبول عندهم وصديق إذا كان سجينا أو مهجرا أو محاصرا في وطنه لأنه حينها موضوع "للسمسرة الحقوقية" أو رصيد يستفاد منه لتنمية حساباتهم الخاصة! وأما أن يكون شريكا في الساحة السياسية والمواطنة  فـــلا!!
 وفي غمرة نطاح شركاء الأمس لملمت فلول الاستبداد صفوفها وأثبتت أنها مازالت تمسك بكثير من خيوط اللعبة وكذلك أعادت القوى الدولية ترتيب أوراقها في التعامل مع الثورات هذا على افتراض أنها تفاجأت بها!

أين أخفقت النهضة؟
التيار العام من أبناء النهضة استمات في مقاومة استبداد "بن عليّ" حتى لحظة فراره رغم إغراءات ما كان يعرف حينها "بالخلاص الفردي" أي تسوية الوضعية بصفة فردية فقد صمد مساجين النهضة ومهجريها وأبناءها المحاصرين في الداخل صمودا بطوليّا رغم عمق الجراح وشدة التضحيات، ومازال أبناء النهضة إلى اليوم يترفعون شهداء بسبب الأمراض التي نخرت أجسادهم في سجون "بن عليّ".
لكن لمّا فرّ "بن عليّ" لم تقرأ النهضة المشهد قراءة صحيحة رغم بعض المحاولات وبعض الحذر لتطمين المتوجّسين، وحاولت أن تقدم التنتازلات وأن تكبح الجماح حتى تحصل الانتخابات معوّلة على ثقة الشعب فيها ومعتقدة أن ذلك كاف، وبان لعموم المتابعين أن هناك تسرّع لخوض تجربة الحكم واستلام مقاليد السلطة دون تهيأة الأرضية المناسبة والاطلاع على حجم التحديات والعراقيل معتقدين أن رياح الثورة مواتية وأن صندوق الانتخاب حكم وفيصل وشرعيته كافية وسلطته على الخصوم نافذة!
ولم يسمعوا ـ ربما ـ قبل تلك الانتخابات أن من بني قومهم من يرى شرعية الشارع والإضراب والإعتصام أقوى من شرعية الصندوق، حتى وإن كان ميزان هؤلاء في الصندوق صفر فاصل!
اعتقدت النهضة أن مشاركة الحكم مع حزبين علمانيين كاف لإثبات حسن النية وصدق التوجه الديمقراطي، ولم تكن تحسب أن كثير من الطعنات ستأتيها من ذلك الجانب، ولم تتوقّع أن يتشظى حليفاها بشكل لا يترك مجالا للتعويل عليهما في حلف قوي ومتماسك!


كما فشلت في التعامل مع الإعلام القائم أو في تأسيس إعلام بديل في حين أن خصومها يسيطرون على الإعلام العمومي والخاص سيطرة تامة ويعملون بالسرّ والعلن على حربها وتشويهها.
يضاف إلى ذلك إخفاق بعض رموز النهضة في البروز الإعلامي والتواصل مع الآخر ورغم اخفاقاتهم المتكررة لم نسمع بمحاسبتهم أو حملهم على اجتناب الأضواء!

 وهنا تجدر الإشارة إلى أن النهضة أساءت تقدير دور الإعلام منذ سنين عديدة ولم توله العناية اللازمة، بل حتى التجارب الرائدة على غرار "تونس نيوز" و "الحوار نت" و"السبيل أون لاين" و"الفجر نيوز" و"تونس أون لاين" التي اسسها نهضويون أو قريبون من النهضة وكانت محضنا للحراك السياسي والإعلامي المناهض "لبن عليّ" لم يتم تنميته واستثماره بعد الثورة بل على العكس من ذلك قبرت أغلبها أو وئدت لعجز أصحابها عن التفرغ لها وتطويرها بما يواكب ضرورات المرحلة.

