.

.

وقفة مع الأدب والسياسة

بتاريخ : 2021-01-18 الساعة : 09:40:15

اسم الكاتب : طه البعزاوي     التصنيف : مقالات وآراء     عدد القراء : 4422




 حوار مع الأديب عبد الحفيظ الخميري

صديقي المشاكس عبد الحفيظ الخميري،
تحية إليك مني وقد خصصتني بنصّك الذي جعلته في "أدب السياسة وتدبير شؤون الناس" وقد علمتَ يا صاحبي أن أحلى الأدب وأمتعه ذاك الذي يَكتُبُ صاحبه وليس عكسه ففيه تَسكبُ الروح ماءها  وتشفّ النفس وتتعرّى رغم حيائها فتنساب الكلمات عذبة تطرب السمع وتغذي البصر، وهو ما تعانقه أرواحنا عادة في نصوصك، فالأرواح جنود مجندة ما تقارب منها إئتلف وما تناكر منها اختلف، ونصوصك صدق واندفاع وعواطف جياشة منذ عرفتك مقارعا للاستبداد منافحا عن رأيك في "تونس نيوز" و"الحوارنت" وغيرها من المواقع التي أسسناها نناوش بها عدوّنا ونراغمه بما أوتيح لنا، أو كما عرفتك كاتبا روائيا يعيش رواياته بذاته وشخصياته ويخلط سيرته بسيرة أبطاله ويرسم لوحات بهية بنصوصه التي تحكينا وتصورنا وتناجينا وتنقدنا وتعرينا وتبرز أجمل أو أقبح ما فينا. فنحن "أسير" و"فارس"، و"حليمة" و"ليلى"، و"سارة" و"أمينة" و"الصادق الأسد" منّا وكذلك "علالة الواطي"! ... وهذا في صلب موضوعنا لو عرفت!

نصّي هذا ليس من النوع الذي يكتب صاحبه وإنما هو تفاعل أو ردّ تحية يا صديقي "اللّدود" فقد "تآمرت" بليل ودبّجت الكلام والناس نيام و"أغرت" علينا في زعمك "إغارة وطنية" ترد بها ما افترضت لنا من "لوثة حزبية"! وإنه لمكر مستحدث في طبعك، بعد أن عاشرت في غفلة منا الماكرين فأصبحت منهم! صنعتني في نصك   "خصما" على هواك وأصبغت عليّ من الصفات ما يكثر الشامتين فيّ بضربها، وما يجعلك الفارس المقدام والبطل الهمام  إن ظفرت بنصر في المناظرة ... وقد خلطت جدّا بهزل وتعمّدت أن تصورني مخالفا لك فيما نحن فيه متفقان من مساحات واسعة وزدت فحشرتني في زوايا تعلم أنني لست منها قريبا!
 
أيها الذئب الفريد والأديب الشريد، سأستجيب لدعواك وأضع نفسي حيث وضعني هواك "فالكريم إذا دعي لطعنة أجاب" وسأقف منتصبا لطعنك وضربك فما كان لذئب شريد أن  يخيفني وهو يعلم أن الذئاب القاصية تقع بين مخالب النسور الكاسرة! أو تكون فراؤها زينة في القصور الفارهة!

وعلى ذلك سأجمع لك في كلامي بين جدّ وهزل وعلى جمهورك أن يميز بين هذا وذاك دون أن يضع هذا موضع ذاك ولا ذاك موضع هذا، فيكون الحال مضرا "كوضع السيف في موضع الندى"!

وأبدأ يا صاحبي بمقدمة نصّك الجميل وخاتمته ثم أعرج على متنه وقد اضطرني سياقك لتقييد ما أطلقت وتفصيل ما أجملت لنكون في المناجزة على بينة.
وقد سبق منك العلم أن صاحبك هذا لم يقاتل يوما عن راية حزبية، وإنما كانت بوصلة نباله تؤشر فقط لجهة الاستبداد الذي خنقنا جميعا ونكّل بأهالينا وإخواننا. من وقف في تلك الجهة نطحته كائنا من كان ومن كان ينبل في نفس الاتجاه لم يلق منّا إلا خيرا وسندا كائنا من كان! وهذا كلام عليه دليل وبرهان.

