.

.

لقد فات القطــــــــــــــار..

بتاريخ : 2020-06-24 الساعة : 03:16:49

اسم الكاتب : نصرالدين السويلمي     التصنيف : ورقات ثقافية     عدد القراء : 667




 مقالات أُخرى للكاتب - نصرالدين السويلمي
في عقده الثامن وقد أثخنته المعارك.. غدا يلتقي جيش سجاح!
الأسود تخوض المعارك أولا..
الدكتـــــامــقراطيّــة
هل ينجحون في الإطاحة بالغنّوشي؟
بلاش 30 يونيو يــــــــــــــــــــــا غجـر..!
العرس تبوزْ..!
الانقـــــــــــــــــــلاب يطبخ على نار دستوريّة..!
الرئيس يعلن الحرب على المؤسسة التشريعيّة .!
لقد غفّصوا يا إليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــاس..
مبارك للأمّة الإسلاميّة .. العاقبة للقدّس الشّريف بإذن الله

المزيد من المقالات

 لقد فات القطــــــــــــــار..

أخي الأكبر هو ليس الأكبر جدا.. بيننا 11 شهرا فقط، لكن عُرف القبيلة أو لنقل شروط الريف لا تهتم بمساحة السبق الزمني التي تمتد من يوم الى سنوات.. ولربما حُسم الأمر في ساعات.. من تمرد على البطن اولا، فهو الأكبر وله امتياز وتكاليف الأكبر..
دخلت مع أخي سوق العمل بشكل مبكر جدا جدا، اعتقد كنت في سن الخامسة وكان في سن السادسة حين انتقلنا من المشاغل التفصيلية، دوّر السعي.. ڨيد لبهيم.. اعطي عشاء الكلاب.. دخل الدجاج.. برّا للفيلاج جيب الڨاز... في ذلك العمر المبكر شرعنا في العمل المضني، بدأنا مشوار السرحة الشاق! الشاق جدا! أصبحنا رعاة في سن الطفولة الطفوليّة.. في البداية لم يكن من السهل علينا التحكم في 60 إلى 70 شاة.. كان علينا أن نستوعب بسرعة سلسلة من الإجراءات الحتمية في السرحة، أو لنقل هي من أركان الدومان..
حل عينيك على: زيتون الناس.. زرع الناس.. هندي الناس! الذيب.. السرقة.. تلك المعالم الكبرى التي يجب على الراعي أن يتقنها حتى يتسنى له التحول من مساعد إلى راعي أغنام.. بعض المعطيات الاخرى الموسمية، مثل الماء والشعير! على الراعي أن يحذر من هذه الثنائية القاتلة، وهي احد اكبر مصادر الفواجع! أي نعم الفواجع!! تي يفنى العالم وما تموتش ليك نعجة حاط فيها دم ڨلبك.. خلي عاد كي ما تلحڨاش بالموس وتمشي جيفة!!!
أعتقد أن الرعاة في مناطق الوسط والجنوب التونسي سيبقى الجدّب أكبر هواجسهم، سيظل هذا الكابوس يلاحقنا الى وقت متأخر من اعمارنا، لقد لسع الذاكرة ففتحت له مكرهة فاستوطن الى الابد.. نحن نكره الجدب كما نكره ابليس، لانه في غياب المرعى وانقراض الأعشاب بأنواعها، يتضاعف مجهود الراعي لمرات كما يتضاعف عذاب اللهث خلف شياه تبحث عن أسباب الحياة فلا تجدها فيما نبحث نحن عن طعم الحياة فلا نجده.. وتستمر المطاردة ويستمر الجفاف... حتى إذا تكاثرت السحب في قلب السماء ولاحت بشائر المطر، غمرنا الفرح بشكل لا يصدق ولا نقوى على وصفه اليوم! أما نحن الاطفال فنفرح لان المطر يعني العشب، ولان العشب يعني استقرار الأغنام فوق رقعة لزمن نتمكن معه من الانتباه الى طفولتنا ، أما الوالد والوالدة والجد فيفرحون من أجل البكمة، التي لا الأرض اسعفتها بما يسكّن بطونها ولا محفظة نقود الوالد مكنتها من بعض العلفة...
في سن الخامسة من عمري قال لي ولنا الوالد إذا أردنا أن نرحل الى القصرين يجب علينا ان نعتني بالشياه لتتوالد، وهكذا كل سنة نبيع ما كتب الله ونبني قليلا الى ان ننهي المنزل ثم نرحل، وشرعنا في مشوار الاجتهاد الطوييييييييل، كنا نترقب اليوم الذي نلعب فيه ونشاهد فيه التلفاز وننام فيه الى الساعة التاسعة صباحا وربما العاشرة ولا نستيقظ فيه على الساعة الثالثة والرابعة فجرا.. المهم عملنا بجد.. شكارة سيمان على بار حديد على فياج ڨريفاي على فياج رملة على العرص على الڨدوارة...هُوب... سنة جدباء، لا نبيع فيها ولا نشتري، تتوقف المرمة، وتُسرق المدريات ويُسرق حتى برلميل الماء المثقوب إذْ لا حديث عن التَيّو وسطل البغلي... وتذبل المرمّة وتميل الى الافول، حتى إذا أتى العام اللاحق وناب ربي، دبت فيها الحياة من جديد....
الحمد لله أخيرا تنفسنا الصعداء، ناقصين شبابيك ما عنّاش سبّالة مشنا مليقين.. اما عنا دار.. ما عناش تلفزة! تو نمشوا لدار الجيران تتكدس الحومة الكل في دار التلفزة.. أخيرا جاء الدركتور ورحلنا بعد أن بقينا تقريبا لوحدنا في بر الڨارة... ونحن نعتلي الريموركة، والفرحة تؤزنا، كلما مر علينا احدهم تمعنت فيه! هل تراه يعلم اننا بصدد الرحيل؟ زعمة في بالوا الي نحن ماشين باش نسكنوا في القصرين؟ قراب للماء والضو والتيران .. القصرين فيها بارشا اطفال وفيها بارشا تلافز والتلافز فيها بارشا صور متحركة!!!! صور متحركة.. طفولة..!.. وانا اعتلي شكارة الصوف فوق الريموركة، فرت من عيني دمعة حارة ومثقلة بالألم! لقد تفطنت الى أنني على مشارف 14 سنة، وان الطفولة الآن تنفذ آخر انسحاباتها وان الجسد الآن بصدد الإشراف على عملية تسلم واستلام مزعجة، بين الطفولة والمراهقة... يا الله لقد اشتغلت منذ السنة الخامسة من عمري واجتهدت لأدرك بعض طفولتي في المدينة، لكنه يا انا! يبدو أنّه قد فاتنا القطــــــــــــــــــــــــــــار.
نصرالدين السويلمي

مصدر الخبر : الفايسبوك
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.