قد يكون بعض هذا الكلام الناقد لإخفاقات النهضة هو من باب محاكمة التجارب الماضية في ضوء النتائج الحاضرة، وأنّنا الآن بعد أن عرفنا مآلات الأفعال السابقة قلنا إن تلك الأفعال كانت خاطئة! ... وحتى إن كان الأمر كذلك فإن المتوقع من حركة كبيرة فيها نخبة على قدر عال من العلم أن تهتم أكثر بالدراسات المستقبلة والإستراتيجيا ومآلات الأفعال!
مع أن بعض النتائج التي وقفت عليها الحركة اليوم توقّعها بعض من بسطاء الناس!

ما الذي ينقمه الناقدون للنهضة؟
الناقدون للنهضة كُثْر منهم من في أقصى يمينها ومنهم من في أقصى شمالها ومنهم من هم في دائرتها الواسعة أو المضيّقة كلّهم غاضبون من أدائها لأنهم لم يجدوا أنفسهم فيه أو لم يروا فيه وجها من وجوه الصواب.
 ولعلّ أشد هؤلاء عداءا هم عشّاق الفتن والدماء الذين حرّموا الانتخابات والمشاركة فيها، ولمّا انتخبت النهضة قالوا عليها أن تحكم "بشرع" الله أو تموت دونه! ... "فالجهاد" كُتب وهو كره وعسى أن يُكره شيء وهو خير، وأما عدم الحكم "بشرع الله" وتسليم الأمر للعلمانيين والملاحدة فهو خيانة لله ورسوله وجب قتال من يقوم بها قبل قتال الكفّار ذاتهم!
منطق أعرج وفهم للدين مشوه اختلط فيه الجهل بالدّس والاختراق لإذكاء الفتن وإراقة الدماء المعصومة والغريب أن الصور المفزعة للحروب الأهلية والقتل على الهوية التي تأتي من بلدان قريبة منّا يرى فيها أصحاب الفكر المُشوّه نموذجا يحتذى وبشرى خير لاستعادة الأمجاد المفقودة رغم شدة الخراب والدمار الذي أصاب الإنسان والعمران! وهذا الفريق لم يبق عند الخلاف السياسي أو الديني وإنما بدأ يمارس الإرهاب ويتوعد النهضة وقادتها بالذبح من الوريد إلى الوريد!

وإذا استثنينا الفريق السابق فإن كثيرين قد علقوا آمالا كبيرة على النهضة ويشعرون الآن بالإحباط مقتنعين بأنه كان بالإمكان خير مما كان، ويضربون على ذلك أربعة أسئلة واضحة ورئيسية،
الأول: لماذا أبدت النهضة منذ بداية حكم الترويكا ضعفا حتى وصفت حكومتها بحكومة "الأيادي المرتعشة" فلم تعالج ملفات الفساد بحزم ولم تقم بالحد الأدنى للتطهير اللازم لمؤسسات الدولة من أعداء الثورة وأنصار المنظومة القديمة والدولة العميقة، ولماذا تركت الإعلام الممول من مال الشعب يعمل في أجندة واضحة ضد خيار الشعب؟
 الثاني: لماذا قبلت النهضة بالدخول في الحوار الوطني وخلع القميص الذي ألبسه إياها صندوق الانتخابات لتسلمه "لرباعي الحوار الوطني" كي يلبسه من يشاء ممن لم ينتخبه الشعب، وهي تعلم يقينا أن خصومها جميعا مندسون في ذلك الرباعي وأن المراد هو انقلاب غير دموي على إرادة الشعب؟

 الثالث: لماذا لم تعلن النهضة صراحة دعمها وترشيحها للرئيس المرزوقي ولم تجنّد كل طاقاتها لنصرته على منافسه السبسي فالمرزوقي رمز مناضل من رموز الثورة والسبسي رمز من رموز المنظومة القديمة؟


والرابع: كيف تقبل النهضة بالتحالف مع من يمثل المنظومة القديمة  متناسية جراح الماضي وآلامه وما جرّته هذه المنظومة على تونس من دمار وويلات منذ خروج الاستعمار المباشر؟