ولأنك عدت بالذكر "لساحات" "تونس نيوز" و"الحوار نت" فقد كنتَ حينها تضرب بسهامك في اتجاهين، وما تزال على حالك و"ضلالك" القديم! ولم تفرّق كثيرا بين أخ لك ظلمك أو أنت منه غاضب وبين عدو  يتربّص بك وبأخيك، يبدأ به ثمّ ينهيك!


 وهنا مدار الخلاف معك يا صاحبي، ومع ذلك لم أرفع درعا لصد سهامك "الصديقة" التي وجهتها للنهضة في المهجر وزعيمها؟ ولم أتعرض إلى نصوصك تلك يوما بردّ أو تعليق.

ما كان يعنيني منك أيها "الذئب الفريد" ما أشترك فيه معك من قصف الطغيان وأما غضبك من رفاقك وإخوانك فلم أكن طرفا فيه "ولا ناقة لي فيه ولاجمل" ولا أعلم حقه من باطله، وليس له عندي أولوية فالأخ يغضب من أخيه  ولكنه يبقى أخوه لا يخونه ولا يخذله ولا يسلمه!

أعلم من جعلني في ذهنك وذهن آخرين من "صقور الحزب أو التنظيم"، إنهم جماعة البيان الشهير ـ ذكرهم الله بخيرـ ولكني رغم اختلافي الشديد معهم كنت مدافعا عن أعراضهم، ناقدا توجههم وخيارهم فيما ذهبوا إليه من خلاص فردي ومن سبّ لإخوانهم وتبرئة لبن عليّ من كل جرائمه وتحميلها لرفاقهم! فلم يكن يعنيني أحدا استقال من حركة أو تنظيم دون شوشرة ولكن نشر استقالات حرّرتها مخابرات بن عليّ  لم أكن أرضاه لهم ولنا جميعا.


حتى أن أحد الكتّاب من أصدقائنا المتابعين لسجالنا قابلني في مؤتمر "العودة" بجينيف مادحا "لنصوصي الجميلة" حسب رأيه ومعبرا عن استيائه من نص أو نصين معتقدا أني كتبتهما بإملاء  تنظيمي للنّيل من "عدوّنهضة المهجر"، ولما سألته أي نصوص يقصد تبيّن أن صديقنا يقصد نصوصا لم أكتبها، فقط تشابهت عنده وعند بعض أصحابه الأسماء! ... ومع ذلك مازال هو الآخر يضعني في الزاوية التي تضعني فيها.... ومرحبا بذلك منكما!

وأما دفاعي عن النهضة وقياداتها ومساجينها ضدّ ما تعرضت له من قهر واستبداد وتنكيل في تلك الفترة فذلك أمر يشرفني ويشرفك ويشرف كل شريف، ومازلت على هذا النهج ما دمت أرى أن الأحلاف تتجمع ضدّها باطلا، وما دمت أرى الأمر تنافيا إديولوجيا أعمى وليس خلافا سياسيا،  ومادام لون دمائنا ودمائهم مختلفا في زعمهم وكذلك شهور تقويمنا وتأريخنا.... مع التنويه أنه "ما يحس الجمرة كان إلي يعفس عليها" وليست النائحة الثكلى كالمستعارة! ... ولتعديل البوصلة أحيلك على مقال كتبته بعنوان (أردت المعارضة فمنعوني 3 أكتوبر 2012).

أديبي الشريد  وذئبي الفريد،
لقد حبرتَ ما حبّرت ثم ختمت نصك الجميل مبناه المضطرب أحيانا معناه لضرورة السجع وتوليد المعاني، باتهام  غريب: "دون أن يغلبك هوى التحزب وتطرف المحب وحب الأعمى، وقد علمت من زمن حبك للجسم ووفاءك للمشروع ودفاعك عن شيخك وتنظيمك"
 وقد سبق أن أعلنت لك إعلانا وأسررت لك إسرارا أني لا أرضى هذه المواضع ومع ذلك  جمعت لي كل هذه "الخصال" لتتألف من حولك الغاضبين و"ثوريي الوقت الضائع".
 وأغلب ما قلتَ ليست هو عندي تهما أدفعها ولكنها شرف أتبناه ولا أدعيه!
 وما رأيتك يوما تنكر حبك للجسم  أو وفاءك للمشروع، وإن كنتُ رأيتك سليطا على الشيخ والتنظيم، وفي ذلك أراك كثيرا ما تحيد عن العدل والإنصاف، فالأمر إذا بلغ حده انقلب إلى ضده. ولعلك أخذت بعض إخوانك بجريمة نفر أخرين رأيت أنهم أساؤوا إليك، وفعلت ما فعل الذئب الذي يفترس حملا لأن أخا له قد كدّر ماءه! ... "ولا يقضي القاضي وهو غضبان"!

