.

.

"الجهاد" الإلكتروني وتخمة المواعظ والتهاني

بتاريخ : 2017-09-23 الساعة : 14:18:26

اسم الكاتب : طه البعزاوي     التصنيف : الكلمة الحرّة     عدد القراء : 1998





ظاهرة جديدة استفحلت مع اندياح وسائل التواصل الإجتماعي ويسرها وعدم تكلفتها، أصبحت مزعجة وموتّرة لأعصاب كثير ممن يستعمل هذه الوسائل الذين عبّر بعضهم عن ضجره وتضايقه من هـذا "الغزو" والإغراق المستهدف لبريدهم الخاص على تلك المواقع بكثرة ما يرد عليه من تهاني متنوعة، وبطاقات بريدية ومقاطع فيديو وباقات ورد، وحتى صور لجوارح وحيوانات مفترسة. وأما "جهاد" المواعظ و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فحدّث ولا حرج، فهو بحر اعتقد من يجيد السباحة ومن لا يجيدها أنه قادر على إخراج الغرقى منه.
هو موضوع حساس لدى كثيرين وقد يتسبب تناوله في جرح شعور بعض الطيبين و"المتاجرين مع الله في جمع الحسنات" وذلك طبعا ليس هدفا ولا مقصدا، وإنما الهدف والمقصد هو التنبيه للإفراط الذي تحول لدى كثيرين منا إلى سبب من أسباب الإزعاج والضغط النفسي.

كثرة التهاني تسبب الإحراج

أصبح كثير  من نشطاء المواقع الإجتماعية ومواقع التواصل يتصيدون المناسبات ويختلقونها ثم يجتهدون في زركشة بطاقات التهاني وتنويع باقات الورد واختيار مقاطع الفيديو والمقاطع السمعية لإرسالها إلى كل قوائم أصدقائهم في مواقعهم المختلفة الذين وجب عليهم وفق آداب الإسلام أن يردّوا التحية بمثلها أو أحسن منها، ولكن كيف والوقت لا يسمح حتى بالإطلاع على المادة التي وصلت فضلا عن التفاعل معها والردّ عليها خاصة لمن له آلاف من الأصدقاء الإفتراضيين.
نفس الرسالة ونفس المضمون يأتيك من أشخاص مختلفين كل واحد منهم يقول أنك أنت أعزّ إنسان لديه  ولذلك كان سبّاقا لتهنئتك بالمناسبة التي قد تكون خاصة وقد تكون عامة، قد تكون مناسبة دينية أو مناسبة تقليدية وقد يكون الإحتفال بها محل اتفاق أو اختلاف!
المهم أن مجموعة من الناس يسارعون للتهنئة ويؤكدون أنهم الأوائل.


وقد أفقدت "غزوات" التهاني قيمة التهاني بين الإخوة والأصدقاء الحقيقيين وتسببت في اللوم والعتاب أحيانا بينهم بسبب عدم ردّ "التحية" أو بسبب ضياع رسائل مهمّة في غمرة مراسلات التهاني المكثّفة.
كما عبّر بعض رواد هذه المواقع عن نوع آخر من الحرج الإجتماعي بسبب هذه "التهاني" و"التحيات" حيث تتسبب أحيانا في مشاكل أسرية فما الذي يجعل فلانا المتزوّج أو الأعزب يرسل بطاقة ورد في ساعة متأخرة من الليل إلى بريد فلانة المتزوجة أو التي تعيش في كنف أبيها وإخوتها والعكس كذلك ـ بل لعله أكثر ـ فما الذي يجعل فلانة العزباء أو المتزوجة ترسل بطاقة ورد لفلان المتزوّج على بريده الخاص؟
هذا حديث فيما هو كائن فعلا وليس حديثا عن افتراض أو خيال، ولا ينفي هذا وجود إخوة وأخوات وأصدقاء وصديقات نواياهم طيبة ومقاصدهم حسنة لا يبغون غير الأجر لهم ولغيرهم، ولكن وجب النظر في مآلات الأفعال وتوقعها واعتماد السلوك الأحوط.