هل أخطأت النهضة المسار؟
والسؤال الذي يجدر طرحه هل كانت الخيارات أمامها متعدّدة وهل تركت خيارا راجحا وسلكت خيارا مرجوحا؟
بعيدا عن كل "شعبوية" وثورية لا تقرأ الواقع ولا تقدر الإمكانيات، وبعد النقد المشروع وذكر بعض الإخفاقات، فإن المسار العام الذي سلكته النهضة يمكن القول بأن حصيلته الجملية تحسب لها لا عليها، خاصة فيما يتعلّق بالمصلحة العامة للبلاد وليس المصلحة الحزبية ولذلك فإن تناول الحركة بالتجريح والإتهامات المبالغ فيها والضرب في المفاصل وتحت الحزام كلام لا تسنده الحقائق، ولا يقبله التقييم الموضوعي. 
النهضة حزب سياسي ومهمة الأحزاب في الديمقراطيات أن تحكم أو تعارض وليست جمعيات خيرية وليست مؤسسات وعظ وإرشاد معزول عن السياسة ومناكفاتها وضروراتها.
وقد أبدت الحركة أنها ليست حزبا منغلقا ولا حزبا  يؤمن باستعمال الديمقراطية سلّما للصعود للسلطة مرة واحدة فإذا صعدت نزعت السلّم حتى لا يصعد بعدها أحد كما روّج خصومها الإستئصاليون!
بل هي تحالفت مع أحزاب أخرى ومنحتهم مناصب رئيسية وتاريخية، وقبلت بالتفاوض والحوار وتنازلت عن السلطة من أجل مصلحة البلاد وحفاظا على وحدة شعبها وتجنيبه الفوضى أو الإحتراب!
لما قادت الحكومة بذلت الوسع وأكثر من أجل النجاح، ورغم العراقيل التي يعرفها القاصي والداني وآلاف الإضرابات والكوارث الطبيعية  نجحت بأقدار وحققت أرقاما أفضل من الحكومات التي سبقتها أو لحقتها. ولما تنازلت عن الحكم لم تجرّ معها شركائها بل حافظوا على مناصبهم (رئيس الدولة ورئيس المجلس التأسيسي).
ومع أن النهضة ليست حزبا ملائكيا وليس أبناؤها فوق الشبهة ومن حيث المبدأ يتوقع من أفرادهم أي مخالفة أو فساد ومع ذلك لم يثبت الإدعاء ولا القضاء أي تهمة فساد في حق مسؤول نهضوي، والتهمة الوحيدة التي ألصقت بوزير الخارجية وكانت طعنة في الظهر من صديق قد برّأه منها القضاء.
مع تنويه يجدر الإشارة إليه هو أن النهضة والترويكا عموما لم يكن بيدها كل أمور الدولة أو لم تكن الحاكم الفعلي لتونس فالمشهد الحقيقي هو أن الحكومة المنتخبة كانت تتصرّف في ظاهر الأمر أو بتعبير آخر كانت تملك حق التصرف في "قشرة" فوقية رفيعة وأن ما تحتها كله في يد الدولة العميقة أو المنظومة القديمة والمعركة الصامتة كانت حول انتزاع ما يمكن من مناطق النفوذ بسلاسة ومرونة

 ودون "حرب" ومحاولة النزول "بالقشرة الفوقية" حتى تزداد سمكا وقد تم تحقيق بعض التمدد على حساب الدولة العميقة وتقليم بعض أظافرها.

وهنا يمكن الإجابة عن الأسئلة الأربعة آنفة الذكر:
الأول: هو أن حكومة النهضة لم يكن بمقدورها تحقيق الرغبات الثوررية دفعة واحدة لأن التحديات كبيرة ولأنها لم تكن تملك سلطة فعلية مطلقة فليس الإعلام وحده ولا رموز الفساد من يجب التعامل معهم وإنما يجب التعامل كذلك مع المنظومات الأخرى التي ستتولى مهمة المحاسبة والمتابعة مثل الأمن والقضاء وهي كلها مجالات تحتاج إلى إصلاح عميق.
وبالملخص دولة الفساد سلسلة  بعضها آخذ برقاب بعض والمعالجات تحتاج صبرا وحكمة أو دهاء وذكاء، وهنا يمكن أن نقول تحققت بعض الأهداف ولكنها قليلة بالمقارنة مع ما يجب أو مع ما يأمله الثوريون.
 