كنتُ يا صاحبي ومازلتُ حرّا، لم أكتب يوما لإرضاء زيد أو عمر  وقد نقدت هذا وذاك مدافعا عن قناعاتي التي يتوافق بعضها أو جلها مع الخط السياسي للنهضة منذ كانت في المهجر إلي يومنا هذا وما لم أتفق معه نقدته على بينة. دون أن أكون كثير اهتمام "بالبرمة" الداخية وتشابك "الكرعين" فيها.  وأما التنظيم فكنت منه حين كان البقاء فيه يعني رجولة وبذلا وتضحية ووقوفا في موطئ بغيظ الطغيان. وكنت في الآن ذاته أنقده من الداخل، ولو أسهبت في ذكر هذا لأطلت! ولمّا لم يعد للبقاء فيه معنى المقاومة تركته منذ عدة سنوات بقطع النظر عن سلامة موقفي من عدمه، ودون إعلان أو إشهار أو سبق "فايسبوكي"!
ولعلي أعلم أنك لا تختلف مع من عبّر عن ندمه حين غادر التنظيم بسبب خلافه مع أفراد!

 ومن طريف المواقف أن أحد أصدقائنا الغاضبين الآن من التنظيم والناقدين له بحدة كان يُصنف من صقور التنظيم وجوارحه،  وكنتُ أمازحه بأنني لا أحبّ التنظيم وقوالبه الجافة فيرد عليّ ساخرا "ما دمت لا تحبّ التنظيم فأنت تحب الفوضى"! ... والآن صاحبي فوضوي على أصوله!

وأما ما ورد في متن نصك وما دبجته من كلام أدبي عذب ومررت فيه رسائل سياسية استشهدت لها من السيرة فأرى حالك يا صاحبي كما قال التوحيدي "بتصرف" لم تفقه السيرة فتأصل وفقها مواقفك السياسية ولم تلمّ بأدب السياسة المبثوث في كليلة ودمنة وغيرها وبقيت مراوحا بينهما! أو لعلك في أدب السياسة كالسامِع الذي هو أقل فقها من المبَلّغ! ... فلا أنت يا صاحبي استفدت من رسائل السياسة في صلح الحديبة الذي ذكرت، حيث كان قائد "المشروع" يومها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والوحي يتنزل عليه ومع ذلك غضب صحابة كبار ورأوا أنهم بذلك الصلح يعطون الدنية في دينهم، لأن دينهم حق والله وعدهم  بنصره، ورسول الله قد أخبرهم أنهم سيأتون البيت ويطوفون به، لكنهم يؤمرون بالتحلل من إحرامهم والعودة إلى المدينة دون طواف وهم على مشارف مكة والكعبة. والفاروق يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم "ألسنا على الحق وهم على باطل؟ فيجيبه أن بلى، ويستمر في حواره حتى يجيبه رسول الله :"إني رسول الله ولست أعصيه وإنه ناصري ولن يضيعني أبدا" ولكن ذلك لا يرضي عمر فيذهب  متذمرا لأبي بكر فيجيبه "إنه رسول الله يا عمر فاستمسك بغرزه حتى تموت فوالله إنه لعلى حق"! ورسول الله يقول لزوجته أمّ سلمة "يوشك أن يهلك الناس" لأنهم رفضوا أن يتحللوا ويعودوا! .... ولاحظ معي أن الفتنة حصلت رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين أنه يفعل ذلك انطلاقا من كونه نبيّ "إني رسول الله ولست أعصيه" وليس انطلاقا من كونه قائدا كما في اختيار منزل الجند ببدر الذي غيّره لرأي صحابي رأى أن الحرب والمكيدة تقتضي تغييره!