كما يرى كثيرون ـ وكاتب هذه الكلمات منهم ـ أن تهنئة من سطر واحد يخطها أحدنا لشخص بعينه من قبيل "كل عام وأنت بخير أخي فلان" أحسن وقعا وقبولا عند متلقيها من تهاني "نمطية" أخرى قد تأتيه مكررة من أكثر من مصدر تفقد بذلك قيمتها حتى وإن كان مضمونها جيّدا، ومرسلوها إخوة أعزّاء أحبّة!
هذا حديث عام دون أن نتطرق إلى ما قد يصاحب هذه التهاني من غثاء وأخطاء وأشياء ينافي بعضها الدين والأخلاق والذوق العام، مع عدم نفي وجود مواد ممتازة أو جيدة أو مقبولة، وحديثنا عنها هي بالأساس لأنها تفقد قيمتها في غمرة الكثرة والغثاء، ولو أن كل واحد عمد إلى نشر التهنئة في صفحته الخاصة للعموم كي يتفاعل معه من شاء من أصدقائه لكان الأمر مقبولا ولا حرج فيه لأحد!


تخمة المواعظ والحثّ على الذّكر وفعل الخير

لسنا هنا بصدد الصدّ عن ذكر الله أو منع الحث على الخير والتحذير من الشّرّ أو ما يعرف تحت العنوان الكبير ب"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ولكننا بصدد التحذير من أمرين مهمين أولهما أن الإكثار من الوعظ والهجوم به بكثافة عالية قد تفقده معناه وتأتي بنتائج عكسية، فكثير الكلام وإن كان مفيدا ينسي بعضه بعضا ويصيب المتلقي بالملل والسآمة أو الإحباط!
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو الذي لا ينطق عن الهوى، وهو الذي أتاه الله جوامع الكلم، وهو الذي ينتظر منه صحابته كل أمر أو نهي أو توجيه أو إرشاد ليتقبلوه منه بصدور رحبة وسعادة غامرة ـ  يتخوّل أصحابه بالموعظة مخافة السآمة كما روى عنه أصحابه رضي الله عنهم، فكيف بنا نحن البشر العاديين الذين ننطق عن جهل وهوى أحيانا ونخلط الغثّ بالسمين والمفيد بالضار والجهل بالعلم!

وأما الأمر الثاني فهو للأسف قسم كبير بل لعله الأكبر مما يتم ترويجه على مواقع التواصل وعلى البريد الخاص للأصدقاء لا يمكن وصفه بغير الغثاء والسذاجة والسخف أو المكر والدهاء لتشويه الإسلام على أيدي "الحمقى" من بَنِيه، مثل ترويج القصة المشهورة ب"وصية الشيخ أحمد حامل مفاتيح حرم رسول الله" التي  زعم مدلسها أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء "الشيخ أحمد" في منامه فأوصاه وأعلمه بأمور غيبية كثيرة وذكر له أنه سيحصل كذا وكذا وأن من أهمل الوصية أصابه كذا وكذا، ومن نشرها لعدد معين نال كذا ومن نشرها لعدد أكبر نال أكثر من "الكذائين" السابقين! ... أعداد محكمة ومقادير محددة وكلام في غاية  الوثوق!
والغريب أن هذه "الوصية" قد عمرت طويلا حيث كان الحديث عن نشرها ورقيّا قبل وسائل التواصل الإجتماعي المجانية ومازالت إلى اليوم يتناقلها الحمقى والسذج!

خرافات كثيرة تتداول في هذه المواقع تبشر ناشرها بالخير العاجل والآجل وتنذر من تجاهلها بالويل والثبور وتؤكد له أن الشيطان هو من منعه من نشرها وهو من فوت عليه الخير الكثير!
وعُلم  أن هناك مراكز هدفها تشويه الإسلام تؤلف بعض هذه "الإصدارات" وتبثها وسط جموع مغفّلة فتتكفل بنشرها معتقدة أنها تخدم دينها، ثم تتلقاها مراكز أخرى تعمل على التشهير بالإسلام والسخرية منه وتصويره في أشكال كاريكاتورية! ... وصدق من قال "يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه"!
خذ مثلا مقطع الفيديو "لذاك الداعية الشيخ الدكتور" الذي يبرر فيه تحريم قيادة السيارة على النساء مستشهدا بأن المرأة "ناقصة عقل ودين" وأن لها حسب زعمه نصف عقل فإذا قادت سيارتها وخرجت للسوق فقدت نصف عقلها أي نصف النصف فأصبحت بربع عقل فقط قياسا ب"الفحول" أمثاله! ... كم يدفع أعداء الإسلام من أجل حماقة كهذه يقولها أحمق ويتناقلها من هو أحمق منه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!