الثاني: قبول النهضة بالمشاركة في "الحوار الوطني" من أجل إخراجها من الحكم كان كرها رفضه أبناء الحركة وكل أنصار الثورة الذين أرادوا للشعب أن لا ينزع منه أحد حقه في تنصيب حكامه وعزلهم.
ولكن الموجة كانت عاتية وخيوط المؤامرة "الناعمة" منسوجة في الداخل والخارج، وكان المنتظر أن لا تقبل النهضة بالمشاركة فتبدو كأنها رافضة للحوار ولإخراج البلاد من أزمتها وبذلك يكون أنصار الانقلاب "السيسوي" قد أعْذِروا بعد أن أنذَروا" ولكن قبول رئيس النهضة بالمشاركة في الحوار على خلاف التيار العريض من أبناء الحركة وأنصارها قد أربك الخصوم وأصبح أنصار التوافق يبغضون شيء اسمه "توافق"، وحققت النهضة مكاسب كبرى كانت مهددة وعلى حافة الانهيار، أولها اتمام الدستور ونيله شبه إجماع في المجلس وثانيها تعيين الهيأة المستقلة للانتخابات وتحديد موعد الانتخابات لتنتقل تونس من المؤقت إلى الطبيعي وقد تمّ، مهما كانت المآخذ القابلة للتعديل والإصلاح والتي ليست النهضة مسؤولة عنها أو مهمتها وحدها نيابة عن عموم الشعب.

 كما حققت النهضة خروجا سلسا من الحكم وتخفف من أعبائه لتفرغ  للمسائل الداخلية قبل استحقاق انتخابي مهم.


الثالث: النهضة اختارت الحياد في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية وكان من المنطق المعقول أن تعلن مناصرتها واصطفافها مع الرئيس المنصف المرزوقي لأنه حليفها السابق ولأنه يمثل الثورة في مواجهة المنظومة القديمة، وهو ما لم يستسغه أنصار المرزوقي وازداد الأمر مرارة بعد فوز السبسي.
ولكن ما يتمّ تجاهله أن موقف النهضة ذلك هو ما كان يريده المرزوقي اجتنابا للاستقطاب الثنائي ومن أجل إعطاء فرصة لمن يحبّ المرزوقي ولا يحب النهضة أن يمنح صوته أو ينشط في حملته مادام ليس مرشحا للنهضة!
ثم عمليا ما الفرق بين إعلان النهضة للحياد أو اعلانها للدعم والحال أن أبناء النهضة والمتعاطفين معها في الداخل والخارج قد تجندوا لحملة المرزوقي ودعموه بجهودهم وأصواتهم من منطلق مبدئي رغم أن النتيجة كانت معروفة مسبقا لدى كثيرين استنادا فقط لنتيجة الانتخابات التشريعية والتي فاز فيها "النداء" أكثر من النهضة ومعها المؤتمر حتى وإن كان فوزا حفّته الشبهات فالنتيجة هي ذاتها في كل الأحوال!
فما المصلحة في افتعال النهضة لخصومة على الحساب مع اعتبار أن للسياسة اكراهاتها وأنه ليس فيها صداقة دائمة ولا عداوة دائمة!
ثمّ ما الذي كان سيحققه المرزوقي لو أنه فاز بالرئاسة مع برلمان بأغلبية ندائية ومع أحزاب قطّاع الطرق والدولة العميقة التي ذكرنا غير أن يكون محاصرا في قرطاج.


الـرابع: والمتمثل في قبول النهضة بالتحالف مع المنظومة القديمة وللجواب على هذا السؤال لابدّ من تذكر المشهد أيام "الروز بالفاكية" وقبله وبعده وما صحب ذلك من احتقان وتهديد بنصب المشانق وتنكيل وتشريد! ... وتقسيم الشعب من مع ومن ضدّ! ... قالوا من منصة الخصّة: "نحن في شهر جويلية وهم في شهر رمضان! ... نحن دماؤنا حمراء وهم دماؤهم سوداء! ...  نحن علمنا أحمر جميل وهم علمهم أسود قبيح! ...."