 تخيل معي يا عبد الحفيظ ـ حفظك  الله ـ لو أننا كنّا هناك ولم نعلم بعد أن ذلك الصلح فتح مبين كما سماه ربّ العالمين في محكم التنزيل بعد إتمام بنوده! ... والأهم في هذا المشهد "السياسي" أن نتخيل ماذا  لو لم يكن القائد نبيّا إلى ما كان الخلاف يصل بين المعتمرين المتحرقين للطواف بالبيت ومعانقة مراتع الصبا؟

 إنما ضربت لك هذا المثل ـ  هداني الله وإياك ـ لأبين أن السياسة في أغلب أحوالها عند المحن فتنة وأن رضاء جميع الناس أو أغلبهم على أمر أو قرار واحد غاية لا تدرك! وأن السياسي الحصيف لا يتخذ موقفا إلا واحتمل أن يكون الصواب في خلافه حتى يأتي الإعذار والتسامح!

وليتك يا صاحبي عرجت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستشير السعدين زعيمي الأنصار أن يعطي ثلث ثمار المدينة لغطفان ليخذّل الأحزاب من حول المدينة فيعودوا! ... أو أشرت لنعيم بن مسعود وهو يندس في صفوف الأحزاب فيضرب بعضها ببعض بمباركة النبي "خذل عنا ماستطعت"! وليتك كذلك عرجت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتألف المسلمين الجدد بغنائم حنين ويَكِل قدماءهم وكبارهم إلى إيمانهم، فيعود حديثي الإيمان بالشاة والبعير  ويعود الذين آووا ونصروا برسول الله في ركابهم!

كما وددت لو أنك غصت في أدب كليلة ودمنة وقرأت منه خصوصا باب الجرذ والسنور وبيدبا يضرب لدبشليم الملك "مثل رجل كثر أعداؤه وأحدقوا به من كل جانب فأشرف معهم على الهلاك فالتمس النجاة والمخرج بموالاة بعض أعدائه ومصالحته... فالمودة والعداوة لا تثبتان على حال أبدا وربما حالت المودة إلى عداوة وصارت العداوة ولاية وصداقة"!

يا صاحبي إن لنا في قصص الأولين عبرة وحتى الأقربين والعاقل من اتعظ بغيره، هل تذكر "حملة اكبس" و"حملة أعمل كيف مرسي وإلا سيب الكرسي"؟ ... أين مرسي رحمه الله وكتبه عنده في الشهداء الأبرار؟

للبيت رب يحميه، ولتونس رب يحميها ويسخر من خلقه لذلك من يشاء! وللنهضة رجال اقتنعوا بها يذودون عنها، وربّ يحميها أو يستبدلها!
ليست الأحزاب والتنظيمات مقدسة ولكنها وسائل ووسائط إن أحسنت لقيت القبول والترحاب وإن أساءت تذهب ويأتي غيرها وكذلك الأشخاص والزعماء فمن لم يذهب اليوم سيذهب لامحالة غدا والبقاء لله وحده!

وأما حديثك  يا عبد الحفيظ عن "الاستقالة" فأراك جعلت منها أمرا مصيريا وهي عندي خلاف ذلك، وقد قارنت ما لا يقارن زمانا ومكانا وأشخاصا وأوضاعا! وحشرت سوار الذهب رحمه الله  ومانديلا وهما في سياق مختلف وكل منهما أدى دورا يذكره له التاريخ بخير! ... كما سيحكم التاريخ للغنوشي أو عليه! فكثير من التقييمات عن الأفراد لا تنضج ولا تكتمل إلا بعد رحيلهم.


تعلم أنني لم أكن مع تولي الغنوشي أي منصب سياسيّ وقد كتبت ذلك ودونته بالحجّة والبرهان في رسائل مفتوحة له ـ ما لقي عند كثير من المتابعين حسنا ـ  رغم أني لا أنكر عليه حقه، ولكني نقدته لأنه تراجع عن أمر قطعه على نفسه وذلك ما منه ننقم.
كما أني لست مع استمراره على رئاسة الحركة وتغيير القانون الداخلي لأجله فذلك من وجهة نظري طريق صناعة الزّعيم المستبد، ومع ذلك أحترم وجهات النظر الأخرى ولا يعنيني الأمر كثيرا!


