.

.

سنظل نرويها لآخر رمق!

بتاريخ : 2021-01-05 الساعة : 15:14:59

اسم الكاتب : طه البعزاوي     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 3485




في مثل هذه الأيام من سنة 2011 كانت ثورتنا تخط طريقها وخريطتها تتسع لتغطي كل تراب الوطن، فبصمود أبطال سيدي بوزيد في مواجهة القمع أصبحت مدينتهم من أشهر مدن العالم العربي إن لم يكن العالم بأسره بما يتناقل عنها من أخبار،  وتمددت الإحتجاجات لتشمل كامل تراب الوطن، وأصبح ظاهرا للعيان أن شعبنا انتقل من الاحتجاج والتظاهر إلى ثورة هدفها واضح وهو إسقاط الاستبداد.

التونسيون بالخارج ـ خاصة المهجرين منهم في بداية الأمر ـ أدّوا دورا مهما في مؤازرة ثورة الداخل فكانت التغطية الإعلامية عبر عديد المواقع وكانت التحركات الميدانية تحرج "النظام" وتقض مضجه، مما جعل الخطابات الرسمية لنظام بن عليّ وأبواقه الإعلامية تركز على" الذين باعوا ضمائرهم وارتهنوا للخارج ضد بلدهم" ذلك أن كسر الطوق الإعلامي قد تم أساسا عبر الخارج. فكانت "كلمة" و"تونس نيوز" و"الحوار نت" و"الفجرنيوز" و"السبيل أون لاين" و"نواة"  وغيرها تنقل الأخبار والمقالات والتحاليل المساندة لثورة الشعب في الداخل والمؤازرة له.


ومما أذكره في أحد الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر 2010 أن مجموعة من المهجرين  يتظاهرون أمام القنصلية العامة ببون،  حضرت هناك للمشاركة وللتغطية الإعلامية لراديو "كلمة"، وكان الأخوان نصر الدين السويلمي ومحمد العش يرفعان عدة شعارات من بينها "ألفين واحداش! ... ألفين واحداش ... بن علي ما ثماش"!
ولعل كثير منا أو حتى من جماعة "بن عليّ" في القنصلية قد ضحكوا وسخروا، ذلك أنه لا يفصلنا غير يومين أو ثلاثة على دخول سنة 2011 ... ولكن جعله ربّي حقا! ... وبعدها بأيام كنا في بهو القنصلية مرحب بنا نستخرج جوازات السفر لمعانقة الوطن بعد عشرين سنة من التهجير القسري! ... ولله الحمد!
سقط الطغيان وتصدرت أخبار ثورتنا المشهد السياسي العالمي وارتفع منسوب الأشواق والأمال، وتواجه الفريقان على ظهر سفينة الثورة فريق أحبائها يدفع بها في اتجاه اليابسة ويَحْذَرُ أن تتحطم أو تُخرق فتَغرق، وقراصنة يريدون افتكاكها أو إغراقها! ... لم يفلحوا فلم  تفتك السفينة ولم تغرق وإن تعرضت لبعض الأعطال والأعطاب!

وإن  لم يستطع بحارة السفينة وربانها البلوغ بها آمنة إلى أفضل الموانئ فإنه يحسب لهم محافظتهم عليها من الغرق أو السلب، وتبقى إمكانية إبحارها إلى موانئ أفضل أمرا ممكنا بإرادة ركابها وبحارتها.

كثيرة هي الحقول الممغنطة والمُخذّلة التي نصبها القراصنة وأعداء الحرية كي يشوشوا على اتجاه بوصلة أنصار الثورة فيقنعوهم بأن مركبهم يغرق ولا نجاة لهم بعد الآن على ظهره!

لقد حلمنا بدولة لا قيد فيها ولا إرهاب ولا استخفاف بالإنسان، دولة ينعم فيها جميع شعبها بحرية مسؤولة وكرامة مصانة وحق في اختيار الحكام وعزلهم بأساليب ديمقراطية نزيهة وشفافة، دولة توزع فيها الثروة بعدل، وأهم من توزيعها إيجادها بالعمل الجاد ومقاومة البطالة والكسل والتواكل والفساد والانتهازية، والقطع مع سياسة "رزق البيليك"!


تحقق بعض أحلامنا وهو الأساس لتحقق ما بعده! ... ولذلك وجب إبراز ما تحقق والإشادة به ونشر الأمل وتحريض الهمم لتحقيق ما تبقى وزيادة!
قد تكون عشر سنوات من عمر الشباب والأفراد جزء مهما من أعمارهم، فإذا انقضت في  المعاناة أو انتظار الفرج فإنها تبدو طويلة ثقيلة، ولكن عشر سنوات  في عمر  الشعوب والدول والثورات عمر قصير، لذلك وجب أن نتفاءل، ولا نيأس، بل "نؤسس ونبني" فيسكن أبناؤنا ونغرس الأشجار فيجنون الثمار!

يحضرني هنا مشهد من غزوة أحد وبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شعر بالخذلان وهمّ بإلقاء السلاح لانتشار خبر قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وقد اسودت الدنيا في أعينهم فما حياتهم بعد قتل حبيبهم وقائدهم صلى الله عليه وسلم، وإذا بصحابي آخر يصرخ فيهم "إن كان رسول الله قد قتل فقوموا نمت على ما مات عليه،  فماحياتنا بعده"!

بهذه الروح يجب أن نتعامل مع ثورة شعبنا إن كانت جذوتها حية فيجب أن ننفخ فيها حتى تلتهب وتحرق بقايا الفساد والاستبداد! ... وإن كانت جذوتها قد انطفأت ـ لا قدر الله ـ فما قيمة حياتنا في الذل والهوان؟ ... أولى أن نبذل ما تبقى منها في ثورة تقتلع جذور أعداء الحرية وأذناب عرّابي الثورات المضادة!

وقد وجب على أبناء الثورة الذين كانوا محركها وقودها وعلى كل من حررته الثورة ويرى أن "تونس بعد الثورة خير" رغم انتشار مظاهر كثيرة لم يكن الإعلام ليبرزها زمن الاستبداد أن يهبوا مجددا لميادين الثورة تبشيرا بالمنجز وحثا على إنجاز ما تبقى ومقاومة الأنانية والأنا والفساد والخيانة.

فوضع "بيض" الثورة كله في سلة "الصندوق" وما يفرزه من ساسة وأصحاب كراسي دون متابعة ومحاسبة أو دعم يشبه تعامل بني إسرائيل مع موسى  "اذهب أن وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون".

نعم ثار شعبنا وتحقق كثير من الأحلام كنا نراها بعيدة المنال، فلما أصبحنا ننعم بها ما عاد بعضنا يقدرها حق قدرها، ولكن بقي كثيرمما وجب انجازه دون تقاعس أو تراخي.
 من لا يرى الجزء الملآن من الكأس - ولم أقل النصف - سيظل دائما سابحا في الفراغ ومبشرا به، لا يرى ما أنجز ولا يعين على ما وجب إنجازه.

الثورات لا تنجح بالتواكل ولا بالأنانية وإنما بالبذل والعطاء والتبشير بأن القادم أفضل!

هذا وعد الله لمن آمن وعمل صالحا وسعى للتغيير الحسن!

كل عام وتونس بخير! ... وسنظل نرويها لآخر رمق!

طه البعزاوي

5 جانفي 2021



مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.