لم تكن حملات انتخابية ولا تنافس نزيه ولا حتى عراكا سياسيا وإنما كانت طبول الحرب تدقّ وتصاعدت وتيرة ذلك بعد انقلاب السيسي في مصر وأصبحت الدعوات للانقلاب جهارا نهارا..."يا رشيد يا عمّار وينو وعدك للأحرار؟" ...وكانت النقابات الأمنية تؤجج النار وأبوابها مفتوحة مزارا لنخبة الحقد والإستئصال!


ثم ماذا لو أن جبهة اليسار مع حزب المسار  حصلا على نسبة محترمة من المقاعد وتحالفا مع النداء كما كان متوقعا كيف سيكون مشهد السلم الإجتماعي اليوم والجماعة قد علقت دماء قتلاها كذبا وبهتانا في رقاب النهضة وتطلب الثأر الجماعي! وهو المخطط الذي موّلته الإمارات الصهيونية بسخاء علمنا بعضه وجهلنا أغلبه!
فأن يجتمع "الشيخان اللدودان" بمبادرة شخصية أو  بضغط خارجي ويكون مضمون اللقاء الاتفاق على نزع فتائل الإشتعال والحفاظ على صلب المسار ويقدم كل طرف تنازلات للطرف الآخر من أجل إمكانية التعايش المستقبلي ومدّ بعض الجسور أو حتى الممرات الضيقة لتجاوز جراحات الماضي والعيش المشترك بين جميع المواطنين!
مهما كانت شدة نقدنا لهذا الطرف أو ذاك فإن التعايش خير من الاقتتال خاصة وأن الأصوات المرتفعة هي أصوات التكفير والتقتيل من جهة ومن الجهة الأخرى جماعة "ثوار ثوار بالشعب المسلح انكمل المشوار" وقد رأينا وسمعنا دعوات للتصفية والدم من قادة في مؤتمرات تأسيسية!
وعليه فإن ما تعيشه تونس اليوم هو ليس الحال الأفضل ولكنه كما يُقال "عزّ الموجود" وهو وضع قابل جــدا للتحسن كما أنه قابل للانتكاس لا قدر الله!
ولكن مهمة تحسينه ليست موكولة للنهضة وحدها، و
لا مهمة حمايته من الانتكاس كذلك وإنما هي مهمة جماعية!

الخاتمة
من أراد أن يُدخل النهضة قفص الاتهام فذلك له ولكن عليه أن ينشّط ذاكرته وأن يعود لمسلسل الأحداث من لحظة فرار "بن عليّ" وحتى يوم الناس هذا، ويمرّ على ما تعرضت له من ابتزاز  وكذب وتشويه، ويعرّج على كل حدث من الأحداث المهمة والاغتيالات والعمليات الإرهابية وكيف وُظّفت كلها ضدها، ثم يذكر أنه في الوقت الذي كان فيه أبناء النهضة يدعون الناس لانتخاب الأحزاب "الثورية" كانت تلك الأحزاب تنصب "الفخاخ".
وأنه في الوقت الذي كانت في النهضة تحاول ترويض الشباب السلفي والعودة بوعيهم لتونس والواقع حفاظا على أرواحهم وأرواح الجميع كان الآخرون يؤججون النار  بأعمال مستفزة ومخططة ويحدثون الفرقة والشقة بينهم وبين النهضة، ولما حدث المكروه أصبحت النهضة بين نار التكفيريين ونيران الحاقدين!
النهضة حزب حيّ يتقدّم ويتأخر يصيب ويخطئ يقيّم وينقد ويتراجع يحاول أن يطبّع مع الدولة ومع المجتمع وأن يكون مساهما في الحفاظ على الحريات وعلى التجربة الديمقراطية الوليدة في تونس والتي لا يمكن أن تكون إذا استثنيت النهضة!
فمتى يقتنع عشّاق الفتن أن تونس للجميع وأن الحروب الأهلية ليست في صالح البلد ولا في صالح أحد؟
متى نعقل أن سلامة الركاب من سلامة المركب وأن سلامة المركب من حكمة ركابه؟

طــه البعزاوي
1 جـــوان 2017

مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.