ولكن والحال أنه تولّى رئاسة البرلمان لأنه صاحب الكتلة الأكبر، فقد شهد له خصومه قبل مواليه أنه يحسن إدارة المفاوضات قبل دخوله البرلمان وبعده،  وجلّ معاركه التي دخلها في هذا المغمار كسبها مباشرة أو بعد حين! ... أنا لا يعنيني كثيرا أن يستمر أو يستقيل ولكن تقييمي أن استقالته في هذا الظرف تساوي بالضبط إقالته أوسحب الثقة منه وكلاهما يسيؤنا إن لم يكن لشخصه وتاريخه فللحركة التي حوتنا في داخلها أو في أطرافها، وبما أن الأمر كذلك فله أن يلعب ما يراه من أوراق وأن يناور ويحاور وذلك هو مدار السياسة ولبّها خاصّة في الأنظمة البرلمانية.

أخي،  مطلوب منّا العدل والنزاهة حتى مع من نخالف أو من ظلمنا، فنقول للمحسن فيما أحسن "أحسنت" وللمسيئ فيما أساء "أسأت" ولا نعمم إحسانا أو إساءة وهذا من صلب "أدب السياسة" ومن صميم الدين! ... فإذا أردنا أن نقيّم دور الغنوشي منذ عاد إلى تونس أرى أنه لا أحد غيره يقدم خطابا متوازنا بعيدا عن التشنج والتنافر، يركز على المشترك الوطني ويتكلم بلغة المسؤول المؤسس والمنظر للديقراطية والتعايش في وطن يسع الجميع! ... لم ينقد أحدا من الفاعلين السياسين، يحاول أن يحفظ الأقدار والودّ، ويبقي خط الرجعة والتواصل مع كل الرموز الوطنية مفتوحا. ويقدم التننازلات الحزبية الموجعة من أجل المصلحة العامة للمسار ولتطبيع العلاقة بين كل مكونات مجتمعنا بعيدا عن حرب التنافي والتباغض.
خطابه قبل أن يتولى رئاسة البرلمان وبعده يحترم مؤسسات الدولة، يبشر بأن القادم أفضل، يفتح الآمال والآفاق، يقاوم اليأس والإحباط، ولا يقرّ بأن الثورة قد وئدت، بل يرى أن تونس تخطوا في اتجاه صحيح رغم البطء والتعثر. ولا أحب أن أقارن خطابه بخطاب عدميّ "لرئيس آخر" لم نر منه غير التشاؤم والحديث عن المؤامرات وعما يفرق ولا يجمع، مكتفيا بالتقعّر في اللغة "كتقعر هندي تعلم العربية وفرح بلسانه الجديد" وهو وصف استعرته من صديقنا الشيخ الهادي بريك.

قبل بالدخول في الحوار الوطني الأول بمرارة لأنه كان انقلابا ناعما على مخرجات الصندوق مقابل حفظ المسار والتوافق! ... افتعلوا كلمة التوافق لتقزيم دور النهضة في المجلس التأسيسي فلما تبنتها النهضة والغنوشي أصبحت عندهم كلمة بغيضة!... استمات مقابل ذلك في إتمام مشروع الدستور  الذي كان على حافة جرف هار "وانفسّخوا وانعاودوا من الأول" مطيحا بمنطق "جماعة نلعب وإلا انحرّم"!  واستمات في تحديد موعد الانتخابات لأن كل بلد في مسار ديمقراطية ناشئة كلما أنجز انتخابات نزيهة قطع خطوة في الاتجاه الصحيح!
التفّ جماعة "الرز بالفاكية" حول الباجي والنداء من أجل اجتثاث النهضة وإقصائها من المشهد السياسي والوطني، فسحبه  الغنوشي لصفه متحالفا معه لمنع الوقوع في حرب التباغض وانتكاس المسار برمته! وهو أخفّ الضررين وأهون الشّرين ولكن "ثوريي الوقت الضائع" لم يفهموا ذلك ولم يقدروه.
 
وعلى من أراد أن يُقيم الأداء السياسي للغنوشي على الصعيد الوطني وليس على الصعيد الحزبي يعد لمداخلاته ليجد بلا مواربة أن الرجل حريص على نجاح التجربة حريص على التعايش حريص على الاحترام بين كل مكونات مجتمعنا ومؤسساته!