سخف كثير لا يمكن حصره ولا فائدة في الإطناب وذكر الأمثلة عليه! ... تعابير ممجوجة من قبيل "أستحلفك بأعظم محبوب لديك وهو الله الرحمان الرحيم أن ترسل هذا الدعاء أو الذكر لكل من عندك  حتى لو كنت أنا منهم"... و" أمانة برقبتك ترسلها لكل المضافين عندك"! ... ثم يأتيك مثلا ذكر وارد في السنة الصحيحة ومن أفضل أنواع الذكر لكنه مرفوق بعمليات حسابية ما أنزل الله بها من سلطان من مثل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمان، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" فإنك إذا أرسلتها إلى 30 شخص قالها كل واحد منهم سبعة مرات حصلت على خمسة ملايين ومائتي ألف حسنة (5200000) وإذا أرسلها كل واحد من الثلاثين إلى ثلاثين آخرين قالوها فزت بأربع مليارات وست مائة وثمانين مليون حسنة (4680000000)!! ... فما هذا يا عباد الله؟؟

ومن أمثلة المواعظ المخلوط فيها الدين بالسياسة خلطا مذموما ما حدث خلال شهر رمضان من تداول نشطاء الفايسبوك لمقطع فيديو فيه رجال شرطة من باكستان يضربون شبابا بالهراوات في الشارع العام قيل لأنهم مفطرون في رمضان! ... والمروّجون لهذا الفيديو  يرفقونه بتعليق منهم "هذه عقوبة مفطر رمضان في باكستان متى نرى مثل ذلك في بلادنا"! ... ورحم الله الشيخ محمد الغزالي فكأنه خاطب هؤلاء حين قال "الإكراه  على الفضيلة لا يصنع الإنسان الفاضل كما أن الإكراه على الإيمان لا يصنع الإنسان المؤمن "! (من كتاب خلق المسلم)

من أراد أن "يجاهد" بنشر المواعظ وغيرها مما هو مقتنع به سواء كان غثا أم سمينا أن يكتفي بعرض بضاعته في صفحته الخاصة ويترك حرية الاختيار لأصدقائه أن يقبلوا عليها أو يعرضوا عنها ويجنّب نفسه وأصدقاءه الإحراج!
وننوه مجددا أن كثيرا من هذه المواد جيّدة ويحسن الإقبال عليها أو النهل منها كل حسب طاقته أو حاجته ولكن هذا الأسلوب ـ الذي أصبح يمثل شكلا من أشكال الإكراه وإغراق البريد الخاص الذي جعل أساسا لتبادل الرسائل ذات القيمة الخاصة بين الأصدقاء وجعل لقضاء الحاجات وتيسير التواصل السريع بين الناس ـ قد أضرّ بالدعوة من حيث زعم أنه ينشرها وأضر بالتواصل من حيث اعتقد أنه يقوّيه!
فإنه يعز على النفس أن يرى الواحد منا رسالة من صديقه المقرب فلا يستطيع فتحها أو لا يردّ التحية بمثلها ويعز أكثر حين يتصل صديق لائما لأنه طلب خدمة من صديقه عبر رسالة في بريده الخاص غمرتها رسائل أخرى فلم يرها!!

التحذير من الفيروسات
ينضاف إلى الفقرتين السابقتين التحذير من حساب فلان أو علان لأنه فيروس أو "هاكر" إن قبلته دمّر صفحتك واخترق حسابك وتتناقل هذه الرسائل وتنشر لكل الأصدقاء دون علم أو بينة أو رأي أهل الإختصاص وقد تكون الرسائل التي تحذر هي ذاتها رسائل مشفرة أو فيروسات!!

وصدق الله العظيم الذي "يوتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذّكر إلاّ أولواْ الألباب" 269 البقرة

ومن لا ينشر هذا المقال فلا يلومنّ إلا نفسه وقد أعذرمن أنذر!!


طــه البعزاوي
23 سبتمبر 2017

مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.