ليس معنى هذا أنه لم يخطئ فمن لا يعمل هو الذي لا يخطئ! ... ومع ذلك أرى أن الغنوشي هو أهم شخصية تونسية حافظت على نبتة الديمقراطية التي ما تزال غضّة فتيّة مهددة بالجفاف والإنجراف!

وكما يقال يا صاحبي "في كل جريمة ابحث عن المستفيد منها لتصل إلى مرتكبها"! كذلك أقول لتقيم أي سياسي ابحث عمن هم خصومه ومن هم أصدقاءه لتعلم أي موقف يقف!
من هم خصوم الغنوشي والنهضة اليوم؟ ...
ـ اليسار المتطرف رغم أنه لم يعاديهم!
ـ جماعة "الله وحد الله وحد بن عليّ ما كيفو حد"!
ـ الخلفان والنهيان والدحلان وبن سلمان والسيسي وحفتر وكل ممولي الرّدات والرّداءات!
ـ جماعة البراميل المتفجرة!
ولذلك أنا لا أتقاطع مع هؤلاء ولن أوجّه نيراني "الصديقة" للنهضة وزعيمها حتى وإن غضبت منهم. هذا هو الميزان وهذه هي البوصلة! التي أريد لك ولغيرك من المنصفين الغيورين على الثورة أن يعتمدوها"! ... لست من جماعة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" ولكني مع تحديد الأولويات وتقدير المآلات واعتماد فقه الموازنات في الدين والسياسة! ... لذلك لن أقف موقفا يغيض إخواني ويسعد أجلاف نهيان المتصهينين! ... وبعد ذلك كل يؤخذ من كلامه ويردّ وينقد وينتقد ويقبل منه ويردّ عليه وينافس سياسيا داخل الحزب وخارجه!
وأما أن يستقيل الغنوشي من رئاسة البرلمان أو لا يستقيل فتلك معركته اختارها وخياره ارتضاه وهو ومن معه على أرض المعركة والواقع أدرى بطرق الالتفاف والتحيز أو المناورة أو "رمي السلاح ورفع الأيادي"!

تعلم يا عزيزي عبد الحفيظ ويعلم من يعرفني، أنني لا أقول هذا الكلام عن الغنوشي رغبا في شيء أو رهبا من شيء! ... وتعلم أني ذكرت لك أنني لم أنتخب الغنوشي في المؤتمر الثامن بالمهجر استجابة لطلبه، ولم أنتخبه في التاسع بعد الثورة حتى لا يكون فوزه عريضا "فيطغى"!
ولست ممن يمد الأعناق ويتطاول على أطراف أصابعه ليُرى، وقد رأيت من كان ينهش لحم الشيخ قبل الثورة، يتدافع بعدها مع من حوله ويلهث من أجل صورة معه، بل قد منعت نفسي حتى من مجرد السّلام عليه، وقد يكون في ذلك تطرف منّي ولكنّي هكذا!

 قدرّ الله الخير لتونس وألهم الفاعلين فيها مراشد أمورهم!
تحياتي! ... دمت وأهلك وأحبابنا جميعا بخير!
والسلام
طه البعزاوي
18 جانفي 2021

 

 

مصدر الخبر : الحـــــو ا ر نــــــــــــــت
 
 
 تعليقات الزوّار

 

 
التعليقات المنشورة لا تعبّر إطلاقا عن موقف الحوار نت  وإنّما عن رأي كاتبها فقط ، ونحن ننشرها إيمانا منّا بحرّية الرّأي وفتحا لنافذة النـّقد البنـّاء وتبادل الآراء. لذلك نرجو منكم التزام الموضوعية تجنّب الإساءات مهما كان نوعها

 

 

احجز اسمك المستعار لتتمكن من استخدامه في التعليقات بشكل شخصي ( عند استخدامك لاسمك المستعار في التعليقات لا يمكن لشخص آخر استخدام هذا الاسم )

الرئيسية | منتدى الحوار | أرسل مقالاً | اتصل بنا | من نحن | الأرشيف | مواقع ذات صلة | أضفنا للمفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية

ما ينشر في شبكة الحوار نت لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الإدارة ولا يلزم إلا كاتبه.